«أَنَّ الْيَهُودَ جَاؤُوا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِرَجُلٍ مِنْهُمْ وَامْرَأَةٍ قَدْ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٥٥٦

الحديث رقم ٤٥٥٦ من كتاب «سورة آل عمران» في صحيح البخاري، تحت باب: باب قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «أن اليهود جاؤوا إلى النبي ﷺ برجل منهم…

«أَنَّ الْيَهُودَ جَاؤُوا إِلَى النَّبِيِّ بِرَجُلٍ مِنْهُمْ وَامْرَأَةٍ قَدْ زَنَيَا، فَقَالَ لَهُمْ: كَيْفَ تَفْعَلُونَ بِمَنْ زَنَى مِنْكُمْ، قَالُوا: نُحَمِّمُهُمَا وَنَضْرِبُهُمَا، فَقَالَ: لَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ الرَّجْمَ، فَقَالُوا: لَا نَجِدُ فِيهَا شَيْئًا، فَقَالَ لَهُمْ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَامٍ: كَذَبْتُمْ، ﴿فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ فَوَضَعَ مِدْرَاسُهَا الَّذِي يُدَرِّسُهَا مِنْهُمْ كَفَّهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ، فَطَفِقَ يَقْرَأُ مَا دُونَ يَدِهِ وَمَا وَرَاءَهَا، وَلَا يَقْرَأُ آيَةَ الرَّجْمِ، فَنَزَعَ يَدَهُ عَنْ آيَةِ الرَّجْمِ فَقَالَ: مَا هَذِهِ؟ فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ قَالُوا: هِيَ آيَةُ الرَّجْمِ، فَأَمَرَ بِهِمَا فَرُجِمَا قَرِيبًا مِنْ حَيْثُ مَوْضَِعُ الْجَنَائِزِ عِنْدَ الْمَسْجِدِ، فَرَأَيْتُ صَاحِبَهَا يَجْنَأُ عَلَيْهَا، يَقِيهَا الْحِجَارَةَ».

﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾

سند حديث: ٤٥٥٦ - حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ…

٤٥٥٦ - حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ : حَدَّثَنَا أَبُو ضَمْرَةَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ :

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «أن اليهود جاؤوا إلى النبي ﷺ برجل منهم…

عندما حصل الزِّنا عند اليَهود بَيْنَ رجل وامرأَة في العهد النبوي جَاءُوا إلى النَّبِي صلى الله عليه وسلم يُرِيدُونَ أَنَّ يَحْكُمَ بَيْنَهُم، لعلّهم يجدون حُكْمَاً أَخَفَّ مِّمَّا فِي التَّوْرَاةِ، وهو الرجم، فَسَأَلَهُم النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عن حُكْمِ الله فِي التَّوْرَاةِ، ليفضحهم لا ليعمل بها، فَكَذَبُوا عليه وقالوا: الحُكْم عندهم فَضْحُ الزَّانِيَيْن. فَكَذَّبَهَم عَبْدُ اللهِ بْنُ سلام رضي الله عنه ، وعندَما فَتَحُوا التَّوْرَاةَ وجَدُوا الحُكْمَ فِيها بِرَجْمِ الزَّانِي الْمُحْصَن فَأَمَرَ بِهما فُرُجِمَا.
وشريعتنا حاكمة على غيرها من الشرائع، وناسخة لها، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث سألهم عن حكم التوراة في الرجم؛ ليقيم عليهم الحجة من كتابهم الذي أنكروا أن يكون فيه رجم المحصن، وليبيِّن لهم أن كتب الله متفقة على هذا الحكم الخالد، الذي فيه ردع المفسدين.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • وجوبُ حدِّ الذمي إذا زنا، وإقامةُ الحدود عليهم فيما يَعْتَقِدُون تَحْرِيمَه.
  • أنَّ الإحْصَانَ لَيْسَ من شَرْطِهِ الإسلام، بل يقام حد الرجم على المتزوج ولو كان كافراً إذا زنى.
  • أنَّ حَدَّ الْمُحْصَن إذا زنا الرَّجْمُ بالْحِجارة حتَّى يموت.
  • أنَّ اليَهُودَ أَهْلُ تَغْييرٍ وَتَبْدِيلٍ لِكِتَابِ اللهِ الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَيْهِم، تَبْعَاً لِأَهْوَائِهِم وأَغْرَاضِهِم.
  • أنَّ الكُفَّارَ مُخَاطَبُونَ بِالْأَحْكَامِ الْفَرْعِيَةِ، ومُعاقَبُونَ عَلَيْها.
  • الحديث دليل للقاعدة الأصولية: أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يثبت نسخه بشرعنا.
  • في الحديث أيضًا منقبة ظاهرة لعبد الله بن سلام -رضي الله عنه-.
  • الحث على إظهار العلم وبيانه وتحريم كتمانه وتوبيخ مبدله ومحرفه والرجوع إلى النصوص وإقامة الدليل على الخصم من قبل نفسه.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «أن اليهود جاؤوا إلى النبي ﷺ برجل منهم…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

(تَنْبِيهٌ): وَقَعَ هُنَا لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ ثُمَامَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: فَجَعَلَهَا لِحَسَّانَ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَأَنَا أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْهُمَا، وَلَمْ يَجْعَلْ لِي مِنْهَا شَيْئًا وَهَذَا طَرَفٌ مِنَ الْحَدِيثِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بِتَمَامِهِ فِي الْوَقْفِ مَعَ شَرْحِهِ، وَأَغْفَلَ الْمِزِّيُّ التَّنْبِيهَ عَلَى هَذَا الطَّرِيقِ هُنَا، وَمِمَّنْ عَمِلَ بِالْآيَةِ ابْنُ عُمَرَ فَرَوَى الْبَزَّارُ مِنْ طَرِيقِهِ أَنَّهُ قَرَأَهَا، قَالَ: فَلَمْ أَجِدْ شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ مَرْجَانَةَ جَارِيَةٌ لِي رُومِيَّةٌ، فَقُلْتُ: هِيَ حُرَّةٌ لِوَجْهِ اللَّهِ، فَلَوْلَا أَنِّي لَا أَعُودُ فِي شَيْءٍ جَعَلْتُهُ لِلَّهِ لَتَزَوَّجْتُهَا.

٦ - بَاب ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾

٤٥٥٦ - حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا أَبُو ضَمْرَةَ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، أَنَّ الْيَهُودَ جَاءُوا إِلَى النَّبِيِّ بِرَجُلٍ مِنْهُمْ وَامْرَأَةٍ قَدْ زَنَيَا، فَقَالَ لَهُمْ: كَيْفَ تَفْعَلُونَ بِمَنْ زَنَى مِنْكُمْ؟ قَالُوا: نُحَمِّمُهُمَا، وَنَضْرِبُهُمَا. فَقَالَ: لَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ الرَّجْمَ؟ فَقَالُوا: لَا نَجِدُ فِيهَا شَيْئًا. فَقَالَ لَهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: كَذَبْتُمْ، فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ. فَوَضَعَ مِدْرَاسُهَا الَّذِي يُدَرِّسُهَا مِنْهُمْ كَفَّهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ، فَطَفِقَ يَقْرَأُ مَا دُونَ يَدِهِ وَمَا وَرَاءَهَا، وَلَا يَقْرَأُ آيَةَ الرَّجْمِ، فَنَزَعَ يَدَهُ عَنْ آيَةِ الرَّجْمِ، فَقَالَ: مَا هَذِهِ؟ فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ، قَالُوا: هِيَ آيَةُ الرَّجْمِ، فَأَمَرَ بِهِمَا فَرُجِمَا قَرِيبًا مِنْ حَيْثُ مَوْضِعُ الْجَنَائِزِ عِنْدَ الْمَسْجِدِ، قال: فَرَأَيْتُ صَاحِبَهَا يجنأ عَلَيْهَا؛ يَقِيهَا الْحِجَارَةَ.

قَوْلُهُ: (بَابُ ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ فِي قِصَّةِ الْيَهُودِيَّيْنِ اللَّذَيْنِ زَنَيَا، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي الْحُدُودِ. وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ: كَيْفَ تَفْعَلُونَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: كَيْفَ تَعْمَلُونَ وَقَوْلُهُ: نُحَمِّمُهُمَا بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ مِيمٍ مُثَقَّلَةٍ، أَيْ: نَسْكُبُ عَلَيْهِمَا الْمَاءَ الْحَمِيمَ، وَقِيلَ: نَجْعَلُ فِي وُجُوهِهِمَا الْحُمَةَ بِمُهْمَلَةِ وَمِيمٍ خَفِيفَةٍ، أَيِ: السَّوَادَ، وَسَيَأْتِي مَا فِي ذَلِكَ عِنْدَ شَرْحِ الْحَدِيثِ. وَقَوْلُهُ: فَوَضَعَ مِدْرَاسَهَا بِكَسْرِ أَوَّلِهِ كَذَا لِلْكُشْمِيهَنِيِّ. وَلِغَيْرِهِ: مُدَارِسَهَا بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَتَقْدِيمِ الْأَلِفِ، بِوَزْنِ الْمُفَاعِلَةِ مِنَ الدِّرَاسَةِ، وَالْأَوَّلُ أَوْجَهُ.

قَوْلُهُ: (فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ قَالُوا) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ بِالْإِفْرَادِ فِيهِمَا.

قَوْلُهُ: (يَجْنَأُ) بِجِيمٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ نُونٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ هَمْزَةٍ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ يَحْنِي بِالْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ النُّونِ بِغَيْرِ هَمْزٍ.

٧ - بَاب ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾

٤٥٥٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مَيْسَرَةَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ قَالَ: خَيْرَ النَّاسِ لِلنَّاسِ، تَأْتُونَ بِهِمْ فِي السَّلَاسِلِ فِي أَعْنَاقِهِمْ حَتَّى يَدخُلُوا فِي الْإِسْلَامِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي تَفْسِيرِهَا غَيْرَ مَرْفُوعٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِرِ الْجِهَادِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مَرْفُوعًا، وَهُوَ يَرُدُّ قَوْلَ مَنْ تَعَقَّبَ الْبُخَارِيَّ فَقَالَ: هَذَا مَوْقُوفٌ لَا مَعْنَى لِإِدْخَالِهِ فِي

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

بإشارة الأطِبَّاء، واحتجَّ به مَنْ جوَّز للنَّبيِّ أن يجتهد، وللمانع أن يقول: ذلك بإذنٍ من الله، فهو كتحريمه ابتداءً، ثم أمر الله تعالى نبيَّه محمَّدًا أن يُحاجَّ اليهود بكتابهم، فقال: ﴿قُلْ﴾ أي: لليهود ﴿فَأْتُواْ بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا﴾ [آل عمران: ٩٣] أي: فاقرؤوها، فإنَّها ناطقةٌ بما قلناه؛ إذ فيها أنَّ يعقوب حرَّم ذلك على نفسه قبل أن تُنزَّل، وأنَّ تحريم ما حُرِّم عليهم حادثٌ بظلمهم، فلم يُحضِروها، فثبت صدقُ النَّبيِّ فيه، وجواز النَّسخ الذي ينكرونه، هذا ما يقتضيه سياق هذه الآية التي أوردها البخاريُّ في هذا الباب، وعليه المفسِّرون.

٤٥٥٦ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ) أبو إسحاق الحزاميُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو ضَمْرَةَ) بفتح الضَّاد المعجَمة وسكون الميم، أنس (١) بن عياضٍ اللَّيثيُّ قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) الإمام في المغازي (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ) سقط لأبي ذرٍّ لفظ «عبد الله» (أَنَّ اليَهُودَ) يهود خيبر (جَاؤُوْا إِلَى النَّبِيِّ ) في ذي القعدة من السَّنة الرَّابعة (بِرَجُلٍ مِنْهُمْ) لم يُسَمَّ (وَامْرَأَةٍ) اسمها: بُسرة (قَدْ زَنَيَا) قال النَّوويُّ: وكانا من أهل العهد (فَقَالَ لَهُمْ) : (كَيْفَ تَفْعَلُونَ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «كيف تعملون» (بِمَنْ زَنَى مِنْكُمْ؟ قَالُوا: نُحَمِّمُهُمَا) بضمِّ النُّون وفتح الحاء المهمَلة وكسر الميم الأولى مشدَّدةً، من التَّحميم؛ يعني: نُسَوِّدُ وجوههما بالحُمَم؛ وهو الفحم (وَنَضْرِبُهُمَا، فَقَالَ) لهم (٢):

(لَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ الرَّجْمَ) على من زنى إذا أحصن؟ (فَقَالُوا: لَا نَجِدُ فِيهَا شَيْئًا) وإنَّما سألهم ليُلزِمهم بما يعتقدونه في كتابهم الموافق لحكم الإسلام؛ إقامةً للحجَّة عليهم، لا لتقليدهم ومعرفة الحكم منهم (فَقَالَ لَهُمْ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَامٍ) : (كَذَبْتُمْ، ﴿فَأْتُواْ بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾) فإنَّ ذلك موجودٌ فيها لم يُغيَّر، واستدلَّ به ابن عبد البرِّ على أنَّ التَّوراة صحيحةٌ بأيديهم، ولولا ذلك؛ ما سألهم رسول الله عنها، ولا دعا بها، وأُجيب بأنَّ سؤاله عنها لا يدلُّ على صحَّة جميع ما فيها، وإنَّما يدلُّ على صحَّة المسؤول عنه منها، وقد علم ذلك بوحيٍ أو إخبار (١) مَن أسلم منهم، فأراد بذلك تبكيتهم، وإقامةَ الحجَّة عليهم في مخالفتهم كتابَهم، وكذبهم عليه، وإخبارهم بما ليس فيه، وإنكارهم ما هو فيه، فَأتَوا بالتَّوراة فنشروها (فَوَضَعَ) عبدُ الله بن صوريا (مِدْرَاسُهَا) بكسر الميم، «مِفْعال» من أبنية المبالغة، أي: صاحب دراسة كتبهم، وكان أعلم من بقي مَن الأحبار بالتَّوراة، وزعم السُّهيليُّ أنَّه أسلم، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «مُدَارِسُها» بضمِّ الميم، على وزن «المفاعلة»، من المُدارَسة، قال في «الفتح»: والأوَّل أوجهُ، وهو (الَّذِي يُدَرِّسُهَا مِنْهُمْ) بضمِّ التَّحتيَّة وفتح الدَّال المهملة وتشديد الرَّاء مكسورةً، وفي نسخةٍ: «يَدْرُسُها» بفتح أوَّله وسكون الدَّال وضمِّ الرَّاء مخفَّفةً (كَفَّهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ، فَطَفِقَ) بكسر الفاء، أي: فجعل (يَقْرَأُ) من التَّوراة (مَا دُونَ يَدِهِ) أي: قبلها (وَمَا وَرَاءَهَا، وَلَا يَقْرَأُ آيَةَ الرَّجْمِ، فَنَزَعَ يَدَهُ) (٢) عبدُ الله بنُ سلَام (عَنْ آيَةِ الرَّجْمِ، فَقَالَ: مَا هَذِهِ؟ فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ) أي: اليهود (قَالُوا): ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «فلمَّا رأى ذلك» أي: المِدارس قال: (هِيَ آيَةُ الرَّجْمِ، فَأَمَرَ بِهِمَا) (فَرُجِمَا) بحكم شرعه (قَرِيبًا مِنْ حَيْثُ مَوْضِعُ الجَنَائِزِ) برفع «موضع» في الفرع كأصله وغيرهما؛ لأنَّ «حيث» لا تُضاف إلى ما بعدها إلا أن يكون جملةً (عِنْدَ المَسْجِدِ) وفي هذه القصَّة من حديث جابرٍ عند أبي داود في «سُننه»: أنَّه شهد عنده أربعةٌ أنَّهم رأوا ذَكَره في فَرْجِها مثل الميل في المُكْحِلَة، قال النَّوويُّ: فإن صحَّ هذا؛ فإن كان الشهود مسلمين فظاهرٌ، وإن كانوا كفَّارًا؛ فلا اعتبار بشهادتهم، ويتعيَّن أنَّهما أقرَّا بالزِّنى؛ فلذا حكم برجمهما. (قَالَ) أي: ابن عمر: (فَرَأَيْتُ صَاحِبَهَا) أي صاحب المرأة الذي (٣)

زنى بها (١) (يَجْنَأُ) بفتح أوَّله وسكون الجيم، وبعد النُّون المفتوحة همزةٌ مضمومةٌ، أي: أكب (٢)، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «يَحْنِي» بفتح حرف المضارعة وسكون الحاء المهمَلة وكسر النُّون بعدها تحتيَّةٌ، أي: يميل وينعطف (عَلَيْهَا) حال كونه (يَقِيهَا الحِجَارَةَ).

وفي هذا الحديث من الفوائد: وجوب حدِّ الزِّنى على الكافر، وبه قال الشافعيُّ وأحمد وأبو حنيفة والجمهور، خلافًا لمالكٍ حيث قال: لا حدَّ عليه، وأنَّه ليس من شرط الإحصان المقتضي للرَّجم الإسلامُ، وهو مذهب الشافعيِّ وأحمد، خلافًا لمالكٍ وأبي حنيفة حيث قالا: لا يُرجَم الذِّمِّيُّ؛ لأنَّ من شرط الإحصان الإسلام، وأنَّ أنكحة الكفَّار صحيحةٌ، وإلَّا لم يثبت (٣) إحصانهم، وأنَّهم مخاطَبون بالفروع، خلافًا للحنفيَّة.

وهذا الحديث قد سبق مختصرًا في «الجنائز» [خ¦١٣٢٩] ويأتي إن شاء الله تعالى في «الحدود» [خ¦٦٨١٩].

(٧) هذا (بابٌ) -بالتَّنوين- في قوله تعالى: (﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]) قيل: «كان» ناقصةٌ على بابها، فتصلح للانقطاع؛ نحو: كان زيدٌ قائمًا، وللدَّوام؛ نحو: ﴿وَكَانَ اللّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [النساء: ٩٦] فهي بمنزلة «لم يَزَلْ» وهذا بحسب القرائن، فقوله: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ لا يدلُّ على أنَّهم لم يكونوا خيرًا فصاروا خيرًا، أو انقطع ذلك عنهم، وقال (٤) في «الكشَّاف»: «كان» عبارةٌ عن وجود الشَّيء في زمانٍ ماضٍ على سبيل الإبهام، وليس فيه دليل على عدمٍ سابقٍ، ولا على انقطاعٍ طارئٍ، ومنه قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [النساء: ٩٦] و ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ [آل عمران: ١١٠] كأنَّه قيل: وُجِدتم خيرَ أمَّةٍ، قال أبو حيَّان: قولُه: «لم يدلَّ على عدمٍ سابقٍ» هذا إذا لم تكن بمعنى: صار، فإذا كانت بمعنى: صار؛ دلت على عدمٍ سابق، فإذا (٥) قلت: كان زيدٌ عالمًا؛ بمعنى: صار زيدٌ عالمًا؛ دلَّت على أنَّه انتقل من حالة الجهل إلى حالة

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

(فَجَعلهَا) أَي: فَجعل أَبُو طَلْحَة بيرحاء الْمَذْكُورَة فِي الحَدِيث السَّابِق لحسا بن ثَابت وَأبي بن كَعْب، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. قَوْله: (وَأَنا أقرب إِلَيْهِ، مِنْهُمَا) (وَلم يَجْعَل لي مِنْهَا شَيْئا) .

٦ - (بابٌ: {قُلْ فَأَتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوها إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} (آل عمرَان: ٩٣)

أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: {قل فَأتوا} الْآيَة. وَقبلهَا {كل الطَّعَام كَانَ حلا لبني إِسْرَائِيل إلَاّ مَا حرم إِسْرَائِيل على نَفسه من قبل أَن تنزل التَّوْرَاة قل فاتوا بِالتَّوْرَاةِ فاتلوها إِن كُنْتُم صَادِقين} (آل عمرَان: ٩٣) قَوْله: (كل الطَّعَام) أَي: كل المطعومات (كَانَ حلا لبني إِسْرَائِيل) وَهُوَ يَعْقُوب بن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام (إِلَّا مَا حرم إِسْرَائِيل على نَفسه) وَهُوَ لُحُوم الْإِبِل وَأَلْبَانهَا. وَقيل: الْعُرُوق، وَكَانَ بِهِ عرق النِّسَاء فَنَذر إِن شفي أَن يحرم على نَفسه أحب الطَّعَام إِلَيْهِ وَكَانَ ذَلِك أحب إِلَيْهِ فحرمه، وَأنكر الْيَهُود ذَلِك فَأنْزل الله (قل فاتوا) أَي: قل يَا مُحَمَّد للْيَهُود: (قاتلوها إِن كُنْتُم صَادِقين) فِيمَا تنكرون من ذَلِك.

٤٥٥٦ - ح دَّثني إبْرَاهِيمُ بنُ المُنْذِرِ حدَّثنا أبُو ضَمَرَةَ حدَّثنا مُوسَى بنُ عُقْبَةَ عنْ نافعٍ عنْ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ رَضِي الله عَنْهُمَا أنَّ الْيَهُودَ جاؤُا إلَى النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِرَجُلٍ مِنْهُمْ وَامْرأةٍ قَدْ زَنَيَا فَقَالَ لَهُمْ كَيْفَ تَفْعَلُونَ بِمَنْ زَنَا مِنْكُمْ نحَمِّمُهُما وَنَضْرِبُهُما فَقَالَ لَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاة الرَّجْمَ فقالُوا لَا نَجِدُ فِيهَا شَيْئا فَقَال لَهُمْ عَبْدُ الله بنُ سَلامٍ كَذَبْتُمْ فأتُوا بِالتَوْرَةِ فَاتْلُوها إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَوَضَعَ مِدْرَاسُها الَّذِي يُدَرِّسُها مِنْهُمْ كَفَّهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ فَطَفِقَ يقْرَأ مَا دون يَده وَمَا وَرَاءَهَا وَلَا يقْرَأ آيَة الرَّجْم فَنزع يَده عَن آيَة الرَّجْم فَقَال مَا هاذِهِ فَلَما رَأوْا ذَلِكَ قَالُوا هِيَ آيَةُ الرَّجْمِ فَأمَرَ بِهِما فَرُجِمَا قَرِيبا مِنْ حَيْثُ مَوْضِعُ الجَنِائِزِ عِنْدَ المَسْجِدِ فَرَأيْتُ صَاحِبها يَجْنَأُ عَلَيْهَا يَقِيها الحِجَارَةَ.

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (كَذبْتُمْ فاتوا بِالتَّوْرَاةِ فاتلوها إِن كُنْتُم صَادِقين) وَإِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر أَبُو إِسْحَاق الْحزَامِي الْمَدِينِيّ، وَأَبُو ضَمرَة، بِفَتْح الضَّاد الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْمِيم واسْمه أنس بن عِيَاض اللَّيْثِيّ والْحَدِيث قد مضى مُخْتَصرا فِي الْجَنَائِز فِي: بَاب الصَّلَاة على الْجِنَازَة فِي الْمصلى وَالْمَسْجِد.

قَوْله: (إِن الْيَهُود جاؤوا إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِرَجُل وَامْرَأَة زَنَيَا) قَالَ ابْن بطال: قيل: إنَّهُمَا لم يَكُونَا أهل ذمَّة وَإِنَّمَا كَانَا أهل حَرْب، ذكره الطَّبَرِيّ، وَفِي رِوَايَة عِيسَى عَن ابْن الْقَاسِم: كَانَا من أهل فدك وخيبر حَربًا لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْم ذَاك، وَعَن أبي هُرَيْرَة: كَانَ هَذَا حِين قدم سيدنَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْمَدِينَة. وَقَالَ مَالك إِنَّمَا كَانَا أهل حَرْب وَلَو كَانَا أهل ذمَّة لم يسألهم كَيفَ الحكم فيهم؟ وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَعند مَالك لَا يَصح إِحْصَان الْكَافِر وَإِنَّمَا رجمهما لِأَنَّهُمَا لم يَكُونَا أهل ذمَّة. قيل: هَذَا غير جيد لِأَنَّهُمَا كَانَا من أهل الْعَهْد، وَلِأَنَّهُ رجم الْمَرْأَة وَالنِّسَاء الحربيات لَا يجوز قتلهن مُطلقًا. وَقَالَ السُّهيْلي: اسْم الْمَرْأَة المرجومة: بسرة. قَوْله: (كَيفَ تَفْعَلُونَ) ؟ لم يرد بِهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تقليدهم وَلَا معرفَة الحكم بِهِ مِنْهُم، وَإِنَّمَا أَرَادَ إلزامهم بِمَا يعتقدونه فِي كِتَابهمْ، وَلَعَلَّه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قد أوحى إِلَيْهِ أَن الرَّجْم فِي التَّوْرَاة الْمَوْجُودَة فِي أَيْديهم لم يغيروه كَمَا غيروا غَيره، أَو أَنه أخبرهُ من أسلم مِنْهُم. قَوْله: (نحممهما) من التحميم يَعْنِي: نسود وُجُوههمَا بالحمم، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح الْمِيم، وَهُوَ الفحم، وَفِي رِوَايَة تحملهما: بِالْحَاء الْمُهْملَة وَاللَّام يَعْنِي: تحملهما على شَيْء ليظهرا. وَفِي رِوَايَة: تحملهما: بِالْجِيم وَاللَّام أَي: نجعلهما جَمِيعًا على شَيْء ليظهرا قَوْله: (فَوضع مدراسها) ، بِكَسْر الْمِيم يُرِيد بِهِ صَاحب دراسة كتبهمْ، والمفعال من أبنية الْمُبَالغَة، وَهُوَ عبد الله بن صوريا، بِضَم الصَّاد الْمُهْملَة وَسُكُون الْوَاو وَكسر الرَّاء وَفتحهَا. وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد: ائْتُونِي بِأَعْلَم رجلَيْنِ مِنْك، فَأتوهُ يَا بني صوريا، قَالَ الْمُنْذِرِيّ: لَعَلَّه عبد الله بن صوريا وكنانة بن صوريا، وَكَانَ عبد الله أعلم من بَقِي من الْأَحْبَار بِالتَّوْرَاةِ ثمَّ كفر بعد ذَلِك، وَزعم السُّهيْلي أَنه أسلم. قَوْله: (فَطَفِقَ) أَي: فَجعل (يقْرَأ مَا دون يَده) أَي: مَا قبلهَا. قَوْله: (فَنزع يَده) أَي: نزع

عبد الله بن سَلام يَد الْمِدْرَاس عَن آيَة الرَّجْم. قَوْله: (فَرُجِمَا) على صِيغَة الْمَجْهُول، وَفِي (سنَن أبي دَاوُد) أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رجمهما بِالْبَيِّنَةِ وَقَالَ الْخطابِيّ: إِنَّمَا رجمهما رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِمَا أوحى إِلَيْهِ من أمره، وَإِنَّمَا احْتج عَلَيْهِم بِالتَّوْرَاةِ استظهارا للحجة وإحياءً لحكم الله تَعَالَى الَّذِي كَانُوا يكتمونه. قَوْله: (من حَيْثُ مَوضِع الْجَنَائِز عِنْد الْمَسْجِد) ، وَفِي رِوَايَة: عِنْد البلاط، وهما متقاربان. قَوْله: (يحنأ) بِالْجِيم. قَالَ ابْن الْأَثِير: يَعْنِي أكب عَلَيْهَا. وَقيل: هُوَ مَهْمُوز. وَقيل: الأَصْل فِيهِ الْهَمْز من جنأ يجنأ إِذا مَال عَلَيْهِ وَعطف ثمَّ خفف وَهُوَ لُغَة، وَقَالَ الْمُنْذِرِيّ: ياؤه مَفْتُوحَة وجيمه سَاكِنة، يُقَال: جنى الرجل على الشَّيْء إِذا أكب عَلَيْهِ. وَرَوَاهُ بَعضهم بِضَم الْيَاء، وَرُوِيَ: يجاني من جانى يجاني. وَقيل: رُوِيَ بجيم ثمَّ بَاء مُوَحدَة ثمَّ همزَة، أَي: يرْكَع. وَقَالَ الْخطابِيّ: الْمَحْفُوظ بِالْحَاء وَالنُّون، يُقَال: حنا يحنو وحنوا وَرُوِيَ بِالْحَاء وَتَشْديد النُّون، وَقَالَ يحيى بن يحيى: بحاء وَنون مَكْسُورَة بِغَيْر همزَة وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: عِنْد أهل الحَدِيث يجني بِالْحَاء، وَعند أهل اللُّغَة بِالْجِيم. قَوْله: (يَقِيهَا) أَي: يحفظها من وقى يقي وقاية، وَفِي الحَدِيث الحكم بَين أهل الذِّمَّة، وَفِي (التَّوْضِيح) الْأَصَح عندنَا وُجُوبه وفَاقا لأبي حنيفَة. وَهُوَ قَول الزُّهْرِيّ وَعمر بن عبد الْعَزِيز وَالثَّوْري وَالْحكم. وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس: وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: إِن كَانَ مَا رَفَعُوهُ إِلَى الإِمَام ظلما كَالْقَتْلِ وَالْغَصْب بَينهم فَلَا خلاف فِي مَنعهم مِنْهُ، وَنقل عَن مَالك وَالشَّافِعِيّ أَنه بِالْخِيَارِ بَين الحكم بَينهم وَتَركه غير أَن مَالِكًا يرى الْإِعْرَاض أولى، وَنقل عَن الشَّافِعِي أَنه لَا يحكم بَينهم فِي الْحُدُود، وَفِيه أَن أنكحة الْكفَّار صَحِيحَة وَلذَلِك رجمهما وَهُوَ الْأَصَح عِنْد الشَّافِعِيَّة وَفِيه دَلِيل على أَنه لَا يحْفر لمن رجم إِذْ لَو حفر لَهُ لما اسْتَطَاعَ أَن يجنا عَلَيْهَا، لَكِن فِي (صَحِيح مُسلم) من حَدِيث بُرَيْدَة أَنه حفر لما عز والغامدية إِلَى صدرها. وَقيل: يحْفر لمن قَامَت عَلَيْهِ الْبَيِّنَة دون الْمقر.

٧ - (بابٌ: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} (آل عمرَان: ١١٠)

أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: (كُنْتُم خير أمة) أَي: وجدْتُم خير أمة وَقيل: كُنْتُم فِي علم الله خير أمة. وَقيل: كُنْتُم فِي الْأُمَم قبلكُمْ مذكورين بأنكم خير أمة موصوفين بِهِ وروى عبد بن حميد عَن ابْن عَبَّاس: هم الَّذين هَاجرُوا مَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وروى الطَّبَرِيّ عَن السّديّ، قَالَ عمر بن الْخطاب رَضِي الله عَنهُ: لَو شَاءَ الله عز وَجل لقَالَ: أَنْتُم خير أمة، وَلَو قَالَ لَكنا كلنا وَلَكِن هَذَا خَاص بالصحابة وَمن صنع مثل مَا صَنَعُوا كَانُوا خير أمة وَقَالَ الواحدي: إِن رُؤُوس الْيَهُود، وَعدد مِنْهُم جمَاعَة مِنْهُم ابْن صوريا، عَمدُوا إِلَى مؤمنيهم، عبد الله بن سَلام وَأَصْحَابه، فآذوهم لإسلامهم، فَنزلت وَقَالَ مقَاتل: نزلت فِي أبي ومعاذ وَابْن مَسْعُود وَسَالم مولى أبي حُذَيْفَة وَذَلِكَ أَن مَالك بن الضَّيْف ووهب بن يهودا قَالَا للْمُسلمين ديننَا خير مِمَّا تدعوننا إِلَيْهِ وَنحن خير، وأوصل مِنْكُم فَنزلت. وَيُقَال: هَذَا الْخطاب للصحابة وَهُوَ يعم سَائِر الْأمة قَوْله: (أخرجت) قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ أَي: أظهرت. قَوْله: (للنَّاس) يَعْنِي: خير النَّاس للنَّاس، وَالْمعْنَى أَنهم خير الْأُمَم وأنفع النَّاس للنَّاس، وَلِهَذَا قَالَ: (تأمرون بِالْمَعْرُوفِ وتنهون عَن الْمُنكر) وَهَذَا هُوَ الشَّرْط فِي هَذِه الْخَيْرِيَّة وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: تأمرون، كَلَام مُسْتَأْنف بيَّن بِهِ كَونهم خير أمة.

٤٥٥٧ - ح دَّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ عنْ سُفْيَانَ عنْ مَيْسَرَةَ عنْ أبِي حَازِمٍ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله عَنهُ {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} قَالَ خَيْرَ النَّاسِ لِلنَّاسِ تَأْتُونَ بِهِمْ فِي السَلاسِلِ فِي أعْنَاقِهِمْ حَتَّى يَدْخُلُوا فِي الإسْلامِ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَمُحَمّد بن يُوسُف أَبُو أَحْمد البُخَارِيّ البيكندي، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، وميسرة ضد الميمنة ابْن عمار الْأَشْجَعِيّ الْكُوفِي، وَمَاله فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الحَدِيث وَآخر تقدم فِي بَدْء الْخلق، وَأَبُو حَازِم بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي هُوَ سلمَان الْأَشْجَعِيّ. والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا فِي التَّفْسِير عَن مُحَمَّد بن عبد الله المَخْزُومِي.

قَوْله: (خير النَّاس) ، أَي: خير بعض النَّاس لبَعْضهِم وأنفعهم لَهُم من يَأْتِي بأسير مُقَيّد فِي السلسلة إِلَى دَار الْإِسْلَام فَيسلم، وَإِنَّمَا كَانَ خيرا لِأَنَّهُ بِسَبَبِهِ صَار مُسلما، وَحصل أَصله جَمِيع السعادات الدنياوية والأخراوية.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

(تَنْبِيهٌ): وَقَعَ هُنَا لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ ثُمَامَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: فَجَعَلَهَا لِحَسَّانَ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَأَنَا أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْهُمَا، وَلَمْ يَجْعَلْ لِي مِنْهَا شَيْئًا وَهَذَا طَرَفٌ مِنَ الْحَدِيثِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بِتَمَامِهِ فِي الْوَقْفِ مَعَ شَرْحِهِ، وَأَغْفَلَ الْمِزِّيُّ التَّنْبِيهَ عَلَى هَذَا الطَّرِيقِ هُنَا، وَمِمَّنْ عَمِلَ بِالْآيَةِ ابْنُ عُمَرَ فَرَوَى الْبَزَّارُ مِنْ طَرِيقِهِ أَنَّهُ قَرَأَهَا، قَالَ: فَلَمْ أَجِدْ شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ مَرْجَانَةَ جَارِيَةٌ لِي رُومِيَّةٌ، فَقُلْتُ: هِيَ حُرَّةٌ لِوَجْهِ اللَّهِ، فَلَوْلَا أَنِّي لَا أَعُودُ فِي شَيْءٍ جَعَلْتُهُ لِلَّهِ لَتَزَوَّجْتُهَا.

٦ - بَاب ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾

٤٥٥٦ - حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا أَبُو ضَمْرَةَ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، أَنَّ الْيَهُودَ جَاءُوا إِلَى النَّبِيِّ بِرَجُلٍ مِنْهُمْ وَامْرَأَةٍ قَدْ زَنَيَا، فَقَالَ لَهُمْ: كَيْفَ تَفْعَلُونَ بِمَنْ زَنَى مِنْكُمْ؟ قَالُوا: نُحَمِّمُهُمَا، وَنَضْرِبُهُمَا. فَقَالَ: لَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ الرَّجْمَ؟ فَقَالُوا: لَا نَجِدُ فِيهَا شَيْئًا. فَقَالَ لَهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: كَذَبْتُمْ، فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ. فَوَضَعَ مِدْرَاسُهَا الَّذِي يُدَرِّسُهَا مِنْهُمْ كَفَّهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ، فَطَفِقَ يَقْرَأُ مَا دُونَ يَدِهِ وَمَا وَرَاءَهَا، وَلَا يَقْرَأُ آيَةَ الرَّجْمِ، فَنَزَعَ يَدَهُ عَنْ آيَةِ الرَّجْمِ، فَقَالَ: مَا هَذِهِ؟ فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ، قَالُوا: هِيَ آيَةُ الرَّجْمِ، فَأَمَرَ بِهِمَا فَرُجِمَا قَرِيبًا مِنْ حَيْثُ مَوْضِعُ الْجَنَائِزِ عِنْدَ الْمَسْجِدِ، قال: فَرَأَيْتُ صَاحِبَهَا يجنأ عَلَيْهَا؛ يَقِيهَا الْحِجَارَةَ.

قَوْلُهُ: (بَابُ ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ فِي قِصَّةِ الْيَهُودِيَّيْنِ اللَّذَيْنِ زَنَيَا، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي الْحُدُودِ. وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ: كَيْفَ تَفْعَلُونَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: كَيْفَ تَعْمَلُونَ وَقَوْلُهُ: نُحَمِّمُهُمَا بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ مِيمٍ مُثَقَّلَةٍ، أَيْ: نَسْكُبُ عَلَيْهِمَا الْمَاءَ الْحَمِيمَ، وَقِيلَ: نَجْعَلُ فِي وُجُوهِهِمَا الْحُمَةَ بِمُهْمَلَةِ وَمِيمٍ خَفِيفَةٍ، أَيِ: السَّوَادَ، وَسَيَأْتِي مَا فِي ذَلِكَ عِنْدَ شَرْحِ الْحَدِيثِ. وَقَوْلُهُ: فَوَضَعَ مِدْرَاسَهَا بِكَسْرِ أَوَّلِهِ كَذَا لِلْكُشْمِيهَنِيِّ. وَلِغَيْرِهِ: مُدَارِسَهَا بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَتَقْدِيمِ الْأَلِفِ، بِوَزْنِ الْمُفَاعِلَةِ مِنَ الدِّرَاسَةِ، وَالْأَوَّلُ أَوْجَهُ.

قَوْلُهُ: (فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ قَالُوا) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ بِالْإِفْرَادِ فِيهِمَا.

قَوْلُهُ: (يَجْنَأُ) بِجِيمٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ نُونٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ هَمْزَةٍ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ يَحْنِي بِالْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ النُّونِ بِغَيْرِ هَمْزٍ.

٧ - بَاب ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾

٤٥٥٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مَيْسَرَةَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ قَالَ: خَيْرَ النَّاسِ لِلنَّاسِ، تَأْتُونَ بِهِمْ فِي السَّلَاسِلِ فِي أَعْنَاقِهِمْ حَتَّى يَدخُلُوا فِي الْإِسْلَامِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي تَفْسِيرِهَا غَيْرَ مَرْفُوعٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِرِ الْجِهَادِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مَرْفُوعًا، وَهُوَ يَرُدُّ قَوْلَ مَنْ تَعَقَّبَ الْبُخَارِيَّ فَقَالَ: هَذَا مَوْقُوفٌ لَا مَعْنَى لِإِدْخَالِهِ فِي

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

بإشارة الأطِبَّاء، واحتجَّ به مَنْ جوَّز للنَّبيِّ أن يجتهد، وللمانع أن يقول: ذلك بإذنٍ من الله، فهو كتحريمه ابتداءً، ثم أمر الله تعالى نبيَّه محمَّدًا أن يُحاجَّ اليهود بكتابهم، فقال: ﴿قُلْ﴾ أي: لليهود ﴿فَأْتُواْ بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا﴾ [آل عمران: ٩٣] أي: فاقرؤوها، فإنَّها ناطقةٌ بما قلناه؛ إذ فيها أنَّ يعقوب حرَّم ذلك على نفسه قبل أن تُنزَّل، وأنَّ تحريم ما حُرِّم عليهم حادثٌ بظلمهم، فلم يُحضِروها، فثبت صدقُ النَّبيِّ فيه، وجواز النَّسخ الذي ينكرونه، هذا ما يقتضيه سياق هذه الآية التي أوردها البخاريُّ في هذا الباب، وعليه المفسِّرون.

٤٥٥٦ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ) أبو إسحاق الحزاميُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو ضَمْرَةَ) بفتح الضَّاد المعجَمة وسكون الميم، أنس (١) بن عياضٍ اللَّيثيُّ قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) الإمام في المغازي (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ) سقط لأبي ذرٍّ لفظ «عبد الله» (أَنَّ اليَهُودَ) يهود خيبر (جَاؤُوْا إِلَى النَّبِيِّ ) في ذي القعدة من السَّنة الرَّابعة (بِرَجُلٍ مِنْهُمْ) لم يُسَمَّ (وَامْرَأَةٍ) اسمها: بُسرة (قَدْ زَنَيَا) قال النَّوويُّ: وكانا من أهل العهد (فَقَالَ لَهُمْ) : (كَيْفَ تَفْعَلُونَ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «كيف تعملون» (بِمَنْ زَنَى مِنْكُمْ؟ قَالُوا: نُحَمِّمُهُمَا) بضمِّ النُّون وفتح الحاء المهمَلة وكسر الميم الأولى مشدَّدةً، من التَّحميم؛ يعني: نُسَوِّدُ وجوههما بالحُمَم؛ وهو الفحم (وَنَضْرِبُهُمَا، فَقَالَ) لهم (٢):

(لَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ الرَّجْمَ) على من زنى إذا أحصن؟ (فَقَالُوا: لَا نَجِدُ فِيهَا شَيْئًا) وإنَّما سألهم ليُلزِمهم بما يعتقدونه في كتابهم الموافق لحكم الإسلام؛ إقامةً للحجَّة عليهم، لا لتقليدهم ومعرفة الحكم منهم (فَقَالَ لَهُمْ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَامٍ) : (كَذَبْتُمْ، ﴿فَأْتُواْ بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾) فإنَّ ذلك موجودٌ فيها لم يُغيَّر، واستدلَّ به ابن عبد البرِّ على أنَّ التَّوراة صحيحةٌ بأيديهم، ولولا ذلك؛ ما سألهم رسول الله عنها، ولا دعا بها، وأُجيب بأنَّ سؤاله عنها لا يدلُّ على صحَّة جميع ما فيها، وإنَّما يدلُّ على صحَّة المسؤول عنه منها، وقد علم ذلك بوحيٍ أو إخبار (١) مَن أسلم منهم، فأراد بذلك تبكيتهم، وإقامةَ الحجَّة عليهم في مخالفتهم كتابَهم، وكذبهم عليه، وإخبارهم بما ليس فيه، وإنكارهم ما هو فيه، فَأتَوا بالتَّوراة فنشروها (فَوَضَعَ) عبدُ الله بن صوريا (مِدْرَاسُهَا) بكسر الميم، «مِفْعال» من أبنية المبالغة، أي: صاحب دراسة كتبهم، وكان أعلم من بقي مَن الأحبار بالتَّوراة، وزعم السُّهيليُّ أنَّه أسلم، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «مُدَارِسُها» بضمِّ الميم، على وزن «المفاعلة»، من المُدارَسة، قال في «الفتح»: والأوَّل أوجهُ، وهو (الَّذِي يُدَرِّسُهَا مِنْهُمْ) بضمِّ التَّحتيَّة وفتح الدَّال المهملة وتشديد الرَّاء مكسورةً، وفي نسخةٍ: «يَدْرُسُها» بفتح أوَّله وسكون الدَّال وضمِّ الرَّاء مخفَّفةً (كَفَّهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ، فَطَفِقَ) بكسر الفاء، أي: فجعل (يَقْرَأُ) من التَّوراة (مَا دُونَ يَدِهِ) أي: قبلها (وَمَا وَرَاءَهَا، وَلَا يَقْرَأُ آيَةَ الرَّجْمِ، فَنَزَعَ يَدَهُ) (٢) عبدُ الله بنُ سلَام (عَنْ آيَةِ الرَّجْمِ، فَقَالَ: مَا هَذِهِ؟ فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ) أي: اليهود (قَالُوا): ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «فلمَّا رأى ذلك» أي: المِدارس قال: (هِيَ آيَةُ الرَّجْمِ، فَأَمَرَ بِهِمَا) (فَرُجِمَا) بحكم شرعه (قَرِيبًا مِنْ حَيْثُ مَوْضِعُ الجَنَائِزِ) برفع «موضع» في الفرع كأصله وغيرهما؛ لأنَّ «حيث» لا تُضاف إلى ما بعدها إلا أن يكون جملةً (عِنْدَ المَسْجِدِ) وفي هذه القصَّة من حديث جابرٍ عند أبي داود في «سُننه»: أنَّه شهد عنده أربعةٌ أنَّهم رأوا ذَكَره في فَرْجِها مثل الميل في المُكْحِلَة، قال النَّوويُّ: فإن صحَّ هذا؛ فإن كان الشهود مسلمين فظاهرٌ، وإن كانوا كفَّارًا؛ فلا اعتبار بشهادتهم، ويتعيَّن أنَّهما أقرَّا بالزِّنى؛ فلذا حكم برجمهما. (قَالَ) أي: ابن عمر: (فَرَأَيْتُ صَاحِبَهَا) أي صاحب المرأة الذي (٣)

زنى بها (١) (يَجْنَأُ) بفتح أوَّله وسكون الجيم، وبعد النُّون المفتوحة همزةٌ مضمومةٌ، أي: أكب (٢)، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «يَحْنِي» بفتح حرف المضارعة وسكون الحاء المهمَلة وكسر النُّون بعدها تحتيَّةٌ، أي: يميل وينعطف (عَلَيْهَا) حال كونه (يَقِيهَا الحِجَارَةَ).

وفي هذا الحديث من الفوائد: وجوب حدِّ الزِّنى على الكافر، وبه قال الشافعيُّ وأحمد وأبو حنيفة والجمهور، خلافًا لمالكٍ حيث قال: لا حدَّ عليه، وأنَّه ليس من شرط الإحصان المقتضي للرَّجم الإسلامُ، وهو مذهب الشافعيِّ وأحمد، خلافًا لمالكٍ وأبي حنيفة حيث قالا: لا يُرجَم الذِّمِّيُّ؛ لأنَّ من شرط الإحصان الإسلام، وأنَّ أنكحة الكفَّار صحيحةٌ، وإلَّا لم يثبت (٣) إحصانهم، وأنَّهم مخاطَبون بالفروع، خلافًا للحنفيَّة.

وهذا الحديث قد سبق مختصرًا في «الجنائز» [خ¦١٣٢٩] ويأتي إن شاء الله تعالى في «الحدود» [خ¦٦٨١٩].

(٧) هذا (بابٌ) -بالتَّنوين- في قوله تعالى: (﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]) قيل: «كان» ناقصةٌ على بابها، فتصلح للانقطاع؛ نحو: كان زيدٌ قائمًا، وللدَّوام؛ نحو: ﴿وَكَانَ اللّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [النساء: ٩٦] فهي بمنزلة «لم يَزَلْ» وهذا بحسب القرائن، فقوله: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ لا يدلُّ على أنَّهم لم يكونوا خيرًا فصاروا خيرًا، أو انقطع ذلك عنهم، وقال (٤) في «الكشَّاف»: «كان» عبارةٌ عن وجود الشَّيء في زمانٍ ماضٍ على سبيل الإبهام، وليس فيه دليل على عدمٍ سابقٍ، ولا على انقطاعٍ طارئٍ، ومنه قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [النساء: ٩٦] و ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ [آل عمران: ١١٠] كأنَّه قيل: وُجِدتم خيرَ أمَّةٍ، قال أبو حيَّان: قولُه: «لم يدلَّ على عدمٍ سابقٍ» هذا إذا لم تكن بمعنى: صار، فإذا كانت بمعنى: صار؛ دلت على عدمٍ سابق، فإذا (٥) قلت: كان زيدٌ عالمًا؛ بمعنى: صار زيدٌ عالمًا؛ دلَّت على أنَّه انتقل من حالة الجهل إلى حالة

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

(فَجَعلهَا) أَي: فَجعل أَبُو طَلْحَة بيرحاء الْمَذْكُورَة فِي الحَدِيث السَّابِق لحسا بن ثَابت وَأبي بن كَعْب، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. قَوْله: (وَأَنا أقرب إِلَيْهِ، مِنْهُمَا) (وَلم يَجْعَل لي مِنْهَا شَيْئا) .

٦ - (بابٌ: {قُلْ فَأَتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوها إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} (آل عمرَان: ٩٣)

أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: {قل فَأتوا} الْآيَة. وَقبلهَا {كل الطَّعَام كَانَ حلا لبني إِسْرَائِيل إلَاّ مَا حرم إِسْرَائِيل على نَفسه من قبل أَن تنزل التَّوْرَاة قل فاتوا بِالتَّوْرَاةِ فاتلوها إِن كُنْتُم صَادِقين} (آل عمرَان: ٩٣) قَوْله: (كل الطَّعَام) أَي: كل المطعومات (كَانَ حلا لبني إِسْرَائِيل) وَهُوَ يَعْقُوب بن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام (إِلَّا مَا حرم إِسْرَائِيل على نَفسه) وَهُوَ لُحُوم الْإِبِل وَأَلْبَانهَا. وَقيل: الْعُرُوق، وَكَانَ بِهِ عرق النِّسَاء فَنَذر إِن شفي أَن يحرم على نَفسه أحب الطَّعَام إِلَيْهِ وَكَانَ ذَلِك أحب إِلَيْهِ فحرمه، وَأنكر الْيَهُود ذَلِك فَأنْزل الله (قل فاتوا) أَي: قل يَا مُحَمَّد للْيَهُود: (قاتلوها إِن كُنْتُم صَادِقين) فِيمَا تنكرون من ذَلِك.

٤٥٥٦ - ح دَّثني إبْرَاهِيمُ بنُ المُنْذِرِ حدَّثنا أبُو ضَمَرَةَ حدَّثنا مُوسَى بنُ عُقْبَةَ عنْ نافعٍ عنْ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ رَضِي الله عَنْهُمَا أنَّ الْيَهُودَ جاؤُا إلَى النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِرَجُلٍ مِنْهُمْ وَامْرأةٍ قَدْ زَنَيَا فَقَالَ لَهُمْ كَيْفَ تَفْعَلُونَ بِمَنْ زَنَا مِنْكُمْ نحَمِّمُهُما وَنَضْرِبُهُما فَقَالَ لَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاة الرَّجْمَ فقالُوا لَا نَجِدُ فِيهَا شَيْئا فَقَال لَهُمْ عَبْدُ الله بنُ سَلامٍ كَذَبْتُمْ فأتُوا بِالتَوْرَةِ فَاتْلُوها إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَوَضَعَ مِدْرَاسُها الَّذِي يُدَرِّسُها مِنْهُمْ كَفَّهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ فَطَفِقَ يقْرَأ مَا دون يَده وَمَا وَرَاءَهَا وَلَا يقْرَأ آيَة الرَّجْم فَنزع يَده عَن آيَة الرَّجْم فَقَال مَا هاذِهِ فَلَما رَأوْا ذَلِكَ قَالُوا هِيَ آيَةُ الرَّجْمِ فَأمَرَ بِهِما فَرُجِمَا قَرِيبا مِنْ حَيْثُ مَوْضِعُ الجَنِائِزِ عِنْدَ المَسْجِدِ فَرَأيْتُ صَاحِبها يَجْنَأُ عَلَيْهَا يَقِيها الحِجَارَةَ.

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (كَذبْتُمْ فاتوا بِالتَّوْرَاةِ فاتلوها إِن كُنْتُم صَادِقين) وَإِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر أَبُو إِسْحَاق الْحزَامِي الْمَدِينِيّ، وَأَبُو ضَمرَة، بِفَتْح الضَّاد الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْمِيم واسْمه أنس بن عِيَاض اللَّيْثِيّ والْحَدِيث قد مضى مُخْتَصرا فِي الْجَنَائِز فِي: بَاب الصَّلَاة على الْجِنَازَة فِي الْمصلى وَالْمَسْجِد.

قَوْله: (إِن الْيَهُود جاؤوا إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِرَجُل وَامْرَأَة زَنَيَا) قَالَ ابْن بطال: قيل: إنَّهُمَا لم يَكُونَا أهل ذمَّة وَإِنَّمَا كَانَا أهل حَرْب، ذكره الطَّبَرِيّ، وَفِي رِوَايَة عِيسَى عَن ابْن الْقَاسِم: كَانَا من أهل فدك وخيبر حَربًا لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْم ذَاك، وَعَن أبي هُرَيْرَة: كَانَ هَذَا حِين قدم سيدنَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْمَدِينَة. وَقَالَ مَالك إِنَّمَا كَانَا أهل حَرْب وَلَو كَانَا أهل ذمَّة لم يسألهم كَيفَ الحكم فيهم؟ وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَعند مَالك لَا يَصح إِحْصَان الْكَافِر وَإِنَّمَا رجمهما لِأَنَّهُمَا لم يَكُونَا أهل ذمَّة. قيل: هَذَا غير جيد لِأَنَّهُمَا كَانَا من أهل الْعَهْد، وَلِأَنَّهُ رجم الْمَرْأَة وَالنِّسَاء الحربيات لَا يجوز قتلهن مُطلقًا. وَقَالَ السُّهيْلي: اسْم الْمَرْأَة المرجومة: بسرة. قَوْله: (كَيفَ تَفْعَلُونَ) ؟ لم يرد بِهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تقليدهم وَلَا معرفَة الحكم بِهِ مِنْهُم، وَإِنَّمَا أَرَادَ إلزامهم بِمَا يعتقدونه فِي كِتَابهمْ، وَلَعَلَّه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قد أوحى إِلَيْهِ أَن الرَّجْم فِي التَّوْرَاة الْمَوْجُودَة فِي أَيْديهم لم يغيروه كَمَا غيروا غَيره، أَو أَنه أخبرهُ من أسلم مِنْهُم. قَوْله: (نحممهما) من التحميم يَعْنِي: نسود وُجُوههمَا بالحمم، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح الْمِيم، وَهُوَ الفحم، وَفِي رِوَايَة تحملهما: بِالْحَاء الْمُهْملَة وَاللَّام يَعْنِي: تحملهما على شَيْء ليظهرا. وَفِي رِوَايَة: تحملهما: بِالْجِيم وَاللَّام أَي: نجعلهما جَمِيعًا على شَيْء ليظهرا قَوْله: (فَوضع مدراسها) ، بِكَسْر الْمِيم يُرِيد بِهِ صَاحب دراسة كتبهمْ، والمفعال من أبنية الْمُبَالغَة، وَهُوَ عبد الله بن صوريا، بِضَم الصَّاد الْمُهْملَة وَسُكُون الْوَاو وَكسر الرَّاء وَفتحهَا. وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد: ائْتُونِي بِأَعْلَم رجلَيْنِ مِنْك، فَأتوهُ يَا بني صوريا، قَالَ الْمُنْذِرِيّ: لَعَلَّه عبد الله بن صوريا وكنانة بن صوريا، وَكَانَ عبد الله أعلم من بَقِي من الْأَحْبَار بِالتَّوْرَاةِ ثمَّ كفر بعد ذَلِك، وَزعم السُّهيْلي أَنه أسلم. قَوْله: (فَطَفِقَ) أَي: فَجعل (يقْرَأ مَا دون يَده) أَي: مَا قبلهَا. قَوْله: (فَنزع يَده) أَي: نزع

عبد الله بن سَلام يَد الْمِدْرَاس عَن آيَة الرَّجْم. قَوْله: (فَرُجِمَا) على صِيغَة الْمَجْهُول، وَفِي (سنَن أبي دَاوُد) أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رجمهما بِالْبَيِّنَةِ وَقَالَ الْخطابِيّ: إِنَّمَا رجمهما رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِمَا أوحى إِلَيْهِ من أمره، وَإِنَّمَا احْتج عَلَيْهِم بِالتَّوْرَاةِ استظهارا للحجة وإحياءً لحكم الله تَعَالَى الَّذِي كَانُوا يكتمونه. قَوْله: (من حَيْثُ مَوضِع الْجَنَائِز عِنْد الْمَسْجِد) ، وَفِي رِوَايَة: عِنْد البلاط، وهما متقاربان. قَوْله: (يحنأ) بِالْجِيم. قَالَ ابْن الْأَثِير: يَعْنِي أكب عَلَيْهَا. وَقيل: هُوَ مَهْمُوز. وَقيل: الأَصْل فِيهِ الْهَمْز من جنأ يجنأ إِذا مَال عَلَيْهِ وَعطف ثمَّ خفف وَهُوَ لُغَة، وَقَالَ الْمُنْذِرِيّ: ياؤه مَفْتُوحَة وجيمه سَاكِنة، يُقَال: جنى الرجل على الشَّيْء إِذا أكب عَلَيْهِ. وَرَوَاهُ بَعضهم بِضَم الْيَاء، وَرُوِيَ: يجاني من جانى يجاني. وَقيل: رُوِيَ بجيم ثمَّ بَاء مُوَحدَة ثمَّ همزَة، أَي: يرْكَع. وَقَالَ الْخطابِيّ: الْمَحْفُوظ بِالْحَاء وَالنُّون، يُقَال: حنا يحنو وحنوا وَرُوِيَ بِالْحَاء وَتَشْديد النُّون، وَقَالَ يحيى بن يحيى: بحاء وَنون مَكْسُورَة بِغَيْر همزَة وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: عِنْد أهل الحَدِيث يجني بِالْحَاء، وَعند أهل اللُّغَة بِالْجِيم. قَوْله: (يَقِيهَا) أَي: يحفظها من وقى يقي وقاية، وَفِي الحَدِيث الحكم بَين أهل الذِّمَّة، وَفِي (التَّوْضِيح) الْأَصَح عندنَا وُجُوبه وفَاقا لأبي حنيفَة. وَهُوَ قَول الزُّهْرِيّ وَعمر بن عبد الْعَزِيز وَالثَّوْري وَالْحكم. وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس: وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: إِن كَانَ مَا رَفَعُوهُ إِلَى الإِمَام ظلما كَالْقَتْلِ وَالْغَصْب بَينهم فَلَا خلاف فِي مَنعهم مِنْهُ، وَنقل عَن مَالك وَالشَّافِعِيّ أَنه بِالْخِيَارِ بَين الحكم بَينهم وَتَركه غير أَن مَالِكًا يرى الْإِعْرَاض أولى، وَنقل عَن الشَّافِعِي أَنه لَا يحكم بَينهم فِي الْحُدُود، وَفِيه أَن أنكحة الْكفَّار صَحِيحَة وَلذَلِك رجمهما وَهُوَ الْأَصَح عِنْد الشَّافِعِيَّة وَفِيه دَلِيل على أَنه لَا يحْفر لمن رجم إِذْ لَو حفر لَهُ لما اسْتَطَاعَ أَن يجنا عَلَيْهَا، لَكِن فِي (صَحِيح مُسلم) من حَدِيث بُرَيْدَة أَنه حفر لما عز والغامدية إِلَى صدرها. وَقيل: يحْفر لمن قَامَت عَلَيْهِ الْبَيِّنَة دون الْمقر.

٧ - (بابٌ: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} (آل عمرَان: ١١٠)

أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: (كُنْتُم خير أمة) أَي: وجدْتُم خير أمة وَقيل: كُنْتُم فِي علم الله خير أمة. وَقيل: كُنْتُم فِي الْأُمَم قبلكُمْ مذكورين بأنكم خير أمة موصوفين بِهِ وروى عبد بن حميد عَن ابْن عَبَّاس: هم الَّذين هَاجرُوا مَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وروى الطَّبَرِيّ عَن السّديّ، قَالَ عمر بن الْخطاب رَضِي الله عَنهُ: لَو شَاءَ الله عز وَجل لقَالَ: أَنْتُم خير أمة، وَلَو قَالَ لَكنا كلنا وَلَكِن هَذَا خَاص بالصحابة وَمن صنع مثل مَا صَنَعُوا كَانُوا خير أمة وَقَالَ الواحدي: إِن رُؤُوس الْيَهُود، وَعدد مِنْهُم جمَاعَة مِنْهُم ابْن صوريا، عَمدُوا إِلَى مؤمنيهم، عبد الله بن سَلام وَأَصْحَابه، فآذوهم لإسلامهم، فَنزلت وَقَالَ مقَاتل: نزلت فِي أبي ومعاذ وَابْن مَسْعُود وَسَالم مولى أبي حُذَيْفَة وَذَلِكَ أَن مَالك بن الضَّيْف ووهب بن يهودا قَالَا للْمُسلمين ديننَا خير مِمَّا تدعوننا إِلَيْهِ وَنحن خير، وأوصل مِنْكُم فَنزلت. وَيُقَال: هَذَا الْخطاب للصحابة وَهُوَ يعم سَائِر الْأمة قَوْله: (أخرجت) قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ أَي: أظهرت. قَوْله: (للنَّاس) يَعْنِي: خير النَّاس للنَّاس، وَالْمعْنَى أَنهم خير الْأُمَم وأنفع النَّاس للنَّاس، وَلِهَذَا قَالَ: (تأمرون بِالْمَعْرُوفِ وتنهون عَن الْمُنكر) وَهَذَا هُوَ الشَّرْط فِي هَذِه الْخَيْرِيَّة وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: تأمرون، كَلَام مُسْتَأْنف بيَّن بِهِ كَونهم خير أمة.

٤٥٥٧ - ح دَّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ عنْ سُفْيَانَ عنْ مَيْسَرَةَ عنْ أبِي حَازِمٍ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله عَنهُ {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} قَالَ خَيْرَ النَّاسِ لِلنَّاسِ تَأْتُونَ بِهِمْ فِي السَلاسِلِ فِي أعْنَاقِهِمْ حَتَّى يَدْخُلُوا فِي الإسْلامِ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَمُحَمّد بن يُوسُف أَبُو أَحْمد البُخَارِيّ البيكندي، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، وميسرة ضد الميمنة ابْن عمار الْأَشْجَعِيّ الْكُوفِي، وَمَاله فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الحَدِيث وَآخر تقدم فِي بَدْء الْخلق، وَأَبُو حَازِم بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي هُوَ سلمَان الْأَشْجَعِيّ. والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا فِي التَّفْسِير عَن مُحَمَّد بن عبد الله المَخْزُومِي.

قَوْله: (خير النَّاس) ، أَي: خير بعض النَّاس لبَعْضهِم وأنفعهم لَهُم من يَأْتِي بأسير مُقَيّد فِي السلسلة إِلَى دَار الْإِسْلَام فَيسلم، وَإِنَّمَا كَانَ خيرا لِأَنَّهُ بِسَبَبِهِ صَار مُسلما، وَحصل أَصله جَمِيع السعادات الدنياوية والأخراوية.

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 19 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 20.4 / 29.5
الإضاءة 68%
الهلال الجديد بعد 9 يوم
سبحان الله