الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٦٦٤
الحديث رقم ٤٦٦٤ من كتاب «سورة براءة» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب قوله ثاني اثنين إذ هما في الغار.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
٤٦٦٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
٤٦٦٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ قَالَ حِينَ وَقَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ابْنِ الزُّبَيْرِ: قُلْتُ أَبُوهُ الزُّبَيْرُ وَأُمُّهُ أَسْمَاءُ وَخَالَتُهُ عَائِشَةُ وَجَدُّهُ أَبُو بَكْرٍ وَجَدَّتُهُ صَفِيَّةُ. فَقُلْتُ لِسُفْيَانَ: إِسْنَادُهُ؟ فَقَالَ: حَدَّثَنَا، فَشَغَلَهُ إِنْسَانٌ وَلَمْ يَقُلْ: ابْنُ جُرَيْجٍ.
[الحديث ٤٦٦٤ - طرفه في: ٤٦٦٥، ٤٦٦٦]
٤٦٦٥ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ وَكَانَ بَيْنَهُمَا شَيْءٌ فَغَدَوْتُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقُلْتُ أَتُرِيدُ أَنْ تُقَاتِلَ ابْنَ الزُّبَيْرِ فَتُحِلَّ حَرَمَ اللَّهِ فَقَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ ابْنَ الزُّبَيْرِ وَبَنِي أُمَيَّةَ مُحِلِّينَ وَإِنِّي وَاللَّهِ لَا أُحِلُّهُ أَبَدًا قَالَ قَالَ النَّاسُ بَايِعْ لابْنِ الزُّبَيْرِ فَقُلْتُ وَأَيْنَ بِهَذَا الأَمْرِ عَنْهُ أَمَّا أَبُوهُ فَحَوَارِيُّ النَّبِيِّ ﷺ يُرِيدُ الزُّبَيْرَ وَأَمَّا جَدُّهُ فَصَاحِبُ الْغَارِ يُرِيدُ أَبَا بَكْرٍ وَأُمُّهُ فَذَاتُ النِّطَاقِ يُرِيدُ أَسْمَاءَ وَأَمَّا خَالَتُهُ فَأُمُّ الْمُؤْمِنِينَ يُرِيدُ عَائِشَةَ وَأَمَّا عَمَّتُهُ فَزَوْجُ النَّبِيِّ ﷺ يُرِيدُ خَدِيجَةَ وَأَمَّا عَمَّةُ النَّبِيِّ ﷺ فَجَدَّتُهُ يُرِيدُ صَفِيَّةَ ثُمَّ عَفِيفٌ فِي الإِسْلَامِ قَارِئٌ لِلْقُرْآنِ وَاللَّهِ إِنْ وَصَلُونِي وَصَلُونِي مِنْ قَرِيبٍ وَإِنْ رَبُّونِي رَبُّونِي أَكْفَاءٌ كِرَامٌ فَآثَرَ التُّوَيْتَاتِ وَالأُسَامَاتِ وَالْحُمَيْدَاتِ يُرِيدُ أَبْطُنًا مِنْ بَنِي أَسَدٍ بَنِي تُوَيْتٍ وَبَنِي أُسَامَةَ وَبَنِي أَسَدٍ إِنَّ ابْنَ أَبِي الْعَاصِ بَرَزَ يَمْشِي الْقُدَمِيَّةَ يَعْنِي عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ وَإِنَّهُ لَوَّى ذَنَبَهُ يَعْنِي ابْنَ الزُّبَيْر"
٤٦٦٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ مَيْمُونٍ حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعِيدٍ قَالَ أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ دَخَلْنَا عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ أَلَا تَعْجَبُونَ لِابْنِ الزُّبَيْرِ قَامَ فِي أَمْرِهِ هَذَا فَقُلْتُ لَاحَاسِبَنَّ نَفْسِي لَهُ مَا حَاسَبْتُهَا لِأَبِي بَكْرٍ وَلَا لِعُمَرَ وَلَهُمَا كَانَا أَوْلَى بِكُلِّ خَيْرٍ مِنْهُ وَقُلْتُ ابْنُ عَمَّةِ النَّبِيِّ ﷺ وَابْنُ الزُّبَيْرِ وَابْنُ أَبِي بَكْرٍ وَابْنُ أَخِي خَدِيجَةَ وَابْنُ أُخْتِ عَائِشَةَ فَإِذَا هُوَ يَتَعَلَّى عَنِّي وَلَا يُرِيدُ ذَلِكَ فَقُلْتُ مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنِّي أَعْرِضُ هَذَا مِنْ نَفْسِي فَيَدَعُهُ وَمَا أُرَاهُ يُرِيدُ خَيْرًا وَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ لَانْ يَرُبَّنِي بَنُو عَمِّي أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَرُبَّنِي غَيْرُهُم"
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِهِ: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ أَيْ نَاصِرُنَا) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ أَيْ نَاصِرُنَا وَحَافِظُنَا.
قَوْلُهُ: (السَّكِينَةُ فَعِيلَةٌ مِنَ السُّكُونِ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) هُوَ الْجُعْفِيُّ وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي جَمِيعِ أَحَادِيثِ الْبَابِ إِلَّا الطَّرِيقَ الْأَخِيرَ، وَفِي شُيُوخِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَلَكِنْ حَيْثُ يُطْلَقُ ذَلِكَ فَالْمُرَادُ بِهِ الْجُعْفِيُّ لِاخْتِصَاصِهِ بِهِ وَإِكْثَارِهِ عَنْهُ. وَحَبَّانُ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ ثُمَّ الْمُوَحَّدَةِ الثَّقِيلَةِ هُوَ ابْنُ هِلَالٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْحَدِيثُ مَعَ شَرْحِهِ فِي مَنَاقِبِ أَبِي بَكْرٍ.
قَوْلُهُ: (حِينَ وَقَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ابْنِ الزُّبَيْرِ) أَيْ بِسَبَبِ الْبَيْعَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ حِينَ مَاتَ مُعَاوِيَةُ امْتَنَعَ مِنَ الْبَيْعَةِ
لِيَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ وَأَصَرَّ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى أَغْرَى يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ مُسْلِمَ بْنَ عقبة بِالْمَدِينَةِ فَكَانَتْ وَقْعَةُ الْحَرَّةِ، ثُمَّ تَوَجَّهَ الْجَيْشُ إِلَى مَكَّةَ فَمَاتَ أَمِيرُهُمْ مُسْلِمُ بْنُ عُقْبَةَ وَقَامَ بِأَمْرِ الْجَيْشِ الشَّامِيِّ أَبَانُ بْنُ نُمَيْرٍ فَحَصَرَ ابْنَ الزُّبَيْرِ بِمَكَّةَ، وَرَمَوُا الْكَعْبَةَ بِالْمَنْجَنِيقِ حَتَّى احْتَرَقَتْ.
فَفَجَأَهُمُ الْخَبَرُ بِمَوْتِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ فَرَجَعُوا إِلَى الشَّامِ، وَقَامَ ابْنُ الزُّبَيْرِ فِي بِنَاءِ الْكَعْبَةِ، ثُمَّ دَعَا إِلَى نَفْسِهِ فَبُويِعَ بِالْخِلَافَةِ وَأَطَاعَهُ أَهْلُ الْحِجَازِ وَمِصْرَ وَالْعِرَاقِ وَخُرَاسَانَ وَكَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ، ثُمَّ غَلَبَ مَرْوَانُ عَلَى الشَّامِ وَقُتِلَ الضَّحَّاكُ بْنُ قَيْسٍ الْأَمِيرُ مِنْ قِبَلِ ابْنِ الزُّبَيْرِ بِمَرْجِ رَاهِطٍ، وَمَضَى مَرْوَانُ إِلَى مِصْرَ وَغَلَبَ عَلَيْهَا، وَذَلِكَ كُلُّهُ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ، وَكَمَّلَ بِنَاءَ الْكَعْبَةِ فِي سَنَةِ خَمْسٍ، ثُمَّ مَاتَ مَرْوَانُ فِي سَنَةِ خَمْسٍ وَسِتِّينَ وَقَامَ عَبْدُ الْمَلِكِ ابْنُهُ مَقَامَهُ، وَغَلَبَ الْمُخْتَارُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ عَلَى الْكُوفَةِ فَفَرَّ مِنْهُ مَنْ كَانَ مِنْ قِبَلِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْحَنَفِيَّةِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ مُقِيمَيْنِ بِمَكَّةَ مُنْذُ قُتِلَ الْحُسَيْنُ، فَدَعَاهُمَا ابْنُ الزُّبَيْرِ إِلَى الْبَيْعَةِ لَهُ فَامْتَنَعَا وَقَالَا: لَا نُبَايِعُ حَتَّى يَجْتَمِعَ النَّاسُ عَلَى خَلِيفَةٍ، وَتَبِعَهُمَا جَمَاعَةٌ عَلَى ذَلِكَ، فَشَدَّدَ عَلَيْهِمُ ابْنُ الزُّبَيْرِ وَحَصَرَهُمْ، فَبَلَغَ الْمُخْتَارَ فَجَهَّزَ إِلَيْهِمْ جَيْشًا فَأَخْرَجُوهُمَا وَاسْتَأْذَنُوهُمَا فِي قِتَالِ ابْنِ الزُّبَيْرِ فَامْتَنَعَا، وَخَرَجَا إِلَى الطَّائِفِ فَأَقَامَا بِهَا حَتَّى مَاتَ ابْنُ عَبَّاسٍ سَنَةَ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ، وَرَحْلَ ابْنُ الْحَنَفِيَّةِ بَعْدَهُ إِلَى جِهَةِ رَضْوَى جَبَلِ بِيَنْبُعَ فَأَقَامَ هُنَاكَ، ثُمَّ أَرَادَ دُخُولَ الشَّامِ فَتَوَجَّهَ إِلَى نَحْوِ أَيْلَةَ فَمَاتَ فِي آخِرِ سَنَةِ ثَلَاثٍ أَوْ أَوَّلِ سَنَةِ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ، وَذَلِكَ عَقِبَ قَتْلِ ابْنِ الزُّبَيْرِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَقِيلَ عَاشَ إِلَى سَنَةِ ثَمَانِينَ أَوْ بَعْدَ ذَلِكَ، وَعِنْدَ الْوَاقِدِيِّ أَنَّهُ مَاتَ
بِالْمَدِينَةِ سَنَةَ إِحْدَى وَثَمَانِينَ، وَزَعَمَتِ الْكَيْسَانِيَّةُ أَنَّهُ حَيٌّ لَمْ يَمُتْ وَأَنَّهُ الْمَهْدِيُّ وَأَنَّهُ لَا يَمُوتُ حَتَّى يَمْلِكَ الْأَرْضَ، فِي خُرَافَاتٍ لَهُمْ كَثِيرَةٍ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهَا. وَإِنَّمَا لَخَّصْتُ مَا ذَكَرْتُهُ مِنْ طَبَقَاتِ ابْنِ سَعْدٍ وَتَارِيخِ الطَّبَرِيِّ وَغَيْرِهِ لِبَيَانِ الْمُرَادِ بِقَوْلِ ابْنِ أَبِ مُلَيْكَةَ حِينَ وَقَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَلِقَوْلِهِ فِي الطَّرِيقِ الْأُخْرَى فَغَدَوْتُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقُلْتُ: أَتُرِيدُ أَنْ تُقَاتِلَ ابْنَ الزُّبَيْرِ؟ وَقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ: قَالَ النَّاسُ: بَايِعْ لِابْنِ الزُّبَيْرِ، فَقُلْتُ: وَأَيْنَ بِهَذَا الْأَمْرِ عَنْهُ أَيْ أَنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لِذَلِكَ لِمَا لَهُ مِنَ الْمَنَاقِبِ الْمَذْكُورَةِ، وَلَكِنِ امْتَنَعَ ابْنُ عَبَّاسٍ مِنَ الْمُبَايَعَةِ لَهُ لِمَا ذَكَرْنَاهُ. وَرَوَى الْفَاكِهِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُ الْحَنَفِيَّةِ بِالْمَدِينَةِ ثُمَّ سَكَنَا مَكَّةَ، وَطَلَبَ مِنْهُمَا ابْنُ الزُّبَيْرِ الْبَيْعَةَ فَأَبَيَا حَتَّى يَجْتَمِعَ النَّاسُ عَلَى رَجُلٍ، فَضَيَّقَ عَلَيْهِمَا فَبَعَثَ رَسُولًا إِلَى الْعِرَاقِ فَخَرَجَ إِلَيْهِمَا جَيْشٌ فِي أَرْبَعَةِ آلَافٍ فَوَجَدُوهُمَا مَحْصُورَيْنِ، وَقَدْ أُحْضِرَ الْحَطَبُ فَجُعِلَ عَلَى الْبَابِ يُخَوِّفُهُمَا بِذَلِكَ، فَأَخْرَجُوهُمَا إِلَى الطَّائِفِ وَذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ أَنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ وَقَعَتْ بَيْنَ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَابْنِ عَبَّاسٍ فِي سَنَةِ سِتٍّ وَسِتِّينَ.
قَوْلُهُ: (وَأُمُّهُ أَسْمَاءُ) أَيْ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَقَوْلُهُ وَجَدَّتُهُ صَفِيَّةُ أَيْ بِنْتُ عَبْدِ المطلب، وَقَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ وَأَمَّا عَمَّتُهُ فَزَوْجُ النَّبِيِّ ﷺ يُرِيدُ خَدِيجَةَ أَطْلَقَ عَلَيْهَا عَمَّتَهُ تَجَوُّزًا وَإِنَّمَا هِيَ عَمَّةُ أَبِيهِ لِأَنَّهَا خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ أَيِ ابْنُ أَسَدٍ، وَالزُّبَيْرُ هُوَ ابْنُ الْعَوَّامِ بْنِ خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدٍ، وَكَذَا تَجَوَّزَ فِي الرِّوَايَةِ الثَّالِثَةِ حَيْثُ قَالَ ابْنُ أَبِي بَكْرٍ: وَإِنَّمَا هُوَ ابْنُ بِنْتِهِ، وَحَيْثُ قَالَ ابْنُ أَخِي خَدِيجَةَ وَإِنَّمَا هُوَ ابْنُ ابْنِ أَخِيهَا الْعَوَّامِ.
قَوْلُهُ: (فَقُلْتُ لِسُفْيَانَ إِسْنَادَهُ) بِالنَّصْبِ أَيِ اذْكُرْ إِسْنَادَهُ، أَوْ بِالرَّفْعِ أَيْ مَا إِسْنَادُهُ. فَقَالَ: (حَدَّثَنَا فَشَغَلَهُ إِنْسَانٌ وَلَمْ يَقُلِ ابْنُ جُرَيْجٍ) ظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ صَرَّحَ لَهُ بِالتَّحْدِيثِ لَكِنْ لَمَّا لَمْ يَقُلِ ابْنُ جُرَيْجٍ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ أَنْ يُدْخِلَ بَيْنَهُمَا وَاسِطَةً، وَاحْتَمَلَ عَدَمَ الْوَاسِطَةِ، وَلِذَلِكَ اسْتَظْهَرَ الْبُخَارِيُّ بِإِخْرَاجِ الْحَدِيثِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، ثُمَّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ شَيْخِهِ.
قَوْلُهُ فِي الطَّرِيقِ الثَّانِيَةِ (حَجَّاجٌ) هُوَ ابْنُ مُحَمَّدِ الْمِصِّيصِيُّ.
قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ وَكَانَ بَيْنَهُمَا شَيْءٌ) كَذَا أَعَادَ الضَّمِيرَ بِالتَّثْنِيَةِ عَلَى غَيْرِ مَذْكُورٍ اخْتِصَارًا
وَمُرَادُهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ، وَهُوَ صَرِيحٌ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى حَيْثُ قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ حِينَ وَقَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ابْنِ الزُّبَيْرِ.
قَوْلُهُ: (فَتَحِلُّ مَا حَرَّمَ اللَّهُ) أَيْ مِنَ الْقِتَالِ فِي الْحَرَمِ.
قَوْلُهُ: (كَتَبَ) أَيْ قَدَّرَ.
قَوْلُهُ: (مُحِلِّينَ) أَيْ أَنَّهُمْ كَانُوا يُبِيحُونَ الْقِتَالَ فِي الْحَرَمِ، وَإِنَّمَا نُسِبَ ابْنُ الزُّبَيْرِ إِلَى ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ بَنُو أُمَيَّةَ هُمُ الَّذِينَ ابْتَدَءُوهُ بِالْقِتَالِ وَحَصَرُوهُ وَإِنَّمَا بَدَأَ مِنْهُ أَوَّلًا دَفْعُهُمْ عَنْ نَفْسِهِ لِأَنَّهُ بَعْدَ أَنْ رَدَّهُمُ اللَّهُ عَنْهُ حَصَرَ بَنِي هَاشِمٍ لِيُبَايِعُوهُ، فَشَرَعَ فِيمَا يُؤْذِنُ بِإِبَاحَتِهِ الْقِتَالَ فِي الْحَرَمِ، وَكَانَ بَعْضُ النَّاسِ يُسَمِّي ابْنَ الزُّبَيْرِ الْمُحِلُّ لِذَلِكَ، قَالَ الشَّاعِرُ يَتَغَزَّلُ فِي أُخْتِهِ رَمْلَةَ:
أَلَا مَنْ لِقَلْبِ مَعْنَى غَزَلٍ … بِحُبِّ الْمُحِلَّةِ أُخْتِ الْمُحِلّ
وَقَوْلُهُ لَا أُحِلُّهُ أَبَدًا أَيْ لَا أُبِيحُ الْقِتَالَ فِيهِ، وَهَذَا مَذْهَبُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ لَا يُقَاتِلُ فِي الْحَرَمِ وَلَوْ قُوتِلَ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (قَالَ: قَالَ النَّاسُ) الْقَائِلُ هُوَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَنَاقِلُ ذَلِكَ عَنْهُ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ فَهُوَ مُتَّصِلٌ، وَالْمُرَادُ بِالنَّاسِ مَنْ كَانَ مِنْ جِهَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَقَوْلُهُ بَايِعْ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ وَقَوْلُهُ وَأَيْنَ بِهَذَا الْأَمْرِ أَيِ الْخِلَافَةِ، أَيْ لَيْسَتْ بَعِيدَةً عَنْهُ لِمَا لَهُ مِنَ الشَّرَفِ بِأَسْلَافِهِ الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ ثُمَّ صِفَتِهِ الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا بِقَوْلِهِ عَفِيفٌ فِي الْإِسْلَامِ قَارِئٌ لِلْقُرْآنِ. وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ قُتَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ عَوَانَةَ وَمِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعْدٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ قَالَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لَمَّا قِيلَ لَهُ بَايِعْ لِابْنِ الزُّبَيْرِ: أَيْنَ الْمَذْهَبُ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى قَوْلِهِ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ ابْنِ أَبِي بَكْرٍ فِي تَفْسِيرِ الْحُجُرَاتِ.
قَوْلُهُ: (وَاللَّهِ إِنْ وَصَلُونِي وَصَلُونِي مِنْ قَرِيبٍ) أَيْ بِسَبَبِ الْقَرَابَةِ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ رَبُّونِي) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ الثَّقِيلَةِ مِنَ التَّرْبِيَةِ.
قَوْلُهُ: (رَبُّونِي) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ رَبَّنِي بِالْإِفْرَادِ، وَقَوْلُهُ أَكْفَاءٌ أَيْ أَمْثَالٌ وَاحِدُهَا كُفْءٌ، وَقَوْلُهُ كِرَامٌ أَيْ فِي أَحْسَابِهِمْ، وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّ مُرَادَ ابْنِ عَبَّاسٍ بِالْمَذْكُورِينَ بَنُو أَسَدٍ رَهْطُ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَكَلَامُ أَبِي مِخْنَفٍ الْإخْبَارِيِّ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ بَنِي أُمَيَّةَ، فَإِنَّهُ ذَكَرَ مِنْ طَرِيقِ أُخْرَى أَنَّ ابْنِ عَبَّاسٍ لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ بِالطَّائِفِ جَمَعَ بَنِيهِ فَقَالَ يَا بَنِيَّ إِنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ لَمَّا خَرَجَ بِمَكَّةَ شَدَدْتُ أَزْرَهُ وَدَعَوْتُ النَّاسَ إِلَى بَيْعَتِهِ وَتَرَكْتُ بَنِي عَمِّنَا مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ الَّذِينَ إِنْ قَبِلُونَا قَبِلُونَا أَكْفَاءً، وَإِنْ رَبُّونَا رَبُّونَا كِرَامًا. فَلَمَّا أَصَابَ مَا أَصَابَ جَفَانِي وَيُؤَيِّدُ هَذَا مَا فِي آخِرِ الرِّوَايَةِ الثَّالِثَةِ حَيْثُ قَالَ وَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ لَأَنْ يُرَبنِي بَنُو عَمِّي أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يُرَبنِي غَيْرُهُمْ فَإِنَّ بَنِي عَمّه هُمْ بَنُو أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدٍ مناف لِأَنَّهُمْ مِنْ بَنِي عَبْدِ المطلب بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، فَعَبْدُ المطلب جَدُّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ المطلب ابْنِ عَمِّ أُمَيَّةَ جَدِّ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ بْنِ أَبِي الْعَاصِ، وَكَانَ هَاشِمٌ، وَعَبْدُ شَمْسٍ شَقِيقَيْنِ، قَالَ الشَّاعِرُ:
عَبْدُ شَمْسٍ كَانَ يَتْلُو هَاشِمًا … وَهُمَا بَعْدُ لِأُمٍّ وَلِأَبٍ
وأصرح مِنْ ذَلِكَ مَا فِي خَبَرِ أَبِي مِخْنَفٍ فَإِنَّ فِي آخِرِهِ: أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ لِبَنِيهِ: فَإِذَا دَفَنْتُمُونِي فَالْحَقُوا بِبَنِي عَمِّكُمْ بَنِي أُمَيَّةَ ثُمَّ رَأَيْتُ بَيَانَ ذَلِكَ وَاضِحًا فِيمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ فِي تَارِيخِهِ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ، فَإِنَّهُ قَالَ بَعْدَ قَوْلِهِ ثُمَّ عَفِيفٌ فِي الْإِسْلَامِ قَارِئٌ لِلْقُرْآنِ وَتَرَكْتُ بَنِي عَمِّي إِنْ وَصَلُونِي وَصَلُونِي عَنْ قَرِيبٍ أَيْ أَذْعَنْتُ لَهُ وَتَرَكْتُ بَنِي عَمِّي فَآثَرَ عَلَي غَيْرِي، وَبِهَذَا يَسْتَقِيمُ الْكَلَامُ، وَأَصْرَحُ مِنْ ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ قُتَيْبَةَ الْمَذْكُورَةِ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ لِابْنِهِ عَلِيٍّ الْحَقْ بِابْنِ عَمِّكِ، فَإِنَّ أَنْفَكَ مِنْكَ وَإِنْ كَانَ أَجْدَعٌ، فَلَحِقَ عَلِيٌّ بِعَبْدِ الْمَلِكِ فَكَانَ آثَرَ النَّاسِ عِنْدَهُ.
قَوْلُهُ: (فَآثَرَ عَلِيًّ) بِصِيغَةِ الْفِعْلِ الْمَاضِي مِنَ الْأَثَرَةِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فَأَيْنَ بِتَحْتَانِيَّةِ سَاكِنَةٍ ثُمَّ نُونٍ وَهُوَ
تَصْحِيفٌ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ قُتَيْبَةَ الْمَذْكُورَةِ فَشَدَدْتُ عَلَى عَضُدِهِ فَآثَرَ عَلِيًّ فَلَمْ أَرْضَ بِالْهَوَانِ.
قَوْلُهُ: (التُّوَيْتَاتِ وَالْأُسَامَاتِ وَالْحُمَيْدَاتِ يُرِيدُ أبطنا مِنْ بَنِي أَسَدٍ) أَمَّا التُّوَيْتَاتُ فَنِسْبَةٌ إِلَى بَنِي تُوَيْتِ بْنِ أَسَدٍ وَيُقَالُ تُوَيْتُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصَيِّ، وَأَمَّا الْأُسَامَاتُ فَنِسْبَةٌ إِلَى بَنِي أُسَامَةَ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى، وَأَمَّا الْحُمَيْدَاتُ فَنِسْبَةٌ إِلَى بَنِي حُمَيْدِ بْنِ زُهَيْرِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى، قَالَ الْفَاكِهِيُّ: حَدَّثَنَا الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الضَّحَّاكِ فِي آخَرِينَ أَنَّ زُهَيْرَ بْنَ الْحَارِثِ دُفِنَ فِي الْحِجْرِ. قَالَ: وَحَدَّثَنَا الزُّبَيْرُ قَالَ: كَانَ حُمَيْدُ بْنُ زُهَيْرٍ أَوَّلَ مَنْ بَنَى بِمَكَّةَ بَيْتًا مُرَبَّعًا، وَكَانَتْ قُرَيْشٌ تَكْرَهُ ذَلِكَ لِمُضَاهَاةِ الْكَعْبَةِ، فَلَمَّا بَنَى حُمَيْدٌ بَيْتَهُ قَالَ قَائِلِهِمْ:
الْيَوْمُ يُبْنَى لِحُمَيْدٍ بَيْتَهُ … إِمَّا حَيَاتَهُ وَإِمَّا مَوْتَهُ
فَلَمَّا لَمْ يُصِبْهُ شَيْءٌ تَابَعُوهُ عَلَى ذَلِكَ. وَتَجْتَمِعُ هَذِهِ الْأَبْطُنُ مَعَ خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدٍ جَدِّ ابْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ الْأَزْرَقِيُّ: كَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ إِذَا دَعَا النَّاسَ فِي الْإِذْنِ بَدَأَ بِبَنِي أَسَدٍ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي عَبْدِ شَمْسٍ وَغَيْرِهِمْ، فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَآثَرَ عَلَى التُّوَيْتَاتِ إِلَخْ قَالَ: فَلَمَّا وَلِيَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ قَدَّمَ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ ثُمَّ بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي المطلب وَبَنِي نَوْفَلٍ ثُمَّ أَعْطَى بَنِي الْحَارِثِ بْنِ فِهْرٍ قَبْلَ بَنِي أَسَدٍ وَقَالَ: لَأُقَدِّمَنَّ عَلَيْهِمْ أَبْعَدَ بَطْنٍ مِنْ قُرَيْشٍ، فَكَانَ يَصْنَعُ ذَلِكَ مُبَالَغَةً مِنْهُ فِي مُخَالَفَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ. وَجَمَعَ ابْنُ عَبَّاسٍ الْبُطُونَ الْمَذْكُورَةَ جَمْعَ الْقِلَّةِ تَحْقِيرًا لَهُمْ.
قَوْلُهُ: (يُرِيدُ أَبْطُنًا مِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ تُوَيْتٍ) كَذَا وَقَعَ، وَصَوَابُهُ يُرِيدُ أَبْطُنًا مِنْ بَنِي تُوَيْتِ بْنِ أَسَدٍ إِلَخْ، نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ عِيَاضٌ. قُلْتُ: وَكَذَا وَقَعَ فِي مُسْتَخْرَجِ أَبِي نُعَيْمٍ عَلَى الصَّوَابِ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي مِخْنَفٍ الْمَذْكُورَةِ أَفْخَاذًا صِغَارًا مِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى، وَهَذَا صَوَابٌ.
قَوْلُهُ: (إنَّ ابْنَ أَبِي الْعَاصِ) يَعْنِي عَبْدَ الْمُطَلِبِ بْنِ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ بْنِ أَبِي الْعَاصِ.
قَوْلُهُ: (بَرَزَ) أَيْ ظَهَرَ.
قَوْلُهُ: (يَمْشِي الْقُدَمِيَّةَ) بِضَمِّ الْقَافِ وَفَتْحِ الدَّالِ وَقَدْ تُضَمُّ أَيْضًا وَقَدْ تُسَكَّنُ وَكَسْرِ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّةِ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ: مَعْنَاهَا التَّبَخْتُرُ، وَهُوَ مَثَلُ يُرِيدُ أَنَّهُ بَرَزَ يَطْلُبُ مَعَالِيَ الْأُمُورَ. قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: الَّذِي فِي الْبُخَارِيِّ الْقُدَمِيَّةُ وَهِيَ التَّقَدُّمَةُ فِي الشَّرَفِ وَالْفَضْلِ، وَالَّذِي فِي كُتُبِ الْغَرِيبِ الْيَقْدَمِيَّةُ بِزِيَادَةِ تَحْتَانِيَّةٍ فِي أَوَّلِهِ وَمَعْنَاهَا التَّقَدُّمَةُ فِي الشَّرَفِ، وَقِيلَ التَّقَدُّمُ بِالْهِمَّةِ وَالْفِعْلِ. قُلْتُ: وَفِي رِوَايَةِ أَبِي مِخْنَفٍ مِثْلُ مَا وَقَعَ فِي الصَّحِيحِ.
قَوْلُهُ: (وَإِنَّهُ لوى ذَنَبِهِ) يَعْنِي ابْنِ الزُّبَيْرِ، لَوَّى بِتَشْدِيدِ الْوَاوِ وَبِتَخْفِيفِهَا أَيْ ثَنَاهُ، وَكَنَّى بِذَلِكَ عَنْ تَأَخُّرِهِ وَتَخَلُّفِهِ عَنْ مَعَالِي الْأُمُورِ، وَقِيلَ كَنَّى بِهِ عَنِ الْجُبْنِ وَإِيثَارِ الدَّعَةِ كَمَا تَفْعَلُ السِّبَاعُ إِذَا أَرَادَتِ النَّوْمَ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، وَفِي مِثْلِهِ قَالَ الشَّاعِرُ:
مَشَى ابْنُ الزُّبَيْرِ الْقَهْقَرَى وَتَقَدَّمَتْ … أُمَيَّةُ حَتَّى أَحْرَزُوا الْقَصَبَاتِ
وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ: الْمَعْنَى أَنَّهُ وَقَفَ فَلَمْ يَتَقَدَّمْ وَلَمْ يَتَأَخَّرْ، وَلَا وَضَعَ مَوَاضِعَهَا فَأَدْنَى النَّاصِحُ وَأَقْصَى الْكَاشِحُ. وَقَالَ ابْنُ التِّينِ، مَعْنَى لَوَّى ذَنَبَهُ لَمْ يَتِمُّ لَهُ مَا أَرَادَهُ. وَفِي رِوَايَةِ أَبِي مِخْنَفٍ الْمَذْكُورَةِ وَأَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ يَمْشِي الْقَهْقَرَى وَهُوَ الْمُنَاسِبُ لِقَوْلِهِ فِي عَبْدِ الْمَلِكِ، يَمْشِي الْقُدَمِيَّةَ، وَكَانَ الْأَمْرُ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، فَإِنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ لَمْ يزل فِي تَقَدُّمِ مِنْ أَمْرَهُ إِلَى أَنِ اسْتَنْقَذَ الْعِرَاقَ مِنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَقَتَلَ أَخَاهُ مصعبا، ثُمَّ جَهَّزَ الْعَسَاكِرَ إِلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ بِمَكَّةَ فَكَانَ مِنَ الْأَمْرِ مَا كَانَ، وَلَمْ يَزُلْ أَمْرُ ابْنِ الزُّبَيْرِ فِي تَأَخُّرِ إِلَى أَنْ قُتِلَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الثَّالِثَةِ (عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعِيدٍ) أَيِ ابْنِ أَبِي حُسَيْنِ الْمَكِّيِّ، وَقَوْلُهُ لَأُحَاسِبَنَّ نَفْسِي أَيْ لَأُنَاقِشَنَّهَا فِي مَعُونَتِهِ وَنُصْحِهِ، قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ. وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ: مَعْنَاهُ لَأَذْكُرَنَّ مِنْ مَنَاقِبِهِ مَا لَمْ أَذْكُرْ مِنْ مَنَاقِبِهِمَا، وَإِنَّمَا صَنَعَ ابْنُ عَبَّاسٍ ذَلِكَ لَاشْتَرَاكِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٤٦٦٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) الجعفيُّ المسنَديُّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيان (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز (عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ) عبد الله بن عبد الرحمن (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ قَالَ حِينَ وَقَعَ بَيْنَهُ) أي: بين ابن عبَّاسٍ (وَبَيْنَ ابْنِ الزُّبَيْرِ) عبد الله بسبب البيعة (١)، وذلك أنَّ ابن الزُّبير امتنع من مبايعة يزيد بن معاوية لمَّا مات أبوه، وأصرَّ على ذلك حتَّى مات يزيد، ثمَّ دعا ابن الزُّبير إلى نفسه بالخلافة فبُويِعَ بها، وأطاعه أهل الحجاز ومصر والعراق وخراسان وكثيرٌ من أهل الشَّام، ثمَّ غلب مروان على الشَّام، وقُتِل الضَّحَّاكُ بن قيسٍ الأميرُ من قِبَل ابن الزُّبير، ثمَّ تُوفِّي مروان سنة خمسٍ وستِّين، وقام عبد الملك ابنه مقامه، وغلب المختارُ بن أبي عبيدٍ على الكوفة، ففرَّ منه من كان من قِبَل ابن الزُّبير، وكان محمَّد ابن الحنفيَّة وعبد الله بن عبَّاسٍ مقيمين بمكَّة مدَّة قتل الحسين، فدعاهما ابن الزُّبير إلى البيعة له، فامتنعا وقالا: لا نُبايِعُ حتَّى يجتمع النَّاس على خليفةٍ، وتبعهما على ذلك جماعةٌ، فشدَّد ابن الزُّبير عليهم وحصرهم، فبلغ ذلك المختار، فجهَّز إليهم جيشًا، فأخرجوهما، واستأذنوهما في قتال ابن الزُّبير، فامتنعا، وخرجا إلى الطَّائف، قال ابن أبي مليكة: (قُلْتُ) أي: لابن عبَّاسٍ كالمنكر عليه امتناعه من مبايعة ابن الزُّبير، معدِّدًا شرفه واستحقاقه للخلافة: (أَبُوهُ الزُّبَيْرُ) بن العوَّام أحد العشرة المبشَّرة بالجنَّة (وَأُمُّهُ أَسْمَاءُ) بنت أبي بكرٍ الصِّدِّيق (وَخَالَتُهُ عَائِشَةُ) أمُّ المؤمنين (وَجَدُّهُ أَبُو بَكْرٍ) صاحب النَّبيِّ ﷺ في الغار (وَجَدَّتُهُ) أمُّ أبيه الزُّبيرِ (صَفِيَّةُ) بنت عبد المطَّلب عمَّة النَّبيِّ ﷺ، قال عبد الله بن محمَّد المسنَديُّ شيخ المؤلِّف: (فَقُلْتُ لِسُفْيَانَ) بن عيينة: (إِسْنَادُهُ) أي: هذا الحديث ما هو إسناده؟ ويجوز النَّصب على تقدير: اذكر إسنادَه، أي: هل العنعنة بواسطةٍ أو بدونها (٢) (فَقَالَ) أي: سفيان: (حَدَّثَنَا، فَشَغَلَهُ إِنْسَانٌ)
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
٤٦٦٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ قَالَ حِينَ وَقَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ابْنِ الزُّبَيْرِ: قُلْتُ أَبُوهُ الزُّبَيْرُ وَأُمُّهُ أَسْمَاءُ وَخَالَتُهُ عَائِشَةُ وَجَدُّهُ أَبُو بَكْرٍ وَجَدَّتُهُ صَفِيَّةُ. فَقُلْتُ لِسُفْيَانَ: إِسْنَادُهُ؟ فَقَالَ: حَدَّثَنَا، فَشَغَلَهُ إِنْسَانٌ وَلَمْ يَقُلْ: ابْنُ جُرَيْجٍ.
[الحديث ٤٦٦٤ - طرفه في: ٤٦٦٥، ٤٦٦٦]
٤٦٦٥ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ وَكَانَ بَيْنَهُمَا شَيْءٌ فَغَدَوْتُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقُلْتُ أَتُرِيدُ أَنْ تُقَاتِلَ ابْنَ الزُّبَيْرِ فَتُحِلَّ حَرَمَ اللَّهِ فَقَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ ابْنَ الزُّبَيْرِ وَبَنِي أُمَيَّةَ مُحِلِّينَ وَإِنِّي وَاللَّهِ لَا أُحِلُّهُ أَبَدًا قَالَ قَالَ النَّاسُ بَايِعْ لابْنِ الزُّبَيْرِ فَقُلْتُ وَأَيْنَ بِهَذَا الأَمْرِ عَنْهُ أَمَّا أَبُوهُ فَحَوَارِيُّ النَّبِيِّ ﷺ يُرِيدُ الزُّبَيْرَ وَأَمَّا جَدُّهُ فَصَاحِبُ الْغَارِ يُرِيدُ أَبَا بَكْرٍ وَأُمُّهُ فَذَاتُ النِّطَاقِ يُرِيدُ أَسْمَاءَ وَأَمَّا خَالَتُهُ فَأُمُّ الْمُؤْمِنِينَ يُرِيدُ عَائِشَةَ وَأَمَّا عَمَّتُهُ فَزَوْجُ النَّبِيِّ ﷺ يُرِيدُ خَدِيجَةَ وَأَمَّا عَمَّةُ النَّبِيِّ ﷺ فَجَدَّتُهُ يُرِيدُ صَفِيَّةَ ثُمَّ عَفِيفٌ فِي الإِسْلَامِ قَارِئٌ لِلْقُرْآنِ وَاللَّهِ إِنْ وَصَلُونِي وَصَلُونِي مِنْ قَرِيبٍ وَإِنْ رَبُّونِي رَبُّونِي أَكْفَاءٌ كِرَامٌ فَآثَرَ التُّوَيْتَاتِ وَالأُسَامَاتِ وَالْحُمَيْدَاتِ يُرِيدُ أَبْطُنًا مِنْ بَنِي أَسَدٍ بَنِي تُوَيْتٍ وَبَنِي أُسَامَةَ وَبَنِي أَسَدٍ إِنَّ ابْنَ أَبِي الْعَاصِ بَرَزَ يَمْشِي الْقُدَمِيَّةَ يَعْنِي عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ وَإِنَّهُ لَوَّى ذَنَبَهُ يَعْنِي ابْنَ الزُّبَيْر"
٤٦٦٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ مَيْمُونٍ حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعِيدٍ قَالَ أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ دَخَلْنَا عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ أَلَا تَعْجَبُونَ لِابْنِ الزُّبَيْرِ قَامَ فِي أَمْرِهِ هَذَا فَقُلْتُ لَاحَاسِبَنَّ نَفْسِي لَهُ مَا حَاسَبْتُهَا لِأَبِي بَكْرٍ وَلَا لِعُمَرَ وَلَهُمَا كَانَا أَوْلَى بِكُلِّ خَيْرٍ مِنْهُ وَقُلْتُ ابْنُ عَمَّةِ النَّبِيِّ ﷺ وَابْنُ الزُّبَيْرِ وَابْنُ أَبِي بَكْرٍ وَابْنُ أَخِي خَدِيجَةَ وَابْنُ أُخْتِ عَائِشَةَ فَإِذَا هُوَ يَتَعَلَّى عَنِّي وَلَا يُرِيدُ ذَلِكَ فَقُلْتُ مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنِّي أَعْرِضُ هَذَا مِنْ نَفْسِي فَيَدَعُهُ وَمَا أُرَاهُ يُرِيدُ خَيْرًا وَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ لَانْ يَرُبَّنِي بَنُو عَمِّي أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَرُبَّنِي غَيْرُهُم"
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِهِ: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ أَيْ نَاصِرُنَا) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ أَيْ نَاصِرُنَا وَحَافِظُنَا.
قَوْلُهُ: (السَّكِينَةُ فَعِيلَةٌ مِنَ السُّكُونِ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) هُوَ الْجُعْفِيُّ وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي جَمِيعِ أَحَادِيثِ الْبَابِ إِلَّا الطَّرِيقَ الْأَخِيرَ، وَفِي شُيُوخِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَلَكِنْ حَيْثُ يُطْلَقُ ذَلِكَ فَالْمُرَادُ بِهِ الْجُعْفِيُّ لِاخْتِصَاصِهِ بِهِ وَإِكْثَارِهِ عَنْهُ. وَحَبَّانُ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ ثُمَّ الْمُوَحَّدَةِ الثَّقِيلَةِ هُوَ ابْنُ هِلَالٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْحَدِيثُ مَعَ شَرْحِهِ فِي مَنَاقِبِ أَبِي بَكْرٍ.
قَوْلُهُ: (حِينَ وَقَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ابْنِ الزُّبَيْرِ) أَيْ بِسَبَبِ الْبَيْعَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ حِينَ مَاتَ مُعَاوِيَةُ امْتَنَعَ مِنَ الْبَيْعَةِ
لِيَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ وَأَصَرَّ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى أَغْرَى يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ مُسْلِمَ بْنَ عقبة بِالْمَدِينَةِ فَكَانَتْ وَقْعَةُ الْحَرَّةِ، ثُمَّ تَوَجَّهَ الْجَيْشُ إِلَى مَكَّةَ فَمَاتَ أَمِيرُهُمْ مُسْلِمُ بْنُ عُقْبَةَ وَقَامَ بِأَمْرِ الْجَيْشِ الشَّامِيِّ أَبَانُ بْنُ نُمَيْرٍ فَحَصَرَ ابْنَ الزُّبَيْرِ بِمَكَّةَ، وَرَمَوُا الْكَعْبَةَ بِالْمَنْجَنِيقِ حَتَّى احْتَرَقَتْ.
فَفَجَأَهُمُ الْخَبَرُ بِمَوْتِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ فَرَجَعُوا إِلَى الشَّامِ، وَقَامَ ابْنُ الزُّبَيْرِ فِي بِنَاءِ الْكَعْبَةِ، ثُمَّ دَعَا إِلَى نَفْسِهِ فَبُويِعَ بِالْخِلَافَةِ وَأَطَاعَهُ أَهْلُ الْحِجَازِ وَمِصْرَ وَالْعِرَاقِ وَخُرَاسَانَ وَكَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ، ثُمَّ غَلَبَ مَرْوَانُ عَلَى الشَّامِ وَقُتِلَ الضَّحَّاكُ بْنُ قَيْسٍ الْأَمِيرُ مِنْ قِبَلِ ابْنِ الزُّبَيْرِ بِمَرْجِ رَاهِطٍ، وَمَضَى مَرْوَانُ إِلَى مِصْرَ وَغَلَبَ عَلَيْهَا، وَذَلِكَ كُلُّهُ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ، وَكَمَّلَ بِنَاءَ الْكَعْبَةِ فِي سَنَةِ خَمْسٍ، ثُمَّ مَاتَ مَرْوَانُ فِي سَنَةِ خَمْسٍ وَسِتِّينَ وَقَامَ عَبْدُ الْمَلِكِ ابْنُهُ مَقَامَهُ، وَغَلَبَ الْمُخْتَارُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ عَلَى الْكُوفَةِ فَفَرَّ مِنْهُ مَنْ كَانَ مِنْ قِبَلِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْحَنَفِيَّةِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ مُقِيمَيْنِ بِمَكَّةَ مُنْذُ قُتِلَ الْحُسَيْنُ، فَدَعَاهُمَا ابْنُ الزُّبَيْرِ إِلَى الْبَيْعَةِ لَهُ فَامْتَنَعَا وَقَالَا: لَا نُبَايِعُ حَتَّى يَجْتَمِعَ النَّاسُ عَلَى خَلِيفَةٍ، وَتَبِعَهُمَا جَمَاعَةٌ عَلَى ذَلِكَ، فَشَدَّدَ عَلَيْهِمُ ابْنُ الزُّبَيْرِ وَحَصَرَهُمْ، فَبَلَغَ الْمُخْتَارَ فَجَهَّزَ إِلَيْهِمْ جَيْشًا فَأَخْرَجُوهُمَا وَاسْتَأْذَنُوهُمَا فِي قِتَالِ ابْنِ الزُّبَيْرِ فَامْتَنَعَا، وَخَرَجَا إِلَى الطَّائِفِ فَأَقَامَا بِهَا حَتَّى مَاتَ ابْنُ عَبَّاسٍ سَنَةَ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ، وَرَحْلَ ابْنُ الْحَنَفِيَّةِ بَعْدَهُ إِلَى جِهَةِ رَضْوَى جَبَلِ بِيَنْبُعَ فَأَقَامَ هُنَاكَ، ثُمَّ أَرَادَ دُخُولَ الشَّامِ فَتَوَجَّهَ إِلَى نَحْوِ أَيْلَةَ فَمَاتَ فِي آخِرِ سَنَةِ ثَلَاثٍ أَوْ أَوَّلِ سَنَةِ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ، وَذَلِكَ عَقِبَ قَتْلِ ابْنِ الزُّبَيْرِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَقِيلَ عَاشَ إِلَى سَنَةِ ثَمَانِينَ أَوْ بَعْدَ ذَلِكَ، وَعِنْدَ الْوَاقِدِيِّ أَنَّهُ مَاتَ
بِالْمَدِينَةِ سَنَةَ إِحْدَى وَثَمَانِينَ، وَزَعَمَتِ الْكَيْسَانِيَّةُ أَنَّهُ حَيٌّ لَمْ يَمُتْ وَأَنَّهُ الْمَهْدِيُّ وَأَنَّهُ لَا يَمُوتُ حَتَّى يَمْلِكَ الْأَرْضَ، فِي خُرَافَاتٍ لَهُمْ كَثِيرَةٍ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهَا. وَإِنَّمَا لَخَّصْتُ مَا ذَكَرْتُهُ مِنْ طَبَقَاتِ ابْنِ سَعْدٍ وَتَارِيخِ الطَّبَرِيِّ وَغَيْرِهِ لِبَيَانِ الْمُرَادِ بِقَوْلِ ابْنِ أَبِ مُلَيْكَةَ حِينَ وَقَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَلِقَوْلِهِ فِي الطَّرِيقِ الْأُخْرَى فَغَدَوْتُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقُلْتُ: أَتُرِيدُ أَنْ تُقَاتِلَ ابْنَ الزُّبَيْرِ؟ وَقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ: قَالَ النَّاسُ: بَايِعْ لِابْنِ الزُّبَيْرِ، فَقُلْتُ: وَأَيْنَ بِهَذَا الْأَمْرِ عَنْهُ أَيْ أَنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لِذَلِكَ لِمَا لَهُ مِنَ الْمَنَاقِبِ الْمَذْكُورَةِ، وَلَكِنِ امْتَنَعَ ابْنُ عَبَّاسٍ مِنَ الْمُبَايَعَةِ لَهُ لِمَا ذَكَرْنَاهُ. وَرَوَى الْفَاكِهِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُ الْحَنَفِيَّةِ بِالْمَدِينَةِ ثُمَّ سَكَنَا مَكَّةَ، وَطَلَبَ مِنْهُمَا ابْنُ الزُّبَيْرِ الْبَيْعَةَ فَأَبَيَا حَتَّى يَجْتَمِعَ النَّاسُ عَلَى رَجُلٍ، فَضَيَّقَ عَلَيْهِمَا فَبَعَثَ رَسُولًا إِلَى الْعِرَاقِ فَخَرَجَ إِلَيْهِمَا جَيْشٌ فِي أَرْبَعَةِ آلَافٍ فَوَجَدُوهُمَا مَحْصُورَيْنِ، وَقَدْ أُحْضِرَ الْحَطَبُ فَجُعِلَ عَلَى الْبَابِ يُخَوِّفُهُمَا بِذَلِكَ، فَأَخْرَجُوهُمَا إِلَى الطَّائِفِ وَذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ أَنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ وَقَعَتْ بَيْنَ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَابْنِ عَبَّاسٍ فِي سَنَةِ سِتٍّ وَسِتِّينَ.
قَوْلُهُ: (وَأُمُّهُ أَسْمَاءُ) أَيْ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَقَوْلُهُ وَجَدَّتُهُ صَفِيَّةُ أَيْ بِنْتُ عَبْدِ المطلب، وَقَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ وَأَمَّا عَمَّتُهُ فَزَوْجُ النَّبِيِّ ﷺ يُرِيدُ خَدِيجَةَ أَطْلَقَ عَلَيْهَا عَمَّتَهُ تَجَوُّزًا وَإِنَّمَا هِيَ عَمَّةُ أَبِيهِ لِأَنَّهَا خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ أَيِ ابْنُ أَسَدٍ، وَالزُّبَيْرُ هُوَ ابْنُ الْعَوَّامِ بْنِ خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدٍ، وَكَذَا تَجَوَّزَ فِي الرِّوَايَةِ الثَّالِثَةِ حَيْثُ قَالَ ابْنُ أَبِي بَكْرٍ: وَإِنَّمَا هُوَ ابْنُ بِنْتِهِ، وَحَيْثُ قَالَ ابْنُ أَخِي خَدِيجَةَ وَإِنَّمَا هُوَ ابْنُ ابْنِ أَخِيهَا الْعَوَّامِ.
قَوْلُهُ: (فَقُلْتُ لِسُفْيَانَ إِسْنَادَهُ) بِالنَّصْبِ أَيِ اذْكُرْ إِسْنَادَهُ، أَوْ بِالرَّفْعِ أَيْ مَا إِسْنَادُهُ. فَقَالَ: (حَدَّثَنَا فَشَغَلَهُ إِنْسَانٌ وَلَمْ يَقُلِ ابْنُ جُرَيْجٍ) ظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ صَرَّحَ لَهُ بِالتَّحْدِيثِ لَكِنْ لَمَّا لَمْ يَقُلِ ابْنُ جُرَيْجٍ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ أَنْ يُدْخِلَ بَيْنَهُمَا وَاسِطَةً، وَاحْتَمَلَ عَدَمَ الْوَاسِطَةِ، وَلِذَلِكَ اسْتَظْهَرَ الْبُخَارِيُّ بِإِخْرَاجِ الْحَدِيثِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، ثُمَّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ شَيْخِهِ.
قَوْلُهُ فِي الطَّرِيقِ الثَّانِيَةِ (حَجَّاجٌ) هُوَ ابْنُ مُحَمَّدِ الْمِصِّيصِيُّ.
قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ وَكَانَ بَيْنَهُمَا شَيْءٌ) كَذَا أَعَادَ الضَّمِيرَ بِالتَّثْنِيَةِ عَلَى غَيْرِ مَذْكُورٍ اخْتِصَارًا
وَمُرَادُهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ، وَهُوَ صَرِيحٌ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى حَيْثُ قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ حِينَ وَقَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ابْنِ الزُّبَيْرِ.
قَوْلُهُ: (فَتَحِلُّ مَا حَرَّمَ اللَّهُ) أَيْ مِنَ الْقِتَالِ فِي الْحَرَمِ.
قَوْلُهُ: (كَتَبَ) أَيْ قَدَّرَ.
قَوْلُهُ: (مُحِلِّينَ) أَيْ أَنَّهُمْ كَانُوا يُبِيحُونَ الْقِتَالَ فِي الْحَرَمِ، وَإِنَّمَا نُسِبَ ابْنُ الزُّبَيْرِ إِلَى ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ بَنُو أُمَيَّةَ هُمُ الَّذِينَ ابْتَدَءُوهُ بِالْقِتَالِ وَحَصَرُوهُ وَإِنَّمَا بَدَأَ مِنْهُ أَوَّلًا دَفْعُهُمْ عَنْ نَفْسِهِ لِأَنَّهُ بَعْدَ أَنْ رَدَّهُمُ اللَّهُ عَنْهُ حَصَرَ بَنِي هَاشِمٍ لِيُبَايِعُوهُ، فَشَرَعَ فِيمَا يُؤْذِنُ بِإِبَاحَتِهِ الْقِتَالَ فِي الْحَرَمِ، وَكَانَ بَعْضُ النَّاسِ يُسَمِّي ابْنَ الزُّبَيْرِ الْمُحِلُّ لِذَلِكَ، قَالَ الشَّاعِرُ يَتَغَزَّلُ فِي أُخْتِهِ رَمْلَةَ:
أَلَا مَنْ لِقَلْبِ مَعْنَى غَزَلٍ … بِحُبِّ الْمُحِلَّةِ أُخْتِ الْمُحِلّ
وَقَوْلُهُ لَا أُحِلُّهُ أَبَدًا أَيْ لَا أُبِيحُ الْقِتَالَ فِيهِ، وَهَذَا مَذْهَبُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ لَا يُقَاتِلُ فِي الْحَرَمِ وَلَوْ قُوتِلَ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (قَالَ: قَالَ النَّاسُ) الْقَائِلُ هُوَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَنَاقِلُ ذَلِكَ عَنْهُ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ فَهُوَ مُتَّصِلٌ، وَالْمُرَادُ بِالنَّاسِ مَنْ كَانَ مِنْ جِهَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَقَوْلُهُ بَايِعْ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ وَقَوْلُهُ وَأَيْنَ بِهَذَا الْأَمْرِ أَيِ الْخِلَافَةِ، أَيْ لَيْسَتْ بَعِيدَةً عَنْهُ لِمَا لَهُ مِنَ الشَّرَفِ بِأَسْلَافِهِ الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ ثُمَّ صِفَتِهِ الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا بِقَوْلِهِ عَفِيفٌ فِي الْإِسْلَامِ قَارِئٌ لِلْقُرْآنِ. وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ قُتَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ عَوَانَةَ وَمِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعْدٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ قَالَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لَمَّا قِيلَ لَهُ بَايِعْ لِابْنِ الزُّبَيْرِ: أَيْنَ الْمَذْهَبُ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى قَوْلِهِ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ ابْنِ أَبِي بَكْرٍ فِي تَفْسِيرِ الْحُجُرَاتِ.
قَوْلُهُ: (وَاللَّهِ إِنْ وَصَلُونِي وَصَلُونِي مِنْ قَرِيبٍ) أَيْ بِسَبَبِ الْقَرَابَةِ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ رَبُّونِي) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ الثَّقِيلَةِ مِنَ التَّرْبِيَةِ.
قَوْلُهُ: (رَبُّونِي) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ رَبَّنِي بِالْإِفْرَادِ، وَقَوْلُهُ أَكْفَاءٌ أَيْ أَمْثَالٌ وَاحِدُهَا كُفْءٌ، وَقَوْلُهُ كِرَامٌ أَيْ فِي أَحْسَابِهِمْ، وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّ مُرَادَ ابْنِ عَبَّاسٍ بِالْمَذْكُورِينَ بَنُو أَسَدٍ رَهْطُ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَكَلَامُ أَبِي مِخْنَفٍ الْإخْبَارِيِّ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ بَنِي أُمَيَّةَ، فَإِنَّهُ ذَكَرَ مِنْ طَرِيقِ أُخْرَى أَنَّ ابْنِ عَبَّاسٍ لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ بِالطَّائِفِ جَمَعَ بَنِيهِ فَقَالَ يَا بَنِيَّ إِنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ لَمَّا خَرَجَ بِمَكَّةَ شَدَدْتُ أَزْرَهُ وَدَعَوْتُ النَّاسَ إِلَى بَيْعَتِهِ وَتَرَكْتُ بَنِي عَمِّنَا مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ الَّذِينَ إِنْ قَبِلُونَا قَبِلُونَا أَكْفَاءً، وَإِنْ رَبُّونَا رَبُّونَا كِرَامًا. فَلَمَّا أَصَابَ مَا أَصَابَ جَفَانِي وَيُؤَيِّدُ هَذَا مَا فِي آخِرِ الرِّوَايَةِ الثَّالِثَةِ حَيْثُ قَالَ وَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ لَأَنْ يُرَبنِي بَنُو عَمِّي أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يُرَبنِي غَيْرُهُمْ فَإِنَّ بَنِي عَمّه هُمْ بَنُو أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدٍ مناف لِأَنَّهُمْ مِنْ بَنِي عَبْدِ المطلب بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، فَعَبْدُ المطلب جَدُّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ المطلب ابْنِ عَمِّ أُمَيَّةَ جَدِّ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ بْنِ أَبِي الْعَاصِ، وَكَانَ هَاشِمٌ، وَعَبْدُ شَمْسٍ شَقِيقَيْنِ، قَالَ الشَّاعِرُ:
عَبْدُ شَمْسٍ كَانَ يَتْلُو هَاشِمًا … وَهُمَا بَعْدُ لِأُمٍّ وَلِأَبٍ
وأصرح مِنْ ذَلِكَ مَا فِي خَبَرِ أَبِي مِخْنَفٍ فَإِنَّ فِي آخِرِهِ: أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ لِبَنِيهِ: فَإِذَا دَفَنْتُمُونِي فَالْحَقُوا بِبَنِي عَمِّكُمْ بَنِي أُمَيَّةَ ثُمَّ رَأَيْتُ بَيَانَ ذَلِكَ وَاضِحًا فِيمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ فِي تَارِيخِهِ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ، فَإِنَّهُ قَالَ بَعْدَ قَوْلِهِ ثُمَّ عَفِيفٌ فِي الْإِسْلَامِ قَارِئٌ لِلْقُرْآنِ وَتَرَكْتُ بَنِي عَمِّي إِنْ وَصَلُونِي وَصَلُونِي عَنْ قَرِيبٍ أَيْ أَذْعَنْتُ لَهُ وَتَرَكْتُ بَنِي عَمِّي فَآثَرَ عَلَي غَيْرِي، وَبِهَذَا يَسْتَقِيمُ الْكَلَامُ، وَأَصْرَحُ مِنْ ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ قُتَيْبَةَ الْمَذْكُورَةِ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ لِابْنِهِ عَلِيٍّ الْحَقْ بِابْنِ عَمِّكِ، فَإِنَّ أَنْفَكَ مِنْكَ وَإِنْ كَانَ أَجْدَعٌ، فَلَحِقَ عَلِيٌّ بِعَبْدِ الْمَلِكِ فَكَانَ آثَرَ النَّاسِ عِنْدَهُ.
قَوْلُهُ: (فَآثَرَ عَلِيًّ) بِصِيغَةِ الْفِعْلِ الْمَاضِي مِنَ الْأَثَرَةِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فَأَيْنَ بِتَحْتَانِيَّةِ سَاكِنَةٍ ثُمَّ نُونٍ وَهُوَ
تَصْحِيفٌ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ قُتَيْبَةَ الْمَذْكُورَةِ فَشَدَدْتُ عَلَى عَضُدِهِ فَآثَرَ عَلِيًّ فَلَمْ أَرْضَ بِالْهَوَانِ.
قَوْلُهُ: (التُّوَيْتَاتِ وَالْأُسَامَاتِ وَالْحُمَيْدَاتِ يُرِيدُ أبطنا مِنْ بَنِي أَسَدٍ) أَمَّا التُّوَيْتَاتُ فَنِسْبَةٌ إِلَى بَنِي تُوَيْتِ بْنِ أَسَدٍ وَيُقَالُ تُوَيْتُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصَيِّ، وَأَمَّا الْأُسَامَاتُ فَنِسْبَةٌ إِلَى بَنِي أُسَامَةَ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى، وَأَمَّا الْحُمَيْدَاتُ فَنِسْبَةٌ إِلَى بَنِي حُمَيْدِ بْنِ زُهَيْرِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى، قَالَ الْفَاكِهِيُّ: حَدَّثَنَا الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الضَّحَّاكِ فِي آخَرِينَ أَنَّ زُهَيْرَ بْنَ الْحَارِثِ دُفِنَ فِي الْحِجْرِ. قَالَ: وَحَدَّثَنَا الزُّبَيْرُ قَالَ: كَانَ حُمَيْدُ بْنُ زُهَيْرٍ أَوَّلَ مَنْ بَنَى بِمَكَّةَ بَيْتًا مُرَبَّعًا، وَكَانَتْ قُرَيْشٌ تَكْرَهُ ذَلِكَ لِمُضَاهَاةِ الْكَعْبَةِ، فَلَمَّا بَنَى حُمَيْدٌ بَيْتَهُ قَالَ قَائِلِهِمْ:
الْيَوْمُ يُبْنَى لِحُمَيْدٍ بَيْتَهُ … إِمَّا حَيَاتَهُ وَإِمَّا مَوْتَهُ
فَلَمَّا لَمْ يُصِبْهُ شَيْءٌ تَابَعُوهُ عَلَى ذَلِكَ. وَتَجْتَمِعُ هَذِهِ الْأَبْطُنُ مَعَ خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدٍ جَدِّ ابْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ الْأَزْرَقِيُّ: كَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ إِذَا دَعَا النَّاسَ فِي الْإِذْنِ بَدَأَ بِبَنِي أَسَدٍ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي عَبْدِ شَمْسٍ وَغَيْرِهِمْ، فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَآثَرَ عَلَى التُّوَيْتَاتِ إِلَخْ قَالَ: فَلَمَّا وَلِيَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ قَدَّمَ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ ثُمَّ بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي المطلب وَبَنِي نَوْفَلٍ ثُمَّ أَعْطَى بَنِي الْحَارِثِ بْنِ فِهْرٍ قَبْلَ بَنِي أَسَدٍ وَقَالَ: لَأُقَدِّمَنَّ عَلَيْهِمْ أَبْعَدَ بَطْنٍ مِنْ قُرَيْشٍ، فَكَانَ يَصْنَعُ ذَلِكَ مُبَالَغَةً مِنْهُ فِي مُخَالَفَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ. وَجَمَعَ ابْنُ عَبَّاسٍ الْبُطُونَ الْمَذْكُورَةَ جَمْعَ الْقِلَّةِ تَحْقِيرًا لَهُمْ.
قَوْلُهُ: (يُرِيدُ أَبْطُنًا مِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ تُوَيْتٍ) كَذَا وَقَعَ، وَصَوَابُهُ يُرِيدُ أَبْطُنًا مِنْ بَنِي تُوَيْتِ بْنِ أَسَدٍ إِلَخْ، نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ عِيَاضٌ. قُلْتُ: وَكَذَا وَقَعَ فِي مُسْتَخْرَجِ أَبِي نُعَيْمٍ عَلَى الصَّوَابِ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي مِخْنَفٍ الْمَذْكُورَةِ أَفْخَاذًا صِغَارًا مِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى، وَهَذَا صَوَابٌ.
قَوْلُهُ: (إنَّ ابْنَ أَبِي الْعَاصِ) يَعْنِي عَبْدَ الْمُطَلِبِ بْنِ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ بْنِ أَبِي الْعَاصِ.
قَوْلُهُ: (بَرَزَ) أَيْ ظَهَرَ.
قَوْلُهُ: (يَمْشِي الْقُدَمِيَّةَ) بِضَمِّ الْقَافِ وَفَتْحِ الدَّالِ وَقَدْ تُضَمُّ أَيْضًا وَقَدْ تُسَكَّنُ وَكَسْرِ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّةِ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ: مَعْنَاهَا التَّبَخْتُرُ، وَهُوَ مَثَلُ يُرِيدُ أَنَّهُ بَرَزَ يَطْلُبُ مَعَالِيَ الْأُمُورَ. قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: الَّذِي فِي الْبُخَارِيِّ الْقُدَمِيَّةُ وَهِيَ التَّقَدُّمَةُ فِي الشَّرَفِ وَالْفَضْلِ، وَالَّذِي فِي كُتُبِ الْغَرِيبِ الْيَقْدَمِيَّةُ بِزِيَادَةِ تَحْتَانِيَّةٍ فِي أَوَّلِهِ وَمَعْنَاهَا التَّقَدُّمَةُ فِي الشَّرَفِ، وَقِيلَ التَّقَدُّمُ بِالْهِمَّةِ وَالْفِعْلِ. قُلْتُ: وَفِي رِوَايَةِ أَبِي مِخْنَفٍ مِثْلُ مَا وَقَعَ فِي الصَّحِيحِ.
قَوْلُهُ: (وَإِنَّهُ لوى ذَنَبِهِ) يَعْنِي ابْنِ الزُّبَيْرِ، لَوَّى بِتَشْدِيدِ الْوَاوِ وَبِتَخْفِيفِهَا أَيْ ثَنَاهُ، وَكَنَّى بِذَلِكَ عَنْ تَأَخُّرِهِ وَتَخَلُّفِهِ عَنْ مَعَالِي الْأُمُورِ، وَقِيلَ كَنَّى بِهِ عَنِ الْجُبْنِ وَإِيثَارِ الدَّعَةِ كَمَا تَفْعَلُ السِّبَاعُ إِذَا أَرَادَتِ النَّوْمَ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، وَفِي مِثْلِهِ قَالَ الشَّاعِرُ:
مَشَى ابْنُ الزُّبَيْرِ الْقَهْقَرَى وَتَقَدَّمَتْ … أُمَيَّةُ حَتَّى أَحْرَزُوا الْقَصَبَاتِ
وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ: الْمَعْنَى أَنَّهُ وَقَفَ فَلَمْ يَتَقَدَّمْ وَلَمْ يَتَأَخَّرْ، وَلَا وَضَعَ مَوَاضِعَهَا فَأَدْنَى النَّاصِحُ وَأَقْصَى الْكَاشِحُ. وَقَالَ ابْنُ التِّينِ، مَعْنَى لَوَّى ذَنَبَهُ لَمْ يَتِمُّ لَهُ مَا أَرَادَهُ. وَفِي رِوَايَةِ أَبِي مِخْنَفٍ الْمَذْكُورَةِ وَأَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ يَمْشِي الْقَهْقَرَى وَهُوَ الْمُنَاسِبُ لِقَوْلِهِ فِي عَبْدِ الْمَلِكِ، يَمْشِي الْقُدَمِيَّةَ، وَكَانَ الْأَمْرُ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، فَإِنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ لَمْ يزل فِي تَقَدُّمِ مِنْ أَمْرَهُ إِلَى أَنِ اسْتَنْقَذَ الْعِرَاقَ مِنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَقَتَلَ أَخَاهُ مصعبا، ثُمَّ جَهَّزَ الْعَسَاكِرَ إِلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ بِمَكَّةَ فَكَانَ مِنَ الْأَمْرِ مَا كَانَ، وَلَمْ يَزُلْ أَمْرُ ابْنِ الزُّبَيْرِ فِي تَأَخُّرِ إِلَى أَنْ قُتِلَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الثَّالِثَةِ (عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعِيدٍ) أَيِ ابْنِ أَبِي حُسَيْنِ الْمَكِّيِّ، وَقَوْلُهُ لَأُحَاسِبَنَّ نَفْسِي أَيْ لَأُنَاقِشَنَّهَا فِي مَعُونَتِهِ وَنُصْحِهِ، قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ. وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ: مَعْنَاهُ لَأَذْكُرَنَّ مِنْ مَنَاقِبِهِ مَا لَمْ أَذْكُرْ مِنْ مَنَاقِبِهِمَا، وَإِنَّمَا صَنَعَ ابْنُ عَبَّاسٍ ذَلِكَ لَاشْتَرَاكِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٤٦٦٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) الجعفيُّ المسنَديُّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيان (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز (عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ) عبد الله بن عبد الرحمن (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ قَالَ حِينَ وَقَعَ بَيْنَهُ) أي: بين ابن عبَّاسٍ (وَبَيْنَ ابْنِ الزُّبَيْرِ) عبد الله بسبب البيعة (١)، وذلك أنَّ ابن الزُّبير امتنع من مبايعة يزيد بن معاوية لمَّا مات أبوه، وأصرَّ على ذلك حتَّى مات يزيد، ثمَّ دعا ابن الزُّبير إلى نفسه بالخلافة فبُويِعَ بها، وأطاعه أهل الحجاز ومصر والعراق وخراسان وكثيرٌ من أهل الشَّام، ثمَّ غلب مروان على الشَّام، وقُتِل الضَّحَّاكُ بن قيسٍ الأميرُ من قِبَل ابن الزُّبير، ثمَّ تُوفِّي مروان سنة خمسٍ وستِّين، وقام عبد الملك ابنه مقامه، وغلب المختارُ بن أبي عبيدٍ على الكوفة، ففرَّ منه من كان من قِبَل ابن الزُّبير، وكان محمَّد ابن الحنفيَّة وعبد الله بن عبَّاسٍ مقيمين بمكَّة مدَّة قتل الحسين، فدعاهما ابن الزُّبير إلى البيعة له، فامتنعا وقالا: لا نُبايِعُ حتَّى يجتمع النَّاس على خليفةٍ، وتبعهما على ذلك جماعةٌ، فشدَّد ابن الزُّبير عليهم وحصرهم، فبلغ ذلك المختار، فجهَّز إليهم جيشًا، فأخرجوهما، واستأذنوهما في قتال ابن الزُّبير، فامتنعا، وخرجا إلى الطَّائف، قال ابن أبي مليكة: (قُلْتُ) أي: لابن عبَّاسٍ كالمنكر عليه امتناعه من مبايعة ابن الزُّبير، معدِّدًا شرفه واستحقاقه للخلافة: (أَبُوهُ الزُّبَيْرُ) بن العوَّام أحد العشرة المبشَّرة بالجنَّة (وَأُمُّهُ أَسْمَاءُ) بنت أبي بكرٍ الصِّدِّيق (وَخَالَتُهُ عَائِشَةُ) أمُّ المؤمنين (وَجَدُّهُ أَبُو بَكْرٍ) صاحب النَّبيِّ ﷺ في الغار (وَجَدَّتُهُ) أمُّ أبيه الزُّبيرِ (صَفِيَّةُ) بنت عبد المطَّلب عمَّة النَّبيِّ ﷺ، قال عبد الله بن محمَّد المسنَديُّ شيخ المؤلِّف: (فَقُلْتُ لِسُفْيَانَ) بن عيينة: (إِسْنَادُهُ) أي: هذا الحديث ما هو إسناده؟ ويجوز النَّصب على تقدير: اذكر إسنادَه، أي: هل العنعنة بواسطةٍ أو بدونها (٢) (فَقَالَ) أي: سفيان: (حَدَّثَنَا، فَشَغَلَهُ إِنْسَانٌ)