الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٦٥٤
الحديث رقم ٤٦٥٤ من كتاب «سورة براءة» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب قوله براءة من الله ورسوله.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
﴿فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ وَأَنَّ اللهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ﴾؛ سِيحُوا: سِيرُوا.
٤٦٥٤ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ ﵁ يَقُولُ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
وَإِلَّا فَاطَّرِحْنِي وَاتَّخِذْنِي … عَدُوًّا أَتَّقِيكَ وَتَتَّقِينِي
وَهِيَ كَثِيرَةُ الْحِكَمِ وَالْأَمْثَالِ. وَكَانَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنِ الْعَلَاءِ يَقُولُ: لَوْ كَانَ الشِّعْرُ مِثْلُهَا وَجَبَ عَلَى النَّاسِ أَنْ يَتَعَلَّمُوهُ.
١ - بَاب: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ أَذَانٌ: إِعْلَامٌ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿أُذُنٌ﴾ يُصَدِّقُ، ﴿تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ وَنَحْوُهَا كَثِيرٌ، وَالزَّكَاةُ الطَّاعَةُ وَالْإِخْلَاصُ، ﴿لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ لَا يَشْهَدُونَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، يُضَاهُونَ: يُشَبِّهُونَ.
٤٦٥٤ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ ﵁ يَقُولُ: آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ﴾ وَآخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ: بَرَاءَةٌ.
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِهِ ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ - إِلَى - ﴿الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ أَذَانٌ: إِعْلَامٌ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ قَالَ: عِلْمٌ مِنَ اللَّهِ، وَهُوَ مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِكِ أَذَنْتُهُمْ أَيْ أَعْلَمْتُهُمْ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أُذُنٌ يُصَدِّقُ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ﴾ يَعْنِي أَنَّهُ يَسْمَعُ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ، قَالَ اللَّهُ: ﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ يَعْنِي يُصَدِّقُ بِاللَّهِ، وَظَهَرَ أَنَّ يُصَدِّقُ تَفْسِيرُ يُؤْمِنُ لَا تَفْسِيرُ أُذُنٍ كَمَا يَفْهَمُهُ صَنِيعُ الْمُصَنِّفِ حَيْثُ اخْتَصَرَهُ.
قَوْلُهُ: ﴿تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ وَنَحْوُهَا كَثِيرٌ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ أَيْ فِي الْقُرْآنِ، وَيُقَالُ التَّزْكِيَةُ (وَالزَّكَاةُ الطَّاعَةُ وَالْإِخْلَاصُ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ قَالَ: الزَّكَاةُ طَاعَةُ اللَّهِ وَالْإِخْلَاصُ.
قَوْلُهُ: (لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ: لَا يَشْهَدُونَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ قَالَ: هُمُ الَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. وَهَذِهِ الْآيَةُ مِنْ تَفْسِيرِ فُصِّلَتْ ذَكَرَهَا هُنَا اسْتِطْرَادًا. وَفِي تَفْسِيرِ ابْنِ عَبَّاسٍ الزَّكَاةُ بِالطَّاعَةِ وَالتَّوْحِيدِ دَفْعٌ لِاحْتِجَاجِ مَنِ احْتَجَّ بِالْآيَةِ عَلَى أَنَّ الْكُفَّارَ مُخَاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ.
قَوْلِهِ: (يُضَاهُونَ: يُشَبِّهُونَ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: يُضَاهونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا، أَيْ يُشَبِّهُونَ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الْمُضَاهَاةُ التَّشْبِيهُ. ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ الْبَرَاءِ فِي آخِرِ آيَةٍ نَزَلَتْ وَآخِرِ سُورَةٍ نَزَلَتْ، فَأَمَّا الْآيَةُ فَتَقَدَّمَ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَأَنَّ آخِرَ آيَةٍ نَزَلَتْ آيَةُ الرِّبَا، وَيُجْمَعُ بِأَنَّهُمَا لَمْ يَنْقُلَاهُ وَإِنَّمَا ذَكَرَاهُ عَنِ اسْتِقْرَاءِ بِحَسَبِ مَا اطَّلَعَا عَلَيْهِ، وَأَوْلَى مِنْ ذَلِكَ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا أَرَادَ آخِرِيَّةً مَخْصُوصَةً، وَأَمَّا السُّورَةُ فَالْمُرَادُ بَعْضُهَا أَوْ مُعْظَمُهَا وَإِلَّا فَفِيهَا آيَاتٌ كَثِيرَةٌ نَزَلَتْ قَبْلَ سَنَةَ الْوَفَاةِ النَّبَوِيَّةِ، وَأَوْضَحُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ أَوَّلَ بَرَاءَةٍ نَزَلَ عَقِبَ فَتْحِ مَكَّةَ فِي سَنَةِ تِسْعٍ عَامَ حَجِّ أَبِي بَكْرٍ وَقَدْ نَزَلَ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ وَهِيَ فِي الْمَائِدَةِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ سَنَةَ عَشْرٍ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ مُعْظَمُهَا، وَلَا شَكَّ أَنَّ غَالِبَهَا نَزَلَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ وَهِيَ آخِرُ غَزَوَاتِ النَّبِيِّ ﷺ، وَسَيَأْتِي فِي تَفْسِيرِ: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ أَنَّهَا آخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ، وَأَذْكُرُ الْجَمْعَ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَقَدْ قِيلَ فِي آخِرِيَّةِ نُزُولِ بَرَاءَةِ أَنَّ الْمُرَادَ بَعْضُهَا، فَقِيلَ قَوْلُهُ: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ﴾ الْآيَةَ وَقِيلَ: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ وَأَصَحُّ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
الدَّلالة على المعاني، وقول اليهود هذا كان مذهبًا مشهورًا عندهم، أو قاله بعضٌ من متقدِّميهم، أو من كان بالمدينة، وإنَّما قالوا (١) ذلك؛ لأنَّه لم يبقَ فيهم بعد وقعة بختنصر مَنْ يحفظ التَّوراة، فلمَّا أحياه الله بعد مئة عامٍ وأملى عليهم التَّوراة حفظًا؛ فتعجَّبوا من ذلك وقالوا: ما هذا إلا لأنَّه ابن الله، والدَّليل على أنَّ هذا القول كان فيهم (٢): أنَّ الآية قُرِئَت عليهم، فلم يُكذِّبوا مع تهالكهم على التَّكذيب.
٤٦٥٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ) هشام بن عبد الملك الطَّيالسيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله السَّبيعيِّ أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ البَرَاءَ) بن عازبٍ (﵁ يَقُولُ: آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ) عليه ﷺ: (﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾) في آخر سورة النِّساء [النساء: ١٧٦] (وَآخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ) عليه ﵊ (بَرَاءَةٌ) فإن قلتَ: قد (٣) سبق في آخر (٤) «سورة البقرة» من حديث ابن عبَّاسٍ أنَّ آخر آية نزلت آية الرِّبا [خ¦٤٥٤٤] وعند النَّسائيِّ من حديث ابن عبَّاسٍ: أنَّ سورة النَّصر آخر سورة نزلت؛ أجيب بأنَّ المراد آخريَّةٌ مخصوصةٌ؛ لأنَّ الأوَّليَّة والآخريَّة من الأمور النِّسبيَّة، وأمَّا السُّورة؛ فإن آخريَّة النصر باعتبار نزولها كاملةً، بخلاف براءة؛ فالمراد أوَّلها أو معظمها، وإلَّا ففيها آياتٌ كثيرةٌ نزلت قبل سنة الوفاة النَّبويَّة، وسيكون لنا عودةٌ إلى الإلمام بشيءٍ من مبحث ذلك «بسورة النَّصر» [خ¦٤٩٦٧] إن شاء الله تعالى، بعون الله وقوته.
(٢) (بَاب قَوْله) تعالى: (﴿فَسِيحُواْ فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾) أوَّلها شوَّالٌ، وآخرها سلخ (٥) المحرَّم،
قاله الزُّهريُّ، أو من يوم النَّحر إلى عشرين من ربيع الآخر، واستشكل ابن كثيرٍ الأوَّل: بأنَّهم كيف يحاسبون بمدَّةٍ لم يبلغهم حكمها وإنَّما ظهر لهم أمرها يوم النَّحر؟ كما يأتي إن شاء الله تعالى، واستشكَلَ غيرُه القولين: بأنَّه لم يكن ذلك كلُّه الأشهر الحرم المشار إليها في قوله: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ [التوبة: ٥] وأجيب باحتمال أن يكون من قبيل التَّغليب، وهذا أمرٌ من الله لناقضي العهد كما مرَّ، وروى سعيد بن منصورٍ والنَّسائيُّ عن زيد بن يُثَيْعٍ؛ بتحتيَّةٍ مضمومةٍ وقد تُبدَل همزةً بعدها مثلَّثةٌ مفتوحةٌ فتحتيَّةٌ ساكنةٌ فعينٌ مهملةٌ، الهَمْدانيُّ الكوفيُّ المخضرم، قال: «سألت عليًّا: بأيِّ شيء بُعِثْتَ؟ قال: بأنَّه لا يدخل الجنَّة إلا نفسٌ مؤمنةٌ، ولا يطوف بالبيت عريان، ولا يجتمع مسلمٌ ومشركٌ في الحجِّ بعد عامهم هذا، ومن كان له عهدٌ فعهده إلى مُدَّته، ومن لم يكن له عهدٌ؛ فأربعة أشهرٍ» واستُدِلَّ بهذا الأخير -كما قاله ابن حجرٍ وغيره- على أنَّ قوله تعالى: ﴿فَسِيحُواْ فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ [التوبة: ٢] مختصٌّ بمن لم يكن له عهدٌ مؤقَّتٌ (١)، أو من لم يكن له عهدٌ أصلًا، وأمَّا من له عهدٌ مؤقَّتٌ فهو إلى مدَّته، وروى الطَّبريُّ (٢) من طريق ابن إسحاق قال: هم صنفان: صنفٌ كان له (٣) عهدٌ دون أربعة أشهرٍ، فأُمهِل تمام أربعة أشهرٍ، وصنفٌ كانت مدَّة عهده (٤) بغير أجلٍ، فقُصِرَت على أربعة أشهرٍ، وعن ابن عبَّاسٍ: أنَّ الأربعة أشهر (٥) أَجَلُ من كان له عهدٌ مؤقَّتٌ بقدرها أو يزيد عليها، وأنَّ من ليس له عهدٌ؛ فانقضاؤه إلى سلخ المحرَّم؛ لقوله: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] وعن الزُّهريِّ (٦) قال: كان أوَّل أربعة أشهر (٧) عند نزول براءة في شوَّال، وكان آخرها آخر المحرَّم، وبذلك يُجمَع بين (٨) الأربعة أشهر وبين قوله: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ [التوبة: ٥].
(﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللّهِ﴾) أي: لا تفوتونه وإن أمهلكم (﴿وَأَنَّ اللّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ﴾ [التوبة: ٢]) مُذِلُّهم بالقتل والأسر في الدُّنيا والعذاب في الآخرة.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
وَإِلَّا فَاطَّرِحْنِي وَاتَّخِذْنِي … عَدُوًّا أَتَّقِيكَ وَتَتَّقِينِي
وَهِيَ كَثِيرَةُ الْحِكَمِ وَالْأَمْثَالِ. وَكَانَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنِ الْعَلَاءِ يَقُولُ: لَوْ كَانَ الشِّعْرُ مِثْلُهَا وَجَبَ عَلَى النَّاسِ أَنْ يَتَعَلَّمُوهُ.
١ - بَاب: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ أَذَانٌ: إِعْلَامٌ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿أُذُنٌ﴾ يُصَدِّقُ، ﴿تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ وَنَحْوُهَا كَثِيرٌ، وَالزَّكَاةُ الطَّاعَةُ وَالْإِخْلَاصُ، ﴿لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ لَا يَشْهَدُونَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، يُضَاهُونَ: يُشَبِّهُونَ.
٤٦٥٤ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ ﵁ يَقُولُ: آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ﴾ وَآخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ: بَرَاءَةٌ.
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِهِ ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ - إِلَى - ﴿الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ أَذَانٌ: إِعْلَامٌ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ قَالَ: عِلْمٌ مِنَ اللَّهِ، وَهُوَ مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِكِ أَذَنْتُهُمْ أَيْ أَعْلَمْتُهُمْ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أُذُنٌ يُصَدِّقُ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ﴾ يَعْنِي أَنَّهُ يَسْمَعُ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ، قَالَ اللَّهُ: ﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ يَعْنِي يُصَدِّقُ بِاللَّهِ، وَظَهَرَ أَنَّ يُصَدِّقُ تَفْسِيرُ يُؤْمِنُ لَا تَفْسِيرُ أُذُنٍ كَمَا يَفْهَمُهُ صَنِيعُ الْمُصَنِّفِ حَيْثُ اخْتَصَرَهُ.
قَوْلُهُ: ﴿تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ وَنَحْوُهَا كَثِيرٌ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ أَيْ فِي الْقُرْآنِ، وَيُقَالُ التَّزْكِيَةُ (وَالزَّكَاةُ الطَّاعَةُ وَالْإِخْلَاصُ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ قَالَ: الزَّكَاةُ طَاعَةُ اللَّهِ وَالْإِخْلَاصُ.
قَوْلُهُ: (لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ: لَا يَشْهَدُونَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ قَالَ: هُمُ الَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. وَهَذِهِ الْآيَةُ مِنْ تَفْسِيرِ فُصِّلَتْ ذَكَرَهَا هُنَا اسْتِطْرَادًا. وَفِي تَفْسِيرِ ابْنِ عَبَّاسٍ الزَّكَاةُ بِالطَّاعَةِ وَالتَّوْحِيدِ دَفْعٌ لِاحْتِجَاجِ مَنِ احْتَجَّ بِالْآيَةِ عَلَى أَنَّ الْكُفَّارَ مُخَاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ.
قَوْلِهِ: (يُضَاهُونَ: يُشَبِّهُونَ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: يُضَاهونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا، أَيْ يُشَبِّهُونَ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الْمُضَاهَاةُ التَّشْبِيهُ. ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ الْبَرَاءِ فِي آخِرِ آيَةٍ نَزَلَتْ وَآخِرِ سُورَةٍ نَزَلَتْ، فَأَمَّا الْآيَةُ فَتَقَدَّمَ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَأَنَّ آخِرَ آيَةٍ نَزَلَتْ آيَةُ الرِّبَا، وَيُجْمَعُ بِأَنَّهُمَا لَمْ يَنْقُلَاهُ وَإِنَّمَا ذَكَرَاهُ عَنِ اسْتِقْرَاءِ بِحَسَبِ مَا اطَّلَعَا عَلَيْهِ، وَأَوْلَى مِنْ ذَلِكَ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا أَرَادَ آخِرِيَّةً مَخْصُوصَةً، وَأَمَّا السُّورَةُ فَالْمُرَادُ بَعْضُهَا أَوْ مُعْظَمُهَا وَإِلَّا فَفِيهَا آيَاتٌ كَثِيرَةٌ نَزَلَتْ قَبْلَ سَنَةَ الْوَفَاةِ النَّبَوِيَّةِ، وَأَوْضَحُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ أَوَّلَ بَرَاءَةٍ نَزَلَ عَقِبَ فَتْحِ مَكَّةَ فِي سَنَةِ تِسْعٍ عَامَ حَجِّ أَبِي بَكْرٍ وَقَدْ نَزَلَ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ وَهِيَ فِي الْمَائِدَةِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ سَنَةَ عَشْرٍ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ مُعْظَمُهَا، وَلَا شَكَّ أَنَّ غَالِبَهَا نَزَلَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ وَهِيَ آخِرُ غَزَوَاتِ النَّبِيِّ ﷺ، وَسَيَأْتِي فِي تَفْسِيرِ: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ أَنَّهَا آخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ، وَأَذْكُرُ الْجَمْعَ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَقَدْ قِيلَ فِي آخِرِيَّةِ نُزُولِ بَرَاءَةِ أَنَّ الْمُرَادَ بَعْضُهَا، فَقِيلَ قَوْلُهُ: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ﴾ الْآيَةَ وَقِيلَ: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ وَأَصَحُّ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
الدَّلالة على المعاني، وقول اليهود هذا كان مذهبًا مشهورًا عندهم، أو قاله بعضٌ من متقدِّميهم، أو من كان بالمدينة، وإنَّما قالوا (١) ذلك؛ لأنَّه لم يبقَ فيهم بعد وقعة بختنصر مَنْ يحفظ التَّوراة، فلمَّا أحياه الله بعد مئة عامٍ وأملى عليهم التَّوراة حفظًا؛ فتعجَّبوا من ذلك وقالوا: ما هذا إلا لأنَّه ابن الله، والدَّليل على أنَّ هذا القول كان فيهم (٢): أنَّ الآية قُرِئَت عليهم، فلم يُكذِّبوا مع تهالكهم على التَّكذيب.
٤٦٥٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ) هشام بن عبد الملك الطَّيالسيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله السَّبيعيِّ أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ البَرَاءَ) بن عازبٍ (﵁ يَقُولُ: آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ) عليه ﷺ: (﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾) في آخر سورة النِّساء [النساء: ١٧٦] (وَآخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ) عليه ﵊ (بَرَاءَةٌ) فإن قلتَ: قد (٣) سبق في آخر (٤) «سورة البقرة» من حديث ابن عبَّاسٍ أنَّ آخر آية نزلت آية الرِّبا [خ¦٤٥٤٤] وعند النَّسائيِّ من حديث ابن عبَّاسٍ: أنَّ سورة النَّصر آخر سورة نزلت؛ أجيب بأنَّ المراد آخريَّةٌ مخصوصةٌ؛ لأنَّ الأوَّليَّة والآخريَّة من الأمور النِّسبيَّة، وأمَّا السُّورة؛ فإن آخريَّة النصر باعتبار نزولها كاملةً، بخلاف براءة؛ فالمراد أوَّلها أو معظمها، وإلَّا ففيها آياتٌ كثيرةٌ نزلت قبل سنة الوفاة النَّبويَّة، وسيكون لنا عودةٌ إلى الإلمام بشيءٍ من مبحث ذلك «بسورة النَّصر» [خ¦٤٩٦٧] إن شاء الله تعالى، بعون الله وقوته.
(٢) (بَاب قَوْله) تعالى: (﴿فَسِيحُواْ فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾) أوَّلها شوَّالٌ، وآخرها سلخ (٥) المحرَّم،
قاله الزُّهريُّ، أو من يوم النَّحر إلى عشرين من ربيع الآخر، واستشكل ابن كثيرٍ الأوَّل: بأنَّهم كيف يحاسبون بمدَّةٍ لم يبلغهم حكمها وإنَّما ظهر لهم أمرها يوم النَّحر؟ كما يأتي إن شاء الله تعالى، واستشكَلَ غيرُه القولين: بأنَّه لم يكن ذلك كلُّه الأشهر الحرم المشار إليها في قوله: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ [التوبة: ٥] وأجيب باحتمال أن يكون من قبيل التَّغليب، وهذا أمرٌ من الله لناقضي العهد كما مرَّ، وروى سعيد بن منصورٍ والنَّسائيُّ عن زيد بن يُثَيْعٍ؛ بتحتيَّةٍ مضمومةٍ وقد تُبدَل همزةً بعدها مثلَّثةٌ مفتوحةٌ فتحتيَّةٌ ساكنةٌ فعينٌ مهملةٌ، الهَمْدانيُّ الكوفيُّ المخضرم، قال: «سألت عليًّا: بأيِّ شيء بُعِثْتَ؟ قال: بأنَّه لا يدخل الجنَّة إلا نفسٌ مؤمنةٌ، ولا يطوف بالبيت عريان، ولا يجتمع مسلمٌ ومشركٌ في الحجِّ بعد عامهم هذا، ومن كان له عهدٌ فعهده إلى مُدَّته، ومن لم يكن له عهدٌ؛ فأربعة أشهرٍ» واستُدِلَّ بهذا الأخير -كما قاله ابن حجرٍ وغيره- على أنَّ قوله تعالى: ﴿فَسِيحُواْ فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ [التوبة: ٢] مختصٌّ بمن لم يكن له عهدٌ مؤقَّتٌ (١)، أو من لم يكن له عهدٌ أصلًا، وأمَّا من له عهدٌ مؤقَّتٌ فهو إلى مدَّته، وروى الطَّبريُّ (٢) من طريق ابن إسحاق قال: هم صنفان: صنفٌ كان له (٣) عهدٌ دون أربعة أشهرٍ، فأُمهِل تمام أربعة أشهرٍ، وصنفٌ كانت مدَّة عهده (٤) بغير أجلٍ، فقُصِرَت على أربعة أشهرٍ، وعن ابن عبَّاسٍ: أنَّ الأربعة أشهر (٥) أَجَلُ من كان له عهدٌ مؤقَّتٌ بقدرها أو يزيد عليها، وأنَّ من ليس له عهدٌ؛ فانقضاؤه إلى سلخ المحرَّم؛ لقوله: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] وعن الزُّهريِّ (٦) قال: كان أوَّل أربعة أشهر (٧) عند نزول براءة في شوَّال، وكان آخرها آخر المحرَّم، وبذلك يُجمَع بين (٨) الأربعة أشهر وبين قوله: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ [التوبة: ٥].
(﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللّهِ﴾) أي: لا تفوتونه وإن أمهلكم (﴿وَأَنَّ اللّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ﴾ [التوبة: ٢]) مُذِلُّهم بالقتل والأسر في الدُّنيا والعذاب في الآخرة.