«لَمَّا مَاتَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ بْنُ سَلُولَ، دُعِيَ لَهُ رَسُولُ اللهِ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث 4671

الحديث رقم 4671 من كتاب «سورة براءة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب قوله استغفر لهم أو لا تستغفر لهم.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «لما مات عبد الله بن أبي بن سلول، دعي له…

«لَمَّا مَاتَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ بْنُ سَلُولَ، دُعِيَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَثَبْتُ إِلَيْهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَتُصَلِّي عَلَى ابْنِ أُبَيٍّ، وَقَدْ قَالَ يَوْمَ كَذَا: كَذَا وَكَذَا؟ قَالَ: أُعَدِّدُ عَلَيْهِ قَوْلَهُ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَقَالَ: أَخِّرْ» عَنِّي يَا عُمَرُ، فَلَمَّا أَكْثَرْتُ عَلَيْهِ، قَالَ: إِنِّي خُيِّرْتُ فَاخْتَرْتُ، لَوْ أَعْلَمُ أَنِّي إِنْ زِدْتُ عَلَى السَّبْعِينَ يُغْفَرْ لَهُ لَزِدْتُ عَلَيْهَا، قَالَ: فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ثُمَّ انْصَرَفَ، فَلَمْ يَمْكُثْ إِلَّا يَسِيرًا، حَتَّى نَزَلَتِ الْآيَتَانِ مِنْ بَرَاءَةَ: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ قَالَ: فَعَجِبْتُ بَعْدُ مِنْ جُرْأَتِي عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ.

﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾

سند حديث: ٤٦٧١ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ…

٤٦٧١ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، وَقَالَ غَيْرُهُ : حَدَّثَنِي اللَّيْثُ : حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - ﵁ أَنَّهُ قَالَ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «لما مات عبد الله بن أبي بن سلول، دعي له…

لما مات عبد الله بن أُبيّ المشهور بالنفاق جاء ابنه عبد الله وكان مؤمنًا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأله أن يعطيه قميصه ليكفِّن فيه أباه، فأعطاه قميصه، ثم سأله أن يصلي عليه، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي عليه، فقام عمر رضي الله عنه فأمسك بثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله كيف تصلي عليه، وقد نهاك ربك أن تصلي عليه؟ ولم يكن قد نزل النهي الصريح، ولكن عدم الاستغفار، كما في الآية التالية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما خيَّرني الله بين الاستغفار وتركه فقال: {استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة} وسأستغفر له أكثر من سبعين مرة، فحمل رسول الله صلى الله عليه وسلم عدد السبعين على حقيقته، وحمله عمر رضي الله عنه على المبالغة، وفهم عمر أيضا أن المقصود الأعظم من الصلاة على الميت طلب المغفرة للميت والشفاعة له فلذلك استلزم عنده النهي عن الاستغفار ترك الصلاة، قال عمر: إنه منافق، وإنما جزم بذلك جريًا على ما كان اطلع عليه من أحواله، ولم يأخذ النبي صلى الله عليه وسلم بقوله وصلى عليه إجراءً له على ظاهر حكم الإسلام، فأنزل الله: {ولا تصل على أحد منهم مات أبدًا ولا تقم على قبره}، وكان رأي عمر التصلب في الدين والشدة على المنافقين، وقصد عليه الصلاة والسلام الشفقة على من تعلق بطرف من الدين والتألف لابنه ولقومه، فاستعمل أحسن الأمرين وأفضلهما، وذلك لتطييب قلب ولده عبد الله الرجل الصالح، ولتأليف قومه من الخزرج لرياسته فيهم، فلو لم يجب سؤال ابنه، وترك الصلاة عليه قبل ورود النهي الصريح، لكان سُبَّةً على ابنه، وعارًا على قومه، فاستعمل أحسن الأمرين في السياسة إلى أن نهي عنه فانتهى، وهذا من حكمة الله تعالى في نزول الأحكام الشريعة.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • بيان ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من مكارم الأخلاق، فقد علم ما كان من هذا المنافق من الإيذاء له وقابله بالحسنى، وألبسه قميصه كفنا وصلى عليه، واستغفر له.
  • النهي عن الصلاة على الكافر إذا مات على كفره.
  • جواز التكفين في القميص.
  • جواز التكفين بالمخيط.
  • جواز الشهادة على المرء بما كان عليه حيًّا وميتًا، لقول عمر رضي الله عنه: "إن عبد الله بن أبي منافق"، ولم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم عليه قوله.
  • يؤخذ منه أن المنهي عنه من سب الأموات ما قصد به الشتم، لا التعريف.
  • المنافق تجرى عليه أحكام الإسلام الظاهرة.
  • الإعلام بوفاة الميت مجردًا لا يدخل في النعي المنهي عنه.
  • رعاية الحي المطيع بالإحسان إلى الميت العاصي.
  • جواز تأخير البيان عن وقت النزول إلى وقت الحاجة.
  • العمل بالظاهر إذا كان النص محتملًا.
  • تنبيه المفضول للفاضل على ما يظن أنه سها فيه.
  • بيان الفاضل للمفضول ما يشكل عليه.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com - شرح مبسّط

شرح حديث: «لما مات عبد الله بن أبي بن سلول، دعي له…

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٤٦٧١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) هو ابن عبد الله بن بُكَيرٍ المخزوميُّ مولاهم المصريُّ (١) قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ عُقَيْلٍ) بضمِّ العين وفتح القاف، ابن خالد بن عَقيلٍ -بفتح (٢) العين- الأيليِّ (وَقَالَ غَيْرُهُ) هو أبو صالح عبد الله بن صالحٍ كاتب اللَّيث: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (اللَّيْثُ) بن سعدٍ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (عُقَيْلٌ) الأيليُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بضمِّ العين في الأوَّل، ابن عمر بن الخطَّاب (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁ (٣) أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا مَاتَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ) بفتح السِّين المهملة وضمِّ اللَّام وسكون الواو بعدها لامٌ: اسم أمِّ عبد الله المذكور، و «ابن»: بالرَّفع صفة عبد (٤) الله لا صفة أبيه (دُعِيَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ) بضمِّ الدَّال مبنيًّا للمفعول (لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ) للصَّلاة عليه (وَثَبْتُ إِلَيْهِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَتُصَلِّي عَلَى ابْنِ أُبَيٍّ) بهمزة الاستفهام (وَقَدْ قَالَ يَوْمَ كَذَا: كَذَا وَكَذَا؟! قَالَ (٥): أُعَدِّدُ عَلَيْهِ قَوْلَهُ) بفتح العين وكسر الدَّال الأولى، ولأبي ذرٍّ: «أَعُدُّ» بضمِّ العين والدَّال وإسقاط الثَّانية، يشير بذلك إلى مثل قوله: ﴿لَا تُنفِقُوا عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللهِ حَتَّى يَنفَضُّوا﴾ [المنافقون: ٧] وقوله: ﴿لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨] (فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ) تعجُّبًا من صلابة

عمر، وشدَّة (١) بغضه للمنافقين، وتأنيسًا له وتطييبًا لقلبه كالمعتذر له عن ترك قبول كلامه (وَقَالَ: أَخِّرْ) أي: تأخَّر (عَنِّي يَا عُمَرُ) وقيل: معناه: أخِّر عنِّي رأيك، فاختصر إيجازًا وبلاغةً (فَلَمَّا أَكْثَرْتُ عَلَيْهِ؛ قَالَ: إِنِّي خُيِّرْتُ) بين الاستغفار وعدمه (فَاخْتَرْتُ) الاستغفار، وقد استُشكِل (٢) فَهْمُ التَّخيير من الآية على كثيرٍ، سبق جواب الزَّمخشريِّ عن ذلك، وقال صاحب «الانتصاف»: مفهوم الآية (٣) زلَّت فيه الأقدام، حتَّى أنكر القاضي أبو بكرٍ الباقلانيُّ صحَّة الحديث، وقال: لا يجوز أن يُقبَل هذا، ولا يصحُّ أنَّ الرَّسول قاله، وقال إمام الحرمين في «مختصره» هذا الحديث غير مخرَّج في «الصَّحيح»، وقال في «البرهان»: لا يُصحِّحه أهل الحديث، وقال الغزاليُّ في «المستصفى»: الأظهر أنَّ هذا الخبر غير صحيحٍ، وقال الدَّاودي الشَّارح: هذا الحديث غير محفوظٍ، وهذا عجيبٌ من هؤلاء الأئمَّة، كيف باحوا بذلك وطعنوا فيه مع كثرة طرقه واتِّفاق «الصَّحيحين» على تصحيحه، بل وسائر الذين خرَّجوا في الصَّحيح، وأخرجه النَّسائيُّ وابن ماجه (لَوْ أَعْلَمُ أَنِّي إِنْ زِدْتُ عَلَى السَّبْعِينَ؛ يُغْفَرْ لَهُ) بجزم «يغفْر» جوابًا للشَّرط، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «فغُفِرَ له» بفاءٍ وضمِّ الغين وفتح الرَّاء، بلفظ الماضي، قال في «الفتح»: والأوَّل أوجه (لَزِدْتُ عَلَيْهَا) تردَّد هنا، وفي الرِّواية السَّابقة قال: «سأزيده (٤)» [خ¦٤٦٧٠] ووعده صادقٌ، ولا سيَّما وقد ثبت قوله: «لأزيدنَّ» بصيغة المبالغة في التَّأكيد، وروى الطَّبريُّ من طريق مغيرة عن الشَّعبيِّ قال: قال النَّبيُّ ﷺ: قال الله: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] «فأنا أستغفر سبعين وسبعين وسبعين» وأُجِيب باحتمال أن يكون فعل ذلك استصحابًا للحال؛ لأنَّ جواز المغفرة بالزِّيادة كان ثابتًا قبل نزول الآية، فجاز أن يكون باقيًا على أصله في الجواز، قال الحافظ أبو الفضل: وحاصله: أنَّ العمل بالبقاء على حكم الأصل مع المبالغة لا يتنافيان، فكأنَّه جوَّز أنَّ المغفرة تحصل بالزِّيادة على السَّبعين، لا أنَّه جازمٌ (٥) بذلك، ولا يخفى ما فيه، أو يكون طلب

المغفرة لتعظيم المدعوِّ، فإذا تعذَّرت المغفرة؛ عُوِّض الدَّاعي عنها ما يليق به من الثَّواب أو دفع السُّوء، كما ثبت في الخبر، وقد يحصل بذلك تخفيفٌ عن (١) المدعوِّ له، كما في قصَّة أبي طالبٍ، قاله ابن المُنيِّر، وفيه نظرٌ لاستلزامه مشروعية طلب المغفرة لمن تستحيل المغفرة له (٢) شرعًا (قَالَ: فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ) وذكر الواقديُّ أنَّ مجمِّع ابن جارية قال: ما رأيت رسول الله ﷺ أطال على جنازةٍ قطُّ ما أطال على جنازة عبد الله ابن أُبيٍّ من الوقوف (ثُمَّ انْصَرَفَ) من صلاته (فَلَمْ يَمْكُثْ إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى نَزَلَتِ الآيَتَانِ مِنْ بَرَاءَةَ: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا … ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٨٤] قَالَ) عمر رضي الله تعالى عنه: (فَعَجِبْتُ (٣) بَعْدُ) بالبناء على الضَّمِّ؛ لقطعه عن الإضافة (مِنْ جُرْأَتِي) بضمِّ الجيم وسكون الرَّاء ثمَّ همزةٍ، أي: من إقدامي (عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ).

(١٣) (باب قَولِهِ) ﷿ -وسقط لغير أبي ذرٍّ- (﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم﴾) أي: من المنافقين صلاة الجنازة (﴿مَّاتَ أَبَدًا﴾) ظرفٌ منصوبٌ بالنَّهي، و ﴿مِّنْهُم﴾: صفة لـ ﴿أَحَدٍ﴾ أو حالٌ من الضَّمير في ﴿مَّاتَ﴾ أي: مات حال كونه منهم؛ أي (٤): متَّصفًا بصفة النِّفاق، كقولهم: أنت منِّي، أي: على طريقتي، وهذا النَّهي عامٌّ في كلِّ من عُرِف نفاقه، وإن كان سبب النُّزول خاصًّا (٥) بابن أُبيٍّ رأس المنافقين، وقد ورد ما يدلُّ لنزولها في عددٍ معينٍ؛ منهم ابن أُبيٍّ وغيره؛ لعلمه تعالى بموتهم على الكفر؛ بخلاف غيرهم فإنَّهم تابوا، فعند الواقديِّ عن معمرٍ عن الزُّهريِّ عن حذيفة: قال لي رسول الله ﷺ: «إنِّي مسرٌّ إليك سرًّا فلا تذكره لأحدٍ: إنِّي نُهِيت أن أصلِّي على فلانٍ وفلانٍ (٦)» رهطٍ ذوي عددٍ من المنافقين، قال: فلذلك كان عمر إذا أراد أن يصلِّي

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

حَتَّى يَجِيءَ بِالمُدِّ وَإنَّ لأحَدِهِمِ اليَوْمَ مِائَةَ ألْفٍ كَأنَّهُ يُعَرِّضُ بِنَفْسِهِ.

مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من مَعْنَاهُ لِأَنَّهُ مُطَابق لِمَعْنى الحَدِيث السَّابِق، والمطابق للمطابق للشَّيْء مُطَابق لذَلِك الشَّيْء. وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الْمَعْرُوف بِابْن رَاهَوَيْه، وَأَبُو إسامة حَمَّاد بن أُسَامَة، وزائدة من الزِّيَادَة ابْن قدامَة أَبُو الصَّلْت الْكُوفِي وَسليمَان هُوَ الْأَعْمَش، وشقيق هُوَ ابْن سَلمَة أَبُو وَائِل والْحَدِيث مضى فِي أَوَائِل الزَّكَاة.

قَوْله: (أحدثكُم) الْهمزَة فِيهِ للاستفهام على سَبِيل الاستخبار قَوْله: (فيحتال) أَي: يجْتَهد وَيُسمى. قَوْله: (مائَة ألف) بِالنّصب على أَنَّهَا اسْم. إِن، وَالْخَبَر قَوْله لأَحَدهم: (مقدما) (وَالْيَوْم) نصب على الظّرْف (وَمِائَة ألف) يحْتَمل الدَّرَاهِم وَيحْتَمل الدَّنَانِير وَيحْتَمل الأمداد من الْقَمْح أَو التَّمْر أَو نَحْوهمَا. قَوْله: (كَأَنَّهُ يعرض بِنَفسِهِ) من كَلَام شَقِيق الرَّاوِي، وَقد صرح بِهِ إِسْحَاق فِي مُسْنده، وَقَالَ فِي آخِره: قَالَ شَقِيق كَأَنَّهُ يعرض بِنَفسِهِ قلت: كَأَن أَبَا مَسْعُود عرض بِنَفسِهِ لما صَار من أَصْحَاب الْأَمْوَال الْكَثِيرَة.

١٢ - (بابُ قَوْلِهِ: {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ الله لَهُمْ} (التَّوْبَة: ٨٠)

أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: {اسْتغْفر لَهُم} إِلَى آخر مَا ذكره فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَعند غَيره مُخْتَصرا، خبر الله تَعَالَى فِي هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة أَن هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقين اللمازين لَيْسُوا أَهلا للاستغفار، وَأَنه لَو استغفرلهم وَلَو سبعين مرّة فَإِن الله لَا يغْفر لَهُم، وَذكر السّبْعين بِالنَّصِّ عَلَيْهِ لحسم مَادَّة الاسْتِغْفَار لَهُم لِأَن الْعَرَب فِي أساليب كَلَامهم تذكر السّبْعين فِي مُبَالغَة كَلَامهم وَلَا يُرَاد بهَا التَّحْدِيد وَلَا أَن كَون مَا زالد عَلَيْهَا بِخِلَافِهَا.

٤٦٧٠ - ح دَّثنا عُبَيْدُ بنُ إسْمَاعِيلَ عَنْ أبِي أُسَامَةَ عَنْ عُبَيْدِ الله عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابنِ عُمَرَ رَضِيَ الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ لَمَا تُوِفِّيَ عَبْدُ الله بنُ رَجاءَ ابْنُهُ عَبْدُ الله بنُ عَبْدِ الله إلَى رَسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَسَأَلَهُ أنْ يُعْطِيَهُ قَمِيصَهُ يُكَفَّنُ فِيهِ أباهُ فَأعْطاهُ ثُمَّ سَأَلَهُ أنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ فَقَامَ رَسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لِيُصَلِّيَ فَقَامَ عُمَرُ فَأخذَ بِثَوْبِ رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ يَا رَسُول الله أتُصَلِي عَلَيْهِ وَقَدْ نَهَاك رَبَكَ أنْ تصليَ عَليْهِ فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إنَّما خَيَّرَنِي الله) فَقَالَ: {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً} (التَّوْبَة: ٨٤) وَسأزِيدُهُ عَلَى السَّبْعِينَ قَالَ إنَّهُ منافِقٌ قالَ فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَأَنْزَلَ الله: {وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أبَدا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ} .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعبيد، بِضَم الْعين وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة، واسْمه فِي الأَصْل عبد الله يكنى أَبَا مُحَمَّد الْكُوفِي، وَأَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة، وَعبيد الله بن عمر الْعمريّ.

والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْجَنَائِز فِي: بَاب الْكَفَن فِي الْقَمِيص أخرجه مُسلم فِي التَّوْبَة عَن أبي بكر بن أبي شيبَة.

قَوْله: (لما توفّي عبد الله) يَعْنِي: ابْن أبي ابْن سلول، وَوَقع فِي أَكثر النّسخ اسْم أَبِيه أبي، وَقَالَ الْوَاقِدِيّ: إِنَّه مَاتَ بعد منصرفهم من تَبُوك وَذَلِكَ فِي ذِي الْقعدَة سنة تسع، وَكَانَت مُدَّة مَرضه عشْرين يَوْمًا وابتداؤها من لَيَال بقيت من شَوَّال، وَكَذَا ذكره الْحَاكِم فِي (الإكليل) وَقَالُوا: وَكَانَ قد تخلف هُوَ وَمن مَعَه عَن غَزْوَة تَبُوك وَفِيهِمْ نزلت {لَو خَرجُوا فِيكُم مَا زادوكم إلَاّ خبالاً} (التَّوْبَة: ٤٧) قيل: هَذَا يدْفع قَول ابْن التِّين، إِن هَذِه الْقِصَّة كَانَت فِي أول الْإِسْلَام قبل تَقْرِير الْأَحْكَام. قَوْله: (فَأعْطَاهُ) . أَي: أعْطى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَمِيصه عبد الله. قَالَ الْكرْمَانِي: لم أعطي قَمِيصه الْمُنَافِق؟ ثمَّ أجَاب بقوله: أعْطى لِابْنِهِ وَمَا أعْطى لأجل أَبِيه عبد الله بن أبي. وَقيل: كَانَ ذَلِك مُكَافَأَة لَهُ على مَا أعْطى يَوْم بدر قَمِيصًا للْعَبَّاس لِئَلَّا يكون لِلْمُنَافِقِ منَّة عَلَيْهِم. قَوْله: (ثمَّ سَأَلَهُ أَن يُصَلِّي عَلَيْهِ) إِنَّمَا سَأَلَهُ بِنَاء على أَنه

حمل أَمر أَبِيه على ظَاهر الْإِسْلَام ولدفع الْعَار عَنهُ وَعَن عشيرته فأظهر الرَّغْبَة فِي صَلَاة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَوَقعت إجَابَته إِلَى سُؤَاله على حسب مَا ظهر من حَاله إِلَى أَن كشف الله الغطاء عَن ذَلِك. قَوْله: (فَقَامَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ليُصَلِّي) عَلَيْهِ قَوْله: (أَتُصَلِّي عَلَيْهِ) الْهمزَة فِيهِ للاستفهام على سَبِيل الْإِنْكَار قَوْله: (وَقد) الْوَاو وَفِيه للْحَال. قَوْله: (نهاك رَبك أَن تصلي عَلَيْهِ) قَالَ الْكرْمَانِي: أَيْن نَهَاهُ ونزول قَوْله: {وَلَا تصل على أحد مِنْهُم} (التَّوْبَة: ٨٤) بعد ذَلِك؟ فَأجَاب بقوله: لَعَلَّ عمر اسْتَفَادَ النَّهْي من قَوْله تَعَالَى: {مَا كَانَ للنَّبِي وَالَّذين آمنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا للْمُشْرِكين} (التَّوْبَة: ١١٣) أَو من قَوْله: {أَن تستغفر لَهُم} فَإِنَّهُ إِذا لم يكن للاستغفار فَائِدَة الْمَغْفِرَة يكون عَبَثا فَيكون مَنْهِيّا عَنهُ وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: لَعَلَّ ذَلِك وَقع فِي خاطر عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَيكون من قبيل الإلهام. قَوْله: (إِنَّمَا خيرني الله) أَي: بَين الاسْتِغْفَار وَتَركه. قَوْله: (وسأزيد) حمل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عدد السّبْعين على حَقِيقَته، وَحمله عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، على الْمُبَالغَة. وَقَالَ الْخطابِيّ: فِيهِ حجَّة لمن أرى الحكم بِالْمَفْهُومِ لِأَنَّهُ جعل السّبْعين بِمَنْزِلَة الشَّرْط فَإِذا جَاوز هَذَا الْعدَد كَانَ الحكم بِخِلَافِهِ، وَكَانَ رَأْي عمر التصلب فِي الدّين والشدة على الْمُنَافِقين، وَقصد، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، الشَّفَقَة على من تعلق بِطرف من الدّين والتألف لِابْنِهِ ولقومه، فَاسْتعْمل أحسن الْأَمريْنِ وأفضلهما. قَوْله: (إِنَّه مُنَافِق) إِنَّمَا جزم بذلك جَريا على مَا كَانَ اطلع عَلَيْهِ من أَحْوَاله وَلم يَأْخُذ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بقوله: وَصلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِجْرَاء لَهُ على ظَاهر حكم الْإِسْلَام، وَذهب بعض أهل الحَدِيث إِلَى تَصْحِيح إِسْلَام عبد الله بن أبي بِصَلَاة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيح لمُخَالفَته الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة المصرحة بِمَا يُنَافِي فِي ذَلِك، وَقد أخرج الطَّبَرِيّ من طَرِيق سعيد عَن قَتَادَة فِي هَذِه الْقِصَّة قَالَ: فَأنْزل الله تَعَالَى: {وَلَا تصل على أحد مِنْهُم مَاتَ أبدا وَلَا تقم على قَبره} قَالَ: فَذكر لنا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: وَمَا يُغني عَنهُ قَمِيصِي من الله وَإِنِّي لأرجو أَن يسلم بذلك ألف من قومه، قَوْله: (فَأنْزل الله تَعَالَى) إِلَى آخِره: زَاد مُسَدّد فِي حَدِيثه عَن يحيى الْقطَّان عَن عبيد الله بن عمر فِي آخِره: فَترك الصَّلَاة عَلَيْهِم، وَفِي حَدِيث ابْن عَبَّاس: فصلى عَلَيْهِ ثمَّ انْصَرف فَلم يمْكث إلَاّ يَسِيرا حَتَّى نزلت، وَزَاد ابْن إِسْحَاق فِي (الْمَغَازِي) فِي حَدِيث الْبَاب: فَمَا صلى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على مُنَافِق بعده حَتَّى قَبضه الله تَعَالَى.

٤٦٧١ - ح دَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ حدَّثنا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيلٍ وَقَالَ غَيْرُهُ حدَّثني اللَّيْثُ حدَّثني عُقَيْلٌ عنِ ابنِ شِهابٍ قَالَ أخبرَنِي عُبَيْدُ الله بنُ عَبْدِ الله عنِ ابنِ عَبَّاسٍ عنْ عُمَرَ بنِ الخَطَابِ رَضِيَ الله عنهُ أنَّهُ قَالَ لمَّا مَاتَ عَبْدُ الله بنُ أُبَيٍّ ابنُ سَلُول دُعِيَ لهُ رَسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ فَلَمَّا قَامَ رَسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَثَبْتُ إلَيْهُ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ الله أَتُصَلِّي عَلَى ابنِ أُبَيٍّ وَقَدْ قَالَ يَوْمَ كَذَا كَذَا قَالَ أُعَدِّدُ عَلَيْهِ قَوْلَهُ فَتَبَسَّمَ رَسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقَالَ أخِّرْ عَنِّي يَا عُمَرُ فَلمَّا أكْثَرْتُ عَلَيْهِ قَالَ إنِّي خُيِّرْتُ فَاخْتَرْتُ لَوْ أعْلَمَ أنِّي إنْ زِدْتُ عَلَى السَّبْعِينَ يُغْفَرْ لهُ لَزِدْتُ عَلَيْهَا قَالَ فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ثُمَّ انْصَرَفَ فَلَمْ يَمْكُثْ إلَاّ يَسِيرا حَتَّى نَزَلَتِ الآيَتَانِ مِنْ بَرَاءَةَ {وَلا تُصلِّ عَلَى أحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أبَدا} إلَى قَوْلِهِ: {وَهُمْ فَاسِقُونَ} قَالَ فَعَجِبْتُ بَعْدُ مِنْ جُرْأَتِي عَلَى رَسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَالله وَرَسُولُهُ أعْلَمُ.

أخرج الحَدِيث الْمَذْكُور من وَجه آخر عَن ابْن عَبَّاس عَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَمضى الحَدِيث فِي الْجَنَائِز. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ فِي التَّفْسِير أَيْضا وَأخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا فِي الْجَنَائِز.

قَوْله: (وَقَالَ غَيره) ، الْغَيْر هُوَ عبد الله بن صَالح كَاتب اللَّيْث. قَوْله: (سلول) ، بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَضم اللَّام وَسُكُون الْوَاو بعْدهَا الْأُم اسْم أم عبد الله، وَهِي خزاعية، وَعبد الله من الْخَزْرَج أحد قَبيلَة الْأَنْصَار. قَوْله: (ابْن سلول) ، بِالرَّفْع لِأَنَّهُ صفة عبد الله لَا صفة أبي. قَوْله: (فَتَبَسَّمَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) كَانَ ذَلِك تَعَجبا من صلابة عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وبغضه لِلْمُنَافِقين قيل: لم يكن صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يتبسم عِنْد شُهُود الْجَنَائِز

وَأجِيب بِأَنَّهُ كَانَ على وَجه الْغَلَبَة. قَوْله: (يغْفر لَهُ) بجزم الرَّاء لِأَنَّهُ جَوَاب الشَّرْط وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: فغفر لَهُ، بِالْفَاءِ على صِيغَة الْمَاضِي. قَوْله: (بعد) بِضَم الدَّال لِأَنَّهُ قطع عَن الْإِضَافَة فَبنى على الضَّم. قَوْله: (من جرأتي) بِضَم الْجِيم أَي: من إقدامي عَلَيْهِ. (وَالله وَرَسُوله أعلم) قيل: الظَّاهِر أَنه من عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَيحْتَمل أَن يكون من قَول ابْن عَبَّاس.

١٣ - (بابُ قَوْلِهِ: {وَلا تُصَلِّ عَلَى أحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أبَدا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ} (التَّوْبَة: ٨٤)

أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: {وَلَا تصل} إِلَى آخِره، وَظَاهر الْآيَة أَنَّهَا نزلت فِي جَمِيع الْمُنَافِقين لَكِن ورد مَا يدل على أَنَّهَا نزلت فِي عدد معِين مِنْهُم. قَالَ الْوَاقِدِيّ: أخبرنَا معمر عَن الزُّهْرِيّ: قَالَ: قَالَ حُذَيْفَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ لي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِنِّي مسر إِلَيْك سرا فَلَا تذكره لأحد، إِنِّي نهيت أَن أُصَلِّي على فلَان وَفُلَان، رَهْط ذَوي عدد من الْمُنَافِقين، قَالَ: فَلذَلِك كَانَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، إِذا أَرَادَ أَن يُصَلِّي على أحد استتبع حُذَيْفَة فَإِن مَشى مَشى مَعَه، وَإِلَّا لم يصل عَلَيْهِ، وَمن طَرِيق آخر عَن جُبَير ابْن مطعم، إِنَّهُم اثْنَا عشر رجلا.

٤٦٧٢ - ح دَّثني إبْرَاهِيمُ بنُ المُنْذِرِ حدَّثنا أنَسُ بنُ عِياض عَن عُبَيْدِ الله عَنْ نافعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِيَ الله عَنْهُمَا أنَّهُ قَالَ لَمَا تُوُفِّيَ عَبْدُ الله بنُ أُبَيٍّ جاءَ ابْنُهُ عَبْدُ الله بنُ عَبْدِ الله إلَى رَسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَأعْطاهُ قَمِيصَهُ وَأَمَرَهُ أنْ يُكَفِّنَهُ فِيهِ ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي عَلَيْهِ فَأَخَذَ عُمَرُ بنُ الخَطابِ بِثَوْبِهِ فَقَالَ تُصَلِّي عَلَيْهِ وَهُوَ مُنافِقٌ وَقَدْ نَهَاكَ الله أنْ تَسْتَغْفِرَ لَهُمْ قَالَ إنّما خَيَّرَنِي الله أوْ أُخبرَني الله فَقَالَ: {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةَ فَلَنْ يَغْفِرَ الله لَهُمْ} (التَّوْبَة: ٨٠) فَقَالَ سَأُزِيدُ عَلَى سَبْعِينَ قَالَ فَصَلّى عَلَيْهِ رَسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَصَلَيْنَا مَعَهُ ثُمَّ أنْزَلَ الله عَلَيْهِ: {وَلا تُصَلِّ عَلَى أحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أبَدا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إنَّهُمْ كَفَرُوا بِالله وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ} .

هَذَا وَجه آخر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور عَن ابْن عمر فِي الْبَاب الَّذِي قبله. قَوْله: (إِنَّمَا خيرني الله أَخْبرنِي) ، كَذَا وَقع بِالشَّكِّ وَالْأول من التَّخْيِير. وَالثَّانِي من الْإِخْبَار، وَوَقع فِي أَكثر الرِّوَايَات: خيرني: يَعْنِي بَين الاسْتِغْفَار وَتَركه، وَكَذَا وَقع بِغَيْر شكّ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ أخرجه من طَرِيق إِسْمَاعِيل بن أبي أويس عَن أبي ضَمرَة وَهُوَ أنس بن عِيَاض بِلَفْظ إِنَّمَا خيرني الله من التَّخْيِير فَحسب، وَقد اسْتشْكل فهم التَّخْيِير من الْآيَة حَتَّى إِن جمَاعَة من الأكابر طعنوا فِي صِحَة هَذَا الحَدِيث مَعَ كَثْرَة طرقه، مِنْهُم: القَاضِي أَبُو بكر فَإِنَّهُ قَالَ لَا يجوز أَن يقبل هَذَا وَلَا يَصح أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَه: وَمِنْهُم: أَبُو بكر الباقلاني فَإِنَّهُ قَالَ فِي (التَّقْرِيب) هَذَا الحَدِيث من أَخْبَار الْآحَاد الَّتِي لَا يعلم ثُبُوتهَا وَمِنْهُم: إِمَام الْحَرَمَيْنِ. قَالَ فِي (مُخْتَصره) هَذَا الحَدِيث غير مخرج فِي الصَّحِيح، وَقَالَ فِي (الْبُرْهَان) لَا يُصَحِّحهُ أهل الحَدِيث. وَمِنْهُم: الْغَزالِيّ، قَالَ فِي (الْمُسْتَصْفى) الْأَظْهر أَن هَذَا الحَدِيث غير صَحِيح وَمِنْهُم: الدَّاودِيّ، قَالَ: هَذَا الحَدِيث غير مَحْفُوظ، وَأجِيب بِأَنَّهُم ظنُّوا أَن قَوْله: (ذَلِك بِأَنَّهُم كفرُوا) ، الْآيَة نزل مَعَ قَوْله: {اسْتغْفر لَهُم أَو لَا تستغفر لَهُم} وَلم يكن نُزُوله إلاّ متراخيا عَن صدر الْآيَة فَحِينَئِذٍ يرْتَفع الْإِشْكَال وَقد قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ، مَا فِيهِ رفع للإشكال الْمَذْكُور، وَمُلَخَّص سُؤَاله أَنه قد تَلا قَوْله: (ذَلِك بِأَنَّهُم كفرُوا) قَوْله: (اسْتغْفر لَهُم أَو لَا تستغفر لَهُم) فَبين الصَّارِف عَن الْمَغْفِرَة لَهُم، وَمُلَخَّص جَوَابه أَنه مثل قَول إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام: {وَمن عَصَانِي فَإنَّك غَفُور رَحِيم} (إِبْرَاهِيم: ٣٦) وَذَلِكَ أَنه تخيل بِمَا قَالَ إِظْهَار الْغَايَة رَحمته ورأفته على من بعث إِلَيْهِ، وَقد رد كَلَام الزَّمَخْشَرِيّ هَذَا من لَا يدانيه وَلَا يجاريه فِي مثل هَذَا الْبَاب، فَإِنَّهُ قَالَ: لَا يجوز نِسْبَة مَا قَالَه إِلَى الرَّسُول لِأَن الله أخبر أَنه لَا يغْفر للْكفَّار وَإِذا كَانَ لَا يغْفر لَهُم فَطلب الْمَغْفِرَة لَهُم مُسْتَحِيل. وَهَذَا لَا يَقع من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، ورد عَلَيْهِ بِأَن النَّهْي عَن الاسْتِغْفَار لمن مَاتَ مُشْركًا

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٤٦٧١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) هو ابن عبد الله بن بُكَيرٍ المخزوميُّ مولاهم المصريُّ (١) قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ عُقَيْلٍ) بضمِّ العين وفتح القاف، ابن خالد بن عَقيلٍ -بفتح (٢) العين- الأيليِّ (وَقَالَ غَيْرُهُ) هو أبو صالح عبد الله بن صالحٍ كاتب اللَّيث: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (اللَّيْثُ) بن سعدٍ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (عُقَيْلٌ) الأيليُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بضمِّ العين في الأوَّل، ابن عمر بن الخطَّاب (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁ (٣) أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا مَاتَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ) بفتح السِّين المهملة وضمِّ اللَّام وسكون الواو بعدها لامٌ: اسم أمِّ عبد الله المذكور، و «ابن»: بالرَّفع صفة عبد (٤) الله لا صفة أبيه (دُعِيَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ) بضمِّ الدَّال مبنيًّا للمفعول (لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ) للصَّلاة عليه (وَثَبْتُ إِلَيْهِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَتُصَلِّي عَلَى ابْنِ أُبَيٍّ) بهمزة الاستفهام (وَقَدْ قَالَ يَوْمَ كَذَا: كَذَا وَكَذَا؟! قَالَ (٥): أُعَدِّدُ عَلَيْهِ قَوْلَهُ) بفتح العين وكسر الدَّال الأولى، ولأبي ذرٍّ: «أَعُدُّ» بضمِّ العين والدَّال وإسقاط الثَّانية، يشير بذلك إلى مثل قوله: ﴿لَا تُنفِقُوا عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللهِ حَتَّى يَنفَضُّوا﴾ [المنافقون: ٧] وقوله: ﴿لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨] (فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ) تعجُّبًا من صلابة

عمر، وشدَّة (١) بغضه للمنافقين، وتأنيسًا له وتطييبًا لقلبه كالمعتذر له عن ترك قبول كلامه (وَقَالَ: أَخِّرْ) أي: تأخَّر (عَنِّي يَا عُمَرُ) وقيل: معناه: أخِّر عنِّي رأيك، فاختصر إيجازًا وبلاغةً (فَلَمَّا أَكْثَرْتُ عَلَيْهِ؛ قَالَ: إِنِّي خُيِّرْتُ) بين الاستغفار وعدمه (فَاخْتَرْتُ) الاستغفار، وقد استُشكِل (٢) فَهْمُ التَّخيير من الآية على كثيرٍ، سبق جواب الزَّمخشريِّ عن ذلك، وقال صاحب «الانتصاف»: مفهوم الآية (٣) زلَّت فيه الأقدام، حتَّى أنكر القاضي أبو بكرٍ الباقلانيُّ صحَّة الحديث، وقال: لا يجوز أن يُقبَل هذا، ولا يصحُّ أنَّ الرَّسول قاله، وقال إمام الحرمين في «مختصره» هذا الحديث غير مخرَّج في «الصَّحيح»، وقال في «البرهان»: لا يُصحِّحه أهل الحديث، وقال الغزاليُّ في «المستصفى»: الأظهر أنَّ هذا الخبر غير صحيحٍ، وقال الدَّاودي الشَّارح: هذا الحديث غير محفوظٍ، وهذا عجيبٌ من هؤلاء الأئمَّة، كيف باحوا بذلك وطعنوا فيه مع كثرة طرقه واتِّفاق «الصَّحيحين» على تصحيحه، بل وسائر الذين خرَّجوا في الصَّحيح، وأخرجه النَّسائيُّ وابن ماجه (لَوْ أَعْلَمُ أَنِّي إِنْ زِدْتُ عَلَى السَّبْعِينَ؛ يُغْفَرْ لَهُ) بجزم «يغفْر» جوابًا للشَّرط، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «فغُفِرَ له» بفاءٍ وضمِّ الغين وفتح الرَّاء، بلفظ الماضي، قال في «الفتح»: والأوَّل أوجه (لَزِدْتُ عَلَيْهَا) تردَّد هنا، وفي الرِّواية السَّابقة قال: «سأزيده (٤)» [خ¦٤٦٧٠] ووعده صادقٌ، ولا سيَّما وقد ثبت قوله: «لأزيدنَّ» بصيغة المبالغة في التَّأكيد، وروى الطَّبريُّ من طريق مغيرة عن الشَّعبيِّ قال: قال النَّبيُّ ﷺ: قال الله: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] «فأنا أستغفر سبعين وسبعين وسبعين» وأُجِيب باحتمال أن يكون فعل ذلك استصحابًا للحال؛ لأنَّ جواز المغفرة بالزِّيادة كان ثابتًا قبل نزول الآية، فجاز أن يكون باقيًا على أصله في الجواز، قال الحافظ أبو الفضل: وحاصله: أنَّ العمل بالبقاء على حكم الأصل مع المبالغة لا يتنافيان، فكأنَّه جوَّز أنَّ المغفرة تحصل بالزِّيادة على السَّبعين، لا أنَّه جازمٌ (٥) بذلك، ولا يخفى ما فيه، أو يكون طلب

المغفرة لتعظيم المدعوِّ، فإذا تعذَّرت المغفرة؛ عُوِّض الدَّاعي عنها ما يليق به من الثَّواب أو دفع السُّوء، كما ثبت في الخبر، وقد يحصل بذلك تخفيفٌ عن (١) المدعوِّ له، كما في قصَّة أبي طالبٍ، قاله ابن المُنيِّر، وفيه نظرٌ لاستلزامه مشروعية طلب المغفرة لمن تستحيل المغفرة له (٢) شرعًا (قَالَ: فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ) وذكر الواقديُّ أنَّ مجمِّع ابن جارية قال: ما رأيت رسول الله ﷺ أطال على جنازةٍ قطُّ ما أطال على جنازة عبد الله ابن أُبيٍّ من الوقوف (ثُمَّ انْصَرَفَ) من صلاته (فَلَمْ يَمْكُثْ إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى نَزَلَتِ الآيَتَانِ مِنْ بَرَاءَةَ: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا … ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٨٤] قَالَ) عمر رضي الله تعالى عنه: (فَعَجِبْتُ (٣) بَعْدُ) بالبناء على الضَّمِّ؛ لقطعه عن الإضافة (مِنْ جُرْأَتِي) بضمِّ الجيم وسكون الرَّاء ثمَّ همزةٍ، أي: من إقدامي (عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ).

(١٣) (باب قَولِهِ) ﷿ -وسقط لغير أبي ذرٍّ- (﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم﴾) أي: من المنافقين صلاة الجنازة (﴿مَّاتَ أَبَدًا﴾) ظرفٌ منصوبٌ بالنَّهي، و ﴿مِّنْهُم﴾: صفة لـ ﴿أَحَدٍ﴾ أو حالٌ من الضَّمير في ﴿مَّاتَ﴾ أي: مات حال كونه منهم؛ أي (٤): متَّصفًا بصفة النِّفاق، كقولهم: أنت منِّي، أي: على طريقتي، وهذا النَّهي عامٌّ في كلِّ من عُرِف نفاقه، وإن كان سبب النُّزول خاصًّا (٥) بابن أُبيٍّ رأس المنافقين، وقد ورد ما يدلُّ لنزولها في عددٍ معينٍ؛ منهم ابن أُبيٍّ وغيره؛ لعلمه تعالى بموتهم على الكفر؛ بخلاف غيرهم فإنَّهم تابوا، فعند الواقديِّ عن معمرٍ عن الزُّهريِّ عن حذيفة: قال لي رسول الله ﷺ: «إنِّي مسرٌّ إليك سرًّا فلا تذكره لأحدٍ: إنِّي نُهِيت أن أصلِّي على فلانٍ وفلانٍ (٦)» رهطٍ ذوي عددٍ من المنافقين، قال: فلذلك كان عمر إذا أراد أن يصلِّي

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

حَتَّى يَجِيءَ بِالمُدِّ وَإنَّ لأحَدِهِمِ اليَوْمَ مِائَةَ ألْفٍ كَأنَّهُ يُعَرِّضُ بِنَفْسِهِ.

مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من مَعْنَاهُ لِأَنَّهُ مُطَابق لِمَعْنى الحَدِيث السَّابِق، والمطابق للمطابق للشَّيْء مُطَابق لذَلِك الشَّيْء. وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الْمَعْرُوف بِابْن رَاهَوَيْه، وَأَبُو إسامة حَمَّاد بن أُسَامَة، وزائدة من الزِّيَادَة ابْن قدامَة أَبُو الصَّلْت الْكُوفِي وَسليمَان هُوَ الْأَعْمَش، وشقيق هُوَ ابْن سَلمَة أَبُو وَائِل والْحَدِيث مضى فِي أَوَائِل الزَّكَاة.

قَوْله: (أحدثكُم) الْهمزَة فِيهِ للاستفهام على سَبِيل الاستخبار قَوْله: (فيحتال) أَي: يجْتَهد وَيُسمى. قَوْله: (مائَة ألف) بِالنّصب على أَنَّهَا اسْم. إِن، وَالْخَبَر قَوْله لأَحَدهم: (مقدما) (وَالْيَوْم) نصب على الظّرْف (وَمِائَة ألف) يحْتَمل الدَّرَاهِم وَيحْتَمل الدَّنَانِير وَيحْتَمل الأمداد من الْقَمْح أَو التَّمْر أَو نَحْوهمَا. قَوْله: (كَأَنَّهُ يعرض بِنَفسِهِ) من كَلَام شَقِيق الرَّاوِي، وَقد صرح بِهِ إِسْحَاق فِي مُسْنده، وَقَالَ فِي آخِره: قَالَ شَقِيق كَأَنَّهُ يعرض بِنَفسِهِ قلت: كَأَن أَبَا مَسْعُود عرض بِنَفسِهِ لما صَار من أَصْحَاب الْأَمْوَال الْكَثِيرَة.

١٢ - (بابُ قَوْلِهِ: {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ الله لَهُمْ} (التَّوْبَة: ٨٠)

أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: {اسْتغْفر لَهُم} إِلَى آخر مَا ذكره فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَعند غَيره مُخْتَصرا، خبر الله تَعَالَى فِي هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة أَن هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقين اللمازين لَيْسُوا أَهلا للاستغفار، وَأَنه لَو استغفرلهم وَلَو سبعين مرّة فَإِن الله لَا يغْفر لَهُم، وَذكر السّبْعين بِالنَّصِّ عَلَيْهِ لحسم مَادَّة الاسْتِغْفَار لَهُم لِأَن الْعَرَب فِي أساليب كَلَامهم تذكر السّبْعين فِي مُبَالغَة كَلَامهم وَلَا يُرَاد بهَا التَّحْدِيد وَلَا أَن كَون مَا زالد عَلَيْهَا بِخِلَافِهَا.

٤٦٧٠ - ح دَّثنا عُبَيْدُ بنُ إسْمَاعِيلَ عَنْ أبِي أُسَامَةَ عَنْ عُبَيْدِ الله عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابنِ عُمَرَ رَضِيَ الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ لَمَا تُوِفِّيَ عَبْدُ الله بنُ رَجاءَ ابْنُهُ عَبْدُ الله بنُ عَبْدِ الله إلَى رَسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَسَأَلَهُ أنْ يُعْطِيَهُ قَمِيصَهُ يُكَفَّنُ فِيهِ أباهُ فَأعْطاهُ ثُمَّ سَأَلَهُ أنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ فَقَامَ رَسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لِيُصَلِّيَ فَقَامَ عُمَرُ فَأخذَ بِثَوْبِ رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ يَا رَسُول الله أتُصَلِي عَلَيْهِ وَقَدْ نَهَاك رَبَكَ أنْ تصليَ عَليْهِ فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إنَّما خَيَّرَنِي الله) فَقَالَ: {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً} (التَّوْبَة: ٨٤) وَسأزِيدُهُ عَلَى السَّبْعِينَ قَالَ إنَّهُ منافِقٌ قالَ فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَأَنْزَلَ الله: {وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أبَدا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ} .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعبيد، بِضَم الْعين وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة، واسْمه فِي الأَصْل عبد الله يكنى أَبَا مُحَمَّد الْكُوفِي، وَأَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة، وَعبيد الله بن عمر الْعمريّ.

والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْجَنَائِز فِي: بَاب الْكَفَن فِي الْقَمِيص أخرجه مُسلم فِي التَّوْبَة عَن أبي بكر بن أبي شيبَة.

قَوْله: (لما توفّي عبد الله) يَعْنِي: ابْن أبي ابْن سلول، وَوَقع فِي أَكثر النّسخ اسْم أَبِيه أبي، وَقَالَ الْوَاقِدِيّ: إِنَّه مَاتَ بعد منصرفهم من تَبُوك وَذَلِكَ فِي ذِي الْقعدَة سنة تسع، وَكَانَت مُدَّة مَرضه عشْرين يَوْمًا وابتداؤها من لَيَال بقيت من شَوَّال، وَكَذَا ذكره الْحَاكِم فِي (الإكليل) وَقَالُوا: وَكَانَ قد تخلف هُوَ وَمن مَعَه عَن غَزْوَة تَبُوك وَفِيهِمْ نزلت {لَو خَرجُوا فِيكُم مَا زادوكم إلَاّ خبالاً} (التَّوْبَة: ٤٧) قيل: هَذَا يدْفع قَول ابْن التِّين، إِن هَذِه الْقِصَّة كَانَت فِي أول الْإِسْلَام قبل تَقْرِير الْأَحْكَام. قَوْله: (فَأعْطَاهُ) . أَي: أعْطى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَمِيصه عبد الله. قَالَ الْكرْمَانِي: لم أعطي قَمِيصه الْمُنَافِق؟ ثمَّ أجَاب بقوله: أعْطى لِابْنِهِ وَمَا أعْطى لأجل أَبِيه عبد الله بن أبي. وَقيل: كَانَ ذَلِك مُكَافَأَة لَهُ على مَا أعْطى يَوْم بدر قَمِيصًا للْعَبَّاس لِئَلَّا يكون لِلْمُنَافِقِ منَّة عَلَيْهِم. قَوْله: (ثمَّ سَأَلَهُ أَن يُصَلِّي عَلَيْهِ) إِنَّمَا سَأَلَهُ بِنَاء على أَنه

حمل أَمر أَبِيه على ظَاهر الْإِسْلَام ولدفع الْعَار عَنهُ وَعَن عشيرته فأظهر الرَّغْبَة فِي صَلَاة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَوَقعت إجَابَته إِلَى سُؤَاله على حسب مَا ظهر من حَاله إِلَى أَن كشف الله الغطاء عَن ذَلِك. قَوْله: (فَقَامَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ليُصَلِّي) عَلَيْهِ قَوْله: (أَتُصَلِّي عَلَيْهِ) الْهمزَة فِيهِ للاستفهام على سَبِيل الْإِنْكَار قَوْله: (وَقد) الْوَاو وَفِيه للْحَال. قَوْله: (نهاك رَبك أَن تصلي عَلَيْهِ) قَالَ الْكرْمَانِي: أَيْن نَهَاهُ ونزول قَوْله: {وَلَا تصل على أحد مِنْهُم} (التَّوْبَة: ٨٤) بعد ذَلِك؟ فَأجَاب بقوله: لَعَلَّ عمر اسْتَفَادَ النَّهْي من قَوْله تَعَالَى: {مَا كَانَ للنَّبِي وَالَّذين آمنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا للْمُشْرِكين} (التَّوْبَة: ١١٣) أَو من قَوْله: {أَن تستغفر لَهُم} فَإِنَّهُ إِذا لم يكن للاستغفار فَائِدَة الْمَغْفِرَة يكون عَبَثا فَيكون مَنْهِيّا عَنهُ وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: لَعَلَّ ذَلِك وَقع فِي خاطر عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَيكون من قبيل الإلهام. قَوْله: (إِنَّمَا خيرني الله) أَي: بَين الاسْتِغْفَار وَتَركه. قَوْله: (وسأزيد) حمل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عدد السّبْعين على حَقِيقَته، وَحمله عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، على الْمُبَالغَة. وَقَالَ الْخطابِيّ: فِيهِ حجَّة لمن أرى الحكم بِالْمَفْهُومِ لِأَنَّهُ جعل السّبْعين بِمَنْزِلَة الشَّرْط فَإِذا جَاوز هَذَا الْعدَد كَانَ الحكم بِخِلَافِهِ، وَكَانَ رَأْي عمر التصلب فِي الدّين والشدة على الْمُنَافِقين، وَقصد، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، الشَّفَقَة على من تعلق بِطرف من الدّين والتألف لِابْنِهِ ولقومه، فَاسْتعْمل أحسن الْأَمريْنِ وأفضلهما. قَوْله: (إِنَّه مُنَافِق) إِنَّمَا جزم بذلك جَريا على مَا كَانَ اطلع عَلَيْهِ من أَحْوَاله وَلم يَأْخُذ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بقوله: وَصلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِجْرَاء لَهُ على ظَاهر حكم الْإِسْلَام، وَذهب بعض أهل الحَدِيث إِلَى تَصْحِيح إِسْلَام عبد الله بن أبي بِصَلَاة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيح لمُخَالفَته الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة المصرحة بِمَا يُنَافِي فِي ذَلِك، وَقد أخرج الطَّبَرِيّ من طَرِيق سعيد عَن قَتَادَة فِي هَذِه الْقِصَّة قَالَ: فَأنْزل الله تَعَالَى: {وَلَا تصل على أحد مِنْهُم مَاتَ أبدا وَلَا تقم على قَبره} قَالَ: فَذكر لنا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: وَمَا يُغني عَنهُ قَمِيصِي من الله وَإِنِّي لأرجو أَن يسلم بذلك ألف من قومه، قَوْله: (فَأنْزل الله تَعَالَى) إِلَى آخِره: زَاد مُسَدّد فِي حَدِيثه عَن يحيى الْقطَّان عَن عبيد الله بن عمر فِي آخِره: فَترك الصَّلَاة عَلَيْهِم، وَفِي حَدِيث ابْن عَبَّاس: فصلى عَلَيْهِ ثمَّ انْصَرف فَلم يمْكث إلَاّ يَسِيرا حَتَّى نزلت، وَزَاد ابْن إِسْحَاق فِي (الْمَغَازِي) فِي حَدِيث الْبَاب: فَمَا صلى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على مُنَافِق بعده حَتَّى قَبضه الله تَعَالَى.

٤٦٧١ - ح دَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ حدَّثنا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيلٍ وَقَالَ غَيْرُهُ حدَّثني اللَّيْثُ حدَّثني عُقَيْلٌ عنِ ابنِ شِهابٍ قَالَ أخبرَنِي عُبَيْدُ الله بنُ عَبْدِ الله عنِ ابنِ عَبَّاسٍ عنْ عُمَرَ بنِ الخَطَابِ رَضِيَ الله عنهُ أنَّهُ قَالَ لمَّا مَاتَ عَبْدُ الله بنُ أُبَيٍّ ابنُ سَلُول دُعِيَ لهُ رَسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ فَلَمَّا قَامَ رَسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَثَبْتُ إلَيْهُ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ الله أَتُصَلِّي عَلَى ابنِ أُبَيٍّ وَقَدْ قَالَ يَوْمَ كَذَا كَذَا قَالَ أُعَدِّدُ عَلَيْهِ قَوْلَهُ فَتَبَسَّمَ رَسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقَالَ أخِّرْ عَنِّي يَا عُمَرُ فَلمَّا أكْثَرْتُ عَلَيْهِ قَالَ إنِّي خُيِّرْتُ فَاخْتَرْتُ لَوْ أعْلَمَ أنِّي إنْ زِدْتُ عَلَى السَّبْعِينَ يُغْفَرْ لهُ لَزِدْتُ عَلَيْهَا قَالَ فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ثُمَّ انْصَرَفَ فَلَمْ يَمْكُثْ إلَاّ يَسِيرا حَتَّى نَزَلَتِ الآيَتَانِ مِنْ بَرَاءَةَ {وَلا تُصلِّ عَلَى أحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أبَدا} إلَى قَوْلِهِ: {وَهُمْ فَاسِقُونَ} قَالَ فَعَجِبْتُ بَعْدُ مِنْ جُرْأَتِي عَلَى رَسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَالله وَرَسُولُهُ أعْلَمُ.

أخرج الحَدِيث الْمَذْكُور من وَجه آخر عَن ابْن عَبَّاس عَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَمضى الحَدِيث فِي الْجَنَائِز. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ فِي التَّفْسِير أَيْضا وَأخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا فِي الْجَنَائِز.

قَوْله: (وَقَالَ غَيره) ، الْغَيْر هُوَ عبد الله بن صَالح كَاتب اللَّيْث. قَوْله: (سلول) ، بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَضم اللَّام وَسُكُون الْوَاو بعْدهَا الْأُم اسْم أم عبد الله، وَهِي خزاعية، وَعبد الله من الْخَزْرَج أحد قَبيلَة الْأَنْصَار. قَوْله: (ابْن سلول) ، بِالرَّفْع لِأَنَّهُ صفة عبد الله لَا صفة أبي. قَوْله: (فَتَبَسَّمَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) كَانَ ذَلِك تَعَجبا من صلابة عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وبغضه لِلْمُنَافِقين قيل: لم يكن صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يتبسم عِنْد شُهُود الْجَنَائِز

وَأجِيب بِأَنَّهُ كَانَ على وَجه الْغَلَبَة. قَوْله: (يغْفر لَهُ) بجزم الرَّاء لِأَنَّهُ جَوَاب الشَّرْط وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: فغفر لَهُ، بِالْفَاءِ على صِيغَة الْمَاضِي. قَوْله: (بعد) بِضَم الدَّال لِأَنَّهُ قطع عَن الْإِضَافَة فَبنى على الضَّم. قَوْله: (من جرأتي) بِضَم الْجِيم أَي: من إقدامي عَلَيْهِ. (وَالله وَرَسُوله أعلم) قيل: الظَّاهِر أَنه من عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَيحْتَمل أَن يكون من قَول ابْن عَبَّاس.

١٣ - (بابُ قَوْلِهِ: {وَلا تُصَلِّ عَلَى أحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أبَدا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ} (التَّوْبَة: ٨٤)

أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: {وَلَا تصل} إِلَى آخِره، وَظَاهر الْآيَة أَنَّهَا نزلت فِي جَمِيع الْمُنَافِقين لَكِن ورد مَا يدل على أَنَّهَا نزلت فِي عدد معِين مِنْهُم. قَالَ الْوَاقِدِيّ: أخبرنَا معمر عَن الزُّهْرِيّ: قَالَ: قَالَ حُذَيْفَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ لي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِنِّي مسر إِلَيْك سرا فَلَا تذكره لأحد، إِنِّي نهيت أَن أُصَلِّي على فلَان وَفُلَان، رَهْط ذَوي عدد من الْمُنَافِقين، قَالَ: فَلذَلِك كَانَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، إِذا أَرَادَ أَن يُصَلِّي على أحد استتبع حُذَيْفَة فَإِن مَشى مَشى مَعَه، وَإِلَّا لم يصل عَلَيْهِ، وَمن طَرِيق آخر عَن جُبَير ابْن مطعم، إِنَّهُم اثْنَا عشر رجلا.

٤٦٧٢ - ح دَّثني إبْرَاهِيمُ بنُ المُنْذِرِ حدَّثنا أنَسُ بنُ عِياض عَن عُبَيْدِ الله عَنْ نافعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِيَ الله عَنْهُمَا أنَّهُ قَالَ لَمَا تُوُفِّيَ عَبْدُ الله بنُ أُبَيٍّ جاءَ ابْنُهُ عَبْدُ الله بنُ عَبْدِ الله إلَى رَسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَأعْطاهُ قَمِيصَهُ وَأَمَرَهُ أنْ يُكَفِّنَهُ فِيهِ ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي عَلَيْهِ فَأَخَذَ عُمَرُ بنُ الخَطابِ بِثَوْبِهِ فَقَالَ تُصَلِّي عَلَيْهِ وَهُوَ مُنافِقٌ وَقَدْ نَهَاكَ الله أنْ تَسْتَغْفِرَ لَهُمْ قَالَ إنّما خَيَّرَنِي الله أوْ أُخبرَني الله فَقَالَ: {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةَ فَلَنْ يَغْفِرَ الله لَهُمْ} (التَّوْبَة: ٨٠) فَقَالَ سَأُزِيدُ عَلَى سَبْعِينَ قَالَ فَصَلّى عَلَيْهِ رَسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَصَلَيْنَا مَعَهُ ثُمَّ أنْزَلَ الله عَلَيْهِ: {وَلا تُصَلِّ عَلَى أحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أبَدا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إنَّهُمْ كَفَرُوا بِالله وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ} .

هَذَا وَجه آخر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور عَن ابْن عمر فِي الْبَاب الَّذِي قبله. قَوْله: (إِنَّمَا خيرني الله أَخْبرنِي) ، كَذَا وَقع بِالشَّكِّ وَالْأول من التَّخْيِير. وَالثَّانِي من الْإِخْبَار، وَوَقع فِي أَكثر الرِّوَايَات: خيرني: يَعْنِي بَين الاسْتِغْفَار وَتَركه، وَكَذَا وَقع بِغَيْر شكّ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ أخرجه من طَرِيق إِسْمَاعِيل بن أبي أويس عَن أبي ضَمرَة وَهُوَ أنس بن عِيَاض بِلَفْظ إِنَّمَا خيرني الله من التَّخْيِير فَحسب، وَقد اسْتشْكل فهم التَّخْيِير من الْآيَة حَتَّى إِن جمَاعَة من الأكابر طعنوا فِي صِحَة هَذَا الحَدِيث مَعَ كَثْرَة طرقه، مِنْهُم: القَاضِي أَبُو بكر فَإِنَّهُ قَالَ لَا يجوز أَن يقبل هَذَا وَلَا يَصح أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَه: وَمِنْهُم: أَبُو بكر الباقلاني فَإِنَّهُ قَالَ فِي (التَّقْرِيب) هَذَا الحَدِيث من أَخْبَار الْآحَاد الَّتِي لَا يعلم ثُبُوتهَا وَمِنْهُم: إِمَام الْحَرَمَيْنِ. قَالَ فِي (مُخْتَصره) هَذَا الحَدِيث غير مخرج فِي الصَّحِيح، وَقَالَ فِي (الْبُرْهَان) لَا يُصَحِّحهُ أهل الحَدِيث. وَمِنْهُم: الْغَزالِيّ، قَالَ فِي (الْمُسْتَصْفى) الْأَظْهر أَن هَذَا الحَدِيث غير صَحِيح وَمِنْهُم: الدَّاودِيّ، قَالَ: هَذَا الحَدِيث غير مَحْفُوظ، وَأجِيب بِأَنَّهُم ظنُّوا أَن قَوْله: (ذَلِك بِأَنَّهُم كفرُوا) ، الْآيَة نزل مَعَ قَوْله: {اسْتغْفر لَهُم أَو لَا تستغفر لَهُم} وَلم يكن نُزُوله إلاّ متراخيا عَن صدر الْآيَة فَحِينَئِذٍ يرْتَفع الْإِشْكَال وَقد قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ، مَا فِيهِ رفع للإشكال الْمَذْكُور، وَمُلَخَّص سُؤَاله أَنه قد تَلا قَوْله: (ذَلِك بِأَنَّهُم كفرُوا) قَوْله: (اسْتغْفر لَهُم أَو لَا تستغفر لَهُم) فَبين الصَّارِف عَن الْمَغْفِرَة لَهُم، وَمُلَخَّص جَوَابه أَنه مثل قَول إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام: {وَمن عَصَانِي فَإنَّك غَفُور رَحِيم} (إِبْرَاهِيم: ٣٦) وَذَلِكَ أَنه تخيل بِمَا قَالَ إِظْهَار الْغَايَة رَحمته ورأفته على من بعث إِلَيْهِ، وَقد رد كَلَام الزَّمَخْشَرِيّ هَذَا من لَا يدانيه وَلَا يجاريه فِي مثل هَذَا الْبَاب، فَإِنَّهُ قَالَ: لَا يجوز نِسْبَة مَا قَالَه إِلَى الرَّسُول لِأَن الله أخبر أَنه لَا يغْفر للْكفَّار وَإِذا كَانَ لَا يغْفر لَهُم فَطلب الْمَغْفِرَة لَهُم مُسْتَحِيل. وَهَذَا لَا يَقع من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، ورد عَلَيْهِ بِأَن النَّهْي عَن الاسْتِغْفَار لمن مَاتَ مُشْركًا

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 8 جمادى الأولى
التربيع الأول اليوم 8.9 / 29.5
الإضاءة 66%
البدر بعد 6 يوم
الله أكبر

إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا

سورة الأحزاب 33:56