الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٦٧٠
الحديث رقم ٤٦٧٠ من كتاب «سورة براءة» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب قوله استغفر لهم أو لا تستغفر لهم.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
⦗٦٨⦘
﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ وَسَأَزِيدُهُ عَلَى السَّبْعِينَ، قَالَ: إِنَّهُ مُنَافِقٌ، قَالَ: فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾».
٤٦٧٠ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
حَتَّى يَجِيءَ بِالْمُدِّ) يَعْنِي فَيَتَصَدَّقَ بِهِ، فِي رِوَايَةِ الزَّكَاةِ فَيَنْطَلِقُ أَحَدُنَا إِلَى السُّوقِ فَيُحَامِلُ فَأَفَادَ بَيَانُ الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ فَيَحْتَالُ.
قَوْلُهُ: (وَإِنَّ لِأَحَدِهِمُ الْيَوْمَ مِائَةَ أَلْفٍ) فِي رِوَايَةِ الزَّكَاةِ وَإِنَّ لِبَعْضِهِمُ الْيَوْمَ لَمِائَةَ أَلْفٍ وَمِائَةَ بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهَا اسْمُ إِنَّ وَالْخَبَرُ لِأَحَدِهِمْ أَوْ لِبَعْضِهِمْ وَالْيَوْمُ ظَرْفٌ، وَلَمْ يَذْكُرْ مُمَيَّزُ الْمِائَةِ أَلْفٍ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ الدَّرَاهِمَ أَوِ الدَّنَانِيرَ أَوِ الْأَمْدَادَ.
قَوْلُهُ: (كَأَنَّهُ يُعَرِّضُ بِنَفْسِهِ) هُوَ كَلَامُ شَقِيقِ الرَّاوِي عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ، بَيَّنَهُ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ فِي مُسْنَدِهِ، وَهُوَ الَّذِي أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْهُ. وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ إِسْحَاقَ، فَقَالَ فِي آخِرِهِ وَإِنَّ لِأَحَدِهِمُ الْيَوْمَ لَمِائَةَ أَلْفٍ، قَالَ شَقِيقٌ: كَأَنَّهُ يُعَرِّضُ بِنَفْسِهِ وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وَزَادَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ قَالَ الْأَعْمَشُ: وَكَانَ أَبُو مَسْعُودٍ قَدْ كَثُرَ مَالُهُ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ يُرِيدُ أَنَّهُمْ كَانُوا فِي زَمَنِ الرَّسُولِ يَتَصَدَّقُونَ بِمَا يَجِدُونَ، وَهَؤُلَاءِ مُكْثِرُونَ وَلَا يَتَصَدَّقُونَ، كَذَا قَالَ وَهُوَ بَعِيدٌ، وَقَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: مُرَادُهُ أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَصَدَّقُونَ مَعَ قِلَّةِ الشَّيْءِ وَيَتَكَلَّفُونَ ذَلِكَ، ثُمَّ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَصَارُوا يَتَصَدَّقُونَ مِنْ يُسْرٍ وَمَعَ عَدَمِ خَشْيَةِ عُسْرٍ. قُلْتُ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ أَنَّ الْحِرْصَ عَلَى الصَّدَقَةِ الْآنَ لِسُهُولَةِ مَأْخَذِهَا بِالتَّوَسُّعِ الَّذِي وُسِّعَ عَلَيْهِمْ أَوْلَى مِنَ الْحِرْصِ عَلَيْهَا مَعَ تَكَلُّفِهِمْ، أَوْ أَرَادَ الْإِشَارَةَ إِلَى ضِيقِ الْعَيْشِ فِي زَمَنِ الرَّسُولِ وَذَلِكَ لِقِلَّةِ مَا وَقَعَ مِنَ الْفُتُوحِ وَالْغَنَائِمِ فِي زَمَانِهِ، وَإِلَى سَعَةِ عَيْشِهِمْ بَعْدَهُ لِكَثْرَةِ الْفُتُوحِ وَالْغَنَائِمِ.
١٢ - بَاب: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾
٤٦٧٠ - حَدَّثَنِي عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عُمَرَ ﵄ قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ جَاءَ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَسَأَلَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ قَمِيصَهُ يُكَفِّنُ فِيهِ أَبَاهُ، فَأَعْطَاهُ، ثُمَّ سَأَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَقَامَ عُمَرُ فَأَخَذَ بِثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أتُصَلِّي عَلَيْهِ وَقَدْ نَهَاكَ رَبُّكَ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَيْهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّمَا خَيَّرَنِي اللَّهُ فَقَالَ: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ وَسَأَزِيدُهُ عَلَى السَّبْعِينَ، قَالَ: إِنَّهُ مُنَافِقٌ، قَالَ: فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾
٤٦٧١ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ و قَالَ غَيْرُهُ حَدَّثَنِي اللَّيْثُ حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ أَنَّهُ قَالَ لَمَّا مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ دُعِيَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ فَلَمَّا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَثَبْتُ إِلَيْهِ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتُصَلِّي عَلَى ابْنِ أُبَيٍّ وَقَدْ قَالَ يَوْمَ كَذَا كَذَا وَكَذَا قَالَ أُعَدِّدُ عَلَيْهِ قَوْلَهُ فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: أَخِّرْ عَنِّي يَا عُمَرُ فَلَمَّا أَكْثَرْتُ عَلَيْهِ قَالَ" إِنِّي خُيِّرْتُ فَاخْتَرْتُ لَوْ أَعْلَمُ أَنِّي إِنْ زِدْتُ عَلَى السَّبْعِينَ يُغْفَرْ لَهُ لَزِدْتُ عَلَيْهَا" قَالَ فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ انْصَرَفَ فَلَمْ يَمْكُثْ إِلاَّ يَسِيرًا حَتَّى نَزَلَتْ الْآيَتَانِ مِنْ بَرَاءَةَ ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ قَالَ فَعَجِبْتُ بَعْدُ مِنْ جُرْأَتِي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَاللَّهُ
وَرَسُولُهُ أَعْلَم"
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِهِ ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَرِوَايَةُ غَيْرِهِ مُخْتَصَرَةٌ.
قَوْلُهُ: (عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ) هُوَ ابْنُ عُمَرَ.
قَوْلُهُ: (لَمَّا تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ) ذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ ثُمَّ الْحَاكِمُ فِي الْإِكْلِيلِ أَنَّهُ مَاتَ بَعْدَ مُنْصَرَفِهِمْ مِنْ تَبُوكَ وَذَلِكَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ تِسْعٍ، وَكَانَتْ مُدَّةُ مَرَضِهِ عِشْرِينَ يَوْمًا ابْتِدَاؤُهَا مِنْ لَيَالٍ بَقِيَتْ مِنْ شَوَّالٍ، قَالُوا: وَكَانَ قَدْ تَخَلَّفَ هُوَ وَمَنْ تَبِعَهُ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَفِيهِمْ نَزَلَتْ ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلا خَبَالا﴾ وَهَذَا يَدْفَعُ قَوْلَ ابْنِ التِّينِ أَنَّ هَذِهِ الْقِصَّةِ كَانَتْ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ قَبْلَ تَقْرِيرِ الْأَحْكَامِ.
قَوْلُهُ: (جَاءَ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الطَّبَرِيِّ مِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ: لَمَّا احْتُضِرَ عَبْدُ اللَّهِ جَاءَ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنَّ أَبِي قَدِ احْتُضِرَ فَأُحِبُّ أَنْ تَشْهَدَهُ وَتُصَلِّيَ عَلَيْهِ، قَالَ: مَا اسْمُكَ؟ قَالَ: الْحُبَابُ - يَعْنِي بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَمُوَحَّدَتَيْنِ مُخَفَّفًا - قَالَ: بَلْ أَنْتَ عَبْدُ اللَّهِ، الْحُبَابُ اسْمُ الشَّيْطَانِ، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ هَذَا مِنْ فُضَلَاءِ الصَّحَابَةِ وَشَهِدَ بَدْرًا وَمَا بَعْدَهَا وَاسْتُشْهِدَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَمِنْ مَنَاقِبِهِ أَنَّهُ بَلَغَهُ بَعْضُ مَقَالَاتِ أَبِيهِ فَجَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يَسْتَأْذِنُهُ فِي قَتْلِهِ، قَالَ: بَلْ أَحْسِنْ صُحْبَتَهُ، أَخْرَجَهُ ابْنُ مَنْدَهْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، وَفِي الطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيقِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ أَنَّهُ اسْتَأْذَنَ نَحْوَهُ، وَهَذَا مُنْقَطِعٌ لِأَنَّ عُرْوَةَ لَمْ يُدْرِكْهُ وَكَأَنَّهُ كَانَ يَحْمِلُ أَمْرَ أَبِيهِ عَلَى ظَاهِرِ الْإِسْلَامِ؛ فَلِذَلِكَ الْتَمَسَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يَحْضُرَ عِنْدَهُ وَيُصَلِّي عَلَيْهِ، وَلَا سِيَّمَا وَقَدْ وَرَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ بِعَهْدِ مِنْ أَبِيهِ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، وَالطَّبَرِيِّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ كِلَاهُمَا عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: أَرْسَلَ عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ أُبَيٍّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ: أَهْلَكَكَ حُبُّ يَهُودٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا أَرْسَلْتُ إِلَيْكَ
لِتَسْتَغْفِرَ لِي وَلَمْ أُرْسِلْ إِلَيْكَ لِتُوَبِّخَنِي، ثُمَّ سَأَلَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ قَمِيصَهُ يُكَفَّنَ فِيهِ فَأَجَابَهُ، وَهَذَا مُرْسَلٌ مَعَ ثِقَةِ رِجَالِهِ، وَيُعَضِّدُهُ مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْحَكَمِ بْنِ أَبَانٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا مَرِضَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ جَاءَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَكَلَّمَهُ فَقَالَ: قَدْ فَهِمْتُ مَا تَقُولُ، فَامْنُنْ عَلَيَّ فَكَفِّنِّي فِي قَمِيصِكَ وَصَلِّ عَلَيَّ فَفَعَلَ، وَكَأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ أَرَادَ بِذَلِكَ دَفْعُ الْعَارِ عَنْ وَلَدِهِ وَعَشِيرَتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ فَأَظْهَرَ الرَّغْبَةَ فِي صَلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ، وَوَقَعَتْ إِجَابَتُهُ إِلَى سُؤَالِهِ بِحَسَبِ مَا ظَهَرَ مِنْ حَالِهِ إِلَى أَنْ كَشَفَ اللَّهُ الْغِطَاءَ عَنْ ذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي، وَهَذَا مِنْ أَحْسَنِ الْأَجْوِبَةِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ.
قَوْلُهُ: (فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَقَامَ عُمَرُ فَأَخَذَ بِثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عُمَرَ ثَانِي حَدِيثِ الْبَابِ فَلَمَّا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَفِي حَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فَقَامَ إِلَيْهِ فَلَمَّا وَقَفَ عَلَيْهِ يُرِيدُ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ وَثَبَتَ إِلَيْهِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتُصَلِّي عَلَى ابْنِ أُبَيٍّ وَقَدْ قَالَ يَوْمَ كَذَا كَذَا وَكَذَا أُعَدِّدُ عَلَيْهِ قَوْلَهُ يُشِيرُ بِذَلِكَ إِلَى مِثْلِ قَوْلِهِ: ﴿لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾ وَإِلَى مِثْلِ قَوْلِهِ: ﴿لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ﴾ وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي تَفْسِيرِ الْمُنَافِقِينَ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتُصَلِّي عَلَيْهِ وَقَدْ نَهَاكَ رَبُّكُ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَيْهِ) كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ إِطْلَاقُ النَّهْيِ عَنِ الصَّلَاةِ، وَقَدِ اسْتُشْكِلَ جِدًّا حَتَّى أَقْدَمَ بَعْضُهُمْ فَقَالَ: هَذَا وَهَمٌ مِنْ بَعْضِ رُوَاتِهِ، وَعَاكَسَهُ غَيْرُهُ فَزَعَمَ أَنَّ عُمَرَ اطَّلَعَ عَلَى نَهْيٍ خَاصٍّ فِي ذَلِكَ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: لَعَلَّ ذَلِكَ وَقَعَ فِي خَاطِرِ عُمَرَ فَيَكُونُ مِنْ قَبِيلِ الْإِلْهَامِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فَهِمَ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾
قُلْتُ: الثَّانِي يَعْنِي مَا قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ أَقْرَبُ مِنَ الْأَوَّلِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمِ النَّهْيُ عَنِ الصَّلَاةِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ قَالَ فِي آخِرِ هَذَا الْحَدِيثِ
قَالَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ فِي رِوَايَةِ الْبَابِ تَجَوُّزًا بَيَّنَتْهُ الرِّوَايَةُ الَّتِي فِي الْبَابِ بَعْدَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بِلَفْظِ فَقَالَ: تُصَلِّي عَلَيْهِ وَقَدْ نَهَاكَ اللَّهُ أَنْ تَسْتَغْفِرَ لَهُمْ وَرَوَى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَالطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ قَالَ أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ فَأَخَذْتُ بِثَوْبِهِ فَقُلْتُ: وَاللَّهِ مَا أَمَرَكَ اللَّهُ بِهَذَا، لَقَدْ قَالَ: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ وَوَقَعَ عِنْدَ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَقَالَ عُمَرُ: أَتُصَلِّي عَلَيْهِ وَقَدْ نَهَاكَ اللَّهُ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَيْهِ؟ قَالَ: أَيْنَ؟ قَالَ قَالَ: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ الْآيَةَ، وَهَذَا مِثْلُ رِوَايَةِ الْبَابِ، فَكَأَنَّ عُمَرَ قَدْ فَهِمَ مِنَ الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ مَا هُوَ الْأَكْثَرُ الْأَغْلَبُ مِنْ لِسَانِ الْعَرَبِ مِنْ أَنَّ أَوْ لَيْسَتْ لِلتَّخْيِيرِ، بَلْ لِلتَّسْوِيَةِ فِي عَدَمِ الْوَصْفِ الْمَذْكُورِ، أَيْ أَنَّ الِاسْتِغْفَارَ لَهُمْ وَعَدَمَ الِاسْتِغْفَارِ سَوَاءٌ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ لَكِنِ الثَّانِيَةَ أَصْرَحُ، وَلِهَذَا وَرَدَ أَنَّهَا نَزَلَتْ بَعْدَ هَذِهِ الْقِصَّةِ كَمَا سَأَذْكُرُهُ، وَفَهِمَ عُمَرُ أَيْضًا مِنْ قَوْلِهِ: ﴿سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ أَنَّهَا لِلْمُبَالَغَةِ وَأَنَّ الْعَدَدَ الْمُعَيَّنَ لَا مَفْهُومَ لَهُ، بَلِ
الْمُرَادُ نَفْيُ الْمَغْفِرَةِ لَهُمْ وَلَوْ كَثُرَ الِاسْتِغْفَارُ، فَيَحْصُلُ مِنْ ذَلِكَ النَّهْيُ عَنِ الِاسْتِغْفَارِ فَأَطْلَقَهُ، وَفَهِمَ أَيْضًا أَنَّ الْمَقْصُودَ الْأَعْظَمَ مِنَ الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ طَلَبُ الْمَغْفِرَةِ لِلْمَيِّتِ وَالشَّفَاعَةِ لَهُ فَلِذَلِكَ اسْتَلْزَمَ عِنْدَهُ النَّهْيُ عَنِ الِاسْتِغْفَارِ تَرْكَ الصَّلَاةِ، فَلِذَلِكَ جَاءَ عَنْهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ إِطْلَاقُ النَّهْيِ عَنِ الصَّلَاةِ، وَلِهَذِهِ الْأُمُورِ اسْتَنْكَرَ إِرَادَةَ الصَّلَاةِ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ. هَذَا تَقْرِيرُ مَا صَدَرَ عَنْ عُمَرَ مَعَ مَا عُرِفَ مِنْ شِدَّةِ صَلَابَتِهِ فِي الدِّينِ وَكَثْرَةِ بُغْضِهِ لِلْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ، وَهُوَ الْقَائِلُ فِي حَقِّ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ مَعَ مَا كَانَ لَهُ مِنَ الْفَضْلِ كَشُهُودِهِ بَدْرًا وَغَيْرِ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ كَاتَبَ قُرَيْشًا قَبْلَ الْفَتْحِ دَعْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ أَضْرِبُ عُنُقَهُ فَقَدْ نَافَقَ فَلِذَلِكَ أَقْدَمَ عَلَى كَلَامِهِ لِلنَّبِيِّ ﷺ بِمَا قَالَ، وَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى احْتِمَالِ إِجْرَاءِ الْكَلَامِ عَلَى ظَاهِرِهِ لِمَا غَلَبَ عَلَيْهِ مِنَ الصَّلَابَةِ الْمَذْكُورَةِ.
قَالَ الزّبير بْنُ الْمُنِيرِ: وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ عُمَرُ حِرْصًا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَمَشُورَةً لَا إِلْزَامًا، وَلَهُ عَوَائِدٌ بِذَلِكَ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ كَانَ أَذِنَ لَهُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ فَلَا يَسْتَلْزِمُ مَا وَقَعَ مِنْ عُمَرَ أَنَّهُ اجْتَهَدَ مَعَ وُجُودِ النَّصِّ كَمَا تَمَسَّكَ بِهِ قَوْمٌ فِي جَوَازِ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا أَشَارَ بِالَّذِي ظَهَرَ لَهُ فَقَطْ، وَلِهَذَا احْتَمَلَ مِنْهُ النَّبِيُّ ﷺ أَخَذَهُ بِثَوْبِهِ وَمُخَاطَبَتِهِ لَهُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ الْمَقَامِ، حَتَّى الْتَفَتَ إِلَيْهِ مُتَبَسِّمًا كَمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِذَلِكَ فِي هَذَا الْبَابِ.
قَوْلُهُ: (إِنَّمَا خَيَّرَنِي اللَّهُ فَقَالَ ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ وَسَأَزِيدُهُ عَلَى السَّبْعِينَ) فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عُمَرَ مِنَ الزِّيَادَةِ: فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: أَخِّرْ عَنِّي يَا عُمَرُ، فَلَمَّا أَكْثَرْتُ عَلَيْهِ قَالَ: إِنِّي خُيِّرْتُ فَاخْتَرْتُ، أَيْ خُيِّرْتُ بَيْنَ الِاسْتِغْفَارِ وَعَدَمِهِ، وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ حَيْثُ ذَكَرَ الْآيَةَ الْمَذْكُورَةَ. وَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عُمَرَ: لَوْ أَعْلَمُ أَنِّي إِنْ زِدْتُ عَلَى السَّبْعِينَ يُغْفَرُ لَهُ لَزِدْتُ عَلَيْهَا، وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ جَازِمٌ بِقِصَّةِ الزِّيَادَةِ، وَآكَدُ مِنْهُ مَا رَوَى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: قَدْ خَيَّرَنِي رَبِّي، فَوَاللَّهِ لَأَزِيدَنَّ عَلَى السَّبْعِينَ وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ مِثْلُهُ، وَالطَّبَرِيُّ أَيْضًا وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ مِثْلِهِ، وَهَذِهِ طُرُقٌ وَإِنْ كَانَتْ مَرَاسِيلُ فَإِنَّ بَعْضَهَا يُعَضِّدُ بَعْضًا.
وَقَدْ خَفِيَتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ عَلَى مَنْ خَرَّجَ أَحَادِيثَ الْمُخْتَصَرِ وَالْبَيْضَاوِيِّ وَاقْتَصَرُوا عَلَى مَا وَقَعَ فِي حَدِيثَيِ الْبَابِ، وَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ ﷺ أَطَالَ فِي حَالِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ مِنَ الِاسْتِغْفَارِ لَهُ، وَقَدْ وَرَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، فَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّ مُجَمِّعَ بْنَ جَارِيَةَ قَالَ مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَطَالَ عَلَى جِنَازَةٍ قَطُّ مَا أَطَالَ عَلَى جِنَازَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ مِنَ الْوُقُوفِ وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُغِيرَةَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ:
قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: قَالَ اللَّهُ ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ فَأَنَا أَسْتَغْفِرُ لَهُمْ سَبْعِينَ وَسَبْعِينَ وَسَبْعِينَ، وَقَدْ تَمَسَّكَ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ مَنْ جَعَلَ مَفْهُومَ الْعَدَدِ حُجَّةً، وَكَذَا مَفْهُومُ الصِّفَةِ مِنْ بَابِ الْأَوْلَى. . وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ أَنَّهُ ﷺ فَهِمَ أَنَّ مَا زَادَ عَلَى السَّبْعِينَ بِخِلَافِ السَّبْعِينَ فَقَالَ: سَأَزِيدُ عَلَى السَّبْعِينَ، وَأَجَابَ مَنْ أَنْكَرَ الْقَوْلَ بِالْمَفْهُومِ بِمَا وَقَعَ فِي بَقِيَّةِ الْقِصَّةِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِدَافِعٍ لِلْحُجَّةِ، لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَقُمِ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْمَقْصُودَ بِالسَّبْعِينَ الْمُبَالَغَةُ لَكَانَ الِاسْتِدْلَالُ بِالْمَفْهُومِ بَاقِيًا.
قَوْلُهُ: (قَالَ: إِنَّهُ مُنَافِقٌ، فَصَلَّى عَلَيْهِ) أَمَّا جَزْمُ عُمَرَ بِأَنَّهُ مُنَافِقٌ فَجَرَى عَلَى مَا كَانَ يَطَّلِعُ عَلَيْهِ مِنْ أَحْوَالِهِ: وَإِنَّمَا لَمْ يَأْخُذِ النَّبِيُّ ﷺ بِقَوْلِهِ وَصَلَّى عَلَيْهِ إِجْرَاءً لَهُ عَلَى ظَاهِرِ حُكْمِ الْإِسْلَامِ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ، وَاسْتِصْحَابًا لِظَاهِرِ الْحُكْمِ، وَلِمَا فِيهِ مِنْ إِكْرَامِ وَلَدِهِ الَّذِي تَحَقَّقَتْ صَلَاحِيَتُهُ، وَمَصْلَحَةُ الِاسْتِئْلَافِ لِقَوْمِهِ وَدَفْعُ الْمَفْسَدَةِ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ يَصْبِرُ عَلَى أَذَى الْمُشْرِكِينَ وَيَعْفُو وَيَصْفَحُ، ثُمَّ أُمِرَ بِقِتَالِ الْمُشْرِكِينَ فَاسْتَمَرَّ صَفْحُهُ وَعَفْوُهُ عَمَّا يُظْهِرُ الْإِسْلَامَ وَلَوْ كَانَ بَاطِنُهُ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ لِمَصْلَحَةِ الِاسْتِئْلَافِ وَعَدَمِ التَّنْفِيرِ عَنْهُ، وَلِذَلِكَ قَالَ: لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ، فَلَمَّا حَصَلَ الْفَتْحُ وَدَخَلَ الْمُشْرِكُونَ فِي الْإِسْلَامِ وَقَلَّ أَهْلُ الْكُفْرِ وَذَلُّوا أُمِرَ بِمُجَاهَرَةِ الْمُنَافِقِينَ وَحَمْلِهِمْ عَلَى حُكْمِ مُرِّ الْحَقِّ، وَلَا سِيَّمَا وَقَدْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِ النَّهْيِ الصَّرِيحِ عَنِ الصَّلَاةِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا أُمِرَ فِيهِ بِمُجَاهِرَتِهِمْ، وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ يَنْدَفِعُ الْإِشْكَالُ عَمَّا وَقَعَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى.
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: إِنَّمَا فَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ مَا فَعَلَ لِكَمَالِ شَفَقَتِهِ عَلَى مَنْ تَعَلَّقَ بِطَرَفٍ مِنَ الدِّينِ، وَلِتَطْيِيبِ قَلْبِ وَلَدِهِ عَبْدِ اللَّهِ الرَّجُلِ الصَّالِحِ، وَلِتَأَلُّفِ قَوْمِهِ مِنَ الْخَزْرَجِ لِرِيَاسَتِهِ فِيهِمْ، فَلَوْ لَمْ يُجِبْ سُؤَالَ ابْنِهِ وَتَرَكَ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ قَبْلَ وُرُودِ النَّهْيِ الصَّرِيحِ لَكَانَ سُبَّةً عَلَى ابْنِهِ وَعَارًا عَلَى قَوْمِهِ، فَاسْتَعْمَلَ أَحْسَنَ الْأَمْرَيْنِ فِي السِّيَاسَةِ إِلَى أَنْ نُهِيَ فَانْتَهَى. وَتَبِعَهُ ابْنُ بَطَّالٍ وَعَبَّرَ بِقَوْلِهِ: وَرَجَا أَنْ يَكُونَ مُعْتَقَدًا لِبَعْضِ مَا كَانَ يَظْهَرُ فِي الْإِسْلَامِ. وَتَعَقَّبَهُ وَابْنُ الْمُنِيرِ بِأَنَّ الْإِيمَانَ لَا يَتَبَعَّضُ. وَهُوَ كَمَا قَالَ، لَكِنَّ مُرَادُ ابْنِ بَطَّالٍ أَنَّ إِيمَانَهُ كَانَ ضَعِيفًا. قُلْتُ: وَقَدْ مَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْحَدِيثِ إِلَى تَصْحِيحِ إِسْلَامِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ لِكَوْنِ النَّبِيِّ ﷺ صَلَّى عَلَيْهِ، وَذَهَلَ عَنِ الْوَارِدِ مِنَ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُصَرِّحَةِ فِي حَقِّهِ بِمَا يُنَافِي ذَلِكَ، وَلَمْ يَقِفْ عَلَى جَوَابٍ شَافٍ فِي ذَلِكَ، فَأَقْدَمَ عَلَى الدَّعْوَى الْمَذْكُورَةِ. وَهُوَ مَحْجُوجٍ بِإِجْمَاعِ مَنْ قَبْلَهُ عَلَى نَقِيضِ مَا قَالَ، وَإِطْبَاقِهِمْ عَلَى تَرْكِ ذِكْرِهِ فِي كُتُبِ الصَّحَابَةِ مَعَ شُهْرَتِهِ وَذِكْرُ مَنْ هُوَ دُونَهُ فِي الشَّرَفِ وَالشُّهْرَةِ بِأَضْعَافٍ مُضَاعَفَةٍ.
وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ، عَنْ قَتَادَةَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ قَالَ: فَذَكَرَ لَنَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَالَ: وَمَا يُغْنِي عَنْهُ قَمِيصِي مِنَ اللَّهِ، وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يُسْلِمَ بِذَلِكَ أَلْفٌ مِنْ قَوْمِهِ.
قَوْلُهُ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ زَادَ عَنْ مُسَدَّدٍ فِي حَدِيثِهِ عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فِي آخِرِهِ فَتَرَكَ الصَّلَاةَ عَلَيْهِمْ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُسَدَّدٍ، وَحَمَّادِ بْنِ زَاذَانَ، عَنْ يَحْيَى، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْجَنَائِزِ عَنْ مُسَدَّدٍ بِدُونِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَصَلَّى عَلَيْهِ ثُمَّ انْصَرَفَ، فَلَمْ يَمْكُثْ إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى نَزَلَتْ زَادَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي الْمَغَازِي قَالَ: حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ بِسَنَدِهِ فِي ثَانِي حَدِيثَيِ الْبَابِ قَالَ فَمَا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى مُنَافِقٍ بَعْدَهُ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ وَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ فَزَادَ فِيهِ وَلَا قَامَ عَلَى قَبْرِهِ وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرِ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: لَأَزِيدَنَّ عَلَى السَّبْعِينَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
وهذا الحديث قد سبق في أوائل «الزَّكاة» [خ¦١٤١٦].
(١٢) (باب قوله) ﷿ -وسقط لغير أبي ذر- (﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾) اللَّفظ لفظ الأمر ومعناه الخبر، أي: إن شئت استغفر لهم، وإن شئت فلا تستغفر لهم، ثمَّ (١) أعلمه الله تعالى أنَّه لا يغفر لهم، إن استغفر لهم سبعين مرَّةً، فقال: (﴿إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠]) والسَّبعون للتَّكثير، وسقط «﴿فَلَن يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ﴾» لغير أبي ذرٍّ.
٤٦٧٠ - وبه قال (٢): (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) بضمِّ العين من غير إضافةٍ، واسمه عبد الله، أبو محمَّدٍ القرشيُّ الهبَّاريُّ، من ولد هبَّار بن الأسود (عَنْ أَبِي أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين، ابن عبد الله بن عمر العُمَريِّ (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ) تعالى (عَنْهُما) أنَّه (قَالَ: لَمَّا تُوُفِّي عَبْدُ اللهِ بن أُبَيٍّ) بضمِّ الهمزة وفتح الموحَّدة وتشديد التَّحتيَّة، ابنُ سلول المنافق في ذي القعدة، سنة تسعٍ بعد منصرفهم من تبوك،
وكان قد تخلَّف عنها، كذا نقله في «الفتح» عن الواقديِّ و «إكليل الحاكم» وسقط لغير أبي ذرٍّ «ابن أبيٍّ» (جَاءَ ابْنُهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) وكان من المُخلِصين وفضلاء الصَّحابة (إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَسَأَلَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ قَمِيصَهُ يُكَفِّنُ فِيهِ أَبَاهُ، فَأَعْطَاهُ) قميصه ليكفِّن فيه أباه، فالإعطاء إنَّما وقع لابنه العبد الصَّالح، وقيل: إنَّ عبد الله المنافق كان أعطى العبَّاس يوم بدرٍ قميصًا لمَّا أُسِر العبَّاس، فكافأه النَّبيُّ ﷺ على ذلك لئلَّا يكون لمنافقٍ منَّةٌ عليهم (١) (ثُمَّ سَأَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِيُصَلِّيَ) زاد أبوا ذرٍّ والوقت وابن عساكر والأصيليُّ: «عليه» (فَقَامَ عُمَرُ) بن الخطَّاب رضي الله تعالى عنه (فَأَخَذَ بِثَوْبِ رَسُولِ اللهِ ﷺ؛ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ تُصَلِّي عَلَيْهِ) وفي نسخةٍ: «أتصلِّي عليه» بإثبات همزة الاستفهام الإنكاريِّ (وَ) الحال أنْ (٢) (قَدْ نَهَاكَ رَبُّكَ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَيْهِ (٣)؟!) قيل: لعلَّه قال ذلك بطريق الإلهام، وإلَّا فلم يتقدَّم نهيٌ عن الصَّلاة على المنافقين، كما يرشد إليه قوله في آخر هذا الحديث: «فأنزل الله: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا (٤)﴾ [التوبة: ٨٤]» وزعم بعضهم: أنَّ عمر اطَّلع على نهيٍ خاصٍّ في ذلك، وأحسن ما قيل: إنَّه فهم النَّهي من قوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] من حيث إنَّه سوَّى بين الاستغفار وعدمه في عدم النَّفع، وعلَّل ذلك بكفرهم، وقد ثبت في الشَّرع امتناع المغفرة لمن مات كافرًا، والدُّعاء بوقوع ما عُلِم انتفاء وقوعه شرعًا أو عقلًا ممتنعٌ، ولا ريب أنَّ الصَّلاة على الميِّت المشرك استغفارٌ له ودعاءٌ، وقد نُهِي عنه، فتكون الصَّلاة (٥) عليه منهيًّا عنها، هذا مع ما عُرِف من صلابة عمر ﵁ في الدِّين وكثرة بغضه للمنافقين، وقال الزَّين بن المُنيِّر -فيما حكاه عنه في «الفتح» -: وإنَّما قال عمر ذلك عَرْضًا على النَّبيِّ ﷺ ومشورةً لا إلزامًا، وله عوائد بذلك، ولا يبعد أن يكون النَّبيُّ ﷺ أَذِن له في مثل ذلك، فلا يستلزم (٦) ما وقع من عمر أنَّه اجتهد مع وجود النَّصِّ،
كما تمسَّك به قومٌ في جواز ذلك، وإنَّما أشار بالذي ظهر فقط؛ ولهذا احتَمَل منه ﷺ أَخْذَه بثوبه، ومخاطبته له في مثل ذلك المقام، حتَّى التفت إليه متبسمًا، كما في حديث ابن عبَّاسٍ في هذا الباب [خ¦٤٦٧١] (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: إِنَّمَا خَيَّرَنِي اللهُ) بين الاستغفار وعدمه (فَقَالَ: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ [التوبة: ٨٠] وَسَأَزِيدُهُ عَلَى السَّبْعِينَ) وعند عبد بن حميدٍ من طريق قتادة «فوالله لأزيدنَّ على السَّبعين» وسأل الزَّمخشريُّ فقال: فإن قلت: كيف خفي على رسول الله ﷺ -يعني (١): أنَّ السَّبعين مثلٌ في التَّكثير-، وهو أفصح العرب وأخبرهم بأساليب الكلام وتمثيلاته، والذي يُفْهم من ذكر هذا العدد كثرة الاستغفار؟! كيف وقد تلاه بقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ﴾ الاية [التوبة: ٨٠] فبيَّن (٢) الصَّارف عن المغفرة لهم، حتَّى قال: «خيَّرني وسأزيد على السَّبعين»؟! وأجاب (٣): بأنَّه لم يَخْفَ عليه ذلك، ولكنَّه خُيِّل بما قال إظهارًا لغاية رحمته ورأفته على من بُعِثَ إليه، كقول إبراهيم: ﴿وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦] وفي إظهار النَّبيِّ الرَّحمة والرَّأفة (٤) لطفٌ لأمَّته، ودعاءٌ لهم إلى ترحُّم بعضهم على بعضٍ. انتهى. قال في «فتوح الغيب»: قوله: «خُيِّل» أي: صُوِّر في خياله أو في خيال السَّامع ظاهر اللفظ -وهو العدد المخصوص-، دون المعنى الخفيِّ المراد وهو التَّكثير، كما أنَّ إبراهيم ﵊ ما عدَّ عصيانه في قوله: ﴿وَمَنْ عَصَانِي﴾ [إبراهيم: ٣٦] عصيان الله المراد منه: عبادة الأصنام، قال: وهو من أسلوب التَّورية، وهو أن يطلق لفظٌ له معنيان؛ قريبٌ وبعيدٌ، فيراد البعيد منهما. انتهى. وتَعقَّب بعضهم ذلك بأنَّه (٥) يجب عليه ﵊ إظهار ما علم من الله في أمر الكفر وما يترتَّب عليه من العقاب للزَّجر، وبأنَّه يستلزم (٦) جواز الاستغفار للكافر (٧) مع العلم بأنَّه لا يجوز؛ ولذا قيل: ما كان يعرف كفره، وعند عبد الرَّزَّاق عن معمرٍ، والطَّبريِّ من طريق سعيدٍ؛ كلاهما عن قتادة
قال: «أرسل عبد الله بن أُبيٍّ إلى النَّبيِّ ﷺ، فلمَّا دخل عليه؛ قال: أهلكك حبُّ يهود فقال: يا رسول الله إنَّما أرسلت إليك لتستغفر لي، ولم أُرسِل إليك لتوبِّخني، ثمَّ سأله أن يعطيه قميصه يكفَّن فيه، فأجابه» قال الحافظ ابن حجرٍ: وهذا مرسلٌ مع ثقة رجاله، ويعضده ما أخرجه الطَّبرانيُّ من طريق الحكم بن أبانٍ، عن عكرمة، عن ابن عبَّاسٍ قال: «لمَّا مرض عبد الله بن أبيٍّ جاءه النَّبيُّ ﷺ، فكلمَّه فقال: قد فهمت ما تقول، فامنن عليَّ فكفِّنِّي في قميصك، وصلِّ عليَّ، ففعل» قال: وكان عبد الله بن أبيٍّ أراد بذلك دفع العار عن ولده وعشيرته بعد موته، فأظهر الرَّغبة في صلاة النَّبيِّ ﷺ عليه (١)، ووقعت إجابته إلى سؤاله على حسب ما أظهر (٢) من حاله، فالنَّهي عن الاستغفار لمن مات مشركًا لا يستلزم النَّهي عن الاستغفار لمن مات مُظهِرًا للإسلام (قَالَ) أي: عمر جريًا على ما يعلمه من أحواله: (إِنَّهُ مُنَافِقٌ، قَالَ: فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ) إجراءً له على ظاهر حكم الإسلام واستئلافًا لقومه، لا سيَّما ولم يقع نهيٌ صريحٌ عن الصَّلاة على المنافقين، فاستعمل أحسن (٣) الأمرين في السِّياسة، حتَّى كشف الله تعالى عنه (٤) الغطاء، ونُهِي، فانتهى. (فَأَنْزَلَ اللهُ) تعالى: (﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤]) زاد مسدَّدٌ من حديث ابن عمر: «فترك الصَّلاة عليهم (٥)» وابن أبي حاتمٍ: «ولا قام على قبره (٦)» وعند الطَّبريِّ من حديث قتادة: أنَّه ﷺ قال: «وما يغني عنه قميصي من الله، وإنِّي لأرجو أن يُسلِم بذلك ألفٌ من قومه»، وقد رُوِي: أنَّ ألفًا من الخزرج أسلموا لمَّا رأوه يستشفع (٧) بثوبه، ويتوقَّع اندفاع العذاب عنه به.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
حَتَّى يَجِيءَ بِالْمُدِّ) يَعْنِي فَيَتَصَدَّقَ بِهِ، فِي رِوَايَةِ الزَّكَاةِ فَيَنْطَلِقُ أَحَدُنَا إِلَى السُّوقِ فَيُحَامِلُ فَأَفَادَ بَيَانُ الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ فَيَحْتَالُ.
قَوْلُهُ: (وَإِنَّ لِأَحَدِهِمُ الْيَوْمَ مِائَةَ أَلْفٍ) فِي رِوَايَةِ الزَّكَاةِ وَإِنَّ لِبَعْضِهِمُ الْيَوْمَ لَمِائَةَ أَلْفٍ وَمِائَةَ بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهَا اسْمُ إِنَّ وَالْخَبَرُ لِأَحَدِهِمْ أَوْ لِبَعْضِهِمْ وَالْيَوْمُ ظَرْفٌ، وَلَمْ يَذْكُرْ مُمَيَّزُ الْمِائَةِ أَلْفٍ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ الدَّرَاهِمَ أَوِ الدَّنَانِيرَ أَوِ الْأَمْدَادَ.
قَوْلُهُ: (كَأَنَّهُ يُعَرِّضُ بِنَفْسِهِ) هُوَ كَلَامُ شَقِيقِ الرَّاوِي عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ، بَيَّنَهُ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ فِي مُسْنَدِهِ، وَهُوَ الَّذِي أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْهُ. وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ إِسْحَاقَ، فَقَالَ فِي آخِرِهِ وَإِنَّ لِأَحَدِهِمُ الْيَوْمَ لَمِائَةَ أَلْفٍ، قَالَ شَقِيقٌ: كَأَنَّهُ يُعَرِّضُ بِنَفْسِهِ وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وَزَادَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ قَالَ الْأَعْمَشُ: وَكَانَ أَبُو مَسْعُودٍ قَدْ كَثُرَ مَالُهُ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ يُرِيدُ أَنَّهُمْ كَانُوا فِي زَمَنِ الرَّسُولِ يَتَصَدَّقُونَ بِمَا يَجِدُونَ، وَهَؤُلَاءِ مُكْثِرُونَ وَلَا يَتَصَدَّقُونَ، كَذَا قَالَ وَهُوَ بَعِيدٌ، وَقَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: مُرَادُهُ أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَصَدَّقُونَ مَعَ قِلَّةِ الشَّيْءِ وَيَتَكَلَّفُونَ ذَلِكَ، ثُمَّ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَصَارُوا يَتَصَدَّقُونَ مِنْ يُسْرٍ وَمَعَ عَدَمِ خَشْيَةِ عُسْرٍ. قُلْتُ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ أَنَّ الْحِرْصَ عَلَى الصَّدَقَةِ الْآنَ لِسُهُولَةِ مَأْخَذِهَا بِالتَّوَسُّعِ الَّذِي وُسِّعَ عَلَيْهِمْ أَوْلَى مِنَ الْحِرْصِ عَلَيْهَا مَعَ تَكَلُّفِهِمْ، أَوْ أَرَادَ الْإِشَارَةَ إِلَى ضِيقِ الْعَيْشِ فِي زَمَنِ الرَّسُولِ وَذَلِكَ لِقِلَّةِ مَا وَقَعَ مِنَ الْفُتُوحِ وَالْغَنَائِمِ فِي زَمَانِهِ، وَإِلَى سَعَةِ عَيْشِهِمْ بَعْدَهُ لِكَثْرَةِ الْفُتُوحِ وَالْغَنَائِمِ.
١٢ - بَاب: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾
٤٦٧٠ - حَدَّثَنِي عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عُمَرَ ﵄ قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ جَاءَ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَسَأَلَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ قَمِيصَهُ يُكَفِّنُ فِيهِ أَبَاهُ، فَأَعْطَاهُ، ثُمَّ سَأَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَقَامَ عُمَرُ فَأَخَذَ بِثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أتُصَلِّي عَلَيْهِ وَقَدْ نَهَاكَ رَبُّكَ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَيْهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّمَا خَيَّرَنِي اللَّهُ فَقَالَ: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ وَسَأَزِيدُهُ عَلَى السَّبْعِينَ، قَالَ: إِنَّهُ مُنَافِقٌ، قَالَ: فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾
٤٦٧١ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ و قَالَ غَيْرُهُ حَدَّثَنِي اللَّيْثُ حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ أَنَّهُ قَالَ لَمَّا مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ دُعِيَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ فَلَمَّا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَثَبْتُ إِلَيْهِ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتُصَلِّي عَلَى ابْنِ أُبَيٍّ وَقَدْ قَالَ يَوْمَ كَذَا كَذَا وَكَذَا قَالَ أُعَدِّدُ عَلَيْهِ قَوْلَهُ فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: أَخِّرْ عَنِّي يَا عُمَرُ فَلَمَّا أَكْثَرْتُ عَلَيْهِ قَالَ" إِنِّي خُيِّرْتُ فَاخْتَرْتُ لَوْ أَعْلَمُ أَنِّي إِنْ زِدْتُ عَلَى السَّبْعِينَ يُغْفَرْ لَهُ لَزِدْتُ عَلَيْهَا" قَالَ فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ انْصَرَفَ فَلَمْ يَمْكُثْ إِلاَّ يَسِيرًا حَتَّى نَزَلَتْ الْآيَتَانِ مِنْ بَرَاءَةَ ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ قَالَ فَعَجِبْتُ بَعْدُ مِنْ جُرْأَتِي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَاللَّهُ
وَرَسُولُهُ أَعْلَم"
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِهِ ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَرِوَايَةُ غَيْرِهِ مُخْتَصَرَةٌ.
قَوْلُهُ: (عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ) هُوَ ابْنُ عُمَرَ.
قَوْلُهُ: (لَمَّا تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ) ذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ ثُمَّ الْحَاكِمُ فِي الْإِكْلِيلِ أَنَّهُ مَاتَ بَعْدَ مُنْصَرَفِهِمْ مِنْ تَبُوكَ وَذَلِكَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ تِسْعٍ، وَكَانَتْ مُدَّةُ مَرَضِهِ عِشْرِينَ يَوْمًا ابْتِدَاؤُهَا مِنْ لَيَالٍ بَقِيَتْ مِنْ شَوَّالٍ، قَالُوا: وَكَانَ قَدْ تَخَلَّفَ هُوَ وَمَنْ تَبِعَهُ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَفِيهِمْ نَزَلَتْ ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلا خَبَالا﴾ وَهَذَا يَدْفَعُ قَوْلَ ابْنِ التِّينِ أَنَّ هَذِهِ الْقِصَّةِ كَانَتْ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ قَبْلَ تَقْرِيرِ الْأَحْكَامِ.
قَوْلُهُ: (جَاءَ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الطَّبَرِيِّ مِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ: لَمَّا احْتُضِرَ عَبْدُ اللَّهِ جَاءَ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنَّ أَبِي قَدِ احْتُضِرَ فَأُحِبُّ أَنْ تَشْهَدَهُ وَتُصَلِّيَ عَلَيْهِ، قَالَ: مَا اسْمُكَ؟ قَالَ: الْحُبَابُ - يَعْنِي بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَمُوَحَّدَتَيْنِ مُخَفَّفًا - قَالَ: بَلْ أَنْتَ عَبْدُ اللَّهِ، الْحُبَابُ اسْمُ الشَّيْطَانِ، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ هَذَا مِنْ فُضَلَاءِ الصَّحَابَةِ وَشَهِدَ بَدْرًا وَمَا بَعْدَهَا وَاسْتُشْهِدَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَمِنْ مَنَاقِبِهِ أَنَّهُ بَلَغَهُ بَعْضُ مَقَالَاتِ أَبِيهِ فَجَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يَسْتَأْذِنُهُ فِي قَتْلِهِ، قَالَ: بَلْ أَحْسِنْ صُحْبَتَهُ، أَخْرَجَهُ ابْنُ مَنْدَهْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، وَفِي الطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيقِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ أَنَّهُ اسْتَأْذَنَ نَحْوَهُ، وَهَذَا مُنْقَطِعٌ لِأَنَّ عُرْوَةَ لَمْ يُدْرِكْهُ وَكَأَنَّهُ كَانَ يَحْمِلُ أَمْرَ أَبِيهِ عَلَى ظَاهِرِ الْإِسْلَامِ؛ فَلِذَلِكَ الْتَمَسَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يَحْضُرَ عِنْدَهُ وَيُصَلِّي عَلَيْهِ، وَلَا سِيَّمَا وَقَدْ وَرَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ بِعَهْدِ مِنْ أَبِيهِ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، وَالطَّبَرِيِّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ كِلَاهُمَا عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: أَرْسَلَ عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ أُبَيٍّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ: أَهْلَكَكَ حُبُّ يَهُودٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا أَرْسَلْتُ إِلَيْكَ
لِتَسْتَغْفِرَ لِي وَلَمْ أُرْسِلْ إِلَيْكَ لِتُوَبِّخَنِي، ثُمَّ سَأَلَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ قَمِيصَهُ يُكَفَّنَ فِيهِ فَأَجَابَهُ، وَهَذَا مُرْسَلٌ مَعَ ثِقَةِ رِجَالِهِ، وَيُعَضِّدُهُ مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْحَكَمِ بْنِ أَبَانٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا مَرِضَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ جَاءَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَكَلَّمَهُ فَقَالَ: قَدْ فَهِمْتُ مَا تَقُولُ، فَامْنُنْ عَلَيَّ فَكَفِّنِّي فِي قَمِيصِكَ وَصَلِّ عَلَيَّ فَفَعَلَ، وَكَأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ أَرَادَ بِذَلِكَ دَفْعُ الْعَارِ عَنْ وَلَدِهِ وَعَشِيرَتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ فَأَظْهَرَ الرَّغْبَةَ فِي صَلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ، وَوَقَعَتْ إِجَابَتُهُ إِلَى سُؤَالِهِ بِحَسَبِ مَا ظَهَرَ مِنْ حَالِهِ إِلَى أَنْ كَشَفَ اللَّهُ الْغِطَاءَ عَنْ ذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي، وَهَذَا مِنْ أَحْسَنِ الْأَجْوِبَةِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ.
قَوْلُهُ: (فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَقَامَ عُمَرُ فَأَخَذَ بِثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عُمَرَ ثَانِي حَدِيثِ الْبَابِ فَلَمَّا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَفِي حَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فَقَامَ إِلَيْهِ فَلَمَّا وَقَفَ عَلَيْهِ يُرِيدُ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ وَثَبَتَ إِلَيْهِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتُصَلِّي عَلَى ابْنِ أُبَيٍّ وَقَدْ قَالَ يَوْمَ كَذَا كَذَا وَكَذَا أُعَدِّدُ عَلَيْهِ قَوْلَهُ يُشِيرُ بِذَلِكَ إِلَى مِثْلِ قَوْلِهِ: ﴿لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾ وَإِلَى مِثْلِ قَوْلِهِ: ﴿لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ﴾ وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي تَفْسِيرِ الْمُنَافِقِينَ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتُصَلِّي عَلَيْهِ وَقَدْ نَهَاكَ رَبُّكُ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَيْهِ) كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ إِطْلَاقُ النَّهْيِ عَنِ الصَّلَاةِ، وَقَدِ اسْتُشْكِلَ جِدًّا حَتَّى أَقْدَمَ بَعْضُهُمْ فَقَالَ: هَذَا وَهَمٌ مِنْ بَعْضِ رُوَاتِهِ، وَعَاكَسَهُ غَيْرُهُ فَزَعَمَ أَنَّ عُمَرَ اطَّلَعَ عَلَى نَهْيٍ خَاصٍّ فِي ذَلِكَ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: لَعَلَّ ذَلِكَ وَقَعَ فِي خَاطِرِ عُمَرَ فَيَكُونُ مِنْ قَبِيلِ الْإِلْهَامِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فَهِمَ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾
قُلْتُ: الثَّانِي يَعْنِي مَا قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ أَقْرَبُ مِنَ الْأَوَّلِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمِ النَّهْيُ عَنِ الصَّلَاةِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ قَالَ فِي آخِرِ هَذَا الْحَدِيثِ
قَالَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ فِي رِوَايَةِ الْبَابِ تَجَوُّزًا بَيَّنَتْهُ الرِّوَايَةُ الَّتِي فِي الْبَابِ بَعْدَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بِلَفْظِ فَقَالَ: تُصَلِّي عَلَيْهِ وَقَدْ نَهَاكَ اللَّهُ أَنْ تَسْتَغْفِرَ لَهُمْ وَرَوَى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَالطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ قَالَ أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ فَأَخَذْتُ بِثَوْبِهِ فَقُلْتُ: وَاللَّهِ مَا أَمَرَكَ اللَّهُ بِهَذَا، لَقَدْ قَالَ: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ وَوَقَعَ عِنْدَ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَقَالَ عُمَرُ: أَتُصَلِّي عَلَيْهِ وَقَدْ نَهَاكَ اللَّهُ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَيْهِ؟ قَالَ: أَيْنَ؟ قَالَ قَالَ: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ الْآيَةَ، وَهَذَا مِثْلُ رِوَايَةِ الْبَابِ، فَكَأَنَّ عُمَرَ قَدْ فَهِمَ مِنَ الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ مَا هُوَ الْأَكْثَرُ الْأَغْلَبُ مِنْ لِسَانِ الْعَرَبِ مِنْ أَنَّ أَوْ لَيْسَتْ لِلتَّخْيِيرِ، بَلْ لِلتَّسْوِيَةِ فِي عَدَمِ الْوَصْفِ الْمَذْكُورِ، أَيْ أَنَّ الِاسْتِغْفَارَ لَهُمْ وَعَدَمَ الِاسْتِغْفَارِ سَوَاءٌ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ لَكِنِ الثَّانِيَةَ أَصْرَحُ، وَلِهَذَا وَرَدَ أَنَّهَا نَزَلَتْ بَعْدَ هَذِهِ الْقِصَّةِ كَمَا سَأَذْكُرُهُ، وَفَهِمَ عُمَرُ أَيْضًا مِنْ قَوْلِهِ: ﴿سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ أَنَّهَا لِلْمُبَالَغَةِ وَأَنَّ الْعَدَدَ الْمُعَيَّنَ لَا مَفْهُومَ لَهُ، بَلِ
الْمُرَادُ نَفْيُ الْمَغْفِرَةِ لَهُمْ وَلَوْ كَثُرَ الِاسْتِغْفَارُ، فَيَحْصُلُ مِنْ ذَلِكَ النَّهْيُ عَنِ الِاسْتِغْفَارِ فَأَطْلَقَهُ، وَفَهِمَ أَيْضًا أَنَّ الْمَقْصُودَ الْأَعْظَمَ مِنَ الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ طَلَبُ الْمَغْفِرَةِ لِلْمَيِّتِ وَالشَّفَاعَةِ لَهُ فَلِذَلِكَ اسْتَلْزَمَ عِنْدَهُ النَّهْيُ عَنِ الِاسْتِغْفَارِ تَرْكَ الصَّلَاةِ، فَلِذَلِكَ جَاءَ عَنْهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ إِطْلَاقُ النَّهْيِ عَنِ الصَّلَاةِ، وَلِهَذِهِ الْأُمُورِ اسْتَنْكَرَ إِرَادَةَ الصَّلَاةِ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ. هَذَا تَقْرِيرُ مَا صَدَرَ عَنْ عُمَرَ مَعَ مَا عُرِفَ مِنْ شِدَّةِ صَلَابَتِهِ فِي الدِّينِ وَكَثْرَةِ بُغْضِهِ لِلْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ، وَهُوَ الْقَائِلُ فِي حَقِّ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ مَعَ مَا كَانَ لَهُ مِنَ الْفَضْلِ كَشُهُودِهِ بَدْرًا وَغَيْرِ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ كَاتَبَ قُرَيْشًا قَبْلَ الْفَتْحِ دَعْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ أَضْرِبُ عُنُقَهُ فَقَدْ نَافَقَ فَلِذَلِكَ أَقْدَمَ عَلَى كَلَامِهِ لِلنَّبِيِّ ﷺ بِمَا قَالَ، وَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى احْتِمَالِ إِجْرَاءِ الْكَلَامِ عَلَى ظَاهِرِهِ لِمَا غَلَبَ عَلَيْهِ مِنَ الصَّلَابَةِ الْمَذْكُورَةِ.
قَالَ الزّبير بْنُ الْمُنِيرِ: وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ عُمَرُ حِرْصًا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَمَشُورَةً لَا إِلْزَامًا، وَلَهُ عَوَائِدٌ بِذَلِكَ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ كَانَ أَذِنَ لَهُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ فَلَا يَسْتَلْزِمُ مَا وَقَعَ مِنْ عُمَرَ أَنَّهُ اجْتَهَدَ مَعَ وُجُودِ النَّصِّ كَمَا تَمَسَّكَ بِهِ قَوْمٌ فِي جَوَازِ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا أَشَارَ بِالَّذِي ظَهَرَ لَهُ فَقَطْ، وَلِهَذَا احْتَمَلَ مِنْهُ النَّبِيُّ ﷺ أَخَذَهُ بِثَوْبِهِ وَمُخَاطَبَتِهِ لَهُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ الْمَقَامِ، حَتَّى الْتَفَتَ إِلَيْهِ مُتَبَسِّمًا كَمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِذَلِكَ فِي هَذَا الْبَابِ.
قَوْلُهُ: (إِنَّمَا خَيَّرَنِي اللَّهُ فَقَالَ ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ وَسَأَزِيدُهُ عَلَى السَّبْعِينَ) فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عُمَرَ مِنَ الزِّيَادَةِ: فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: أَخِّرْ عَنِّي يَا عُمَرُ، فَلَمَّا أَكْثَرْتُ عَلَيْهِ قَالَ: إِنِّي خُيِّرْتُ فَاخْتَرْتُ، أَيْ خُيِّرْتُ بَيْنَ الِاسْتِغْفَارِ وَعَدَمِهِ، وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ حَيْثُ ذَكَرَ الْآيَةَ الْمَذْكُورَةَ. وَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عُمَرَ: لَوْ أَعْلَمُ أَنِّي إِنْ زِدْتُ عَلَى السَّبْعِينَ يُغْفَرُ لَهُ لَزِدْتُ عَلَيْهَا، وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ جَازِمٌ بِقِصَّةِ الزِّيَادَةِ، وَآكَدُ مِنْهُ مَا رَوَى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: قَدْ خَيَّرَنِي رَبِّي، فَوَاللَّهِ لَأَزِيدَنَّ عَلَى السَّبْعِينَ وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ مِثْلُهُ، وَالطَّبَرِيُّ أَيْضًا وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ مِثْلِهِ، وَهَذِهِ طُرُقٌ وَإِنْ كَانَتْ مَرَاسِيلُ فَإِنَّ بَعْضَهَا يُعَضِّدُ بَعْضًا.
وَقَدْ خَفِيَتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ عَلَى مَنْ خَرَّجَ أَحَادِيثَ الْمُخْتَصَرِ وَالْبَيْضَاوِيِّ وَاقْتَصَرُوا عَلَى مَا وَقَعَ فِي حَدِيثَيِ الْبَابِ، وَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ ﷺ أَطَالَ فِي حَالِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ مِنَ الِاسْتِغْفَارِ لَهُ، وَقَدْ وَرَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، فَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّ مُجَمِّعَ بْنَ جَارِيَةَ قَالَ مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَطَالَ عَلَى جِنَازَةٍ قَطُّ مَا أَطَالَ عَلَى جِنَازَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ مِنَ الْوُقُوفِ وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُغِيرَةَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ:
قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: قَالَ اللَّهُ ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ فَأَنَا أَسْتَغْفِرُ لَهُمْ سَبْعِينَ وَسَبْعِينَ وَسَبْعِينَ، وَقَدْ تَمَسَّكَ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ مَنْ جَعَلَ مَفْهُومَ الْعَدَدِ حُجَّةً، وَكَذَا مَفْهُومُ الصِّفَةِ مِنْ بَابِ الْأَوْلَى. . وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ أَنَّهُ ﷺ فَهِمَ أَنَّ مَا زَادَ عَلَى السَّبْعِينَ بِخِلَافِ السَّبْعِينَ فَقَالَ: سَأَزِيدُ عَلَى السَّبْعِينَ، وَأَجَابَ مَنْ أَنْكَرَ الْقَوْلَ بِالْمَفْهُومِ بِمَا وَقَعَ فِي بَقِيَّةِ الْقِصَّةِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِدَافِعٍ لِلْحُجَّةِ، لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَقُمِ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْمَقْصُودَ بِالسَّبْعِينَ الْمُبَالَغَةُ لَكَانَ الِاسْتِدْلَالُ بِالْمَفْهُومِ بَاقِيًا.
قَوْلُهُ: (قَالَ: إِنَّهُ مُنَافِقٌ، فَصَلَّى عَلَيْهِ) أَمَّا جَزْمُ عُمَرَ بِأَنَّهُ مُنَافِقٌ فَجَرَى عَلَى مَا كَانَ يَطَّلِعُ عَلَيْهِ مِنْ أَحْوَالِهِ: وَإِنَّمَا لَمْ يَأْخُذِ النَّبِيُّ ﷺ بِقَوْلِهِ وَصَلَّى عَلَيْهِ إِجْرَاءً لَهُ عَلَى ظَاهِرِ حُكْمِ الْإِسْلَامِ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ، وَاسْتِصْحَابًا لِظَاهِرِ الْحُكْمِ، وَلِمَا فِيهِ مِنْ إِكْرَامِ وَلَدِهِ الَّذِي تَحَقَّقَتْ صَلَاحِيَتُهُ، وَمَصْلَحَةُ الِاسْتِئْلَافِ لِقَوْمِهِ وَدَفْعُ الْمَفْسَدَةِ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ يَصْبِرُ عَلَى أَذَى الْمُشْرِكِينَ وَيَعْفُو وَيَصْفَحُ، ثُمَّ أُمِرَ بِقِتَالِ الْمُشْرِكِينَ فَاسْتَمَرَّ صَفْحُهُ وَعَفْوُهُ عَمَّا يُظْهِرُ الْإِسْلَامَ وَلَوْ كَانَ بَاطِنُهُ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ لِمَصْلَحَةِ الِاسْتِئْلَافِ وَعَدَمِ التَّنْفِيرِ عَنْهُ، وَلِذَلِكَ قَالَ: لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ، فَلَمَّا حَصَلَ الْفَتْحُ وَدَخَلَ الْمُشْرِكُونَ فِي الْإِسْلَامِ وَقَلَّ أَهْلُ الْكُفْرِ وَذَلُّوا أُمِرَ بِمُجَاهَرَةِ الْمُنَافِقِينَ وَحَمْلِهِمْ عَلَى حُكْمِ مُرِّ الْحَقِّ، وَلَا سِيَّمَا وَقَدْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِ النَّهْيِ الصَّرِيحِ عَنِ الصَّلَاةِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا أُمِرَ فِيهِ بِمُجَاهِرَتِهِمْ، وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ يَنْدَفِعُ الْإِشْكَالُ عَمَّا وَقَعَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى.
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: إِنَّمَا فَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ مَا فَعَلَ لِكَمَالِ شَفَقَتِهِ عَلَى مَنْ تَعَلَّقَ بِطَرَفٍ مِنَ الدِّينِ، وَلِتَطْيِيبِ قَلْبِ وَلَدِهِ عَبْدِ اللَّهِ الرَّجُلِ الصَّالِحِ، وَلِتَأَلُّفِ قَوْمِهِ مِنَ الْخَزْرَجِ لِرِيَاسَتِهِ فِيهِمْ، فَلَوْ لَمْ يُجِبْ سُؤَالَ ابْنِهِ وَتَرَكَ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ قَبْلَ وُرُودِ النَّهْيِ الصَّرِيحِ لَكَانَ سُبَّةً عَلَى ابْنِهِ وَعَارًا عَلَى قَوْمِهِ، فَاسْتَعْمَلَ أَحْسَنَ الْأَمْرَيْنِ فِي السِّيَاسَةِ إِلَى أَنْ نُهِيَ فَانْتَهَى. وَتَبِعَهُ ابْنُ بَطَّالٍ وَعَبَّرَ بِقَوْلِهِ: وَرَجَا أَنْ يَكُونَ مُعْتَقَدًا لِبَعْضِ مَا كَانَ يَظْهَرُ فِي الْإِسْلَامِ. وَتَعَقَّبَهُ وَابْنُ الْمُنِيرِ بِأَنَّ الْإِيمَانَ لَا يَتَبَعَّضُ. وَهُوَ كَمَا قَالَ، لَكِنَّ مُرَادُ ابْنِ بَطَّالٍ أَنَّ إِيمَانَهُ كَانَ ضَعِيفًا. قُلْتُ: وَقَدْ مَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْحَدِيثِ إِلَى تَصْحِيحِ إِسْلَامِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ لِكَوْنِ النَّبِيِّ ﷺ صَلَّى عَلَيْهِ، وَذَهَلَ عَنِ الْوَارِدِ مِنَ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُصَرِّحَةِ فِي حَقِّهِ بِمَا يُنَافِي ذَلِكَ، وَلَمْ يَقِفْ عَلَى جَوَابٍ شَافٍ فِي ذَلِكَ، فَأَقْدَمَ عَلَى الدَّعْوَى الْمَذْكُورَةِ. وَهُوَ مَحْجُوجٍ بِإِجْمَاعِ مَنْ قَبْلَهُ عَلَى نَقِيضِ مَا قَالَ، وَإِطْبَاقِهِمْ عَلَى تَرْكِ ذِكْرِهِ فِي كُتُبِ الصَّحَابَةِ مَعَ شُهْرَتِهِ وَذِكْرُ مَنْ هُوَ دُونَهُ فِي الشَّرَفِ وَالشُّهْرَةِ بِأَضْعَافٍ مُضَاعَفَةٍ.
وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ، عَنْ قَتَادَةَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ قَالَ: فَذَكَرَ لَنَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَالَ: وَمَا يُغْنِي عَنْهُ قَمِيصِي مِنَ اللَّهِ، وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يُسْلِمَ بِذَلِكَ أَلْفٌ مِنْ قَوْمِهِ.
قَوْلُهُ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ زَادَ عَنْ مُسَدَّدٍ فِي حَدِيثِهِ عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فِي آخِرِهِ فَتَرَكَ الصَّلَاةَ عَلَيْهِمْ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُسَدَّدٍ، وَحَمَّادِ بْنِ زَاذَانَ، عَنْ يَحْيَى، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْجَنَائِزِ عَنْ مُسَدَّدٍ بِدُونِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَصَلَّى عَلَيْهِ ثُمَّ انْصَرَفَ، فَلَمْ يَمْكُثْ إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى نَزَلَتْ زَادَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي الْمَغَازِي قَالَ: حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ بِسَنَدِهِ فِي ثَانِي حَدِيثَيِ الْبَابِ قَالَ فَمَا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى مُنَافِقٍ بَعْدَهُ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ وَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ فَزَادَ فِيهِ وَلَا قَامَ عَلَى قَبْرِهِ وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرِ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: لَأَزِيدَنَّ عَلَى السَّبْعِينَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
وهذا الحديث قد سبق في أوائل «الزَّكاة» [خ¦١٤١٦].
(١٢) (باب قوله) ﷿ -وسقط لغير أبي ذر- (﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾) اللَّفظ لفظ الأمر ومعناه الخبر، أي: إن شئت استغفر لهم، وإن شئت فلا تستغفر لهم، ثمَّ (١) أعلمه الله تعالى أنَّه لا يغفر لهم، إن استغفر لهم سبعين مرَّةً، فقال: (﴿إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠]) والسَّبعون للتَّكثير، وسقط «﴿فَلَن يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ﴾» لغير أبي ذرٍّ.
٤٦٧٠ - وبه قال (٢): (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) بضمِّ العين من غير إضافةٍ، واسمه عبد الله، أبو محمَّدٍ القرشيُّ الهبَّاريُّ، من ولد هبَّار بن الأسود (عَنْ أَبِي أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين، ابن عبد الله بن عمر العُمَريِّ (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ) تعالى (عَنْهُما) أنَّه (قَالَ: لَمَّا تُوُفِّي عَبْدُ اللهِ بن أُبَيٍّ) بضمِّ الهمزة وفتح الموحَّدة وتشديد التَّحتيَّة، ابنُ سلول المنافق في ذي القعدة، سنة تسعٍ بعد منصرفهم من تبوك،
وكان قد تخلَّف عنها، كذا نقله في «الفتح» عن الواقديِّ و «إكليل الحاكم» وسقط لغير أبي ذرٍّ «ابن أبيٍّ» (جَاءَ ابْنُهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) وكان من المُخلِصين وفضلاء الصَّحابة (إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَسَأَلَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ قَمِيصَهُ يُكَفِّنُ فِيهِ أَبَاهُ، فَأَعْطَاهُ) قميصه ليكفِّن فيه أباه، فالإعطاء إنَّما وقع لابنه العبد الصَّالح، وقيل: إنَّ عبد الله المنافق كان أعطى العبَّاس يوم بدرٍ قميصًا لمَّا أُسِر العبَّاس، فكافأه النَّبيُّ ﷺ على ذلك لئلَّا يكون لمنافقٍ منَّةٌ عليهم (١) (ثُمَّ سَأَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِيُصَلِّيَ) زاد أبوا ذرٍّ والوقت وابن عساكر والأصيليُّ: «عليه» (فَقَامَ عُمَرُ) بن الخطَّاب رضي الله تعالى عنه (فَأَخَذَ بِثَوْبِ رَسُولِ اللهِ ﷺ؛ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ تُصَلِّي عَلَيْهِ) وفي نسخةٍ: «أتصلِّي عليه» بإثبات همزة الاستفهام الإنكاريِّ (وَ) الحال أنْ (٢) (قَدْ نَهَاكَ رَبُّكَ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَيْهِ (٣)؟!) قيل: لعلَّه قال ذلك بطريق الإلهام، وإلَّا فلم يتقدَّم نهيٌ عن الصَّلاة على المنافقين، كما يرشد إليه قوله في آخر هذا الحديث: «فأنزل الله: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا (٤)﴾ [التوبة: ٨٤]» وزعم بعضهم: أنَّ عمر اطَّلع على نهيٍ خاصٍّ في ذلك، وأحسن ما قيل: إنَّه فهم النَّهي من قوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] من حيث إنَّه سوَّى بين الاستغفار وعدمه في عدم النَّفع، وعلَّل ذلك بكفرهم، وقد ثبت في الشَّرع امتناع المغفرة لمن مات كافرًا، والدُّعاء بوقوع ما عُلِم انتفاء وقوعه شرعًا أو عقلًا ممتنعٌ، ولا ريب أنَّ الصَّلاة على الميِّت المشرك استغفارٌ له ودعاءٌ، وقد نُهِي عنه، فتكون الصَّلاة (٥) عليه منهيًّا عنها، هذا مع ما عُرِف من صلابة عمر ﵁ في الدِّين وكثرة بغضه للمنافقين، وقال الزَّين بن المُنيِّر -فيما حكاه عنه في «الفتح» -: وإنَّما قال عمر ذلك عَرْضًا على النَّبيِّ ﷺ ومشورةً لا إلزامًا، وله عوائد بذلك، ولا يبعد أن يكون النَّبيُّ ﷺ أَذِن له في مثل ذلك، فلا يستلزم (٦) ما وقع من عمر أنَّه اجتهد مع وجود النَّصِّ،
كما تمسَّك به قومٌ في جواز ذلك، وإنَّما أشار بالذي ظهر فقط؛ ولهذا احتَمَل منه ﷺ أَخْذَه بثوبه، ومخاطبته له في مثل ذلك المقام، حتَّى التفت إليه متبسمًا، كما في حديث ابن عبَّاسٍ في هذا الباب [خ¦٤٦٧١] (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: إِنَّمَا خَيَّرَنِي اللهُ) بين الاستغفار وعدمه (فَقَالَ: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ [التوبة: ٨٠] وَسَأَزِيدُهُ عَلَى السَّبْعِينَ) وعند عبد بن حميدٍ من طريق قتادة «فوالله لأزيدنَّ على السَّبعين» وسأل الزَّمخشريُّ فقال: فإن قلت: كيف خفي على رسول الله ﷺ -يعني (١): أنَّ السَّبعين مثلٌ في التَّكثير-، وهو أفصح العرب وأخبرهم بأساليب الكلام وتمثيلاته، والذي يُفْهم من ذكر هذا العدد كثرة الاستغفار؟! كيف وقد تلاه بقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ﴾ الاية [التوبة: ٨٠] فبيَّن (٢) الصَّارف عن المغفرة لهم، حتَّى قال: «خيَّرني وسأزيد على السَّبعين»؟! وأجاب (٣): بأنَّه لم يَخْفَ عليه ذلك، ولكنَّه خُيِّل بما قال إظهارًا لغاية رحمته ورأفته على من بُعِثَ إليه، كقول إبراهيم: ﴿وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦] وفي إظهار النَّبيِّ الرَّحمة والرَّأفة (٤) لطفٌ لأمَّته، ودعاءٌ لهم إلى ترحُّم بعضهم على بعضٍ. انتهى. قال في «فتوح الغيب»: قوله: «خُيِّل» أي: صُوِّر في خياله أو في خيال السَّامع ظاهر اللفظ -وهو العدد المخصوص-، دون المعنى الخفيِّ المراد وهو التَّكثير، كما أنَّ إبراهيم ﵊ ما عدَّ عصيانه في قوله: ﴿وَمَنْ عَصَانِي﴾ [إبراهيم: ٣٦] عصيان الله المراد منه: عبادة الأصنام، قال: وهو من أسلوب التَّورية، وهو أن يطلق لفظٌ له معنيان؛ قريبٌ وبعيدٌ، فيراد البعيد منهما. انتهى. وتَعقَّب بعضهم ذلك بأنَّه (٥) يجب عليه ﵊ إظهار ما علم من الله في أمر الكفر وما يترتَّب عليه من العقاب للزَّجر، وبأنَّه يستلزم (٦) جواز الاستغفار للكافر (٧) مع العلم بأنَّه لا يجوز؛ ولذا قيل: ما كان يعرف كفره، وعند عبد الرَّزَّاق عن معمرٍ، والطَّبريِّ من طريق سعيدٍ؛ كلاهما عن قتادة
قال: «أرسل عبد الله بن أُبيٍّ إلى النَّبيِّ ﷺ، فلمَّا دخل عليه؛ قال: أهلكك حبُّ يهود فقال: يا رسول الله إنَّما أرسلت إليك لتستغفر لي، ولم أُرسِل إليك لتوبِّخني، ثمَّ سأله أن يعطيه قميصه يكفَّن فيه، فأجابه» قال الحافظ ابن حجرٍ: وهذا مرسلٌ مع ثقة رجاله، ويعضده ما أخرجه الطَّبرانيُّ من طريق الحكم بن أبانٍ، عن عكرمة، عن ابن عبَّاسٍ قال: «لمَّا مرض عبد الله بن أبيٍّ جاءه النَّبيُّ ﷺ، فكلمَّه فقال: قد فهمت ما تقول، فامنن عليَّ فكفِّنِّي في قميصك، وصلِّ عليَّ، ففعل» قال: وكان عبد الله بن أبيٍّ أراد بذلك دفع العار عن ولده وعشيرته بعد موته، فأظهر الرَّغبة في صلاة النَّبيِّ ﷺ عليه (١)، ووقعت إجابته إلى سؤاله على حسب ما أظهر (٢) من حاله، فالنَّهي عن الاستغفار لمن مات مشركًا لا يستلزم النَّهي عن الاستغفار لمن مات مُظهِرًا للإسلام (قَالَ) أي: عمر جريًا على ما يعلمه من أحواله: (إِنَّهُ مُنَافِقٌ، قَالَ: فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ) إجراءً له على ظاهر حكم الإسلام واستئلافًا لقومه، لا سيَّما ولم يقع نهيٌ صريحٌ عن الصَّلاة على المنافقين، فاستعمل أحسن (٣) الأمرين في السِّياسة، حتَّى كشف الله تعالى عنه (٤) الغطاء، ونُهِي، فانتهى. (فَأَنْزَلَ اللهُ) تعالى: (﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤]) زاد مسدَّدٌ من حديث ابن عمر: «فترك الصَّلاة عليهم (٥)» وابن أبي حاتمٍ: «ولا قام على قبره (٦)» وعند الطَّبريِّ من حديث قتادة: أنَّه ﷺ قال: «وما يغني عنه قميصي من الله، وإنِّي لأرجو أن يُسلِم بذلك ألفٌ من قومه»، وقد رُوِي: أنَّ ألفًا من الخزرج أسلموا لمَّا رأوه يستشفع (٧) بثوبه، ويتوقَّع اندفاع العذاب عنه به.