الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٦٧٣
الحديث رقم ٤٦٧٣ من كتاب «سورة براءة» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب قوله سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
٤٦٧٣ - حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ: أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ
⦗٦٩⦘
قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الصَّلَاةِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ وَلَمْ يُبَيِّنْ مَحَلَّ النَّهْيِ، فَوَقَعَ بَيَانُهُ فِي رِوَايَةِ أَبِي ضَمْرَةَ، عَنِ الْعُمَرِيِّ، وَهُوَ أَنَّ مُرَادَهُ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِمُ الِاسْتِغْفَارُ لَهُمْ وَلَفْظُهُ وَقَدْ نَهَاكَ اللَّهُ أَنْ تَسْتَغْفِرَ لَهُمْ قَالَ: وَفِي قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَصَلَّيْنَا مَعَهُ أَنَّ عُمَرَ تَرَكَ رَأْيَ نَفْسِهِ وَتَابَعَ النَّبِيُّ ﷺ، وَنَبَّهَ عَلَى أَنَّ ابْنَ عُمَرَ حَمَلَ هَذِهِ الْقِصَّةِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ، بِخِلَافِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَإِنَّهُ إِنَّمَا حَمَلَهَا عَنْ عُمَرَ إِذْ لَمْ يَشْهَدْهَا.
قَالَ: وَفِيهِ جَوَازُ الشَّهَادَةِ عَلَى الْمَرْءِ بِمَا كَانَ عَلَيْهِ حَيًّا وَمَيِّتًا، لِقَوْلِ عُمَرَ إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ مُنَافِقٌ وَلَمْ يُنْكِرِ النَّبِيُّ ﷺ قَوْلَهُ، وَيُؤْخَذُ أَنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ مِنْ سَبِّ الْأَمْوَاتِ مَا قُصِدَ بِهِ الشَّتْمُ لَا التَّعْرِيفُ، وَأَنَّ الْمُنَافِقَ تُجْرَى عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْإِسْلَامِ الظَّاهِرَةُ، وَأَنَّ الْإِعْلَامَ بِوَفَاةِ الْمَيِّتِ مُجَرَّدًا لَا يَدْخُلُ فِي النَّعْيِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَفِيهِ جَوَازُ سُؤَالِ الْمُوسِرِ مِنَ الْمَالِ مَنْ تُرْجَى بَرَكَتُهُ شَيْئًا مِنْ مَالِهِ لِضَرُورَةٍ دِينِيَّةٍ، وَفِيهِ رِعَايَةُ الْحَيِّ الْمُطِيعِ بِالْإِحْسَانِ إِلَى الْمَيِّتِ الْعَاصِي، وَفِيهِ التَّكْفِينُ بِالْمَخِيطِ، وَجَوَازُ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ النُّزُولِ إِلَى وَقْتِ الْحَاجَةِ، وَالْعَمَلُ بِالظَّاهِرِ إِذَا كَانَ النَّصُّ مُحْتَمِلًا، وَفِيهِ جَوَازُ تَنْبِيهِ الْمَفْضُولِ لِلْفَاضِلِ عَلَى مَا يَظُنُّ أَنَّهُ سَهَا عَنْهُ، وَتَنْبِيهُ الْفَاضِلِ الْمَفْضُولَ عَلَى مَا يُشْكِلُ عَلَيْهِ، وَجَوَازُ اسْتِفْسَارِ السَّائِلِ الْمَسْئُولَ وَعَكْسُهُ عَمَّا يَحْتَمِلُ مَا دَارَ بَيْنَهُمَا، وَفِيهِ جَوَازُ التَّبَسُّمُ فِي حُضُورِ الْجِنَازَةِ عِنْدَ وُجُودِ مَا يَقْتَضِيهِ، وَقَدِ اسْتَحَبَّ أَهْلُ الْعِلْمِ عَدَمَ التَّبَسُّمِ مِنْ أَجْلِ تَمَامِ الْخُشُوعِ، فَيُسْتَثْنَى مِنْهُ مَا تَدْعُو إِلَيْهِ الْحَاجَةُ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
١٤ - بَاب: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾
٤٦٧٣ - حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ كَعْبِ قَالَ: سَمِعْتُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ حِينَ تَخَلَّفَ عَنْ تَبُوكَ، وَاللَّهِ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ نِعْمَةٍ بَعْدَ إِذْ هَدَانِي أَعْظَمَ مِنْ صِدْقِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ لَا أَكُونَ كَذَبْتُهُ فَأَهْلِكَ كَمَا هَلَكَ الَّذِينَ كَذَبُوا، حِينَ أُنْزِلَ الْوَحْيُ: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ﴾ إِلَى: ﴿الْفَاسِقِينَ﴾
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِهِ: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾ الْآيَةَ) سَقَطَ (لَكُمْ) مِنْ رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ وَالصَّوَابُ إِثْبَاتُهَا. ثُمَّ ذَكَرَ فِيهِ طَرَفًا مِنْ حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ الطَّوِيلِ فِي قِصَّةِ تَوْبَتِهِ يَتَعَلَّقُ بِالتَّرْجَمَةِ، وَقَوْلُهُ فِيهِ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ نِعْمَةٍ كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَلِلْمُسْتَمْلِي وَحْدَهُ عَلَى عَبْدٍ نِعْمَةً وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّوَابُ، وَقَدْ سَبَقَ شَرْحُ الْحَدِيثِ بِطُولِهِ فِي كِتَابِ الْمَغَازِي.
باب - ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ﴾ - إلى قوله - ﴿الْفَاسِقِينَ﴾
قوله: (باب قوله: ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ﴾ - إلى قوله - ﴿الْفَاسِقِينَ﴾ كذا ثبت لأبي ذر وحده الترجمة بغير حديث، وسقطت للباقين. وقد أخرج ابن أبي حاتم من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد أنها نزلت في المنافقين.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(١٤) (باب قوله) تعالى، التَّبويب وتاليه ثابتٌ لأبي ذرِّ، ساقطٌ لغيره: (﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللّهِ لَكُمْ﴾) أيمانًا كاذبةً، والمحلوف عليه: أنَّهم ما قدروا على الخروج في غزوة تبوك (﴿إِذَا انقَلَبْتُمْ﴾) رجعتم من الغزو (﴿إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُواْ عَنْهُمْ﴾) فلا تعاتبوهم (﴿فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمْ﴾) احتقارًا لهم ولا تُوَبِّخوهم (﴿إِنَّهُمْ رِجْسٌ﴾) قذرٌ نجسٌ بواطنهم واعتقاداتهم، وهو علَّةٌ للإعراض وترك المعاتبة (﴿وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾) مصيرهم في الآخرة إليها، وهو من تمام التَّعليل (﴿جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ [التوبة: ٩٥]) من النِّفاق، ونُصِب ﴿جَزَاء﴾ على المصدر بفعلٍ من لفظه مقدَّر؛ أي يُجزَون جزاءً، وسقط قوله: «﴿فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمْ﴾ … » إلى آخره لأبي ذرٍّ، وقال ابن حجرٍ: سقط «﴿لَكُمْ﴾» أي: من قوله: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللّهِ لَكُمْ﴾ من رواية الأَصيليِّ، والصَّواب إثباتها.
٤٦٧٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) هو ابن عبد الله بن بكيرٍ المخزوميُّ المصريُّ (١) قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) ابن سعدٍ الإمامُ (عَنْ عُقَيْلٍ) بضمِّ العين، ابن خالدٍ الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ أَنَّ) أباه (عَبْدَ اللهِ بْنَ كَعْبِ) ولغير أبي ذَرٍّ زيادة: «ابن مالكٍ» (قَالَ: سَمِعْتُ) أبي (كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ حِينَ تَخَلَّفَ عَنْ) غزوة (تَبُوكَ) -غير منصرفٍ (٢) - يقول: (وَاللهِ مَا أَنْعَمَ اللهُ عَلَيَّ مِنْ نِعْمَةٍ بَعْدَ إِذْ هَدَانِي) زاد في «المغازي» [خ¦٤٤١٨]: «للإسلام» ولأبي ذَرٍّ عن المُستملي: «على عبدٍ» قال الحافظ ابن حجرٍ: والأوَّل هو الصَّواب (أَعْظَمَ مِنْ صِدْقِي رَسُولَ اللهِ ﷺ أَلَّا أَكُونَ كَذَبْتُهُ) «لا» زائدةٌ، والمعنى: أن أكون كذبته، واستُشكِلَ كون «أكون» مستقبلًا و «كذبتُ» ماضيًا، وأُجِيبَ بأنَّ المستقبل في معنى الاستمرار المتناول للماضي،
فلا منافاة بينهما (فَأَهْلَِكَ) بكسر اللَّام وتُفتَح والنَّصب، أي: فإن أهلك (كَمَا هَلَكَ (١)) أي: كهلاك (الَّذِينَ كَذَبُوا حِينَ أُنْزِلَ الوَحْيُ) بقوله تعالى: (﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللّهِ لَكُمْ إِذَا انقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ﴾ (٢) إِلَى قولِهِ: ﴿الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٩٥ - ٩٦]) الخارجين عن طاعته وطاعة رسوله ﷺ، وهذا الحديث قد ذكره المؤلِّف في «غزوة تبوك» مطوَّلًا [خ¦٤٤١٨].
(١٤ م) (باب قوله) جلَّ وعلا: (﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْاْ عَنْهُمْ﴾) بحلفهم (﴿فَإِن تَرْضَوْاْ عَنْهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٩٦]) والمراد: النَّهي عن الرِّضا عنهم، قال في «المفاتح» (٣): لا تكرار في هذه المعاني؛ لأنَّ الأوَّل يعني: قوله: ﴿سَيَحْلِفُونَ﴾ [التوبة: ٩٥] خطابُ منافقي المدينة، وهذه (٤) مع المنافقين من (٥) الأعراب.
وهذا الباب وتاليه ثابتٌ لأبي ذَرٍّ وحده من غير ذكر حديثٍ، ساقطٌ لغيره.
(١٥) (﴿وَآخَرُونَ﴾) نسقٌ على قوله: ﴿مُنَافِقُونَ﴾ [التوبة: ١٠١] أي: وممَّن حولكم قومٌ آخرون غير المذكورين، ولأبي ذَرٍّ: «باب قوله: ﴿وَآخَرُونَ﴾» (٦) (﴿اعْتَرَفُواْ﴾) أقرُّوا (﴿بِذُنُوبِهِمْ﴾) ولم يعتذروا من تخلُّفهم بالمعاذير الكاذبة (﴿خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا﴾) الجهادَ والتَّخلف عنه، أو إظهار النَّدم والاعتراف بآخرَ سيِّئٍ؛ وهو التَّخلف (٧) وموافقة أهل النِّفاق، ومجرَّد الاعتراف ليس بتوبةٍ، لكن رُوِيَ أنَّهم تابوا وكان الاعتراف مقدِّمة التَّوبة، وكلٌّ منهما مخلوطٌ بالآخر؛
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الصَّلَاةِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ وَلَمْ يُبَيِّنْ مَحَلَّ النَّهْيِ، فَوَقَعَ بَيَانُهُ فِي رِوَايَةِ أَبِي ضَمْرَةَ، عَنِ الْعُمَرِيِّ، وَهُوَ أَنَّ مُرَادَهُ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِمُ الِاسْتِغْفَارُ لَهُمْ وَلَفْظُهُ وَقَدْ نَهَاكَ اللَّهُ أَنْ تَسْتَغْفِرَ لَهُمْ قَالَ: وَفِي قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَصَلَّيْنَا مَعَهُ أَنَّ عُمَرَ تَرَكَ رَأْيَ نَفْسِهِ وَتَابَعَ النَّبِيُّ ﷺ، وَنَبَّهَ عَلَى أَنَّ ابْنَ عُمَرَ حَمَلَ هَذِهِ الْقِصَّةِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ، بِخِلَافِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَإِنَّهُ إِنَّمَا حَمَلَهَا عَنْ عُمَرَ إِذْ لَمْ يَشْهَدْهَا.
قَالَ: وَفِيهِ جَوَازُ الشَّهَادَةِ عَلَى الْمَرْءِ بِمَا كَانَ عَلَيْهِ حَيًّا وَمَيِّتًا، لِقَوْلِ عُمَرَ إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ مُنَافِقٌ وَلَمْ يُنْكِرِ النَّبِيُّ ﷺ قَوْلَهُ، وَيُؤْخَذُ أَنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ مِنْ سَبِّ الْأَمْوَاتِ مَا قُصِدَ بِهِ الشَّتْمُ لَا التَّعْرِيفُ، وَأَنَّ الْمُنَافِقَ تُجْرَى عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْإِسْلَامِ الظَّاهِرَةُ، وَأَنَّ الْإِعْلَامَ بِوَفَاةِ الْمَيِّتِ مُجَرَّدًا لَا يَدْخُلُ فِي النَّعْيِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَفِيهِ جَوَازُ سُؤَالِ الْمُوسِرِ مِنَ الْمَالِ مَنْ تُرْجَى بَرَكَتُهُ شَيْئًا مِنْ مَالِهِ لِضَرُورَةٍ دِينِيَّةٍ، وَفِيهِ رِعَايَةُ الْحَيِّ الْمُطِيعِ بِالْإِحْسَانِ إِلَى الْمَيِّتِ الْعَاصِي، وَفِيهِ التَّكْفِينُ بِالْمَخِيطِ، وَجَوَازُ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ النُّزُولِ إِلَى وَقْتِ الْحَاجَةِ، وَالْعَمَلُ بِالظَّاهِرِ إِذَا كَانَ النَّصُّ مُحْتَمِلًا، وَفِيهِ جَوَازُ تَنْبِيهِ الْمَفْضُولِ لِلْفَاضِلِ عَلَى مَا يَظُنُّ أَنَّهُ سَهَا عَنْهُ، وَتَنْبِيهُ الْفَاضِلِ الْمَفْضُولَ عَلَى مَا يُشْكِلُ عَلَيْهِ، وَجَوَازُ اسْتِفْسَارِ السَّائِلِ الْمَسْئُولَ وَعَكْسُهُ عَمَّا يَحْتَمِلُ مَا دَارَ بَيْنَهُمَا، وَفِيهِ جَوَازُ التَّبَسُّمُ فِي حُضُورِ الْجِنَازَةِ عِنْدَ وُجُودِ مَا يَقْتَضِيهِ، وَقَدِ اسْتَحَبَّ أَهْلُ الْعِلْمِ عَدَمَ التَّبَسُّمِ مِنْ أَجْلِ تَمَامِ الْخُشُوعِ، فَيُسْتَثْنَى مِنْهُ مَا تَدْعُو إِلَيْهِ الْحَاجَةُ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
١٤ - بَاب: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾
٤٦٧٣ - حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ كَعْبِ قَالَ: سَمِعْتُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ حِينَ تَخَلَّفَ عَنْ تَبُوكَ، وَاللَّهِ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ نِعْمَةٍ بَعْدَ إِذْ هَدَانِي أَعْظَمَ مِنْ صِدْقِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ لَا أَكُونَ كَذَبْتُهُ فَأَهْلِكَ كَمَا هَلَكَ الَّذِينَ كَذَبُوا، حِينَ أُنْزِلَ الْوَحْيُ: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ﴾ إِلَى: ﴿الْفَاسِقِينَ﴾
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِهِ: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾ الْآيَةَ) سَقَطَ (لَكُمْ) مِنْ رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ وَالصَّوَابُ إِثْبَاتُهَا. ثُمَّ ذَكَرَ فِيهِ طَرَفًا مِنْ حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ الطَّوِيلِ فِي قِصَّةِ تَوْبَتِهِ يَتَعَلَّقُ بِالتَّرْجَمَةِ، وَقَوْلُهُ فِيهِ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ نِعْمَةٍ كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَلِلْمُسْتَمْلِي وَحْدَهُ عَلَى عَبْدٍ نِعْمَةً وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّوَابُ، وَقَدْ سَبَقَ شَرْحُ الْحَدِيثِ بِطُولِهِ فِي كِتَابِ الْمَغَازِي.
باب - ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ﴾ - إلى قوله - ﴿الْفَاسِقِينَ﴾
قوله: (باب قوله: ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ﴾ - إلى قوله - ﴿الْفَاسِقِينَ﴾ كذا ثبت لأبي ذر وحده الترجمة بغير حديث، وسقطت للباقين. وقد أخرج ابن أبي حاتم من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد أنها نزلت في المنافقين.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(١٤) (باب قوله) تعالى، التَّبويب وتاليه ثابتٌ لأبي ذرِّ، ساقطٌ لغيره: (﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللّهِ لَكُمْ﴾) أيمانًا كاذبةً، والمحلوف عليه: أنَّهم ما قدروا على الخروج في غزوة تبوك (﴿إِذَا انقَلَبْتُمْ﴾) رجعتم من الغزو (﴿إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُواْ عَنْهُمْ﴾) فلا تعاتبوهم (﴿فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمْ﴾) احتقارًا لهم ولا تُوَبِّخوهم (﴿إِنَّهُمْ رِجْسٌ﴾) قذرٌ نجسٌ بواطنهم واعتقاداتهم، وهو علَّةٌ للإعراض وترك المعاتبة (﴿وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾) مصيرهم في الآخرة إليها، وهو من تمام التَّعليل (﴿جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ [التوبة: ٩٥]) من النِّفاق، ونُصِب ﴿جَزَاء﴾ على المصدر بفعلٍ من لفظه مقدَّر؛ أي يُجزَون جزاءً، وسقط قوله: «﴿فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمْ﴾ … » إلى آخره لأبي ذرٍّ، وقال ابن حجرٍ: سقط «﴿لَكُمْ﴾» أي: من قوله: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللّهِ لَكُمْ﴾ من رواية الأَصيليِّ، والصَّواب إثباتها.
٤٦٧٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) هو ابن عبد الله بن بكيرٍ المخزوميُّ المصريُّ (١) قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) ابن سعدٍ الإمامُ (عَنْ عُقَيْلٍ) بضمِّ العين، ابن خالدٍ الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ أَنَّ) أباه (عَبْدَ اللهِ بْنَ كَعْبِ) ولغير أبي ذَرٍّ زيادة: «ابن مالكٍ» (قَالَ: سَمِعْتُ) أبي (كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ حِينَ تَخَلَّفَ عَنْ) غزوة (تَبُوكَ) -غير منصرفٍ (٢) - يقول: (وَاللهِ مَا أَنْعَمَ اللهُ عَلَيَّ مِنْ نِعْمَةٍ بَعْدَ إِذْ هَدَانِي) زاد في «المغازي» [خ¦٤٤١٨]: «للإسلام» ولأبي ذَرٍّ عن المُستملي: «على عبدٍ» قال الحافظ ابن حجرٍ: والأوَّل هو الصَّواب (أَعْظَمَ مِنْ صِدْقِي رَسُولَ اللهِ ﷺ أَلَّا أَكُونَ كَذَبْتُهُ) «لا» زائدةٌ، والمعنى: أن أكون كذبته، واستُشكِلَ كون «أكون» مستقبلًا و «كذبتُ» ماضيًا، وأُجِيبَ بأنَّ المستقبل في معنى الاستمرار المتناول للماضي،
فلا منافاة بينهما (فَأَهْلَِكَ) بكسر اللَّام وتُفتَح والنَّصب، أي: فإن أهلك (كَمَا هَلَكَ (١)) أي: كهلاك (الَّذِينَ كَذَبُوا حِينَ أُنْزِلَ الوَحْيُ) بقوله تعالى: (﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللّهِ لَكُمْ إِذَا انقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ﴾ (٢) إِلَى قولِهِ: ﴿الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٩٥ - ٩٦]) الخارجين عن طاعته وطاعة رسوله ﷺ، وهذا الحديث قد ذكره المؤلِّف في «غزوة تبوك» مطوَّلًا [خ¦٤٤١٨].
(١٤ م) (باب قوله) جلَّ وعلا: (﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْاْ عَنْهُمْ﴾) بحلفهم (﴿فَإِن تَرْضَوْاْ عَنْهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٩٦]) والمراد: النَّهي عن الرِّضا عنهم، قال في «المفاتح» (٣): لا تكرار في هذه المعاني؛ لأنَّ الأوَّل يعني: قوله: ﴿سَيَحْلِفُونَ﴾ [التوبة: ٩٥] خطابُ منافقي المدينة، وهذه (٤) مع المنافقين من (٥) الأعراب.
وهذا الباب وتاليه ثابتٌ لأبي ذَرٍّ وحده من غير ذكر حديثٍ، ساقطٌ لغيره.
(١٥) (﴿وَآخَرُونَ﴾) نسقٌ على قوله: ﴿مُنَافِقُونَ﴾ [التوبة: ١٠١] أي: وممَّن حولكم قومٌ آخرون غير المذكورين، ولأبي ذَرٍّ: «باب قوله: ﴿وَآخَرُونَ﴾» (٦) (﴿اعْتَرَفُواْ﴾) أقرُّوا (﴿بِذُنُوبِهِمْ﴾) ولم يعتذروا من تخلُّفهم بالمعاذير الكاذبة (﴿خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا﴾) الجهادَ والتَّخلف عنه، أو إظهار النَّدم والاعتراف بآخرَ سيِّئٍ؛ وهو التَّخلف (٧) وموافقة أهل النِّفاق، ومجرَّد الاعتراف ليس بتوبةٍ، لكن رُوِيَ أنَّهم تابوا وكان الاعتراف مقدِّمة التَّوبة، وكلٌّ منهما مخلوطٌ بالآخر؛