الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٦٩٨
الحديث رقم ٤٦٩٨ من كتاب «سورة إبراهيم» في صحيح البخاري، تحت باب: باب قوله كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
⦗٨٠⦘
أَوْ أَقُولَ شَيْئًا، قَالَ عُمَرُ: لَأَنْ تَكُونَ قُلْتَهَا، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كَذَا وَكَذَا».
﴿يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾
٤٦٩٨ - حَدَّثَنِي عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الْعَرَبِ رَدَّ يَدِهِ فِي فِيهِ إِذَا تَرَكَ الشَّيْءَ الَّذِي كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَفْعَلَهُ، وَقَدْ رَوَى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: عَضُّوا عَلَى أَصَابِعِهِمْ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، وَيُؤَيِّدُهُ الْآيَةُ الْأُخْرَى ﴿وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾ وَقَالَ الشَّاعِرُ:
يَرُدُّونَ فِي فِيهِ غَيْظِ الْحَسُودِ
أَيْ يَغِيظُونَ الْحَسُودَ حَتَّى يَعَضَّ عَلَى أَصَابِعِهِ وَقِيلَ الْمَعْنَى رَدَّ الْكُفَّارَ أَيْدِي الرُّسُلَ فِي أَفَوَاهِمِ بِمَعْنَى أَنَّهُمُ امْتَنَعُوا مِنْ قَبُولِ كَلَامِهِمْ، أَوِ الْمُرَادُ بِالْأَيْدِي النِّعَمُ أَيْ رَدُّوا نِعْمَةَ الرُّسُلِ وَهِيَ نَصَائِحُهُمْ عَلَيْهِمْ لِأَنَّهُمْ إِذَا كَذَبُوهَا كَأَنَّهُمْ رَدُّوهَا مِنْ حَيْثُ جَاءَتْ.
قَوْلُهُ: (مَقَامِي حَيْثُ يُقِيمُهُ اللَّهُ بَيْنَ يَدَيْهِ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي﴾ قَالَ: حَيْثُ أُقِيمُهُ بَيْنَ يَدَيَّ لِلْحِسَابِ. قُلْتُ: وَفِيهِ قَوْلٌ آخَرَ قَالَ الْفَرَّاءُ أَيْضًا إِنَّهُ مَصْدَرٌ لَكِنْ قَالَ إِنَّهُ مُضَافٌ لِلْفَاعِلِ أَيْ قِيَامِي عَلَيْهِ بِالْحِفْظِ.
قَوْلُهُ: مِنْ وَرَائِهِ قُدَّامَهُ جَهَنَّمُ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ﴾ مَجَازَهُ قُدَّامَهُ وَأَمَامَهُ يُقَالُ: الْمَوْتُ مِنْ وَرَائِكَ أَيْ قُدَّامَكَ وَهُوَ اسْمُ لِكُلِّ مَا تَوَارَى عَنِ الشَّخْصِ، نَقَلَهُ ثَعْلَبٌ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
أَلَيْسَ وَرَائِي إِنْ تَرَاخَتْ مُنْيَتِي … لُزُومُ الْعَصَا تُحْنَى عَلَيْهَا الْأَصَابِعُ
وَقَوْلُ النَّابِغَةِ:
وَلَيْسَ وَرَاءُ اللَّهِ لِلْمَرْءِ مَذْهَبٌ
أَيْ بَعْدَ اللَّهِ. وَنَقَلَ قُطْرُبٌ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ مِنَ الْأَضْدَادِ، وَأَنْكَرَهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَرَفَةَ نَفْطَوَيْهِ وَقَالَ: لَا يَقَعُ وَرَاءَ بِمَعْنَى أَمَامَ إِلَّا فِي زَمَانٍ أَوْ مَكَانٍ.
قَوْلُهُ: ﴿لَكُمْ تَبَعًا﴾ وَاحِدُهَا تَابِعٌ مِثْلُ غَيَبٍ وَغَائِبٍ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا، وَغَيَبُ بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَالتَّحْتَانِيَّةِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ.
قَوْلُهُ: ﴿بِمُصْرِخِكُمْ﴾ اسْتَصْرَخَنِي اسْتَغَاثَنِي، يَسْتَصْرِخُهُ مِنَ الصُّرَاخِ) سَقَطَ هَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ ﴿مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ﴾ أَيْ مَا أَنَا بِمُغِيثِكمْ، وَيُقَالُ اسْتَصْرَخَنِي فَأَصْرَخْتُهُ أَيِ اسْتَغَاثَنِي فَأَغَثْتُهُ.
قَوْلُهُ: (اجْتُثَّتِ اسْتُؤْصِلَتْ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا أَيْ قُطِعَتْ جُثَثُهَا بِكَمَالِهَا. وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ، عَنْ قَتَادَةَ مِثْلَهُ، وَمِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلَ الشَّجَرَةِ الْخَبِيثَةِ بِمَثَلِ الْكَافِرِ، يَقُولُ: الْكَافِرُ لَا يُقْبَلُ عَمَلَهُ وَلَا يَصْعَدُ، فَلَيْسَ لَهُ أَصْلٌ ثَابِتٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فَرْعٌ فِي السَّمَاءِ وَمِنْ طَرِيقِ الضَّحَّاكِ قَالَ فِي قَوْلِهِ ﴿مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ﴾ أَيْ مَا لَهَا أَصْلٌ وَلَا فَرْعٌ وَلَا ثَمَرَةٌ وَلَا مَنْفَعَةٌ، كَذَلِكَ الْكَافِرُ لَيْسَ يَعْمَلُ خَيْرًا وَلَا يَقُولُ خَيْرًا، وَلَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ فِيهِ بَرَكَةً وَلَا مَنْفَعَةً.
١ - بَاب ﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾
٤٦٩٨ - حَدَّثَنِي عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: أَخْبِرُونِي بِشَجَرَةٍ تُشْبِهُ أَوْ كَالرَّجُلِ الْمُسْلِمِ لَا يَتَحَاتُّ وَرَقُهَا وَلَا وَلَا وَلَا، تُؤْتِي أُكْلَهَا كُلَّ حِينٍ. قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ، وَرَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ لَا يَتَكَلَّمَانِ، فَكَرِهْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ. فَلَمَّا لَمْ يَقُولُوا شَيْئًا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: هِيَ النَّخْلَةُ، فَلَمَّا قُمْنَا قُلْتُ لِعُمَرَ: يَا أَبَتَاهُ وَاللَّهِ لَقَدْ كَانَ وَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ، فَقَالَ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَكَلَّمَ؟ قَالَ: لَمْ أَرَكُمْ تَكَلَّمُونَ فَكَرِهْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ أَوْ أَقُولَ شَيْئًا، قَالَ عُمَرُ: لَأَنْ تَكُونَ قُلْتَهَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كَذَا وَكَذَا.
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِهِ ﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ﴾ الْآيَةَ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَسَاقَ غَيْرُهُ إِلَى (حِينٍ) وَسَقَطَ عِنْدَهُمْ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
والرُّمَّان (﴿أَصْلُهَا ثَابِتٌ﴾): راسخٌ في الأرض ضاربٌ بعروقه فيها آمنٌ من (١) الانقطاع والزَّوال (﴿وَفَرْعُهَا (٢)﴾): أعلاها (﴿فِي السَّمَاء﴾) لأنَّ ارتفاع الأغصان يدلُّ على ثبات الأصل، ومتى ارتفعت كانت بعيدةً عن عفونات الأرض، فثمارها نقيَّةٌ طاهرةٌ عن جميع الشَّوائب (﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا﴾) تعطي ثمرها (﴿كُلَّ حِينٍ﴾ [إبراهيم: ٢٤ - ٢٥]) أَقَّتَهُ الله تعالى لأثمارها، وقال الرَّبيع بن أنسٍ البكري (٣): ﴿كُلَّ حِينٍ﴾ أي: غدوةً وعشيَّةً؛ لأنَّ ثمر النَّخل يُؤكَل أبدًا ليلًا ونهارًا، صيفًا وشتاءً، إمَّا تمرًا أو رطبًا أو بسرًا؛ كذلك عمل المؤمن يصعد أوَّل النهار وآخره، وبركةُ إيمانه لا تنقطع أبدًا، بل تتَّصل إليه في كلِّ وقتٍ، والاستفهام في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً﴾ [إبراهيم: ٢٤] للتَّقرير (٤)، وفائدته: الإيقاظ له، أي: ألم تعلم، والكلمة الطيِّبة كلمة التَّوحيد، أو كلُّ كلمةٍ حسنةٍ؛ كالحمد والاستغفار والتَّهليل، وعن ابن عبَّاسٍ: هي شجرةٌ في الجنَّة، أصلها ثابتٌ في الأرض وأعلاها في السَّماء، كذلك أصل هذه الكلمة راسخٌ في قلب المؤمن بالمعرفة والتَّصديق، فإذا تكلَّم بها عرجت، ولا تُحجَب حتَّى تنتهيَ إلى الله تعالى، قال ﷿: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠] وسقط قوله: «باب قوله» لغير أبي ذَرٍّ، وله: «﴿وَفَرْعُهَا﴾ … » إلى آخره وقال بعد قوله: ﴿ثَابِتٌ﴾: «الآيةَ».
٤٦٩٨ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (٥)، ولأبي ذَرٍّ: «حدَّثنا» (عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) القرشيُّ الهباريُّ،
اسمه: عبد الله، و «عُبيد» لقبٌ غلَبَ عليه (عَنْ أَبِي أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين مصغَّرًا، ابن عمر العمريِّ (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما) أنَّه (قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: أَخْبِرُونِي بِشَجَرَةٍ تُشْبِهُ) ولأبي ذَرٍّ: «شبه» (أَوْ كَالرَّجُلِ المُسْلِمِ) شكٌّ من (١) الرَّاوي (لَا يَتَحَاتُّ) بتشديد الفوقيَّة آخره، أي: لا (٢) يتناثر (وَرَقُهَا، وَلَا وَلَا وَلَا) ذكر ثلاث صفاتٍ أُخَرَ للشَّجرة، لم يبيِّنها الرَّاوي، واكتفى بذكر كلمة «لا» ثلاثًا، وقد ذكروا في تفسيره: ولا ينقطع ثمرُها ولا يُعدَم فَيئُها ولا يبطل نفعُها (﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾) وقتٍ (قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ، وَرَأَيْتُ (٣) أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ) رضي الله تعالى عنهما (لَا يَتَكَلَّمَانِ، فَكَرِهْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ) هيبةً منهما وتوقيرًا (فَلَمَّا لَمْ (٤) يَقُولُوا) أي: الحاضرون، ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «فلم يقولا» أي: العمران (شَيْئًا؛ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: هِيَ النَّخْلَةُ) والحكمةُ في تمثيل الإسلام (٥) بالشَّجرة: أَنَّ (٦) الشَّجرة لا تكون شجرةً إلَّا بثلاثة أشياء: عِرْقٍ راسخٍ، وأصلٍ قائمٍ، وفرعٍ عالٍ، كذلك الإيمان لا يتمُّ إلَّا بثلاثة أشياء: تصديقٍ بالقلب، وقولٍ باللسان، وعملٍ بالأبدان (فَلَمَّا قُمْنَا؛ قُلْتُ لِعُمَرَ: يَا أَبَتَاهُْ) بسكون الهاء مصحَّحًا عليها في الفرع وأصله (٧)، وفي غيرهما بضمِّها (وَاللهِ لَقَدْ كَانَ وَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ، فَقَالَ) أي: عمر: (مَا مَنَعَكَ أَنْ تَكَلَّمَ؟) بحذف إحدى
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {إِنَّا كُنَّا لكم تبعا فَهَل أَنْتُم مغنون عَنَّا من عَذَاب الله من شَيْء} (إِبْرَاهِيم: ١٢) التبع جمع تَابع كخدم جمع خَادِم وَمثله البُخَارِيّ بقوله مثل غيب بِفتْحَتَيْنِ جمع غَائِب وَقيل مَعْنَاهُ إِنَّا كُنَّا لكم ذَوي تبع.
بمُصْرِخِكُمْ اسْتَصْرَخَنِي اسْتَغاثَني يَسْتَصْرِخُهُ مِنَ الصُّرَاخِ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله: {فَلَا تلوموني ولوموا أَنفسكُم مَا أَنا بمصرخكم وَمَا أَنْتُم بمصرخي} (إِبْرَاهِيم: ٢٢) وَهَذَا لم يثبت إلَاّ فِي رِوَايَة أبي ذَر، قَوْله: مَا أَنا بمصرخكم. أَي: مَا أَنا بمغيثكم. قَالَ أَبُو عُبَيْدَة، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: مَا أَنا بمصرخكم وَمَا أَنْتُم بمصرخي لَا يُنجي بَعْضنَا بَعْضًا من عَذَاب الله وَلَا يغيثه، والإصراخ الإغاثة، وقرىء بمصرخي، بِكَسْر الْيَاء وَهِي ضَعِيفَة. قلت: الْقِرَاءَة الصَّحِيحَة فتح الْيَاء وَهُوَ الأَصْل، وَقَرَأَ حَمْزَة بِكَسْر الْيَاء، وَقَالَ الزّجاج: هِيَ عِنْد جَمِيع النَّحْوِيين ضَعِيفَة لَا وَجه لَهَا إلَاّ وَجه ضَعِيف، وَهُوَ مَا أجَازه الْفراء من الْكسر على الأَصْل لالتقاء الساكنين.
قَوْله: (استصرخني) وَقيل استصرخني فلَان، أَي: استغاثني، فأصرخته أَي أغثته. قَوْله: (يستصرخه) مَعْنَاهُ يَصِيح بِهِ، فَلِذَا قَالَ: (من الصُّرَاخ) بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَهُوَ الصَّوْت.
وَلَا خِلَالَ مصْدَرُ خالَلْتُهُ خِلالاً ويَجُوزُ أيْضاً جَمْعُ خُلَّةٍ وخِلالٍ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {يَوْم لَا بيع فِيهِ وَلَا خلال} (إِبْرَاهِيم: ١٣) وَذكر فِي لفظ خلال وَجْهَان: أَحدهمَا: أَنه مصدر خاللته خلال، وَالْمعْنَى: وَلَا مخاللة خَلِيل. وَثَانِيهمَا: إِنَّه جمع خلة، مثل: ظلة وظلال، وَهَذَا الْوَجْه قَالَه أَبُو عَليّ الْفَارِسِي، وَجُمْهُور أهل اللُّغَة على الأول، والخلة، بِضَم الْخَاء: الصداقة والمحبة الَّتِي تخللت الْقلب فَصَارَت خلاله أَي: فِي بَاطِنه، وَمِنْه الْخَلِيل وَهُوَ الصّديق.
اجْتُثَّتْ اسْتُؤْصِلَتْ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَمثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتئت من فَوق الأَرْض مَا لَهَا من قَرَار} (إِبْرَاهِيم: ٦٢) وَفسّر هَذِه اللَّفْظَة بقوله: استؤصلت، وَهُوَ على صِيغَة الْمَجْهُول من الاستئصال، وَهُوَ الْقلع من أَصله.
١ - (بابُ قَوْلِهِ: {كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أصْلُها ثابتٌ وفَرْعُها فِي السَّماءِ تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ} (إِبْرَاهِيم: ٤٢ ٥٢)
هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: {كشجرة طيبَة} وَلَيْسَ فِي أَكثر النّسخ لفظ: بَاب. وَفِي رِوَايَة أبي ذَر إِلَى قَوْله: (ثَابت) وَفِي رِوَايَة غَيره إِلَى (حِين) الْكَلَام. أَولا: فِي وَجه التَّشْبِيه بَين الْكَلِمَة الطّيبَة والشجرة الطّيبَة، وَبَيَانه مَوْقُوف على تَفْسِير الْكَلِمَة الطّيبَة والشجرة الطّيبَة. فالكلمة الطّيبَة شَهَادَة أَن لَا إل هـ إلَاّ الله، نقل ذَلِك عَن ابْن عَبَّاس، وَهُوَ قَول الْجُمْهُور، والشجرة الطّيبَة فِيهَا أَقْوَال، فَقيل: كل شَجَرَة طيبَة مثمرة، وَقيل: النَّخْلَة، وَقيل: الْجنَّة، وَقيل: شَجَرَة فِي الْجنَّة، وَقيل: الْمُؤمن، وَقيل: قُرَيْش، وَقيل: جوز الْهِنْد. وَأما بَيَان وَجه التَّشْبِيه على القَوْل الأول فَهُوَ من حَيْثُ الْحسن والزهارة وَالطّيب وَالْمَنَافِع الْحَاصِلَة فِي كل وَاحِدَة من كلمة الشَّهَادَة والشجرة الطّيبَة المثمرة، وَأما على القَوْل الثَّانِي، وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُور فَهُوَ من حَيْثُ كَثْرَة الْخَيْر فِي العاجل والآجل وَحسن المنظر والشكل الْمَوْجُود فِي كل وَاحِد من كلمة الشَّهَادَة والنخلة، فَإِن كَثْرَة الْخَيْر فِي العاجل والآجل مستمرة فِي صَاحب كلمة الشَّهَادَة، وَكَذَلِكَ حسن المنظر والشكل، وَفِي النَّخْلَة كَذَلِك فَإِنَّهَا كَثِيرَة الْخَيْر وطيبة الثَّمَرَة من حِين تطلع يُؤْكَل مِنْهَا حَتَّى تيبس، فَإِذا يَبِسَتْ يتَّخذ مِنْهَا مَنَافِع كَثِيرَة من خشبها وَأَغْصَانهَا وورقها ونواها، وَقيل: وَجه التَّشْبِيه أَن رَأسهَا إِذا قطع مَاتَت بِخِلَاف بَاقِي الشّجر، وَقيل: لِأَنَّهَا لَا تحمل حَتَّى تلقح، وَقيل: إِنَّهَا فضلَة طِينَة آدم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، على مَا رُوِيَ، وَقيل: فِي علو فروعها كارتفاع عمل الْمُؤمن، وَقيل: لِأَنَّهَا شَدِيدَة الثُّبُوت كثبوت الْإِيمَان فِي قلب الْمُؤمن. وَأما على القَوْل الثَّالِث: إِنَّهَا شَجَرَة فِي الْجنَّة رَوَاهُ أَبُو ظبْيَان عَن ابْن عَبَّاس فَهُوَ من حَيْثُ الدَّوَام والثبوت على مَا لَا يخفى. وَأما على القَوْل الرَّابِع: فَهُوَ من حَيْثُ ارْتِفَاع عمل الْمُؤمن الصَّالح فِي كل وَقت، وَوُجُود ثَمَرَة النَّخْلَة فِي كل حِين. وَأما على القَوْل الْخَامِس: فَهُوَ من حَيْثُ ارْتِفَاع الْقدر فِي كل وَاحِد من قُرَيْش، والنخلة، أما قُرَيْش فَلَا شكّ أَن قدرهم مُرْتَفع على سَائِر قبائل الْعَرَب، وَأما النَّخْلَة فَكَذَلِك على سَائِر الْأَشْجَار من الْوُجُوه الَّتِي ذَكرنَاهَا، وَأما على القَوْل السَّادِس: الَّذِي هُوَ جوز الْهِنْد
فَهُوَ من حَيْثُ إِنَّه لَا يتعطل من ثمره. على مَا رَوَاهُ ابْن مرْدَوَيْه من حَدِيث فَرْوَة بن السَّائِب عَن مَيْمُون بن مهْرَان عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله: {تُؤْتى أكلهَا كل حِين} (إِبْرَاهِيم: ٥٢) قَالَ: هِيَ شجر جوز الْهِنْد لَا يتعطل من ثمره، وَتحمل فِي كل شهر. وَرُوِيَ عَن عَليّ ابْن أبي طَالب رَضِي الله عَنهُ، أَيْضا، قَالَ السُّهيْلي: وَلَا يَصح وَكَذَلِكَ الْمُؤمن الَّذِي هُوَ صَاحب كلمة الشَّهَادَة لَا يتعطل من عمله الصَّالح. قَوْله: (أَصْلهَا ثَابت) ، أَي: فِي الأَرْض، (وفرعها فِي السَّمَاء) يَعْنِي: فِي الْعُلُوّ فَإِذا كَانَ أَصْلهَا ثَابتا أَمن الِانْقِطَاع لِأَن الطّيب إِذا كَانَ فِي معرض الانقراض حصل بِسَبَب فنائه وزواله الْحزن، فَإِذا علم أَنه باقٍ عظم الْفَرح بوجدانه، وَإِذا كَانَ فرعها فِي السَّمَاء دلّ على كمالها من وَجْهَيْن الأول: ارْتِفَاع أَغْصَانهَا وقوتها وتصعدها يدل على ثُبُوت أَصْلهَا ورسوخ عروقها. الثَّانِي: إِذا كَانَت مُرْتَفعَة كَانَت بعيدَة عَن عفونات الأَرْض، فَكَانَت ثَمَرَتهَا نقية طَاهِرَة من جَمِيع الشوائب. قَوْله: (تُؤْتى) أَي: تُعْطِي (أكلهَا) أَي: ثَمَرهَا (كل حِين) اخْتلفُوا فِيهِ، فَقَالَ مُجَاهِد وَعِكْرِمَة وَابْن زيد: كل سنة، وَعَن ابْن عَبَّاس: الْحِين حينان: حِين يعرف وَيدْرك، وَحين لَا يعرف فَالْأول: قَوْله: {ولتعلمن نبأه بعد حِين} وَالثَّانِي قَوْله {تُؤْتى أكلهَا كل حِين} (ص: ٨٨) فَهُوَ مَا بَين الْعَام إِلَى الْعَام الْمقبل، وَقَالَ سعيد بن جُبَير وَقَتَادَة: الْحِين كل سِتَّة أشهر مَا بَين صرامها إِلَى حملهَا، وَقَالَ الرّبيع بن أنس: كل حِين كل غدْوَة وَعَشِيَّة كَذَلِك يصعد عمل الْمُؤمن أول النَّهَار وَآخره، وَهِي رِوَايَة عَن ابْن عَبَّاس أَيْضا، وَقَالَ الضَّحَّاك: الْحِين سَاعَة لَيْلًا وَنَهَارًا صيفاً وشتاءً يُؤْكَل فِي جَمِيع الْأَوْقَات، كَذَلِك الْمُؤمن لَا يَخْلُو من الْخَيْر فِي الْأَوْقَات كلهَا. فَإِن قلت: قد بيّنت وَجه التَّشْبِيه بَين الْكَلِمَة الطّيبَة والشجرة الطّيبَة، فَمَا الْحِكْمَة بالتمثيل بِالشَّجَرَةِ؟ قلت: لِأَن الشَّجَرَة لَا تكون شَجَرَة إِلَّا بِثَلَاثَة أَشْيَاء: عرق راسخ، وأصل قَائِم، وَفرع عَال، فَكَذَلِك الْإِيمَان لَا يقوم وَلَا يُثمر إِلَّا بِثَلَاثَة أَشْيَاء: تَصْدِيق بِالْقَلْبِ، وَقَول بِاللِّسَانِ، وَعمل بالأبدان.
٨٩٦٤ - حدَّثني عُبَيْدُ بنُ إسْماعِيلَ عنْ أبي أُسامَةَ عَنْ عُبَيْدِ الله عنْ نافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله عَنْهُمَا قَالَ كُنّا عِنْدَ رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ أخبرُوني بِشَجَرَةٍ تُشْبِهُ أوْ كالرَّجُلِ المُسْلِمِ لَا يَتحاتُّ ورَقُها ولَا ولَا ولَا {تُؤْتِي أكُلَها كلَّ حِينٍ} قالَ ابنُ عُمَرَ فَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ ورَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ وعُمَرَ لَا يَتَكَلّمانِ فكَرِهْتُ أنْ أتَكَلَّمَ فَلَمَّا لَمْ يَقُولُوا شَيْئاً قَالَ رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هِيَ النَّخْلَةُ فَلَمّا قُمْنا قُلْتُ لِعُمَرَ يَا أبَتاهُ وَالله لَقَدْ كانَ وَقَعَ فِي نَفْسِي أنّها النّخْلَةُ فَقَالَ مَا مَنَعَكَ أنْ تَكَلَّمَ قَالَ لمْ أرَكُمْ تَكَلّمُون فكَرِهْتُ أنْ أتَكَلّمَ أوْ أقُولَ شَيْئاً قَالَ عُمَرُ لأنْ تكونَ قُلْتَها أحَبُّ إلَيَّ مِنْ كَذا وكَذا..
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن الشَّجَرَة الطّيبَة هِيَ النَّخْلَة على قَول الْجُمْهُور. وَأَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة، وَعبيد الله ابْن عمر الْعمريّ.
والْحَدِيث قد مر فِي كتاب الْعلم فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع، وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (تشبه، أَو كَالرّجلِ الْمُسلم) ، شكّ من أحد الروَاة، وَمَعْنَاهُ: تشبه الرجل الْمُسلم، أَو قَالَ: كَالرّجلِ الْمُسلم. قَوْله: (وَلَا يتحات) ، من بَاب التفاعل أَي: لَا يَتَنَاثَر. قَوْله: (وَلَا وَلَا وَلَا) ، ثَلَاث مَرَّات أَشَارَ بهَا إِلَى ثَلَاث صِفَات أخر للنخلة وَلم يذكرهَا الرَّاوِي، وَاكْتفى بِذكر كلمة: لَا، ثَلَاث مَرَّات، وَقَوله: (تُؤْتى أكلهَا كل حِين) صفة خَامِسَة لَهَا، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ عَن قريب. قَوْله: (النَّخْلَة) بِالرَّفْع لِأَنَّهُ خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: هِيَ النَّخْلَة. قَوْله: (إِن تكلم) ، بِنصب الْمِيم لِأَن أَصله: أَن تَتَكَلَّم، فحذفت إِحْدَى التَّاءَيْنِ تَخْفِيفًا. قَوْله: (من كَذَا وَكَذَا) أَي: من حمر النعم، كَمَا فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى.
٢ - (بابٌ: {يُثَبِّتُ الله الَّذِينَ آمنُوا بالْقَوْلِ الثّابِتِ} (إِبْرَاهِيم: ٧٢)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله عز وَجل: {يثبت الله} أَي: يُحَقّق الله إِيمَانهم وأعمالهم (بالْقَوْل الثَّابِت) وَهُوَ شَهَادَة لَا إِلَه إِلَّا الله. قَوْله: {فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا} يَعْنِي: فِي الْقَبْر عِنْد السُّؤَال: (وَفِي الْآخِرَة) إِذا بعث.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الْعَرَبِ رَدَّ يَدِهِ فِي فِيهِ إِذَا تَرَكَ الشَّيْءَ الَّذِي كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَفْعَلَهُ، وَقَدْ رَوَى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: عَضُّوا عَلَى أَصَابِعِهِمْ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، وَيُؤَيِّدُهُ الْآيَةُ الْأُخْرَى ﴿وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾ وَقَالَ الشَّاعِرُ:
يَرُدُّونَ فِي فِيهِ غَيْظِ الْحَسُودِ
أَيْ يَغِيظُونَ الْحَسُودَ حَتَّى يَعَضَّ عَلَى أَصَابِعِهِ وَقِيلَ الْمَعْنَى رَدَّ الْكُفَّارَ أَيْدِي الرُّسُلَ فِي أَفَوَاهِمِ بِمَعْنَى أَنَّهُمُ امْتَنَعُوا مِنْ قَبُولِ كَلَامِهِمْ، أَوِ الْمُرَادُ بِالْأَيْدِي النِّعَمُ أَيْ رَدُّوا نِعْمَةَ الرُّسُلِ وَهِيَ نَصَائِحُهُمْ عَلَيْهِمْ لِأَنَّهُمْ إِذَا كَذَبُوهَا كَأَنَّهُمْ رَدُّوهَا مِنْ حَيْثُ جَاءَتْ.
قَوْلُهُ: (مَقَامِي حَيْثُ يُقِيمُهُ اللَّهُ بَيْنَ يَدَيْهِ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي﴾ قَالَ: حَيْثُ أُقِيمُهُ بَيْنَ يَدَيَّ لِلْحِسَابِ. قُلْتُ: وَفِيهِ قَوْلٌ آخَرَ قَالَ الْفَرَّاءُ أَيْضًا إِنَّهُ مَصْدَرٌ لَكِنْ قَالَ إِنَّهُ مُضَافٌ لِلْفَاعِلِ أَيْ قِيَامِي عَلَيْهِ بِالْحِفْظِ.
قَوْلُهُ: مِنْ وَرَائِهِ قُدَّامَهُ جَهَنَّمُ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ﴾ مَجَازَهُ قُدَّامَهُ وَأَمَامَهُ يُقَالُ: الْمَوْتُ مِنْ وَرَائِكَ أَيْ قُدَّامَكَ وَهُوَ اسْمُ لِكُلِّ مَا تَوَارَى عَنِ الشَّخْصِ، نَقَلَهُ ثَعْلَبٌ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
أَلَيْسَ وَرَائِي إِنْ تَرَاخَتْ مُنْيَتِي … لُزُومُ الْعَصَا تُحْنَى عَلَيْهَا الْأَصَابِعُ
وَقَوْلُ النَّابِغَةِ:
وَلَيْسَ وَرَاءُ اللَّهِ لِلْمَرْءِ مَذْهَبٌ
أَيْ بَعْدَ اللَّهِ. وَنَقَلَ قُطْرُبٌ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ مِنَ الْأَضْدَادِ، وَأَنْكَرَهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَرَفَةَ نَفْطَوَيْهِ وَقَالَ: لَا يَقَعُ وَرَاءَ بِمَعْنَى أَمَامَ إِلَّا فِي زَمَانٍ أَوْ مَكَانٍ.
قَوْلُهُ: ﴿لَكُمْ تَبَعًا﴾ وَاحِدُهَا تَابِعٌ مِثْلُ غَيَبٍ وَغَائِبٍ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا، وَغَيَبُ بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَالتَّحْتَانِيَّةِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ.
قَوْلُهُ: ﴿بِمُصْرِخِكُمْ﴾ اسْتَصْرَخَنِي اسْتَغَاثَنِي، يَسْتَصْرِخُهُ مِنَ الصُّرَاخِ) سَقَطَ هَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ ﴿مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ﴾ أَيْ مَا أَنَا بِمُغِيثِكمْ، وَيُقَالُ اسْتَصْرَخَنِي فَأَصْرَخْتُهُ أَيِ اسْتَغَاثَنِي فَأَغَثْتُهُ.
قَوْلُهُ: (اجْتُثَّتِ اسْتُؤْصِلَتْ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا أَيْ قُطِعَتْ جُثَثُهَا بِكَمَالِهَا. وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ، عَنْ قَتَادَةَ مِثْلَهُ، وَمِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلَ الشَّجَرَةِ الْخَبِيثَةِ بِمَثَلِ الْكَافِرِ، يَقُولُ: الْكَافِرُ لَا يُقْبَلُ عَمَلَهُ وَلَا يَصْعَدُ، فَلَيْسَ لَهُ أَصْلٌ ثَابِتٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فَرْعٌ فِي السَّمَاءِ وَمِنْ طَرِيقِ الضَّحَّاكِ قَالَ فِي قَوْلِهِ ﴿مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ﴾ أَيْ مَا لَهَا أَصْلٌ وَلَا فَرْعٌ وَلَا ثَمَرَةٌ وَلَا مَنْفَعَةٌ، كَذَلِكَ الْكَافِرُ لَيْسَ يَعْمَلُ خَيْرًا وَلَا يَقُولُ خَيْرًا، وَلَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ فِيهِ بَرَكَةً وَلَا مَنْفَعَةً.
١ - بَاب ﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾
٤٦٩٨ - حَدَّثَنِي عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: أَخْبِرُونِي بِشَجَرَةٍ تُشْبِهُ أَوْ كَالرَّجُلِ الْمُسْلِمِ لَا يَتَحَاتُّ وَرَقُهَا وَلَا وَلَا وَلَا، تُؤْتِي أُكْلَهَا كُلَّ حِينٍ. قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ، وَرَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ لَا يَتَكَلَّمَانِ، فَكَرِهْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ. فَلَمَّا لَمْ يَقُولُوا شَيْئًا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: هِيَ النَّخْلَةُ، فَلَمَّا قُمْنَا قُلْتُ لِعُمَرَ: يَا أَبَتَاهُ وَاللَّهِ لَقَدْ كَانَ وَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ، فَقَالَ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَكَلَّمَ؟ قَالَ: لَمْ أَرَكُمْ تَكَلَّمُونَ فَكَرِهْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ أَوْ أَقُولَ شَيْئًا، قَالَ عُمَرُ: لَأَنْ تَكُونَ قُلْتَهَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كَذَا وَكَذَا.
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِهِ ﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ﴾ الْآيَةَ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَسَاقَ غَيْرُهُ إِلَى (حِينٍ) وَسَقَطَ عِنْدَهُمْ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
والرُّمَّان (﴿أَصْلُهَا ثَابِتٌ﴾): راسخٌ في الأرض ضاربٌ بعروقه فيها آمنٌ من (١) الانقطاع والزَّوال (﴿وَفَرْعُهَا (٢)﴾): أعلاها (﴿فِي السَّمَاء﴾) لأنَّ ارتفاع الأغصان يدلُّ على ثبات الأصل، ومتى ارتفعت كانت بعيدةً عن عفونات الأرض، فثمارها نقيَّةٌ طاهرةٌ عن جميع الشَّوائب (﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا﴾) تعطي ثمرها (﴿كُلَّ حِينٍ﴾ [إبراهيم: ٢٤ - ٢٥]) أَقَّتَهُ الله تعالى لأثمارها، وقال الرَّبيع بن أنسٍ البكري (٣): ﴿كُلَّ حِينٍ﴾ أي: غدوةً وعشيَّةً؛ لأنَّ ثمر النَّخل يُؤكَل أبدًا ليلًا ونهارًا، صيفًا وشتاءً، إمَّا تمرًا أو رطبًا أو بسرًا؛ كذلك عمل المؤمن يصعد أوَّل النهار وآخره، وبركةُ إيمانه لا تنقطع أبدًا، بل تتَّصل إليه في كلِّ وقتٍ، والاستفهام في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً﴾ [إبراهيم: ٢٤] للتَّقرير (٤)، وفائدته: الإيقاظ له، أي: ألم تعلم، والكلمة الطيِّبة كلمة التَّوحيد، أو كلُّ كلمةٍ حسنةٍ؛ كالحمد والاستغفار والتَّهليل، وعن ابن عبَّاسٍ: هي شجرةٌ في الجنَّة، أصلها ثابتٌ في الأرض وأعلاها في السَّماء، كذلك أصل هذه الكلمة راسخٌ في قلب المؤمن بالمعرفة والتَّصديق، فإذا تكلَّم بها عرجت، ولا تُحجَب حتَّى تنتهيَ إلى الله تعالى، قال ﷿: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠] وسقط قوله: «باب قوله» لغير أبي ذَرٍّ، وله: «﴿وَفَرْعُهَا﴾ … » إلى آخره وقال بعد قوله: ﴿ثَابِتٌ﴾: «الآيةَ».
٤٦٩٨ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (٥)، ولأبي ذَرٍّ: «حدَّثنا» (عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) القرشيُّ الهباريُّ،
اسمه: عبد الله، و «عُبيد» لقبٌ غلَبَ عليه (عَنْ أَبِي أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين مصغَّرًا، ابن عمر العمريِّ (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما) أنَّه (قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: أَخْبِرُونِي بِشَجَرَةٍ تُشْبِهُ) ولأبي ذَرٍّ: «شبه» (أَوْ كَالرَّجُلِ المُسْلِمِ) شكٌّ من (١) الرَّاوي (لَا يَتَحَاتُّ) بتشديد الفوقيَّة آخره، أي: لا (٢) يتناثر (وَرَقُهَا، وَلَا وَلَا وَلَا) ذكر ثلاث صفاتٍ أُخَرَ للشَّجرة، لم يبيِّنها الرَّاوي، واكتفى بذكر كلمة «لا» ثلاثًا، وقد ذكروا في تفسيره: ولا ينقطع ثمرُها ولا يُعدَم فَيئُها ولا يبطل نفعُها (﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾) وقتٍ (قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ، وَرَأَيْتُ (٣) أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ) رضي الله تعالى عنهما (لَا يَتَكَلَّمَانِ، فَكَرِهْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ) هيبةً منهما وتوقيرًا (فَلَمَّا لَمْ (٤) يَقُولُوا) أي: الحاضرون، ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «فلم يقولا» أي: العمران (شَيْئًا؛ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: هِيَ النَّخْلَةُ) والحكمةُ في تمثيل الإسلام (٥) بالشَّجرة: أَنَّ (٦) الشَّجرة لا تكون شجرةً إلَّا بثلاثة أشياء: عِرْقٍ راسخٍ، وأصلٍ قائمٍ، وفرعٍ عالٍ، كذلك الإيمان لا يتمُّ إلَّا بثلاثة أشياء: تصديقٍ بالقلب، وقولٍ باللسان، وعملٍ بالأبدان (فَلَمَّا قُمْنَا؛ قُلْتُ لِعُمَرَ: يَا أَبَتَاهُْ) بسكون الهاء مصحَّحًا عليها في الفرع وأصله (٧)، وفي غيرهما بضمِّها (وَاللهِ لَقَدْ كَانَ وَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ، فَقَالَ) أي: عمر: (مَا مَنَعَكَ أَنْ تَكَلَّمَ؟) بحذف إحدى
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {إِنَّا كُنَّا لكم تبعا فَهَل أَنْتُم مغنون عَنَّا من عَذَاب الله من شَيْء} (إِبْرَاهِيم: ١٢) التبع جمع تَابع كخدم جمع خَادِم وَمثله البُخَارِيّ بقوله مثل غيب بِفتْحَتَيْنِ جمع غَائِب وَقيل مَعْنَاهُ إِنَّا كُنَّا لكم ذَوي تبع.
بمُصْرِخِكُمْ اسْتَصْرَخَنِي اسْتَغاثَني يَسْتَصْرِخُهُ مِنَ الصُّرَاخِ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله: {فَلَا تلوموني ولوموا أَنفسكُم مَا أَنا بمصرخكم وَمَا أَنْتُم بمصرخي} (إِبْرَاهِيم: ٢٢) وَهَذَا لم يثبت إلَاّ فِي رِوَايَة أبي ذَر، قَوْله: مَا أَنا بمصرخكم. أَي: مَا أَنا بمغيثكم. قَالَ أَبُو عُبَيْدَة، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: مَا أَنا بمصرخكم وَمَا أَنْتُم بمصرخي لَا يُنجي بَعْضنَا بَعْضًا من عَذَاب الله وَلَا يغيثه، والإصراخ الإغاثة، وقرىء بمصرخي، بِكَسْر الْيَاء وَهِي ضَعِيفَة. قلت: الْقِرَاءَة الصَّحِيحَة فتح الْيَاء وَهُوَ الأَصْل، وَقَرَأَ حَمْزَة بِكَسْر الْيَاء، وَقَالَ الزّجاج: هِيَ عِنْد جَمِيع النَّحْوِيين ضَعِيفَة لَا وَجه لَهَا إلَاّ وَجه ضَعِيف، وَهُوَ مَا أجَازه الْفراء من الْكسر على الأَصْل لالتقاء الساكنين.
قَوْله: (استصرخني) وَقيل استصرخني فلَان، أَي: استغاثني، فأصرخته أَي أغثته. قَوْله: (يستصرخه) مَعْنَاهُ يَصِيح بِهِ، فَلِذَا قَالَ: (من الصُّرَاخ) بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَهُوَ الصَّوْت.
وَلَا خِلَالَ مصْدَرُ خالَلْتُهُ خِلالاً ويَجُوزُ أيْضاً جَمْعُ خُلَّةٍ وخِلالٍ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {يَوْم لَا بيع فِيهِ وَلَا خلال} (إِبْرَاهِيم: ١٣) وَذكر فِي لفظ خلال وَجْهَان: أَحدهمَا: أَنه مصدر خاللته خلال، وَالْمعْنَى: وَلَا مخاللة خَلِيل. وَثَانِيهمَا: إِنَّه جمع خلة، مثل: ظلة وظلال، وَهَذَا الْوَجْه قَالَه أَبُو عَليّ الْفَارِسِي، وَجُمْهُور أهل اللُّغَة على الأول، والخلة، بِضَم الْخَاء: الصداقة والمحبة الَّتِي تخللت الْقلب فَصَارَت خلاله أَي: فِي بَاطِنه، وَمِنْه الْخَلِيل وَهُوَ الصّديق.
اجْتُثَّتْ اسْتُؤْصِلَتْ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَمثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتئت من فَوق الأَرْض مَا لَهَا من قَرَار} (إِبْرَاهِيم: ٦٢) وَفسّر هَذِه اللَّفْظَة بقوله: استؤصلت، وَهُوَ على صِيغَة الْمَجْهُول من الاستئصال، وَهُوَ الْقلع من أَصله.
١ - (بابُ قَوْلِهِ: {كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أصْلُها ثابتٌ وفَرْعُها فِي السَّماءِ تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ} (إِبْرَاهِيم: ٤٢ ٥٢)
هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: {كشجرة طيبَة} وَلَيْسَ فِي أَكثر النّسخ لفظ: بَاب. وَفِي رِوَايَة أبي ذَر إِلَى قَوْله: (ثَابت) وَفِي رِوَايَة غَيره إِلَى (حِين) الْكَلَام. أَولا: فِي وَجه التَّشْبِيه بَين الْكَلِمَة الطّيبَة والشجرة الطّيبَة، وَبَيَانه مَوْقُوف على تَفْسِير الْكَلِمَة الطّيبَة والشجرة الطّيبَة. فالكلمة الطّيبَة شَهَادَة أَن لَا إل هـ إلَاّ الله، نقل ذَلِك عَن ابْن عَبَّاس، وَهُوَ قَول الْجُمْهُور، والشجرة الطّيبَة فِيهَا أَقْوَال، فَقيل: كل شَجَرَة طيبَة مثمرة، وَقيل: النَّخْلَة، وَقيل: الْجنَّة، وَقيل: شَجَرَة فِي الْجنَّة، وَقيل: الْمُؤمن، وَقيل: قُرَيْش، وَقيل: جوز الْهِنْد. وَأما بَيَان وَجه التَّشْبِيه على القَوْل الأول فَهُوَ من حَيْثُ الْحسن والزهارة وَالطّيب وَالْمَنَافِع الْحَاصِلَة فِي كل وَاحِدَة من كلمة الشَّهَادَة والشجرة الطّيبَة المثمرة، وَأما على القَوْل الثَّانِي، وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُور فَهُوَ من حَيْثُ كَثْرَة الْخَيْر فِي العاجل والآجل وَحسن المنظر والشكل الْمَوْجُود فِي كل وَاحِد من كلمة الشَّهَادَة والنخلة، فَإِن كَثْرَة الْخَيْر فِي العاجل والآجل مستمرة فِي صَاحب كلمة الشَّهَادَة، وَكَذَلِكَ حسن المنظر والشكل، وَفِي النَّخْلَة كَذَلِك فَإِنَّهَا كَثِيرَة الْخَيْر وطيبة الثَّمَرَة من حِين تطلع يُؤْكَل مِنْهَا حَتَّى تيبس، فَإِذا يَبِسَتْ يتَّخذ مِنْهَا مَنَافِع كَثِيرَة من خشبها وَأَغْصَانهَا وورقها ونواها، وَقيل: وَجه التَّشْبِيه أَن رَأسهَا إِذا قطع مَاتَت بِخِلَاف بَاقِي الشّجر، وَقيل: لِأَنَّهَا لَا تحمل حَتَّى تلقح، وَقيل: إِنَّهَا فضلَة طِينَة آدم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، على مَا رُوِيَ، وَقيل: فِي علو فروعها كارتفاع عمل الْمُؤمن، وَقيل: لِأَنَّهَا شَدِيدَة الثُّبُوت كثبوت الْإِيمَان فِي قلب الْمُؤمن. وَأما على القَوْل الثَّالِث: إِنَّهَا شَجَرَة فِي الْجنَّة رَوَاهُ أَبُو ظبْيَان عَن ابْن عَبَّاس فَهُوَ من حَيْثُ الدَّوَام والثبوت على مَا لَا يخفى. وَأما على القَوْل الرَّابِع: فَهُوَ من حَيْثُ ارْتِفَاع عمل الْمُؤمن الصَّالح فِي كل وَقت، وَوُجُود ثَمَرَة النَّخْلَة فِي كل حِين. وَأما على القَوْل الْخَامِس: فَهُوَ من حَيْثُ ارْتِفَاع الْقدر فِي كل وَاحِد من قُرَيْش، والنخلة، أما قُرَيْش فَلَا شكّ أَن قدرهم مُرْتَفع على سَائِر قبائل الْعَرَب، وَأما النَّخْلَة فَكَذَلِك على سَائِر الْأَشْجَار من الْوُجُوه الَّتِي ذَكرنَاهَا، وَأما على القَوْل السَّادِس: الَّذِي هُوَ جوز الْهِنْد
فَهُوَ من حَيْثُ إِنَّه لَا يتعطل من ثمره. على مَا رَوَاهُ ابْن مرْدَوَيْه من حَدِيث فَرْوَة بن السَّائِب عَن مَيْمُون بن مهْرَان عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله: {تُؤْتى أكلهَا كل حِين} (إِبْرَاهِيم: ٥٢) قَالَ: هِيَ شجر جوز الْهِنْد لَا يتعطل من ثمره، وَتحمل فِي كل شهر. وَرُوِيَ عَن عَليّ ابْن أبي طَالب رَضِي الله عَنهُ، أَيْضا، قَالَ السُّهيْلي: وَلَا يَصح وَكَذَلِكَ الْمُؤمن الَّذِي هُوَ صَاحب كلمة الشَّهَادَة لَا يتعطل من عمله الصَّالح. قَوْله: (أَصْلهَا ثَابت) ، أَي: فِي الأَرْض، (وفرعها فِي السَّمَاء) يَعْنِي: فِي الْعُلُوّ فَإِذا كَانَ أَصْلهَا ثَابتا أَمن الِانْقِطَاع لِأَن الطّيب إِذا كَانَ فِي معرض الانقراض حصل بِسَبَب فنائه وزواله الْحزن، فَإِذا علم أَنه باقٍ عظم الْفَرح بوجدانه، وَإِذا كَانَ فرعها فِي السَّمَاء دلّ على كمالها من وَجْهَيْن الأول: ارْتِفَاع أَغْصَانهَا وقوتها وتصعدها يدل على ثُبُوت أَصْلهَا ورسوخ عروقها. الثَّانِي: إِذا كَانَت مُرْتَفعَة كَانَت بعيدَة عَن عفونات الأَرْض، فَكَانَت ثَمَرَتهَا نقية طَاهِرَة من جَمِيع الشوائب. قَوْله: (تُؤْتى) أَي: تُعْطِي (أكلهَا) أَي: ثَمَرهَا (كل حِين) اخْتلفُوا فِيهِ، فَقَالَ مُجَاهِد وَعِكْرِمَة وَابْن زيد: كل سنة، وَعَن ابْن عَبَّاس: الْحِين حينان: حِين يعرف وَيدْرك، وَحين لَا يعرف فَالْأول: قَوْله: {ولتعلمن نبأه بعد حِين} وَالثَّانِي قَوْله {تُؤْتى أكلهَا كل حِين} (ص: ٨٨) فَهُوَ مَا بَين الْعَام إِلَى الْعَام الْمقبل، وَقَالَ سعيد بن جُبَير وَقَتَادَة: الْحِين كل سِتَّة أشهر مَا بَين صرامها إِلَى حملهَا، وَقَالَ الرّبيع بن أنس: كل حِين كل غدْوَة وَعَشِيَّة كَذَلِك يصعد عمل الْمُؤمن أول النَّهَار وَآخره، وَهِي رِوَايَة عَن ابْن عَبَّاس أَيْضا، وَقَالَ الضَّحَّاك: الْحِين سَاعَة لَيْلًا وَنَهَارًا صيفاً وشتاءً يُؤْكَل فِي جَمِيع الْأَوْقَات، كَذَلِك الْمُؤمن لَا يَخْلُو من الْخَيْر فِي الْأَوْقَات كلهَا. فَإِن قلت: قد بيّنت وَجه التَّشْبِيه بَين الْكَلِمَة الطّيبَة والشجرة الطّيبَة، فَمَا الْحِكْمَة بالتمثيل بِالشَّجَرَةِ؟ قلت: لِأَن الشَّجَرَة لَا تكون شَجَرَة إِلَّا بِثَلَاثَة أَشْيَاء: عرق راسخ، وأصل قَائِم، وَفرع عَال، فَكَذَلِك الْإِيمَان لَا يقوم وَلَا يُثمر إِلَّا بِثَلَاثَة أَشْيَاء: تَصْدِيق بِالْقَلْبِ، وَقَول بِاللِّسَانِ، وَعمل بالأبدان.
٨٩٦٤ - حدَّثني عُبَيْدُ بنُ إسْماعِيلَ عنْ أبي أُسامَةَ عَنْ عُبَيْدِ الله عنْ نافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله عَنْهُمَا قَالَ كُنّا عِنْدَ رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ أخبرُوني بِشَجَرَةٍ تُشْبِهُ أوْ كالرَّجُلِ المُسْلِمِ لَا يَتحاتُّ ورَقُها ولَا ولَا ولَا {تُؤْتِي أكُلَها كلَّ حِينٍ} قالَ ابنُ عُمَرَ فَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ ورَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ وعُمَرَ لَا يَتَكَلّمانِ فكَرِهْتُ أنْ أتَكَلَّمَ فَلَمَّا لَمْ يَقُولُوا شَيْئاً قَالَ رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هِيَ النَّخْلَةُ فَلَمّا قُمْنا قُلْتُ لِعُمَرَ يَا أبَتاهُ وَالله لَقَدْ كانَ وَقَعَ فِي نَفْسِي أنّها النّخْلَةُ فَقَالَ مَا مَنَعَكَ أنْ تَكَلَّمَ قَالَ لمْ أرَكُمْ تَكَلّمُون فكَرِهْتُ أنْ أتَكَلّمَ أوْ أقُولَ شَيْئاً قَالَ عُمَرُ لأنْ تكونَ قُلْتَها أحَبُّ إلَيَّ مِنْ كَذا وكَذا..
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن الشَّجَرَة الطّيبَة هِيَ النَّخْلَة على قَول الْجُمْهُور. وَأَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة، وَعبيد الله ابْن عمر الْعمريّ.
والْحَدِيث قد مر فِي كتاب الْعلم فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع، وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (تشبه، أَو كَالرّجلِ الْمُسلم) ، شكّ من أحد الروَاة، وَمَعْنَاهُ: تشبه الرجل الْمُسلم، أَو قَالَ: كَالرّجلِ الْمُسلم. قَوْله: (وَلَا يتحات) ، من بَاب التفاعل أَي: لَا يَتَنَاثَر. قَوْله: (وَلَا وَلَا وَلَا) ، ثَلَاث مَرَّات أَشَارَ بهَا إِلَى ثَلَاث صِفَات أخر للنخلة وَلم يذكرهَا الرَّاوِي، وَاكْتفى بِذكر كلمة: لَا، ثَلَاث مَرَّات، وَقَوله: (تُؤْتى أكلهَا كل حِين) صفة خَامِسَة لَهَا، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ عَن قريب. قَوْله: (النَّخْلَة) بِالرَّفْع لِأَنَّهُ خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: هِيَ النَّخْلَة. قَوْله: (إِن تكلم) ، بِنصب الْمِيم لِأَن أَصله: أَن تَتَكَلَّم، فحذفت إِحْدَى التَّاءَيْنِ تَخْفِيفًا. قَوْله: (من كَذَا وَكَذَا) أَي: من حمر النعم، كَمَا فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى.
٢ - (بابٌ: {يُثَبِّتُ الله الَّذِينَ آمنُوا بالْقَوْلِ الثّابِتِ} (إِبْرَاهِيم: ٧٢)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله عز وَجل: {يثبت الله} أَي: يُحَقّق الله إِيمَانهم وأعمالهم (بالْقَوْل الثَّابِت) وَهُوَ شَهَادَة لَا إِلَه إِلَّا الله. قَوْله: {فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا} يَعْنِي: فِي الْقَبْر عِنْد السُّؤَال: (وَفِي الْآخِرَة) إِذا بعث.