الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٦٩٨
الحديث رقم ٤٦٩٨ من كتاب «سورة إبراهيم» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب قوله كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
⦗٨٠⦘
أَوْ أَقُولَ شَيْئًا، قَالَ عُمَرُ: لَأَنْ تَكُونَ قُلْتَهَا، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كَذَا وَكَذَا».
﴿يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾
٤٦٩٨ - حَدَّثَنِي عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الْعَرَبِ رَدَّ يَدِهِ فِي فِيهِ إِذَا تَرَكَ الشَّيْءَ الَّذِي كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَفْعَلَهُ، وَقَدْ رَوَى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: عَضُّوا عَلَى أَصَابِعِهِمْ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، وَيُؤَيِّدُهُ الْآيَةُ الْأُخْرَى ﴿وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾ وَقَالَ الشَّاعِرُ:
يَرُدُّونَ فِي فِيهِ غَيْظِ الْحَسُودِ
أَيْ يَغِيظُونَ الْحَسُودَ حَتَّى يَعَضَّ عَلَى أَصَابِعِهِ وَقِيلَ الْمَعْنَى رَدَّ الْكُفَّارَ أَيْدِي الرُّسُلَ فِي أَفَوَاهِمِ بِمَعْنَى أَنَّهُمُ امْتَنَعُوا مِنْ قَبُولِ كَلَامِهِمْ، أَوِ الْمُرَادُ بِالْأَيْدِي النِّعَمُ أَيْ رَدُّوا نِعْمَةَ الرُّسُلِ وَهِيَ نَصَائِحُهُمْ عَلَيْهِمْ لِأَنَّهُمْ إِذَا كَذَبُوهَا كَأَنَّهُمْ رَدُّوهَا مِنْ حَيْثُ جَاءَتْ.
قَوْلُهُ: (مَقَامِي حَيْثُ يُقِيمُهُ اللَّهُ بَيْنَ يَدَيْهِ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي﴾ قَالَ: حَيْثُ أُقِيمُهُ بَيْنَ يَدَيَّ لِلْحِسَابِ. قُلْتُ: وَفِيهِ قَوْلٌ آخَرَ قَالَ الْفَرَّاءُ أَيْضًا إِنَّهُ مَصْدَرٌ لَكِنْ قَالَ إِنَّهُ مُضَافٌ لِلْفَاعِلِ أَيْ قِيَامِي عَلَيْهِ بِالْحِفْظِ.
قَوْلُهُ: مِنْ وَرَائِهِ قُدَّامَهُ جَهَنَّمُ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ﴾ مَجَازَهُ قُدَّامَهُ وَأَمَامَهُ يُقَالُ: الْمَوْتُ مِنْ وَرَائِكَ أَيْ قُدَّامَكَ وَهُوَ اسْمُ لِكُلِّ مَا تَوَارَى عَنِ الشَّخْصِ، نَقَلَهُ ثَعْلَبٌ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
أَلَيْسَ وَرَائِي إِنْ تَرَاخَتْ مُنْيَتِي … لُزُومُ الْعَصَا تُحْنَى عَلَيْهَا الْأَصَابِعُ
وَقَوْلُ النَّابِغَةِ:
وَلَيْسَ وَرَاءُ اللَّهِ لِلْمَرْءِ مَذْهَبٌ
أَيْ بَعْدَ اللَّهِ. وَنَقَلَ قُطْرُبٌ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ مِنَ الْأَضْدَادِ، وَأَنْكَرَهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَرَفَةَ نَفْطَوَيْهِ وَقَالَ: لَا يَقَعُ وَرَاءَ بِمَعْنَى أَمَامَ إِلَّا فِي زَمَانٍ أَوْ مَكَانٍ.
قَوْلُهُ: ﴿لَكُمْ تَبَعًا﴾ وَاحِدُهَا تَابِعٌ مِثْلُ غَيَبٍ وَغَائِبٍ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا، وَغَيَبُ بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَالتَّحْتَانِيَّةِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ.
قَوْلُهُ: ﴿بِمُصْرِخِكُمْ﴾ اسْتَصْرَخَنِي اسْتَغَاثَنِي، يَسْتَصْرِخُهُ مِنَ الصُّرَاخِ) سَقَطَ هَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ ﴿مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ﴾ أَيْ مَا أَنَا بِمُغِيثِكمْ، وَيُقَالُ اسْتَصْرَخَنِي فَأَصْرَخْتُهُ أَيِ اسْتَغَاثَنِي فَأَغَثْتُهُ.
قَوْلُهُ: (اجْتُثَّتِ اسْتُؤْصِلَتْ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا أَيْ قُطِعَتْ جُثَثُهَا بِكَمَالِهَا. وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ، عَنْ قَتَادَةَ مِثْلَهُ، وَمِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلَ الشَّجَرَةِ الْخَبِيثَةِ بِمَثَلِ الْكَافِرِ، يَقُولُ: الْكَافِرُ لَا يُقْبَلُ عَمَلَهُ وَلَا يَصْعَدُ، فَلَيْسَ لَهُ أَصْلٌ ثَابِتٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فَرْعٌ فِي السَّمَاءِ وَمِنْ طَرِيقِ الضَّحَّاكِ قَالَ فِي قَوْلِهِ ﴿مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ﴾ أَيْ مَا لَهَا أَصْلٌ وَلَا فَرْعٌ وَلَا ثَمَرَةٌ وَلَا مَنْفَعَةٌ، كَذَلِكَ الْكَافِرُ لَيْسَ يَعْمَلُ خَيْرًا وَلَا يَقُولُ خَيْرًا، وَلَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ فِيهِ بَرَكَةً وَلَا مَنْفَعَةً.
١ - بَاب ﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾
٤٦٩٨ - حَدَّثَنِي عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: أَخْبِرُونِي بِشَجَرَةٍ تُشْبِهُ أَوْ كَالرَّجُلِ الْمُسْلِمِ لَا يَتَحَاتُّ وَرَقُهَا وَلَا وَلَا وَلَا، تُؤْتِي أُكْلَهَا كُلَّ حِينٍ. قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ، وَرَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ لَا يَتَكَلَّمَانِ، فَكَرِهْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ. فَلَمَّا لَمْ يَقُولُوا شَيْئًا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: هِيَ النَّخْلَةُ، فَلَمَّا قُمْنَا قُلْتُ لِعُمَرَ: يَا أَبَتَاهُ وَاللَّهِ لَقَدْ كَانَ وَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ، فَقَالَ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَكَلَّمَ؟ قَالَ: لَمْ أَرَكُمْ تَكَلَّمُونَ فَكَرِهْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ أَوْ أَقُولَ شَيْئًا، قَالَ عُمَرُ: لَأَنْ تَكُونَ قُلْتَهَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كَذَا وَكَذَا.
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِهِ ﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ﴾ الْآيَةَ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَسَاقَ غَيْرُهُ إِلَى (حِينٍ) وَسَقَطَ عِنْدَهُمْ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
والرُّمَّان (﴿أَصْلُهَا ثَابِتٌ﴾): راسخٌ في الأرض ضاربٌ بعروقه فيها آمنٌ من (١) الانقطاع والزَّوال (﴿وَفَرْعُهَا (٢)﴾): أعلاها (﴿فِي السَّمَاء﴾) لأنَّ ارتفاع الأغصان يدلُّ على ثبات الأصل، ومتى ارتفعت كانت بعيدةً عن عفونات الأرض، فثمارها نقيَّةٌ طاهرةٌ عن جميع الشَّوائب (﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا﴾) تعطي ثمرها (﴿كُلَّ حِينٍ﴾ [إبراهيم: ٢٤ - ٢٥]) أَقَّتَهُ الله تعالى لأثمارها، وقال الرَّبيع بن أنسٍ البكري (٣): ﴿كُلَّ حِينٍ﴾ أي: غدوةً وعشيَّةً؛ لأنَّ ثمر النَّخل يُؤكَل أبدًا ليلًا ونهارًا، صيفًا وشتاءً، إمَّا تمرًا أو رطبًا أو بسرًا؛ كذلك عمل المؤمن يصعد أوَّل النهار وآخره، وبركةُ إيمانه لا تنقطع أبدًا، بل تتَّصل إليه في كلِّ وقتٍ، والاستفهام في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً﴾ [إبراهيم: ٢٤] للتَّقرير (٤)، وفائدته: الإيقاظ له، أي: ألم تعلم، والكلمة الطيِّبة كلمة التَّوحيد، أو كلُّ كلمةٍ حسنةٍ؛ كالحمد والاستغفار والتَّهليل، وعن ابن عبَّاسٍ: هي شجرةٌ في الجنَّة، أصلها ثابتٌ في الأرض وأعلاها في السَّماء، كذلك أصل هذه الكلمة راسخٌ في قلب المؤمن بالمعرفة والتَّصديق، فإذا تكلَّم بها عرجت، ولا تُحجَب حتَّى تنتهيَ إلى الله تعالى، قال ﷿: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠] وسقط قوله: «باب قوله» لغير أبي ذَرٍّ، وله: «﴿وَفَرْعُهَا﴾ … » إلى آخره وقال بعد قوله: ﴿ثَابِتٌ﴾: «الآيةَ».
٤٦٩٨ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (٥)، ولأبي ذَرٍّ: «حدَّثنا» (عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) القرشيُّ الهباريُّ،
اسمه: عبد الله، و «عُبيد» لقبٌ غلَبَ عليه (عَنْ أَبِي أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين مصغَّرًا، ابن عمر العمريِّ (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما) أنَّه (قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: أَخْبِرُونِي بِشَجَرَةٍ تُشْبِهُ) ولأبي ذَرٍّ: «شبه» (أَوْ كَالرَّجُلِ المُسْلِمِ) شكٌّ من (١) الرَّاوي (لَا يَتَحَاتُّ) بتشديد الفوقيَّة آخره، أي: لا (٢) يتناثر (وَرَقُهَا، وَلَا وَلَا وَلَا) ذكر ثلاث صفاتٍ أُخَرَ للشَّجرة، لم يبيِّنها الرَّاوي، واكتفى بذكر كلمة «لا» ثلاثًا، وقد ذكروا في تفسيره: ولا ينقطع ثمرُها ولا يُعدَم فَيئُها ولا يبطل نفعُها (﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾) وقتٍ (قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ، وَرَأَيْتُ (٣) أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ) رضي الله تعالى عنهما (لَا يَتَكَلَّمَانِ، فَكَرِهْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ) هيبةً منهما وتوقيرًا (فَلَمَّا لَمْ (٤) يَقُولُوا) أي: الحاضرون، ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «فلم يقولا» أي: العمران (شَيْئًا؛ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: هِيَ النَّخْلَةُ) والحكمةُ في تمثيل الإسلام (٥) بالشَّجرة: أَنَّ (٦) الشَّجرة لا تكون شجرةً إلَّا بثلاثة أشياء: عِرْقٍ راسخٍ، وأصلٍ قائمٍ، وفرعٍ عالٍ، كذلك الإيمان لا يتمُّ إلَّا بثلاثة أشياء: تصديقٍ بالقلب، وقولٍ باللسان، وعملٍ بالأبدان (فَلَمَّا قُمْنَا؛ قُلْتُ لِعُمَرَ: يَا أَبَتَاهُْ) بسكون الهاء مصحَّحًا عليها في الفرع وأصله (٧)، وفي غيرهما بضمِّها (وَاللهِ لَقَدْ كَانَ وَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ، فَقَالَ) أي: عمر: (مَا مَنَعَكَ أَنْ تَكَلَّمَ؟) بحذف إحدى
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الْعَرَبِ رَدَّ يَدِهِ فِي فِيهِ إِذَا تَرَكَ الشَّيْءَ الَّذِي كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَفْعَلَهُ، وَقَدْ رَوَى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: عَضُّوا عَلَى أَصَابِعِهِمْ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، وَيُؤَيِّدُهُ الْآيَةُ الْأُخْرَى ﴿وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾ وَقَالَ الشَّاعِرُ:
يَرُدُّونَ فِي فِيهِ غَيْظِ الْحَسُودِ
أَيْ يَغِيظُونَ الْحَسُودَ حَتَّى يَعَضَّ عَلَى أَصَابِعِهِ وَقِيلَ الْمَعْنَى رَدَّ الْكُفَّارَ أَيْدِي الرُّسُلَ فِي أَفَوَاهِمِ بِمَعْنَى أَنَّهُمُ امْتَنَعُوا مِنْ قَبُولِ كَلَامِهِمْ، أَوِ الْمُرَادُ بِالْأَيْدِي النِّعَمُ أَيْ رَدُّوا نِعْمَةَ الرُّسُلِ وَهِيَ نَصَائِحُهُمْ عَلَيْهِمْ لِأَنَّهُمْ إِذَا كَذَبُوهَا كَأَنَّهُمْ رَدُّوهَا مِنْ حَيْثُ جَاءَتْ.
قَوْلُهُ: (مَقَامِي حَيْثُ يُقِيمُهُ اللَّهُ بَيْنَ يَدَيْهِ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي﴾ قَالَ: حَيْثُ أُقِيمُهُ بَيْنَ يَدَيَّ لِلْحِسَابِ. قُلْتُ: وَفِيهِ قَوْلٌ آخَرَ قَالَ الْفَرَّاءُ أَيْضًا إِنَّهُ مَصْدَرٌ لَكِنْ قَالَ إِنَّهُ مُضَافٌ لِلْفَاعِلِ أَيْ قِيَامِي عَلَيْهِ بِالْحِفْظِ.
قَوْلُهُ: مِنْ وَرَائِهِ قُدَّامَهُ جَهَنَّمُ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ﴾ مَجَازَهُ قُدَّامَهُ وَأَمَامَهُ يُقَالُ: الْمَوْتُ مِنْ وَرَائِكَ أَيْ قُدَّامَكَ وَهُوَ اسْمُ لِكُلِّ مَا تَوَارَى عَنِ الشَّخْصِ، نَقَلَهُ ثَعْلَبٌ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
أَلَيْسَ وَرَائِي إِنْ تَرَاخَتْ مُنْيَتِي … لُزُومُ الْعَصَا تُحْنَى عَلَيْهَا الْأَصَابِعُ
وَقَوْلُ النَّابِغَةِ:
وَلَيْسَ وَرَاءُ اللَّهِ لِلْمَرْءِ مَذْهَبٌ
أَيْ بَعْدَ اللَّهِ. وَنَقَلَ قُطْرُبٌ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ مِنَ الْأَضْدَادِ، وَأَنْكَرَهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَرَفَةَ نَفْطَوَيْهِ وَقَالَ: لَا يَقَعُ وَرَاءَ بِمَعْنَى أَمَامَ إِلَّا فِي زَمَانٍ أَوْ مَكَانٍ.
قَوْلُهُ: ﴿لَكُمْ تَبَعًا﴾ وَاحِدُهَا تَابِعٌ مِثْلُ غَيَبٍ وَغَائِبٍ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا، وَغَيَبُ بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَالتَّحْتَانِيَّةِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ.
قَوْلُهُ: ﴿بِمُصْرِخِكُمْ﴾ اسْتَصْرَخَنِي اسْتَغَاثَنِي، يَسْتَصْرِخُهُ مِنَ الصُّرَاخِ) سَقَطَ هَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ ﴿مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ﴾ أَيْ مَا أَنَا بِمُغِيثِكمْ، وَيُقَالُ اسْتَصْرَخَنِي فَأَصْرَخْتُهُ أَيِ اسْتَغَاثَنِي فَأَغَثْتُهُ.
قَوْلُهُ: (اجْتُثَّتِ اسْتُؤْصِلَتْ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا أَيْ قُطِعَتْ جُثَثُهَا بِكَمَالِهَا. وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ، عَنْ قَتَادَةَ مِثْلَهُ، وَمِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلَ الشَّجَرَةِ الْخَبِيثَةِ بِمَثَلِ الْكَافِرِ، يَقُولُ: الْكَافِرُ لَا يُقْبَلُ عَمَلَهُ وَلَا يَصْعَدُ، فَلَيْسَ لَهُ أَصْلٌ ثَابِتٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فَرْعٌ فِي السَّمَاءِ وَمِنْ طَرِيقِ الضَّحَّاكِ قَالَ فِي قَوْلِهِ ﴿مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ﴾ أَيْ مَا لَهَا أَصْلٌ وَلَا فَرْعٌ وَلَا ثَمَرَةٌ وَلَا مَنْفَعَةٌ، كَذَلِكَ الْكَافِرُ لَيْسَ يَعْمَلُ خَيْرًا وَلَا يَقُولُ خَيْرًا، وَلَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ فِيهِ بَرَكَةً وَلَا مَنْفَعَةً.
١ - بَاب ﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾
٤٦٩٨ - حَدَّثَنِي عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: أَخْبِرُونِي بِشَجَرَةٍ تُشْبِهُ أَوْ كَالرَّجُلِ الْمُسْلِمِ لَا يَتَحَاتُّ وَرَقُهَا وَلَا وَلَا وَلَا، تُؤْتِي أُكْلَهَا كُلَّ حِينٍ. قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ، وَرَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ لَا يَتَكَلَّمَانِ، فَكَرِهْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ. فَلَمَّا لَمْ يَقُولُوا شَيْئًا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: هِيَ النَّخْلَةُ، فَلَمَّا قُمْنَا قُلْتُ لِعُمَرَ: يَا أَبَتَاهُ وَاللَّهِ لَقَدْ كَانَ وَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ، فَقَالَ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَكَلَّمَ؟ قَالَ: لَمْ أَرَكُمْ تَكَلَّمُونَ فَكَرِهْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ أَوْ أَقُولَ شَيْئًا، قَالَ عُمَرُ: لَأَنْ تَكُونَ قُلْتَهَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كَذَا وَكَذَا.
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِهِ ﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ﴾ الْآيَةَ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَسَاقَ غَيْرُهُ إِلَى (حِينٍ) وَسَقَطَ عِنْدَهُمْ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
والرُّمَّان (﴿أَصْلُهَا ثَابِتٌ﴾): راسخٌ في الأرض ضاربٌ بعروقه فيها آمنٌ من (١) الانقطاع والزَّوال (﴿وَفَرْعُهَا (٢)﴾): أعلاها (﴿فِي السَّمَاء﴾) لأنَّ ارتفاع الأغصان يدلُّ على ثبات الأصل، ومتى ارتفعت كانت بعيدةً عن عفونات الأرض، فثمارها نقيَّةٌ طاهرةٌ عن جميع الشَّوائب (﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا﴾) تعطي ثمرها (﴿كُلَّ حِينٍ﴾ [إبراهيم: ٢٤ - ٢٥]) أَقَّتَهُ الله تعالى لأثمارها، وقال الرَّبيع بن أنسٍ البكري (٣): ﴿كُلَّ حِينٍ﴾ أي: غدوةً وعشيَّةً؛ لأنَّ ثمر النَّخل يُؤكَل أبدًا ليلًا ونهارًا، صيفًا وشتاءً، إمَّا تمرًا أو رطبًا أو بسرًا؛ كذلك عمل المؤمن يصعد أوَّل النهار وآخره، وبركةُ إيمانه لا تنقطع أبدًا، بل تتَّصل إليه في كلِّ وقتٍ، والاستفهام في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً﴾ [إبراهيم: ٢٤] للتَّقرير (٤)، وفائدته: الإيقاظ له، أي: ألم تعلم، والكلمة الطيِّبة كلمة التَّوحيد، أو كلُّ كلمةٍ حسنةٍ؛ كالحمد والاستغفار والتَّهليل، وعن ابن عبَّاسٍ: هي شجرةٌ في الجنَّة، أصلها ثابتٌ في الأرض وأعلاها في السَّماء، كذلك أصل هذه الكلمة راسخٌ في قلب المؤمن بالمعرفة والتَّصديق، فإذا تكلَّم بها عرجت، ولا تُحجَب حتَّى تنتهيَ إلى الله تعالى، قال ﷿: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠] وسقط قوله: «باب قوله» لغير أبي ذَرٍّ، وله: «﴿وَفَرْعُهَا﴾ … » إلى آخره وقال بعد قوله: ﴿ثَابِتٌ﴾: «الآيةَ».
٤٦٩٨ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (٥)، ولأبي ذَرٍّ: «حدَّثنا» (عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) القرشيُّ الهباريُّ،
اسمه: عبد الله، و «عُبيد» لقبٌ غلَبَ عليه (عَنْ أَبِي أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين مصغَّرًا، ابن عمر العمريِّ (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما) أنَّه (قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: أَخْبِرُونِي بِشَجَرَةٍ تُشْبِهُ) ولأبي ذَرٍّ: «شبه» (أَوْ كَالرَّجُلِ المُسْلِمِ) شكٌّ من (١) الرَّاوي (لَا يَتَحَاتُّ) بتشديد الفوقيَّة آخره، أي: لا (٢) يتناثر (وَرَقُهَا، وَلَا وَلَا وَلَا) ذكر ثلاث صفاتٍ أُخَرَ للشَّجرة، لم يبيِّنها الرَّاوي، واكتفى بذكر كلمة «لا» ثلاثًا، وقد ذكروا في تفسيره: ولا ينقطع ثمرُها ولا يُعدَم فَيئُها ولا يبطل نفعُها (﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾) وقتٍ (قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ، وَرَأَيْتُ (٣) أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ) رضي الله تعالى عنهما (لَا يَتَكَلَّمَانِ، فَكَرِهْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ) هيبةً منهما وتوقيرًا (فَلَمَّا لَمْ (٤) يَقُولُوا) أي: الحاضرون، ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «فلم يقولا» أي: العمران (شَيْئًا؛ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: هِيَ النَّخْلَةُ) والحكمةُ في تمثيل الإسلام (٥) بالشَّجرة: أَنَّ (٦) الشَّجرة لا تكون شجرةً إلَّا بثلاثة أشياء: عِرْقٍ راسخٍ، وأصلٍ قائمٍ، وفرعٍ عالٍ، كذلك الإيمان لا يتمُّ إلَّا بثلاثة أشياء: تصديقٍ بالقلب، وقولٍ باللسان، وعملٍ بالأبدان (فَلَمَّا قُمْنَا؛ قُلْتُ لِعُمَرَ: يَا أَبَتَاهُْ) بسكون الهاء مصحَّحًا عليها في الفرع وأصله (٧)، وفي غيرهما بضمِّها (وَاللهِ لَقَدْ كَانَ وَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ، فَقَالَ) أي: عمر: (مَا مَنَعَكَ أَنْ تَكَلَّمَ؟) بحذف إحدى