«الْمُسْلِمُ إِذَا سُئِلَ فِي الْقَبْرِ: يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٦٩٩

الحديث رقم ٤٦٩٩ من كتاب «سورة إبراهيم» في صحيح البخاري، تحت باب: باب يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «المسلم إذا سئل في القبر: يشهد أن لا إله إلا…

«الْمُسْلِمُ إِذَا سُئِلَ فِي الْقَبْرِ: يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ. فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾».

﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللهِ كُفْرًا﴾ أَلَمْ تَعْلَمْ كَقَوْلِهِ: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ﴾ ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا﴾ الْبَوَارُ الْهَلَاكُ، بَارَ يَبُورُ بَورًا هَالِكِينَ.

سند حديث: ٤٦٩٩ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ…

٤٦٩٩ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَلْقَمَةُ بْنُ مَرْثَدٍ قَالَ: سَمِعْتُ سَعْدَ بْنَ عُبَيْدَةَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «المسلم إذا سئل في القبر: يشهد أن لا إله إلا…

يُسألُ المؤمنُ في القبر، فيسأله الملكان الموكَّلان بذلك وهما منكر ونكير، كما جاء تسميتهما في عدة أحاديث،
فيشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله،
قال النبي صلى الله عليه وسلم هذا هو القول الثابت الذي قال الله فيه:
{يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ} [إبراهيم: 27].

الفوائد المستفادة من الحديث

  • أنَّ سؤال القبر حق.
  • فضل الله على عباده المؤمنين في الدنيا والآخرة بتثبيتهم على القول الثابت.
  • فضل شهادة التوحيد والموت عليها.
  • تثبيت الله للمؤمن في الدنيا بالثبات على الإيمان، وسلوك الصراط المستقيم، وعند الموت بالموت على التوحيد، وفي القبر عند سؤال الملكين.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «المسلم إذا سئل في القبر: يشهد أن لا إله إلا…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

بَابُ قَوْلِهِ ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ.

قَوْلُهُ: (تُشْبِهُ أَوْ كَالرَّجُلِ الْمُسْلِمِ) شَكٌّ مِنْ أَحَدِ رُوَاتِهِ، وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنَ الطَّرِيقِ الَّتِي أَخْرَجَهَا مِنْهَا الْبُخَارِيُّ بِلَفْظِ تُشْبِهُ الرَّجُلَ الْمُسْلِمَ وَلَمْ يَشُكَّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ الْحَدِيثِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْعِلْمِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ هُنَاكَ الْبَيَانُ الْوَاضِحُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالشَّجَرَةِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ النَّخْلَةُ، وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا شَجَرَةُ الْجَوْزِ الْهِنْدِيِّ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾ قَالَ: هِيَ شَجَرَةُ جَوْزِ الْهِنْدِ لَا تَتَعَطَّلُ مِنْ ثَمَرَةٍ تَحْمِلُ كُلَّ شَهْرٍ، وَمَعْنَى قَوْلُهُ: (طَيِّبَةٌ) أَيْ لَذِيذَةُ الثَّمَرِ أَوْ حَسَنَةُ الشَّكْلِ أَوْ نَافِعَةٌ، فَتَكُونُ طَيِّبَةٌ بِمَا يَئُولُ إِلَيْهِ نَفْعُهَا. وَقَوْلُهُ: ﴿أَصْلُهَا ثَابِتٌ﴾ أَيْ لَا يَنْقَطِعُ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ أَيْ هِيَ نِهَايَةٌ فِي الْكَمَالِ، لِأَنَّهَا إِذَا كَانَتْ مُرْتَفِعَةٌ بَعُدَتْ عَنْ عُفُونَاتِ الْأَرْضِ. وَلِلْحَاكِمِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ الشَّجَرَةُ الطَّيِّبَةُ النَّخْلَةُ وَالشَّجَرَةُ الْخَبِيثَةُ الْحَنْظَلَةُ.

٢ - بَاب ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾

٤٦٩٩ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَلْقَمَةُ بْنُ مَرْثَدٍ قَالَ: سَمِعْتُ سَعْدَ بْنَ عُبَيْدَةَ، عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: الْمُسْلِمُ إِذَا سُئِلَ فِي الْقَبْرِ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾

قَوْلُهُ بَابُ ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ الْبَرَاءِ مُخْتَصَرًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْجَنَائِزِ أَتَمَّ سِيَاقًا وَاسْتَوْفَيْتُ شَرْحَهُ فِي ذَلِكَ الْبَابِ.

٣ - بَاب ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ أَلَمْ تَرَ: أَلَمْ تَعْلَمْ

كَقَوْلِهِ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا﴾، ﴿الْبَوَارِ﴾ الْهَلَاكُ، بَارَ يَبُورُ بورا. ﴿قَوْمًا بُورًا﴾ هَالِكِينَ.

٤٧٠٠ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ عَطَاءٍ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ قَالَ: هُمْ كُفَّارُ أَهْلِ مَكَّةَ.

قَوْلُهُ: (بَابُ ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ أَلَمْ تَرَ: أَلَمْ تَعْلَمْ، كَقَوْلِهِ ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا﴾ زَادَ غَيْرُ أَبِي ذَرٍّ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ وَهَذَا قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ بِلَفْظِهِ.

قَوْلُهُ: (الْبَوَارُ الْهَلَاكُ، بَارَ يَبُورُ بَوْرًا، قَوْمًا بُورًا: هَالِكِينَ) هُوَ كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ. ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيمَنْ نَزَلَتْ فِيهِ الْآيَةُ مُخْتَصَرًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ مُسْتَوْفًى مَعَ شَرْحِهِ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ أُخْرَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سَأَلَ عُمَرَ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ فَقَالَ: مَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمُ الْأَفْجَرَانِ مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ وَبَنِي أُمَيَّةَ أَخْوَالِي وَأَعْمَامِكِ، فَأَمَّا أَخْوَالِي فَاسْتَأْصَلَهُمُ اللَّهُ يَوْمَ بَدْرٍ، وَأَمَّا أَعْمَامُكُ فَأَمْلَى اللَّهُ لَهُمْ إِلَى حِينٍ. وَمِنْ طَرِيقِ عَلِيٍّ قَالَ: هُمُ الْأَفْجَرَانِ بَنُو أُمَيَّةَ وَبَنُو الْمُغِيرَةَ، فَأَمَّا بَنُو الْمُغِيرَةَ فَقَطَعَ اللَّهُ دَابِرَهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ، وَأَمَّا بَنُو أُمَيَّةَ فَمُتِّعُوا إِلَى حِينٍ. وَهُوَ عِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ أَيْضًا وَالنَّسَائِيِّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ. قُلْتُ: الْمُرَادُ بَعْضُهُمْ لَا جَمِيعَ بَنِي أُمَيَّةَ، وَبَنِي مَخْزُومٍ لَمْ يُسْتَأْصَلُوا يَوْمَ بَدْرٍ، بَلِ الْمُرَادُ بَعْضُهُمْ كَأَبِي جَهْلٍ مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ وَأَبِي سُفْيَانَ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ.

١٥ - سُورَةُ الْحِجْرِ

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ الْحَقُّ يَرْجِعُ إِلَى اللَّهِ، وَعَلَيْهِ طَرِيقُهُ. ﴿لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ﴾ عَلَى الطَّرِيقِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿لَعَمْرُكَ﴾ لَعَيْشُكَ. ﴿قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ أَنْكَرَهُمْ لُوطٌ. وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿كِتَابٌ مَعْلُومٌ﴾ أَجَلٌ. ﴿لَوْ مَا تَأْتِينَا﴾ هَلَّا تَأْتِينَا. شِيَعٌ: أُمَمٌ، وَلِلْأَوْلِيَاءِ أَيْضًا شِيَعٌ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿يُهْرَعُونَ﴾ مُسْرِعِينَ. ﴿لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ لِلنَّاظِرِينَ. ﴿سُكِّرَتْ﴾ غُشِّيَتْ. ﴿بُرُوجًا﴾ مَنَازِلَ لِلشَّمْسِ وَالْقَمَرِ. ﴿لَوَاقِحَ﴾ مَلَاقِحَ مُلْقَحَةً. حَمَأ: جَمَاعَةُ حَمْأَةٍ وَهُوَ الطِّينُ الْمُتَغَيِّرُ. وَالْمَسْنُونُ: الْمَصْبُوبُ. ﴿تَوْجَلْ﴾ تَخَفْ. ﴿دَابِرَ﴾ آخِرَ. ﴿لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ﴾ الْإِمَامُ كُلُّ مَا ائْتَمَمْتَ وَاهْتَدَيْتَ بِهِ. ﴿الصَّيْحَةُ﴾ الْهَلَكَةُ.

قَوْلُهُ: (تَفْسِير سُورَةِ الْحِجْرِ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، عَنِ الْمُسْتَمْلِي، وَلَهُ عَنْ غَيْرِهِ بِدُونِ لَفْظِ تَفْسِيرِ وَسَقَطَتِ الْبَسْمَلَةُ لِلْبَاقِينَ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ ﴿صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ الْحَقُّ يَرْجِعُ إِلَى اللَّهِ وَعَلَيْهِ طَرِيقُهُ) وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طُرُقٍ عَنْهُ مِثْلَهُ وَزَادَ لَا يَعْرِضُ عَلَيَّ شَيْءٌ وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ وَغَيْرِهِمَا أَنَّهُمْ قَرَءُوا عَلَيَّ بِالتَّنْوِينِ عَلَى أَنَّهُ صِفَةٌ لِلصِّرَاطِ أَيْ رَفِيعٌ. قُلْتُ: وَهِيَ قِرَاءَةُ يَعْقُوبَ.

قَوْلُهُ: ﴿لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ﴾ عَلَى الطَّرِيقِ) وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طُرُقٍ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ﴾ قَالَ: بِطَرِيقٍ مُعَلَّمٍ. وَمِنْ رِوَايَةِ سَعِيدِ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ. طَرِيقٌ وَاضِحٌ، وَسَيَأْتِي لَهُ تَفْسِيرٌ آخَرُ.

(تَنْبِيهٌ):

سَقَطَ هَذَا وَالَّذِي قَبْلَهُ لِأَبِي ذَرٍّ إِلَّا عَنِ الْمُسْتَمْلِي.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿لَعَمْرُكَ﴾ لَعَيْشُكَ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.

قَوْلُهُ: ﴿قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ أَنْكَرَهُمْ لُوطٌ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا مِنَ الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ.

(تَنْبِيهٌ): سَقَطَ هَذَا وَالَّذِي قَبْلَهُ لِأَبِي ذَرٍّ

قَوْلُهُ: ﴿كِتَابٌ مَعْلُومٌ﴾ أَجَلٌ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ فَأَوْهَمَ أَنَّهُ مِنْ تَفْسِيرِ مُجَاهِدٍ، وَلِغَيْرِهِ: وَقَالَ غَيْرُهُ كِتَابٌ مَعْلُومٌ أَجَلٌ، وَهُوَ تَفْسِيرُ أَبِي عُبَيْدَةَ قَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِلا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ﴾ أَيْ أَجَلٌ وَمُدَّةٌ، مَعْلُومٌ أَيْ مُؤَقَّتٌ.

قَوْلُهُ: (لَوْمَا هَلَّا تَأْتِينَا) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿مَا تَأْتِينَا﴾ مَجَازُهَا هَلَّا تَأْتِينَا.

قَوْلُهُ: (شِيَعٌ أُمَمٌ وَالْأَوْلِيَاءُ أَيْضًا شِيَعٌ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿شِيَعِ الأَوَّلِينَ﴾ أَيْ أُمَمُ الْأَوَّلِينَ وَاحِدَتُهَا شِيعَةٌ، وَالْأَوْلِيَاءُ أَيْضًا شِيَعٌ أَيْ يُقَالُ لَهُمْ شِيَعٌ. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الأَوَّلِينَ﴾ يَقُولُ: أُمَمُ الْأَوَّلِينَ. قَالَ الطَّبَرِيُّ. وَقَالَ لِأَوْلِيَاءِ الرَّجُلِ أَيْضًا شِيعَةٌ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﴿يُهْرَعُونَ﴾ مُسْرِعِينَ) كَذَا أَوْرَدَهَا هُنَا، وَلَيْسَتْ مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ وَإِنَّمَا هِيَ فِي سُورَةِ هُودٍ، وَقَدْ وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.

قَوْلُهُ: ﴿لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ لِلنَّاظِرِينَ) تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي قِصَّةِ لُوطٍ مِنْ أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ.

(تَنْبِيهٌ): سَقَطَ هَذَا وَالَّذِي قَبْلَهُ لِأَبِي ذَرٍّ أَيْضًا.

قَوْلُهُ: (سُكِّرَتْ غُشِّيَتْ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ فَأَوْهَمَ أَنَّهُ مِنْ تَفْسِيرِ مُجَاهِدٍ، وَغَيْرِهِ يُوهِمُ أَنَّهُ مِنْ تَفْسِيرِ ابْنِ عَبَّاسٍ، لَكِنَّهُ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَهُوَ بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ مُعْجَمَةٍ (١) وَذَكَرَ الطَّبَرِيُّ، عَنْ أَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: هُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ سُكْرِ الشَّرَابِ، قَالَ: وَمَعْنَاهُ غَشِيَ أَبْصَارَنَا

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

التَّاءين (قَالَ) أي: ابن عمر: قلت: (لَمْ أَرَكُمْ تَكَلَّمُونَ) بحذف إحدى التَّاءين أيضًا (فَكَرِهْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ، أَوْ أَقُولَ شَيْئًا، قَالَ عُمَرُ: لأَنْ تَكُونَ قُلْتَهَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كَذَا وَكَذَا) أي: «من حمر النَّعَم» كما في الرِّواية الأخرى، وقد وضَّح أنَّ المراد بالشَّجرة في الآية النَّخلةُ، لا شجرة الجوز الهنديِّ، نعم أخرج ابن مردويه من حديث ابن عبَّاسٍ بإسنادٍ ضعيفٍ في الآية قال: «هي شجرة جوز الهند، لا تتعطَّل من ثمرةٍ، تحمل كلَّ شهرٍ». انتهى. ونفْع النَّخلة موجودٌ في جميع أجزائها، مستمرٌّ في جميع أحوالها، فمِن حينِ تطلع إلى حين تيبس تُؤكَل أنواعًا، ثمَّ يُنتفَع بجميع أجزائها حتَّى النَّوى في علف الإبل والليف في الحبال وغير ذلك ممَّا لا يخفى.

وقد سبق هذا الحديث في «كتاب العلم» [خ¦١٣١].

(٢) هذا (بابٌ) -بالتَّنوين- في قوله تعالى: (﴿يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [إبراهيم: ٢٧]) كلمة التَّوحيد: لا إله إلَّا الله؛ لأنَّها رسخت في القلب بالدَّليل، أي: يديمهم الله عليها كما اطمأنَّت إليها نفوسهم في الدُّنيا، والجمهور على أنَّها نزلت في سؤال المكلَّفين في القبر، فيلقِّن اللهُ المؤمنَ كلمة الحقِّ عند السُّؤال، فلا يَزِلُّ، وسقط «بابٌ» لغير أبي ذَرٍّ.

٤٦٩٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ) هشام بن عبد الملك الطَّيالسيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَلْقَمَةُ بْنُ مَرْثَدٍ) بفتح الميم والمثلَّثة بينهما راءٌ ساكنةٌ، الحضرميُّ، أبو الحارث الكوفيُّ (قَالَ: سَمِعْتُ سَعْدَ بْنَ عُبَيْدَةَ) بسكون عين «سعْد» وضمِّها في «عُبيدة» مصغَّرًا غير مضافٍ (عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رضي الله تعالى عنه: أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: المُسْلِمُ إِذَا سُئِلَ فِي القَبْرِ) أي: بعد إعادة روحه إلى جسده عن ربِّه ودينه ونبيِّه (يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ) ﷿: (﴿يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾) الَّذي ثبت بالحجَّة عندهم (﴿فِي الْحَيَاةِ

الدُّنْيَا﴾) قبل الموت (١)، كما ثبَّت (٢) الَّذين فتنهم أصحابُ الأخدود، والَّذين نُشِروا بالمناشير (﴿وَفِي الآخِرَةِ﴾) في القبر بعد إعادة روحه في جسده وسؤال الملكَين له، وإنَّما حصل لهم الثَّبات في القبر بسبب مواظبتهم في الدُّنيا على هذا القول، ولا يخفى أنَّ كلَّ شيءٍ كانت المواظبة عليه أكثر؛ كان رسوخه في القلب أتمَّ، ثبَّتنا الله بالقول الثَّابت في الحياة الدُّنيا وفي (٣) الآخرة بمنِّه وكرمه، وقيل: ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ في القبر عند السُّؤال ﴿وَفِي الآخِرَةِ﴾ عند البعث إذا سُئِلوا عن معتقدهم في الموقف، فلا يتلعثمون ولا تدهشهم أهوال القيامة.

وهذا الحديث قد سبق في «باب ما جاء في عذاب القبر» من «الجنائز» [خ¦١٣٦٩].

(٣) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، وهو ساقطٌ لغير أبي ذَرٍّ، في قوله تعالى: (﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ اللّهِ كُفْرًا﴾ [إبراهيم: ٢٨]) قال أبو عبيدة: (أَلَمْ تَعْلَمْ) ولأبي ذَرٍّ: «ألم تر (٤)» (كَقَوْلِهِ) تعالى: (﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ﴾ ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ﴾ [البقرة: ٢٤٣]) إذ الرُّؤية بالأبصار غير حاصلةٍ، إمَّا لتعذُّرها (٥) أو لتعسُّرها (٦) عادةً، وفي الآية حذف مضافٍ، أي: غيَّروا شكر نعمة الله كفرًا بأن وضعوه مكانه، وقولُ صاحب «الأنوار» -كالكشَّاف-: «أو بدَّلوا نَفْسَ النِّعمة كفرًا، فإنَّهم لمَّا كفروها؛ سُلِبت منهم، فصاروا تاركين لها محصِّلين الكفر بدلها» تُعُقِّب بأنَّه ليس بقويٍّ؛ لأنَّه يقتضي حدوث الكفر حينئذٍ، وهم قد كانوا كفَّارًا من قبل، وهذا ظاهرٌ لا خفاءَ فيه.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

فَهُوَ من حَيْثُ إِنَّه لَا يتعطل من ثمره. على مَا رَوَاهُ ابْن مرْدَوَيْه من حَدِيث فَرْوَة بن السَّائِب عَن مَيْمُون بن مهْرَان عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله: {تُؤْتى أكلهَا كل حِين} (إِبْرَاهِيم: ٥٢) قَالَ: هِيَ شجر جوز الْهِنْد لَا يتعطل من ثمره، وَتحمل فِي كل شهر. وَرُوِيَ عَن عَليّ ابْن أبي طَالب رَضِي الله عَنهُ، أَيْضا، قَالَ السُّهيْلي: وَلَا يَصح وَكَذَلِكَ الْمُؤمن الَّذِي هُوَ صَاحب كلمة الشَّهَادَة لَا يتعطل من عمله الصَّالح. قَوْله: (أَصْلهَا ثَابت) ، أَي: فِي الأَرْض، (وفرعها فِي السَّمَاء) يَعْنِي: فِي الْعُلُوّ فَإِذا كَانَ أَصْلهَا ثَابتا أَمن الِانْقِطَاع لِأَن الطّيب إِذا كَانَ فِي معرض الانقراض حصل بِسَبَب فنائه وزواله الْحزن، فَإِذا علم أَنه باقٍ عظم الْفَرح بوجدانه، وَإِذا كَانَ فرعها فِي السَّمَاء دلّ على كمالها من وَجْهَيْن الأول: ارْتِفَاع أَغْصَانهَا وقوتها وتصعدها يدل على ثُبُوت أَصْلهَا ورسوخ عروقها. الثَّانِي: إِذا كَانَت مُرْتَفعَة كَانَت بعيدَة عَن عفونات الأَرْض، فَكَانَت ثَمَرَتهَا نقية طَاهِرَة من جَمِيع الشوائب. قَوْله: (تُؤْتى) أَي: تُعْطِي (أكلهَا) أَي: ثَمَرهَا (كل حِين) اخْتلفُوا فِيهِ، فَقَالَ مُجَاهِد وَعِكْرِمَة وَابْن زيد: كل سنة، وَعَن ابْن عَبَّاس: الْحِين حينان: حِين يعرف وَيدْرك، وَحين لَا يعرف فَالْأول: قَوْله: {ولتعلمن نبأه بعد حِين} وَالثَّانِي قَوْله {تُؤْتى أكلهَا كل حِين} (ص: ٨٨) فَهُوَ مَا بَين الْعَام إِلَى الْعَام الْمقبل، وَقَالَ سعيد بن جُبَير وَقَتَادَة: الْحِين كل سِتَّة أشهر مَا بَين صرامها إِلَى حملهَا، وَقَالَ الرّبيع بن أنس: كل حِين كل غدْوَة وَعَشِيَّة كَذَلِك يصعد عمل الْمُؤمن أول النَّهَار وَآخره، وَهِي رِوَايَة عَن ابْن عَبَّاس أَيْضا، وَقَالَ الضَّحَّاك: الْحِين سَاعَة لَيْلًا وَنَهَارًا صيفاً وشتاءً يُؤْكَل فِي جَمِيع الْأَوْقَات، كَذَلِك الْمُؤمن لَا يَخْلُو من الْخَيْر فِي الْأَوْقَات كلهَا. فَإِن قلت: قد بيّنت وَجه التَّشْبِيه بَين الْكَلِمَة الطّيبَة والشجرة الطّيبَة، فَمَا الْحِكْمَة بالتمثيل بِالشَّجَرَةِ؟ قلت: لِأَن الشَّجَرَة لَا تكون شَجَرَة إِلَّا بِثَلَاثَة أَشْيَاء: عرق راسخ، وأصل قَائِم، وَفرع عَال، فَكَذَلِك الْإِيمَان لَا يقوم وَلَا يُثمر إِلَّا بِثَلَاثَة أَشْيَاء: تَصْدِيق بِالْقَلْبِ، وَقَول بِاللِّسَانِ، وَعمل بالأبدان.

٨٩٦٤ - حدَّثني عُبَيْدُ بنُ إسْماعِيلَ عنْ أبي أُسامَةَ عَنْ عُبَيْدِ الله عنْ نافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله عَنْهُمَا قَالَ كُنّا عِنْدَ رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ أخبرُوني بِشَجَرَةٍ تُشْبِهُ أوْ كالرَّجُلِ المُسْلِمِ لَا يَتحاتُّ ورَقُها ولَا ولَا ولَا {تُؤْتِي أكُلَها كلَّ حِينٍ} قالَ ابنُ عُمَرَ فَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ ورَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ وعُمَرَ لَا يَتَكَلّمانِ فكَرِهْتُ أنْ أتَكَلَّمَ فَلَمَّا لَمْ يَقُولُوا شَيْئاً قَالَ رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هِيَ النَّخْلَةُ فَلَمّا قُمْنا قُلْتُ لِعُمَرَ يَا أبَتاهُ وَالله لَقَدْ كانَ وَقَعَ فِي نَفْسِي أنّها النّخْلَةُ فَقَالَ مَا مَنَعَكَ أنْ تَكَلَّمَ قَالَ لمْ أرَكُمْ تَكَلّمُون فكَرِهْتُ أنْ أتَكَلّمَ أوْ أقُولَ شَيْئاً قَالَ عُمَرُ لأنْ تكونَ قُلْتَها أحَبُّ إلَيَّ مِنْ كَذا وكَذا..

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن الشَّجَرَة الطّيبَة هِيَ النَّخْلَة على قَول الْجُمْهُور. وَأَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة، وَعبيد الله ابْن عمر الْعمريّ.

والْحَدِيث قد مر فِي كتاب الْعلم فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع، وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.

قَوْله: (تشبه، أَو كَالرّجلِ الْمُسلم) ، شكّ من أحد الروَاة، وَمَعْنَاهُ: تشبه الرجل الْمُسلم، أَو قَالَ: كَالرّجلِ الْمُسلم. قَوْله: (وَلَا يتحات) ، من بَاب التفاعل أَي: لَا يَتَنَاثَر. قَوْله: (وَلَا وَلَا وَلَا) ، ثَلَاث مَرَّات أَشَارَ بهَا إِلَى ثَلَاث صِفَات أخر للنخلة وَلم يذكرهَا الرَّاوِي، وَاكْتفى بِذكر كلمة: لَا، ثَلَاث مَرَّات، وَقَوله: (تُؤْتى أكلهَا كل حِين) صفة خَامِسَة لَهَا، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ عَن قريب. قَوْله: (النَّخْلَة) بِالرَّفْع لِأَنَّهُ خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: هِيَ النَّخْلَة. قَوْله: (إِن تكلم) ، بِنصب الْمِيم لِأَن أَصله: أَن تَتَكَلَّم، فحذفت إِحْدَى التَّاءَيْنِ تَخْفِيفًا. قَوْله: (من كَذَا وَكَذَا) أَي: من حمر النعم، كَمَا فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى.

٢ - (بابٌ: {يُثَبِّتُ الله الَّذِينَ آمنُوا بالْقَوْلِ الثّابِتِ} (إِبْرَاهِيم: ٧٢)

أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله عز وَجل: {يثبت الله} أَي: يُحَقّق الله إِيمَانهم وأعمالهم (بالْقَوْل الثَّابِت) وَهُوَ شَهَادَة لَا إِلَه إِلَّا الله. قَوْله: {فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا} يَعْنِي: فِي الْقَبْر عِنْد السُّؤَال: (وَفِي الْآخِرَة) إِذا بعث.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

بَابُ قَوْلِهِ ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ.

قَوْلُهُ: (تُشْبِهُ أَوْ كَالرَّجُلِ الْمُسْلِمِ) شَكٌّ مِنْ أَحَدِ رُوَاتِهِ، وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنَ الطَّرِيقِ الَّتِي أَخْرَجَهَا مِنْهَا الْبُخَارِيُّ بِلَفْظِ تُشْبِهُ الرَّجُلَ الْمُسْلِمَ وَلَمْ يَشُكَّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ الْحَدِيثِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْعِلْمِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ هُنَاكَ الْبَيَانُ الْوَاضِحُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالشَّجَرَةِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ النَّخْلَةُ، وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا شَجَرَةُ الْجَوْزِ الْهِنْدِيِّ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾ قَالَ: هِيَ شَجَرَةُ جَوْزِ الْهِنْدِ لَا تَتَعَطَّلُ مِنْ ثَمَرَةٍ تَحْمِلُ كُلَّ شَهْرٍ، وَمَعْنَى قَوْلُهُ: (طَيِّبَةٌ) أَيْ لَذِيذَةُ الثَّمَرِ أَوْ حَسَنَةُ الشَّكْلِ أَوْ نَافِعَةٌ، فَتَكُونُ طَيِّبَةٌ بِمَا يَئُولُ إِلَيْهِ نَفْعُهَا. وَقَوْلُهُ: ﴿أَصْلُهَا ثَابِتٌ﴾ أَيْ لَا يَنْقَطِعُ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ أَيْ هِيَ نِهَايَةٌ فِي الْكَمَالِ، لِأَنَّهَا إِذَا كَانَتْ مُرْتَفِعَةٌ بَعُدَتْ عَنْ عُفُونَاتِ الْأَرْضِ. وَلِلْحَاكِمِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ الشَّجَرَةُ الطَّيِّبَةُ النَّخْلَةُ وَالشَّجَرَةُ الْخَبِيثَةُ الْحَنْظَلَةُ.

٢ - بَاب ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾

٤٦٩٩ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَلْقَمَةُ بْنُ مَرْثَدٍ قَالَ: سَمِعْتُ سَعْدَ بْنَ عُبَيْدَةَ، عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: الْمُسْلِمُ إِذَا سُئِلَ فِي الْقَبْرِ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾

قَوْلُهُ بَابُ ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ الْبَرَاءِ مُخْتَصَرًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْجَنَائِزِ أَتَمَّ سِيَاقًا وَاسْتَوْفَيْتُ شَرْحَهُ فِي ذَلِكَ الْبَابِ.

٣ - بَاب ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ أَلَمْ تَرَ: أَلَمْ تَعْلَمْ

كَقَوْلِهِ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا﴾، ﴿الْبَوَارِ﴾ الْهَلَاكُ، بَارَ يَبُورُ بورا. ﴿قَوْمًا بُورًا﴾ هَالِكِينَ.

٤٧٠٠ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ عَطَاءٍ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ قَالَ: هُمْ كُفَّارُ أَهْلِ مَكَّةَ.

قَوْلُهُ: (بَابُ ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ أَلَمْ تَرَ: أَلَمْ تَعْلَمْ، كَقَوْلِهِ ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا﴾ زَادَ غَيْرُ أَبِي ذَرٍّ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ وَهَذَا قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ بِلَفْظِهِ.

قَوْلُهُ: (الْبَوَارُ الْهَلَاكُ، بَارَ يَبُورُ بَوْرًا، قَوْمًا بُورًا: هَالِكِينَ) هُوَ كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ. ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيمَنْ نَزَلَتْ فِيهِ الْآيَةُ مُخْتَصَرًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ مُسْتَوْفًى مَعَ شَرْحِهِ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ أُخْرَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سَأَلَ عُمَرَ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ فَقَالَ: مَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمُ الْأَفْجَرَانِ مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ وَبَنِي أُمَيَّةَ أَخْوَالِي وَأَعْمَامِكِ، فَأَمَّا أَخْوَالِي فَاسْتَأْصَلَهُمُ اللَّهُ يَوْمَ بَدْرٍ، وَأَمَّا أَعْمَامُكُ فَأَمْلَى اللَّهُ لَهُمْ إِلَى حِينٍ. وَمِنْ طَرِيقِ عَلِيٍّ قَالَ: هُمُ الْأَفْجَرَانِ بَنُو أُمَيَّةَ وَبَنُو الْمُغِيرَةَ، فَأَمَّا بَنُو الْمُغِيرَةَ فَقَطَعَ اللَّهُ دَابِرَهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ، وَأَمَّا بَنُو أُمَيَّةَ فَمُتِّعُوا إِلَى حِينٍ. وَهُوَ عِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ أَيْضًا وَالنَّسَائِيِّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ. قُلْتُ: الْمُرَادُ بَعْضُهُمْ لَا جَمِيعَ بَنِي أُمَيَّةَ، وَبَنِي مَخْزُومٍ لَمْ يُسْتَأْصَلُوا يَوْمَ بَدْرٍ، بَلِ الْمُرَادُ بَعْضُهُمْ كَأَبِي جَهْلٍ مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ وَأَبِي سُفْيَانَ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ.

١٥ - سُورَةُ الْحِجْرِ

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ الْحَقُّ يَرْجِعُ إِلَى اللَّهِ، وَعَلَيْهِ طَرِيقُهُ. ﴿لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ﴾ عَلَى الطَّرِيقِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿لَعَمْرُكَ﴾ لَعَيْشُكَ. ﴿قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ أَنْكَرَهُمْ لُوطٌ. وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿كِتَابٌ مَعْلُومٌ﴾ أَجَلٌ. ﴿لَوْ مَا تَأْتِينَا﴾ هَلَّا تَأْتِينَا. شِيَعٌ: أُمَمٌ، وَلِلْأَوْلِيَاءِ أَيْضًا شِيَعٌ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿يُهْرَعُونَ﴾ مُسْرِعِينَ. ﴿لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ لِلنَّاظِرِينَ. ﴿سُكِّرَتْ﴾ غُشِّيَتْ. ﴿بُرُوجًا﴾ مَنَازِلَ لِلشَّمْسِ وَالْقَمَرِ. ﴿لَوَاقِحَ﴾ مَلَاقِحَ مُلْقَحَةً. حَمَأ: جَمَاعَةُ حَمْأَةٍ وَهُوَ الطِّينُ الْمُتَغَيِّرُ. وَالْمَسْنُونُ: الْمَصْبُوبُ. ﴿تَوْجَلْ﴾ تَخَفْ. ﴿دَابِرَ﴾ آخِرَ. ﴿لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ﴾ الْإِمَامُ كُلُّ مَا ائْتَمَمْتَ وَاهْتَدَيْتَ بِهِ. ﴿الصَّيْحَةُ﴾ الْهَلَكَةُ.

قَوْلُهُ: (تَفْسِير سُورَةِ الْحِجْرِ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، عَنِ الْمُسْتَمْلِي، وَلَهُ عَنْ غَيْرِهِ بِدُونِ لَفْظِ تَفْسِيرِ وَسَقَطَتِ الْبَسْمَلَةُ لِلْبَاقِينَ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ ﴿صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ الْحَقُّ يَرْجِعُ إِلَى اللَّهِ وَعَلَيْهِ طَرِيقُهُ) وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طُرُقٍ عَنْهُ مِثْلَهُ وَزَادَ لَا يَعْرِضُ عَلَيَّ شَيْءٌ وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ وَغَيْرِهِمَا أَنَّهُمْ قَرَءُوا عَلَيَّ بِالتَّنْوِينِ عَلَى أَنَّهُ صِفَةٌ لِلصِّرَاطِ أَيْ رَفِيعٌ. قُلْتُ: وَهِيَ قِرَاءَةُ يَعْقُوبَ.

قَوْلُهُ: ﴿لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ﴾ عَلَى الطَّرِيقِ) وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طُرُقٍ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ﴾ قَالَ: بِطَرِيقٍ مُعَلَّمٍ. وَمِنْ رِوَايَةِ سَعِيدِ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ. طَرِيقٌ وَاضِحٌ، وَسَيَأْتِي لَهُ تَفْسِيرٌ آخَرُ.

(تَنْبِيهٌ):

سَقَطَ هَذَا وَالَّذِي قَبْلَهُ لِأَبِي ذَرٍّ إِلَّا عَنِ الْمُسْتَمْلِي.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿لَعَمْرُكَ﴾ لَعَيْشُكَ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.

قَوْلُهُ: ﴿قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ أَنْكَرَهُمْ لُوطٌ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا مِنَ الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ.

(تَنْبِيهٌ): سَقَطَ هَذَا وَالَّذِي قَبْلَهُ لِأَبِي ذَرٍّ

قَوْلُهُ: ﴿كِتَابٌ مَعْلُومٌ﴾ أَجَلٌ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ فَأَوْهَمَ أَنَّهُ مِنْ تَفْسِيرِ مُجَاهِدٍ، وَلِغَيْرِهِ: وَقَالَ غَيْرُهُ كِتَابٌ مَعْلُومٌ أَجَلٌ، وَهُوَ تَفْسِيرُ أَبِي عُبَيْدَةَ قَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِلا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ﴾ أَيْ أَجَلٌ وَمُدَّةٌ، مَعْلُومٌ أَيْ مُؤَقَّتٌ.

قَوْلُهُ: (لَوْمَا هَلَّا تَأْتِينَا) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿مَا تَأْتِينَا﴾ مَجَازُهَا هَلَّا تَأْتِينَا.

قَوْلُهُ: (شِيَعٌ أُمَمٌ وَالْأَوْلِيَاءُ أَيْضًا شِيَعٌ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿شِيَعِ الأَوَّلِينَ﴾ أَيْ أُمَمُ الْأَوَّلِينَ وَاحِدَتُهَا شِيعَةٌ، وَالْأَوْلِيَاءُ أَيْضًا شِيَعٌ أَيْ يُقَالُ لَهُمْ شِيَعٌ. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الأَوَّلِينَ﴾ يَقُولُ: أُمَمُ الْأَوَّلِينَ. قَالَ الطَّبَرِيُّ. وَقَالَ لِأَوْلِيَاءِ الرَّجُلِ أَيْضًا شِيعَةٌ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﴿يُهْرَعُونَ﴾ مُسْرِعِينَ) كَذَا أَوْرَدَهَا هُنَا، وَلَيْسَتْ مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ وَإِنَّمَا هِيَ فِي سُورَةِ هُودٍ، وَقَدْ وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.

قَوْلُهُ: ﴿لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ لِلنَّاظِرِينَ) تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي قِصَّةِ لُوطٍ مِنْ أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ.

(تَنْبِيهٌ): سَقَطَ هَذَا وَالَّذِي قَبْلَهُ لِأَبِي ذَرٍّ أَيْضًا.

قَوْلُهُ: (سُكِّرَتْ غُشِّيَتْ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ فَأَوْهَمَ أَنَّهُ مِنْ تَفْسِيرِ مُجَاهِدٍ، وَغَيْرِهِ يُوهِمُ أَنَّهُ مِنْ تَفْسِيرِ ابْنِ عَبَّاسٍ، لَكِنَّهُ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَهُوَ بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ مُعْجَمَةٍ (١) وَذَكَرَ الطَّبَرِيُّ، عَنْ أَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: هُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ سُكْرِ الشَّرَابِ، قَالَ: وَمَعْنَاهُ غَشِيَ أَبْصَارَنَا

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

التَّاءين (قَالَ) أي: ابن عمر: قلت: (لَمْ أَرَكُمْ تَكَلَّمُونَ) بحذف إحدى التَّاءين أيضًا (فَكَرِهْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ، أَوْ أَقُولَ شَيْئًا، قَالَ عُمَرُ: لأَنْ تَكُونَ قُلْتَهَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كَذَا وَكَذَا) أي: «من حمر النَّعَم» كما في الرِّواية الأخرى، وقد وضَّح أنَّ المراد بالشَّجرة في الآية النَّخلةُ، لا شجرة الجوز الهنديِّ، نعم أخرج ابن مردويه من حديث ابن عبَّاسٍ بإسنادٍ ضعيفٍ في الآية قال: «هي شجرة جوز الهند، لا تتعطَّل من ثمرةٍ، تحمل كلَّ شهرٍ». انتهى. ونفْع النَّخلة موجودٌ في جميع أجزائها، مستمرٌّ في جميع أحوالها، فمِن حينِ تطلع إلى حين تيبس تُؤكَل أنواعًا، ثمَّ يُنتفَع بجميع أجزائها حتَّى النَّوى في علف الإبل والليف في الحبال وغير ذلك ممَّا لا يخفى.

وقد سبق هذا الحديث في «كتاب العلم» [خ¦١٣١].

(٢) هذا (بابٌ) -بالتَّنوين- في قوله تعالى: (﴿يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [إبراهيم: ٢٧]) كلمة التَّوحيد: لا إله إلَّا الله؛ لأنَّها رسخت في القلب بالدَّليل، أي: يديمهم الله عليها كما اطمأنَّت إليها نفوسهم في الدُّنيا، والجمهور على أنَّها نزلت في سؤال المكلَّفين في القبر، فيلقِّن اللهُ المؤمنَ كلمة الحقِّ عند السُّؤال، فلا يَزِلُّ، وسقط «بابٌ» لغير أبي ذَرٍّ.

٤٦٩٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ) هشام بن عبد الملك الطَّيالسيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَلْقَمَةُ بْنُ مَرْثَدٍ) بفتح الميم والمثلَّثة بينهما راءٌ ساكنةٌ، الحضرميُّ، أبو الحارث الكوفيُّ (قَالَ: سَمِعْتُ سَعْدَ بْنَ عُبَيْدَةَ) بسكون عين «سعْد» وضمِّها في «عُبيدة» مصغَّرًا غير مضافٍ (عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رضي الله تعالى عنه: أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: المُسْلِمُ إِذَا سُئِلَ فِي القَبْرِ) أي: بعد إعادة روحه إلى جسده عن ربِّه ودينه ونبيِّه (يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ) ﷿: (﴿يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾) الَّذي ثبت بالحجَّة عندهم (﴿فِي الْحَيَاةِ

الدُّنْيَا﴾) قبل الموت (١)، كما ثبَّت (٢) الَّذين فتنهم أصحابُ الأخدود، والَّذين نُشِروا بالمناشير (﴿وَفِي الآخِرَةِ﴾) في القبر بعد إعادة روحه في جسده وسؤال الملكَين له، وإنَّما حصل لهم الثَّبات في القبر بسبب مواظبتهم في الدُّنيا على هذا القول، ولا يخفى أنَّ كلَّ شيءٍ كانت المواظبة عليه أكثر؛ كان رسوخه في القلب أتمَّ، ثبَّتنا الله بالقول الثَّابت في الحياة الدُّنيا وفي (٣) الآخرة بمنِّه وكرمه، وقيل: ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ في القبر عند السُّؤال ﴿وَفِي الآخِرَةِ﴾ عند البعث إذا سُئِلوا عن معتقدهم في الموقف، فلا يتلعثمون ولا تدهشهم أهوال القيامة.

وهذا الحديث قد سبق في «باب ما جاء في عذاب القبر» من «الجنائز» [خ¦١٣٦٩].

(٣) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، وهو ساقطٌ لغير أبي ذَرٍّ، في قوله تعالى: (﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ اللّهِ كُفْرًا﴾ [إبراهيم: ٢٨]) قال أبو عبيدة: (أَلَمْ تَعْلَمْ) ولأبي ذَرٍّ: «ألم تر (٤)» (كَقَوْلِهِ) تعالى: (﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ﴾ ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ﴾ [البقرة: ٢٤٣]) إذ الرُّؤية بالأبصار غير حاصلةٍ، إمَّا لتعذُّرها (٥) أو لتعسُّرها (٦) عادةً، وفي الآية حذف مضافٍ، أي: غيَّروا شكر نعمة الله كفرًا بأن وضعوه مكانه، وقولُ صاحب «الأنوار» -كالكشَّاف-: «أو بدَّلوا نَفْسَ النِّعمة كفرًا، فإنَّهم لمَّا كفروها؛ سُلِبت منهم، فصاروا تاركين لها محصِّلين الكفر بدلها» تُعُقِّب بأنَّه ليس بقويٍّ؛ لأنَّه يقتضي حدوث الكفر حينئذٍ، وهم قد كانوا كفَّارًا من قبل، وهذا ظاهرٌ لا خفاءَ فيه.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

فَهُوَ من حَيْثُ إِنَّه لَا يتعطل من ثمره. على مَا رَوَاهُ ابْن مرْدَوَيْه من حَدِيث فَرْوَة بن السَّائِب عَن مَيْمُون بن مهْرَان عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله: {تُؤْتى أكلهَا كل حِين} (إِبْرَاهِيم: ٥٢) قَالَ: هِيَ شجر جوز الْهِنْد لَا يتعطل من ثمره، وَتحمل فِي كل شهر. وَرُوِيَ عَن عَليّ ابْن أبي طَالب رَضِي الله عَنهُ، أَيْضا، قَالَ السُّهيْلي: وَلَا يَصح وَكَذَلِكَ الْمُؤمن الَّذِي هُوَ صَاحب كلمة الشَّهَادَة لَا يتعطل من عمله الصَّالح. قَوْله: (أَصْلهَا ثَابت) ، أَي: فِي الأَرْض، (وفرعها فِي السَّمَاء) يَعْنِي: فِي الْعُلُوّ فَإِذا كَانَ أَصْلهَا ثَابتا أَمن الِانْقِطَاع لِأَن الطّيب إِذا كَانَ فِي معرض الانقراض حصل بِسَبَب فنائه وزواله الْحزن، فَإِذا علم أَنه باقٍ عظم الْفَرح بوجدانه، وَإِذا كَانَ فرعها فِي السَّمَاء دلّ على كمالها من وَجْهَيْن الأول: ارْتِفَاع أَغْصَانهَا وقوتها وتصعدها يدل على ثُبُوت أَصْلهَا ورسوخ عروقها. الثَّانِي: إِذا كَانَت مُرْتَفعَة كَانَت بعيدَة عَن عفونات الأَرْض، فَكَانَت ثَمَرَتهَا نقية طَاهِرَة من جَمِيع الشوائب. قَوْله: (تُؤْتى) أَي: تُعْطِي (أكلهَا) أَي: ثَمَرهَا (كل حِين) اخْتلفُوا فِيهِ، فَقَالَ مُجَاهِد وَعِكْرِمَة وَابْن زيد: كل سنة، وَعَن ابْن عَبَّاس: الْحِين حينان: حِين يعرف وَيدْرك، وَحين لَا يعرف فَالْأول: قَوْله: {ولتعلمن نبأه بعد حِين} وَالثَّانِي قَوْله {تُؤْتى أكلهَا كل حِين} (ص: ٨٨) فَهُوَ مَا بَين الْعَام إِلَى الْعَام الْمقبل، وَقَالَ سعيد بن جُبَير وَقَتَادَة: الْحِين كل سِتَّة أشهر مَا بَين صرامها إِلَى حملهَا، وَقَالَ الرّبيع بن أنس: كل حِين كل غدْوَة وَعَشِيَّة كَذَلِك يصعد عمل الْمُؤمن أول النَّهَار وَآخره، وَهِي رِوَايَة عَن ابْن عَبَّاس أَيْضا، وَقَالَ الضَّحَّاك: الْحِين سَاعَة لَيْلًا وَنَهَارًا صيفاً وشتاءً يُؤْكَل فِي جَمِيع الْأَوْقَات، كَذَلِك الْمُؤمن لَا يَخْلُو من الْخَيْر فِي الْأَوْقَات كلهَا. فَإِن قلت: قد بيّنت وَجه التَّشْبِيه بَين الْكَلِمَة الطّيبَة والشجرة الطّيبَة، فَمَا الْحِكْمَة بالتمثيل بِالشَّجَرَةِ؟ قلت: لِأَن الشَّجَرَة لَا تكون شَجَرَة إِلَّا بِثَلَاثَة أَشْيَاء: عرق راسخ، وأصل قَائِم، وَفرع عَال، فَكَذَلِك الْإِيمَان لَا يقوم وَلَا يُثمر إِلَّا بِثَلَاثَة أَشْيَاء: تَصْدِيق بِالْقَلْبِ، وَقَول بِاللِّسَانِ، وَعمل بالأبدان.

٨٩٦٤ - حدَّثني عُبَيْدُ بنُ إسْماعِيلَ عنْ أبي أُسامَةَ عَنْ عُبَيْدِ الله عنْ نافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله عَنْهُمَا قَالَ كُنّا عِنْدَ رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ أخبرُوني بِشَجَرَةٍ تُشْبِهُ أوْ كالرَّجُلِ المُسْلِمِ لَا يَتحاتُّ ورَقُها ولَا ولَا ولَا {تُؤْتِي أكُلَها كلَّ حِينٍ} قالَ ابنُ عُمَرَ فَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ ورَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ وعُمَرَ لَا يَتَكَلّمانِ فكَرِهْتُ أنْ أتَكَلَّمَ فَلَمَّا لَمْ يَقُولُوا شَيْئاً قَالَ رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هِيَ النَّخْلَةُ فَلَمّا قُمْنا قُلْتُ لِعُمَرَ يَا أبَتاهُ وَالله لَقَدْ كانَ وَقَعَ فِي نَفْسِي أنّها النّخْلَةُ فَقَالَ مَا مَنَعَكَ أنْ تَكَلَّمَ قَالَ لمْ أرَكُمْ تَكَلّمُون فكَرِهْتُ أنْ أتَكَلّمَ أوْ أقُولَ شَيْئاً قَالَ عُمَرُ لأنْ تكونَ قُلْتَها أحَبُّ إلَيَّ مِنْ كَذا وكَذا..

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن الشَّجَرَة الطّيبَة هِيَ النَّخْلَة على قَول الْجُمْهُور. وَأَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة، وَعبيد الله ابْن عمر الْعمريّ.

والْحَدِيث قد مر فِي كتاب الْعلم فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع، وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.

قَوْله: (تشبه، أَو كَالرّجلِ الْمُسلم) ، شكّ من أحد الروَاة، وَمَعْنَاهُ: تشبه الرجل الْمُسلم، أَو قَالَ: كَالرّجلِ الْمُسلم. قَوْله: (وَلَا يتحات) ، من بَاب التفاعل أَي: لَا يَتَنَاثَر. قَوْله: (وَلَا وَلَا وَلَا) ، ثَلَاث مَرَّات أَشَارَ بهَا إِلَى ثَلَاث صِفَات أخر للنخلة وَلم يذكرهَا الرَّاوِي، وَاكْتفى بِذكر كلمة: لَا، ثَلَاث مَرَّات، وَقَوله: (تُؤْتى أكلهَا كل حِين) صفة خَامِسَة لَهَا، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ عَن قريب. قَوْله: (النَّخْلَة) بِالرَّفْع لِأَنَّهُ خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: هِيَ النَّخْلَة. قَوْله: (إِن تكلم) ، بِنصب الْمِيم لِأَن أَصله: أَن تَتَكَلَّم، فحذفت إِحْدَى التَّاءَيْنِ تَخْفِيفًا. قَوْله: (من كَذَا وَكَذَا) أَي: من حمر النعم، كَمَا فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى.

٢ - (بابٌ: {يُثَبِّتُ الله الَّذِينَ آمنُوا بالْقَوْلِ الثّابِتِ} (إِبْرَاهِيم: ٧٢)

أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله عز وَجل: {يثبت الله} أَي: يُحَقّق الله إِيمَانهم وأعمالهم (بالْقَوْل الثَّابِت) وَهُوَ شَهَادَة لَا إِلَه إِلَّا الله. قَوْله: {فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا} يَعْنِي: فِي الْقَبْر عِنْد السُّؤَال: (وَفِي الْآخِرَة) إِذا بعث.

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 19 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 20.4 / 29.5
الإضاءة 68%
الهلال الجديد بعد 9 يوم
سبحان الله