(وَكَانَ أَمَامَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صَالِحَةٍ غَصْبًا)…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٧٢٥

الحديث رقم ٤٧٢٥ من كتاب «سورة الكهف» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب وإذ قال موسى لفتاه لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضي حقبا زمانا وجمعه أحقاب.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٤٧٢٥ في صحيح البخاري

(وَكَانَ أَمَامَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صَالِحَةٍ غَصْبًا). وَكَانَ يَقْرَأُ: (وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ كَافِرًا وَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ)

﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرْبًا﴾ مَذْهَبًا يَسْرُبُ يَسْلُكُ، وَمِنْهُ ﴿وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾.

إسناد حديث البخاري رقم ٤٧٢٥

٤٧٢٥ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ قَالَ: «قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ نَوْفًا البِكَالِيَّ يَزْعُمُ أَنَّ مُوسَى صَاحِبَ الْخَضِرِ لَيْسَ هُوَ مُوسَى صَاحِبَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَذَبَ عَدُوُّ اللهِ، حَدَّثَنِي أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ يَقُولُ: إِنَّ مُوسَى قَامَ خَطِيبًا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَسُئِلَ: أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ؟ فَقَالَ: أَنَا، فَعَتَبَ اللهُ عَلَيْهِ إِذْ لَمْ يَرُدَّ الْعِلْمَ إِلَيْهِ، فَأَوْحَى اللهُ إِلَيْهِ: إِنَّ لِي عَبْدًا بِمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ، قَالَ مُوسَى: يَا رَبِّ فَكَيْفَ لِي بِهِ؟ قَالَ: تَأْخُذُ مَعَكَ حُوتًا فَتَجْعَلُهُ فِي مِكْتَلٍ، فَحَيْثُمَا فَقَدْتَ الْحُوتَ فَهْوَ ثَمَّ، فَأَخَذَ حُوتًا فَجَعَلَهُ فِي مِكْتَلٍ، ثُمَّ انْطَلَقَ وَانْطَلَقَ مَعَهُ بِفَتَاهُ يُوشَعَ بْنِ نُونٍ، حَتَّى إِذَا أَتَيَا الصَّخْرَةَ وَضَعَا رُؤُوسَهُمَا فَنَامَا، وَاضْطَرَبَ الْحُوتُ فِي الْمِكْتَلِ فَخَرَجَ مِنْهُ فَسَقَطَ فِي الْبَحْرِ، ﴿فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا﴾، وَأَمْسَكَ اللهُ عَنِ الْحُوتِ جِرْيَةَ الْمَاءِ فَصَارَ عَلَيْهِ مِثْلَ الطَّاقِ، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ نَسِيَ صَاحِبُهُ أَنْ يُخْبِرَهُ بِالْحُوتِ، فَانْطَلَقَا بَقِيَّةَ يَوْمِهِمَا وَلَيْلَتَهُمَا، حَتَّى إِذَا كَانَ مِنَ الْغَدِ قَالَ مُوسَى ﴿لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ قَالَ: وَلَمْ يَجِدْ مُوسَى النَّصَبَ حَتَّى جَاوَزَ الْمَكَانَ الَّذِي أَمَرَ اللهُ بِهِ، فَقَالَ لَهُ فَتَاهُ: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهِ إِلا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا﴾ قَالَ: فَكَانَ لِلْحُوتِ سَرَبًا، وَلِمُوسَى وَلِفَتَاهُ عَجَبًا، فَقَالَ مُوسَى: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِي فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ قَالَ: رَجَعَا يَقُصَّانِ آثَارَهُمَا حَتَّى

⦗٨٩⦘

انْتَهَيَا إِلَى الصَّخْرَةِ، فَإِذَا رَجُلٌ مُسَجًّى ثَوْبًا، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ مُوسَى، فَقَالَ الْخَضِرُ: وَأَنَّى بِأَرْضِكَ السَّلَامُ، قَالَ: أَنَا مُوسَى، قَالَ: مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ؟ قَالَ: نَعَمْ، أَتَيْتُكَ لِتُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رَشَدًا، قَالَ: ﴿إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ يَا مُوسَى إِنِّي عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللهِ عَلَّمَنِيهِ لَا تَعْلَمُهُ أَنْتَ، وَأَنْتَ عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللهِ عَلَّمَكَ اللهُ لَا أَعْلَمُهُ، فَقَالَ مُوسَى: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ صَابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾، فَقَالَ لَهُ الْخَضِرُ: ﴿فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ فَانْطَلَقَا يَمْشِيَانِ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ، فَمَرَّتْ سَفِينَةٌ فَكَلَّمُوهُمْ أَنْ يَحْمِلُوهُمْ، فَعَرَفُوا الْخَضِرَ فَحَمَلُوهُ بِغَيْرِ نَوْلٍ، فَلَمَّا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ، لَمْ يَفْجَأْ إِلَّا وَالْخَضِرُ قَدْ قَلَعَ لَوْحًا مِنْ أَلْوَاحِ السَّفِينَةِ بِالْقَدُومِ، فَقَالَ لَهُ مُوسَى: قَوْمٌ حَمَلُونَا بِغَيْرِ نَوْلٍ عَمَدْتَ إِلَى سَفِينَتِهِمْ فَخَرَقْتَهَا ﴿لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا * قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا * قَالَ لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾ قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ : وَكَانَتِ الْأُولَى مِنْ مُوسَى نِسْيَانًا، قَالَ: وَجَاءَ عُصْفُورٌ فَوَقَعَ عَلَى حَرْفِ السَّفِينَةِ، فَنَقَرَ فِي الْبَحْرِ نَقْرَةً، فَقَالَ لَهُ الْخَضِرُ: مَا عِلْمِي وَعِلْمُكَ مِنْ عِلْمِ اللهِ، إِلَّا مِثْلُ مَا نَقَصَ هَذَا الْعُصْفُورُ مِنْ هَذَا الْبَحْرِ، ثُمَّ خَرَجَا مِنَ السَّفِينَةِ، فَبَيْنَا هُمَا يَمْشِيَانِ عَلَى السَّاحِلِ، إِذْ أَبْصَرَ الْخَضِرُ غُلَامًا يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ، فَأَخَذَ الْخَضِرُ رَأْسَهُ بِيَدِهِ فَاقْتَلَعَهُ بِيَدِهِ فَقَتَلَهُ، فَقَالَ لَهُ مُوسَى: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَاكِيَةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا * قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ قَالَ: وَهَذَا أَشَدُّ مِنَ الْأُولَى، ﴿قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا * فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ قَالَ: مَائِلٌ، فَقَامَ الْخَضِرُ فَأَقَامَهُ بِيَدِهِ، فَقَالَ مُوسَى: قَوْمٌ أَتَيْنَاهُمْ فَلَمْ يُطْعِمُونَا وَلَمْ يُضَيِّفُونَا، ﴿لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا * قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ : وَدِدْنَا أَنَّ مُوسَى كَانَ صَبَرَ حَتَّى يَقُصَّ اللهُ عَلَيْنَا مِنْ خَبَرِهِمَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: فَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقْرَأُ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٤٧٢٥: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

(لِيُدْحِضُوا لِيُزِيلُوا، الدَّحْضُ الزَّلَقُ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾ أَيْ لِيُزِيلُوا، يُقَالُ: مَكَانٌ دَحَضٌ أَيْ مُزِلٌّ مُزْلِقٌ لَا يَثْبُتُ فِيهِ خُفٌّ وَلَا حَافِرٌ.

٢ - بَاب ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾ زَمَانًا وَجَمْعُهُ أَحْقَابٌ

٤٧٢٥ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ نَوْفًا الْبِكَالِيَّ يَزْعُمُ أَنَّ مُوسَى صَاحِبَ الْخَضِرِ لَيْسَ هُوَ مُوسَى صَاحِبَ بَنِي إِسْرَائِيلَ. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَذَبَ عَدُوُّ اللَّهِ، حَدَّثَنِي أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: إِنَّ مُوسَى قَامَ خَطِيبًا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَسُئِلَ: أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ؟ فَقَالَ: أَنَا. فَعَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ؛ إِذْ لَمْ يَرُدَّ الْعِلْمَ إِلَيْهِ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: إِنَّ لِي عَبْدًا بِمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ. قَالَ مُوسَى: يَا رَبِّ، فَكَيْفَ لِي بِهِ؟ قَالَ: تَأْخُذُ مَعَكَ حُوتًا، فَتَجْعَلُهُ فِي مِكْتَلٍ، فَحَيْثُمَا فَقَدْتَ الْحُوتَ فَهُوَ ثَمَّ.

فَأَخَذَ حُوتًا، فَجَعَلَهُ فِي مِكْتَلٍ، ثُمَّ انْطَلَقَ وَانْطَلَقَ مَعَهُ بِفَتَاهُ يُوشَعَ بْنِ نُونٍ، حَتَّى إِذَا أَتَيَا الصَّخْرَةَ وَضَعَا رُءُوسَهُمَا فَنَامَا، وَاضْطَرَبَ الْحُوتُ فِي الْمِكْتَلِ، فَخَرَجَ مِنْهُ، فَسَقَطَ فِي الْبَحْرِ، ﴿فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا﴾ وَأَمْسَكَ اللَّهُ عَنْ الْحُوتِ جِرْيَةَ الْمَاءِ، فَصَارَ عَلَيْهِ مِثْلَ الطَّاقِ، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ نَسِيَ صَاحِبُهُ أَنْ يُخْبِرَهُ بِالْحُوتِ، فَانْطَلَقَا بَقِيَّةَ يَوْمِهِمَا وَلَيْلَتَهُمَا، حَتَّى إِذَا كَانَ مِنْ الْغَدِ، قَالَ مُوسَى ﴿لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ قَالَ: وَلَمْ يَجِدْ مُوسَى النَّصَبَ حَتَّى جَاوَزَا الْمَكَانَ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ بِهِ، فَقَالَ لَهُ فَتَاهُ: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا﴾ قَالَ: فَكَانَ لِلْحُوتِ سَرَبًا، وَلِمُوسَى وَلِفَتَاهُ عَجَبًا. فَقَالَ مُوسَى: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ قَالَ: رَجَعَا يَقُصَّانِ آثَارَهُمَا حَتَّى انْتَهَيَا إِلَى الصَّخْرَةِ، فَإِذَا رَجُلٌ مُسَجًّى ثَوْبًا، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ مُوسَى، فَقَالَ الْخَضِرُ: وَأَنَّى بِأَرْضِكَ السَّلَامُ؟ قَالَ: أَنَا مُوسَى. قَالَ: مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ؟ قَالَ: نَعَمْ، أَتَيْتُكَ لِتُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رَشَدًا. قَالَ: ﴿إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ يَا مُوسَى إِنِّي عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ عَلَّمَنِيهِ لَا تَعْلَمُهُ أَنْتَ، وَأَنْتَ عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ عَلَّمَكَ اللَّهُ لَا أَعْلَمُهُ.

فَقَالَ مُوسَى: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ فَقَالَ لَهُ الْخَضِرُ: ﴿فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ فَانْطَلَقَا يَمْشِيَانِ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ، فَمَرَّتْ سَفِينَةٌ، فَكَلَّمُوهُمْ أَنْ يَحْمِلُوهُمْ، فَعَرَفُوا الْخَضِرَ فَحَمَلُوهُ بِغَيْرِ نَوْلٍ. فَلَمَّا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ، لَمْ يَفْجَأْ إِلَّا وَالْخَضِرُ قَدْ قَلَعَ لَوْحًا مِنْ أَلْوَاحِ السَّفِينَةِ بِالْقَدُومِ، فَقَالَ لَهُ مُوسَى: قَوْمٌ حَمَلُونَا بِغَيْرِ نَوْلٍ، عَمَدْتَ إِلَى سَفِينَتِهِمْ فَخَرَقْتَهَا ﴿لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا؟ ﴿قَالَ لا تُؤَاخِذْنِي

بِمَا نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾ قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : وَكَانَتْ الْأُولَى مِنْ مُوسَى نِسْيَانًا. قَالَ: وَجَاءَ عُصْفُورٌ فَوَقَعَ عَلَى حَرْفِ السَّفِينَةِ، فَنَقَرَ فِي الْبَحْرِ نَقْرَةً، فَقَالَ لَهُ الْخَضِرُ: مَا عِلْمِي وَعِلْمُكَ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ إِلَّا مِثْلُ مَا نَقَصَ هَذَا الْعُصْفُورُ مِنْ هَذَا الْبَحْرِ، ثُمَّ خَرَجَا مِنْ السَّفِينَةِ، فَبَيْنَا هُمَا يَمْشِيَانِ عَلَى السَّاحِلِ إِذْ أَبْصَرَ الْخَضِرُ غُلَامًا يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ، فَأَخَذَ الْخَضِرُ رَأْسَهُ بِيَدِهِ، فَاقْتَلَعَهُ بِيَدِهِ، فَقَتَلَهُ، فَقَالَ لَهُ مُوسَى: أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَاكِيَةً بِغَيْرِ نَفْسٍ؟ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا. قَالَ: أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْرًا؟ قَالَ: وَهَذِهِ أَشَدُّ مِنْ الْأُولَى.

﴿قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا * فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ قَالَ: مَائِلٌ - فَقَامَ الْخَضِرُ فَأَقَامَهُ بِيَدِهِ، فَقَالَ مُوسَى: قَوْمٌ أَتَيْنَاهُمْ فَلَمْ يُطْعِمُونَا وَلَمْ يُضَيِّفُونَا، ﴿لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا * قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : وَدِدْنَا أَنَّ مُوسَى كَانَ صَبَرَ حَتَّى يَقُصَّ اللَّهُ عَلَيْنَا مِنْ خَبَرِهِمَا. قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: فَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقْرَأُ: وَكَانَ أَمَامَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ - صَالِحَةٍ - غَصْبًا، وَكَانَ يَقْرَأُ: وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ - كَافِرًا وَكَانَ - أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ. قَوْلُهُ (بَابُ قَوْلِهِ: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾ اخْتُلِفَ فِي مَكَانِ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، فَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: بَحْرُ فَارِسٍ وَالرُّومِ، وَعَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ مِثْلُهُ أَخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ قَالَ: هُمَا الْكَرُّ وَالرَّسُّ حَيْثُ يَصُبَّانِ فِي الْبَحْرِ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَجْمَعُ الْبَحْرَيْنِ ذِرَاعٌ فِي أَرْضِ فَارِسٍ مِنْ جِهَةِ أَذْرَبِيجَانَ مِنَ الْبَحْرِ الْمُحِيطِ مِنْ شِمَالَيْهِ إِلَى جَنُوبَيْهِ وَطَرَفَيْهِ مِمَّا يَلِي بَرَّ الشَّامِ. وَقِيلَ هُمَا بَحْرُ الْأُرْدُنِّ وَالْقَلْزَمِ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ: مَجْمَعُ الْبَحْرَيْنِ بِطَنْجَةَ. وَعَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ قَالَ بَعْضُهُمْ: بَحْرُ أَرْمِينِيَّةَ.

وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: بِإِفْرِيقِيَةَ. أَخْرَجَهُمَا ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ لَكِنِ السَّنَدَ إِلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ضَعِيفٌ. وَهَذَا اخْتِلَافٌ شَدِيدٌ. وَأَغْرَبُ مِنْ ذَلِكَ مَا نَقَلَهُ الْقُرْطُبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْمُرَادُ الْبَحْرَيْنِ اجْتِمَاعُ مُوسَى وَالْخَضِرِ لِأَنَّهُمَا بَحْرَا عِلْمٍ، وَهَذَا غَيْرُ ثَابِتٍ وَلَا يَقْتَضِيهِ اللَّفْظُ، وَإِنَّمَا يَحْسُنُ أَنْ يُذْكَرَ فِي مُنَاسَبَةِ اجْتِمَاعِهِمَا بِهَذَا الْمَكَانِ الْمَخْصُوصِ، كَمَا قَالَ السُّهَيْلِيُّ: اجْتَمَعَ الْبَحْرَانِ بِمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ.

قَوْلُهُ: ﴿أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾ زَمَانًا، وَجَمْعُهُ أَحْقَابٌ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ قَالَ: وَيُقَالُ فِيهِ أَيْضًا حِقْبَةٌ أَيْ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَالْجَمْعُ حِقَبٌ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: الْحِقَبُ الزَّمَانُ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْحِقَبُ الدَّهْرُ. وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: الْحِقَبُ الْحِينُ أَخْرَجَهُمَا ابْنُ الْمُنْذِرِ. وَجَاءَ تَقْدِيرُهُ عَنْ غَيْرِهِمْ، فَرَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ ثَمَانُونَ سَنَةً، وَرَوَى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ سَبْعُونَ. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ قِصَّةَ مُوسَى وَالْخَضِرِ، وَسَأَذْكُرُ شَرْحَ ذَلِكَ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ.

٣ - بَاب ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا﴾ مَذْهَبًا يَسْرُبُ: يَسْلُكُ، وَمِنْهُ ﴿وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٤٧٢٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ) عبد الله بن الزُّبير قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بنُ عُيينةَ قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ قَالَ: قُلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ نَوْفًا البِكَالِيَّ) بفتح النُّون وسكون الواو وبالفاء المفتوحة، و «البِكالي» بكسر الموحَّدة وتخفيف الكاف وتشدَّد، وهو الذي في «اليونينيَّة» وغيرها (١)، ابنَ فَضالة -بفتح الفاء والمعجمة- ابن امرأة كعب، ولأبي ذَرٍّ: «البَكالي» بفتح الموحَّدة (يَزْعُمُ أَنَّ مُوسَى صَاحِبَ الخَضِرِ لَيْسَ هُوَ مُوسَى صَاحِبَ بَنِي إِسْرَائِيلَ) وإنَّما هو موسى بن ميشا بن إفراثيم بن يوسف بن يعقوب (فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَذَبَ عَدُوُّ اللهِ) نوفٌ، خرج منه مخرجَ الزَّجرِ والتَّحذير، لا القدْح (٢) في نوفٍ؛ لأنَّ ابن عبَّاس قال ذلك في حال غضبه، وألفاظُ الغضب تقع على غيرِ الحقيقة غالبًا، وتكذيبُه له لكونه

قال غيرَ الواقع، ولا يلزمُ منه تعمُّدُه (حَدَّثَنِي) بالإفراد (أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ) الأنصاريُّ: (أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ يَقُولُ: إِنَّ مُوسَى قَامَ خَطِيبًا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ) نصٌّ في أنَّ موسى صاحبُ بني إسرائيل، ففيه ردٌّ على نوف البَِكالي (فَسُئِلَ: أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ؟) أي: منهم (فَقَالَ: أَنَا) أي: أعلمُ النَّاس، قاله بحسبِ اعتقاده؛ لأنَّه نبيُّ ذلك الزَّمان، ولا أحد في زمانه أعلمُ منه، فهو خبرٌ صادقٌ على المذهبين، على قول مَن قال: صِدقُ الخبر مطابقتُه لاعتقاد المخبر ولو أخطأ، وهذا في غاية الظهور، وعلى قول مَن قال: صِدُق الخبر مطابقتُه للواقع؛ فهو إخبارٌ عن ظنِّه الواقعِ له؛ إذ معناه: أنا أعلم في ظَنِّي واعتقادي، وهو كان يظنُّ ذلك قطعًا، فهو مطابقٌ للواقع، وهذا الذي قالوه (١) هنا أبلغ من قوله في «باب الخروج في طلب العلم» [خ¦٧٨]: «هل تعلم أنَّ أحدًا أعلمُ منك؟ فقال: لا» فإنَّه نفى هناك علمه، وهنا على البَتِّ (فَعَتَبَ اللهُ عَلَيْهِ؛ إِذْ) بسكون الذَّال للتَّعليل (لَمْ يَرُدَّ العِلْمَ إِلَيْهِ) فيقول نحو: اللهُ أعلم، كما قالت الملائكة: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا﴾ [البقرة: ٣٢] وعتب اللهُ عليه لئلَّا يقتدي به فيه مَن لم يبلغْ كمالَه في تزكيةِ نفسِهِ وعلوِّ درجته من أمَّته فيهلِك؛ لِمَا تضمَّنَه مِن مدح الإنسان نفسه، ويورثه ذلك من الكِبْر والعُجْب والدَّعوى، وإنْ نُزِّه عن هذه الرذائل الأنبياءُ فغيرهم بمدرجة سبيلها (٢) ودَرْكِ ليلِها إلَّا مَن عصمَه الله، فالتحفُّظُ منها أَولى لنفسه وليُقتدى به، ولهذا قال نبينا تحفُّظًا مِن مثل هذا ممَّا قد عَلِمَ به: «أنا سيِّدُ ولدِ آدمَ ولا فخرَ» ووجه الرَّدِّ عليه فيما ظنَّه كما ظنَّ نبيُّنا أنَّه لم يقع منه نسيانٌ في قِصَّة ذي اليدين (٣) (فَأَوْحَى اللهُ) ﷿ (إِلَيْهِ) إلى موسى (٤): (إِنَّ لِي عَبْدًا بِمَجْمَعِ البَحْرَيْنِ) هو الخضر ، ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «عند مجمع البحرين» (هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ) بشيءٍ مخصوص، لا يقتضي أفضليَّتَه به على موسى، كيف وموسى جُمِعَ له بين الرِّسالة والتكليم والتوراة، وأنبياءُ بني إسرائيل داخلون كلُّهم تحت شريعته، وغايةُ الخضرِ أن يكونَ كواحدٍ منهم (قَالَ مُوسَى: يَا رَبِّ، فَكَيْفَ

لِي بِهِ؟) أي: كيف يتهيَّأ ويتيسَّرُ لي أن أظفر به؟ (قَالَ: تَأْخُذُ مَعَكَ حُوتًا) مِنَ السَّمك (فَتَجْعَلُهُ فِي مِكْتَلٍ) بكسر الميم وفتح الفوقيَّة؛ الزنبيل الكبير، ويُجمع على مكاتِل (فَحَيْثُمَا فَقَدْتَ الحُوتَ) بفتح القاف، أي: تغيَّبَ عن عينيك (فَهْوَ) أي: الخضر (ثَمَّ) بفتح المثلَّثة، أي: هناك (فَأَخَذَ) موسى (حُوتًا فَجَعَلَهُ فِي مِكْتَلٍ) كما وقع الأمر به (ثُمَّ انْطَلَقَ، وَانْطَلَقَ مَعَهُ بِفَتَاهُ (١)) ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «معه فتاه» (يُوشَعَ بْنِ نُونٍ) بالصَّرف كـ «نوح» (حَتَّى إِذَا أَتَيَا الصَّخْرَةَ) التي عند مجمع البحرين (وَضَعَا رُؤُوْسَهُمَا فَنَامَا) بالفاء، ولأبي ذَرٍّ عنِ الحَمُّويي والمُستملي: «وناما» (وَاضْطَرَبَ الحُوتُ) أي: تحرَّكَ (فِي المِكْتَلِ) لأنَّه أصابه مِن ماء عين الحياة الكائنة في أصل الصخرة شيءٌ؛ إذ إصابتها مقتضيةٌ للحياة (فَخَرَجَ مِنْهُ، فَسَقَطَ فِي البَحْرِ ﴿فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ﴾) أي: طريقَه (﴿فِي الْبَحْرِ سَرَبًا﴾ [الكهف: ٦١]) أي: مَسْلَكًا (وَأَمْسَكَ اللهُ عَنِ الحُوتِ جِرْيَةَ المَاءِ، فَصَارَ عَلَيْهِ مِثْلَ الطَّاقِ) أي: مثلَ عقدِ البناء، وعند مسلمٍ من رواية أبي إسحاق: «فاضطرب الحوت في الماء، فجعل يلتئِمُ عليه حتى صار مثل الكوَّة» (فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ) موسى (نَسِيَ صَاحِبُهُ) يوشع (أَنْ يُخْبِرَهُ بِالحُوتِ) أي: بما كان مِن أمره (فَانْطَلَقَا) سائرين (بَقِيَّةَ يَوْمِهِمَا وَلَيْلَتَهُمَا) بنصب الفوقيَّة (حَتَّى إِذَا كَانَ مِنَ الغَدِ قَالَ مُوسَىَ لِفَتَاهُ) يوشع: (﴿آتِنَا غَدَاءنَا﴾) بفتح الغين ممدودًا، أي: طعامَنا الذي نأكلُه أوَّل النَّهار (﴿لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ [الكهف: ٦٢]) أي: تعبًا، ومرادُه: السَّيرُ بقيةَ اليوم والذي يليه، وفي الإشارة بهذا إشعارٌ بأنَّ هذا المسير كان أتعبَ لهما ممَّا سبق، فإنَّ رجاءَ المطلوبِ يُقَرِّبُ البعيد، والخيبة تُبعِدُ القريبَ؛ ولذا (قَالَ: وَلَمْ يَجِدْ مُوسَى النَّصَبَ حَتَّى جَاوَزَ المَكَانَ الَّذِي أَمَرَ اللهُ بِهِ) فألقى عليه الجوع والنَّصب (فَقَالَ لَهُ فَتَاهُ) يوشع: (﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ﴾) أي: فإنِّي نسيتُ أن أخبرَك بخبرِ الحوت، ونَسَبَ النِّسيانَ لنفسه؛ لأنَّ موسى كان نائمًا إذ ذاك، وكره يوشَعُ أن يوقظَه، ونسيَ أن يُعْلِمَهُ بعدُ لِمَا قدَّرَه (٢) اللهُ تعالى عليهما مِن الخُطا.

............. … ومَنْ كُتبِتْ (١) عليه خُطًا مَشَاها

(﴿وَمَا أَنسَانِيهُ﴾) أي: وما أنساني ذكرَه (﴿إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾) نَسَبَه للشَّيطان تأدُّبًا مع الباري تعالى؛ إذ نسبةُ النُّقصِ للنَّفس والشَّيطان أليقُ بمقامِ الأدبِ (﴿وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ (٢) عَجَبًا﴾ [الكهف: ٦٣]) يجوز أن يكون (٣) ﴿عَجَبًا﴾ مفعولًا ثانيًا لـ ﴿اتَّخَذَ﴾ أي: واتخذ سبيله في البحر سبيلًا عجبًا (٤): وهو كونه كالسَّرَب، والجارُّ والمجرور متعلِّق بـ ﴿اتَّخَذَ﴾ وفاعل ﴿اتَّخَذَ﴾ قيل: الحوت، وقيل: موسى، أي: اتَّخذ موسى سبيل الحوت في البحر عَجَبًا (قَالَ: فَكَانَ) دخول الحوت في الماء (لِلْحُوتِ سَرَبًا) مَسلكًا (وَلِمُوسَى وَلِفَتَاهُ عَجَبًا) وهو أنَّ أثرَه بقي إلى حيث سار، أو جمد الماء تحته، أو صار صخرًا، أو ضرب بذنبه فصار المكان يَبَسًا، وعند ابن أبي حاتم من طريق قتادة قال: عَجِبَ موسى أن تَسْرُب (٥) حوتٌ مملَّح في مِكْتَلٍ (فَقَالَ مُوسَى) ليوشع: (﴿ذَلِكَ﴾) الذي ذكرتَه مِن حياة الحوت ودخوله في (٦) البحر (﴿مَا كُنَّا نَبْغِ﴾) أي: الذي نطلبُه؛ إذ هو آيةٌ على المطلوب (﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ [الكهف: ٦٤] قَالَ: رَجَعَا) في الطَّريق الذي جاءا فيه (يَقُصَّانِ آثَارَهُمَا) قَصَصًا، أي: يتبعان آثارَ مسيرهما (٧) اتِّباعًا، قال صاحب «الكشف» -فيما حكاه الطِّيبيُّ عنه-: ﴿قَصَصًا﴾: مصدرٌ لفعلٍ مضمرٍ يدُلُّ عليه ﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا﴾ إذ معنى: فارتدا على آثارهما واقتصا الأثر واحدٌ (حَتَّى انْتَهَيَا إِلَى الصَّخْرَةِ) أي: التي فعل فيها الحوت ما فعل، كما عند النَّسائيِّ في روايته، فذهبا يلتمسان الخَضِر (فَإِذَا رَجُلٌ) نائم (مُسَجًّى ثَوْبًا) بضمِّ الميم وفتح المهملة وتشديد الجيم منوَّنة (٨)، ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْميهَنيّ: «بثوبٍ» أي: مغطًّى كلُّه به،

ولمسلمٍ: «مُسَجًّى ثوبًا مستلقيًا على القفا» ولعبد بن حُميد من طريق أبي العالية: «فوجده نائمًا في جزيرة من جزائر البحر ملتفًّا بكساءٍ» (فَسَلَّمَ عَلَيْهِ مُوسَى، فَقَالَ الخَضِرُ) أي: بعد أن كشف وجهه، كما في الرِّواية الآتية [خ¦٤٧٢٦] هنا إن شاء الله تعالى: (وَأَنَّى) بفتح الهمزة والنون المشدَّدة، أي: وكيف (١) (بِأَرْضِكَ السَّلَامُ؟) وفي الرواية الآتية: «وهل بأرضي من سلام؟» وفيه دلالة: على أنَّ أهل تلك الأرض لم يكونوا مسلمين، أو كانت تحيَّتُهم غيرَه (قَالَ: أَنَا مُوسَى) في الآتية [خ¦٤٧٢٦] «قال: مَن أنت؟ قال: أنا موسى» (قَالَ) أي: الخضر: أنت (مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ؟ قَالَ) أي: موسى: (نَعَمْ، أَتَيْتُكَ لِتُعَلِّمَنِي) وفي الرِّواية الآتية [خ¦٤٧٢٦]: «قال: ما شأنُك؟ قال: جئتُ لتعلِّمَني» (مِمَّا عُلِّمْتَ رَشَدًا) قال أبو البقاء: ﴿رُشْدًا﴾ مفعولُ «تعلِّمني» ولا يجوزُ أن يكونَ مفعول «عُلِّمْتَ» لأنَّه لا عائدَ إذن على الموصول، أي: علمًا ذا رَشَدٍ (﴿قَالَ﴾) أي: الخضر لموسى: (﴿إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٦٧]) نفى عنه استطاعةَ الصَّبر معه على وجوهٍ من (٢) التَّأكيد، وهو عِلَّةٌ لمنعه مِنِ اتِّباعه، فإنَّ موسى لمَّا قال: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ﴾ كأنَّه قال: لا لأنَّك لن تستطيع معي صبرًا، وعبَّر بالصيغة الدَّالَّةِ على استمرار النَّفي؛ لِمَا أطلعه الله عليه مِن أنَّ موسى لا يَصْبر على ترك الإنكار إذا رأى ما يخالف الشرع لمكان عصمته، قال الخضر : (يَا مُوسَى إِنِّي عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللهِ عَلَّمَنِيهِ لَا تَعْلَمُهُ) جميعَه (أَنْتَ، وَأَنْتَ

عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللهِ عَلَّمَكَ اللهُ) ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «علَّمَكَهُ الله» (لَا أَعْلَمُهُ) جميعَه، وهذا التَّقديرُ أو (١) نحوُه واجبٌ لا بدَّ منه، وقد غَفَلَ بعضُهم عن ذلك، فقال في مجموعٍ له لطيفٍ في الخصائص النَّبويَّة: إنَّ مِن خصائص نبينا أنَّه جُمعتْ له الشَّريعة والحقيقة، ولم يكن للأنبياء إلَّا إحداهما (٢)؛ بدليل قِصَّة موسى مع الخضر، وقولِه: «إنِّي على علم لا ينبغي لك أن تعلمه، وأنت على علم لا ينبغي لي أن أعلمه» وهذا الذي قاله يلزمُ منه خلوُّ أُولي العَزْم عليهم الصلاة والسلام -غير نبيِّنا- من علم الحقيقة الذي لا ينبغي خلوُّ بعضِ آحادِ الأولياء عنه، وإخلاء الخضر

عن (١) علم الشَّريعة الذي لا يجوز لآحاد المكلَّفين الخلوَّ عنه؟! وهذا لا يخفى ما فيه من الخطر العظيم، واحتجَّ لذلك بقوله: إنَّه أراد الجمع في الحكم والقضاء تمسُّكًا بحديث السَّارق في زمنه ، قال: «اقتلوه» فقيل: إنَّما سرق، فقال: «اقطعوه» إلى أن أتى على قوائمه الأربع، ثم سَرَق في زمن الصِّدِّيق بفيه فأمر بقتله، قلت: وهو مرويٌّ عند الدَّارقطنيِّ من حديث جابر بلفظ: إنَّ النَّبيَّ أُتي بسارق فقطع يده، ثم أُتي به ثانيًا فقطع رجله، ثم أُتي به ثالثًا فقطع يده، ثم أُتي به رابعًا فقطع رجله، ثم أتي به خامسًا فقتله، وفيه محمَّد بن يزيد بن سنان (٢)، وقال الدَّارقطنيُّ -فيما حكاه الحافظ ابن حجرٍ في «أمالي الرَّافعي» - إنَّه ضعيفٌ، قال: ورواه أبو داود والنَّسائي بلفظ: «جيء بسارقٍ إلى رسول الله فقال: اقتلوه، فقالوا (٣): يا رسول الله إنَّما سرق، قال: اقطعوه فقُطع، ثم جيءَ به الثَّانية، فقال: اقتلوه، فقالوا: يا رسول الله؛ إنَّما سرق، قال: اقطعوه (٤) فذكره كذلك، قال: فجيء به الخامسة، فقال: اقتلوه، قال جابر: فانطلقنا به إلى مربد النَّعَم فاستلقى على ظهره، فقتلناه، ثم اجتررناه فألقيناه في بئر، ورمينا عليه الحجارة»، وفي إسناده مصعب بن ثابت، وقد قال النسائيُّ: ليس بالقوي، وهذا الحديث منكر، ولا أعلم فيه حديثًا صحيحًا، ورواه النَّسائيُّ والحاكم عن الحارث بن حاطب الجُمَحيِّ، وأبو نُعيم في «الحلية» عن عبد الله بن زيد الجُهنِّي، وقال ابنْ عبد البَرِّ: حديثُ القتل منكرٌ لا أصلَ له، وقال الشَّافعيُّ: منسوخٌ، لا خلاف فيه عند أهل العلم. انتهى. وهذا لا دلالة فيه أصلًا على ما ادَّعاه من مراده على ما لا يخفى، ولئن سلَّمنا ذلك كان عليه أن يُلحق ذلك في مجموعه المذكور عقب قوله ذلك؛ ليَسْلَمَ من وَصْمَةِ الإطلاق؛ إذِ المراد لا يدفع الإيراد، لكنا لا نسلِّمُه، فتأمَّلْه.

(فَقَالَ مُوسَى: ﴿سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللهُ صَابِرًا﴾) على ما أرى منك غيرَ منكِرٍ عليك، وعلَّق الوعدَ بالمشيئة للتَّيمُّن، أو عِلمًا منه بشدَّة الأمر وصعوبته؛ فإنَّ مشاهدة الفساد شيءٌ لا يُطاق (﴿وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ [الكهف: ٦٩]) أي: ولا أُخالفُك في شيءٍ (فَقَالَ لَهُ الخَضِرُ: ﴿فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ﴾) تُنكِرُه منِّي ولم تعلم وجه صِحَّتِه (﴿حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ [الكهف: ٧٠]) حتى أبدأَك أنا به قبل أن تسألَني (﴿فَانطَلَقَا﴾) لمَّا توافقا، واشترط عليه ألَّا يسأله عن شيءٍ أنكرَه عليه حتى يبدأ به (يَمْشِيَانِ عَلَى سَاحِلِ البَحْرِ، فَمَرَّتْ سَفِينَةٌ فَكَلَّمُوهُمْ) أي: موسى والخضر ويوشع كلَّموا أصحاب السفينة (أَنْ يَحْمِلُوهُمْ، فَعَرَفُوا) أي: أصحاب السفينة (الخَضِرَ، فَحَمَلُوهُ) أي: الخضر ومَن معه، ولأبي ذَرٍّ: «فحملوهم» (١) وله أيضًا: «فحُمِلُوا» أي: الثَّلاثة، وهو مبنيٌّ لما لم يُسَمَّ فاعلُه (بِغَيْرِ نَوْلٍ) بفتح النُّون؛ بغير أجرٍ إكرامًا للخضر (فَلَمَّا رَكِبَا) موسى والخضرُ (فِي السَّفِينَةِ) لم يَذكر يُوشَع؛ لأنَّه تابع غيرُ مقصودٍ بالأصالة (لَمْ يَفْجَأْ) موسى بعد أن صارت السَّفينةُ في لجَّةِ البحرِ (إِلَّا وَالخَضِرُ قَدْ قَلَعَ لَوْحًا مِنْ أَلْوَاحِ السَّفِينَةِ بِالقَدُومِ) بفتح القاف وضمِّ الدَّال المهملة المخفَّفة (٢)، فانخرقت (فَقَالَ لَهُ مُوسَى) منكِرًا عليه بلسان الشَّريعة: هؤلاء (قَوْمٌ حَمَلُونَا) ولأبي ذرٍّ: «قد حملونا» (بِغَيْرِ نَوْلٍ، عَمَدْتَ) بفتح الميم (إِلَى سَفِينَتِهِمْ فَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا) قيل: اللَّام في «لِتُغرِقَ» للعلَّة، ورُجِّح كونَها للعاقبة؛ كقوله:

..................... … لِدُوا لِلْمَوْتِ وابنُوا لِلْخَرَابِ

(﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾ [الكهف: ٧١]) عظيمًا أو مُنكَرًا (﴿قَالَ﴾) الخضرُ مُذَكِّرًا لِمَا مرَّ مِنَ الشَّرط: (﴿أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٧٢]) استفهامٌ إنكاريٌّ (﴿قَالَ﴾) موسى للخضرِ: (﴿لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾) من وصيَّتِكَ.

وفي هذا النِّسيان أقوالٌ:

أحدُها: أنَّه على حقيقته لِمَا رأى فعلَه المؤدِّي إلى إهلاك الأموال والأنفس؛ فلِشدَّة غضبه لله نَسِيَ، ويؤيِّدُه قوله في هذا الحديث قريبًا: «وكانت الأولى من موسى نسيانًا» [خ¦٤٧٢٦].

الثَّاني: أنَّه لم ينسَ ولكنَّه مِن المعاريض، وهو مرويٌّ عنِ ابن عبَّاس؛ لأنَّه إنَّما (١) رأى العهد في أن يسأل، لا في إنكار هذا الفعل، فلمَّا عاتبه الخضِر بقوله: ﴿إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ﴾ قال: ﴿لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾ أي: في الماضي، ولم يقل: إنِّي نسيتُ وصيَّتَك.

الثَّالث: أنَّ النِّسيان بمعنى التَّرك، وأطلقه عليه؛ لأنَّ النِّسيان سبب للترك؛ إذ هو من ثمراته، أي: لا تؤاخذني بما تركته ممَّا عاهدتك عليه، فإنَّ المرَّة الواحدة معفوٌّ عنها، ولا سيَّما إذا كان لها سببٌ ظاهرٌ.

(﴿وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾ [الكهف: ٧٣]) لا تضايقني بهذا القدر فتعسُر مصاحبتُك، أو لا تكلِّفني ما لا أقدرُ عليه (قَالَ) أُبيُّ بن كعبٍ: (وَقَالَ رَسُولُ اللهِ : وَكَانَتِ الأُولَى) ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «وكانت في الأولى» (مِنْ مُوسَى نِسْيَانًا، قَالَ: وَجَاءَ عُصْفُورٌ) بضمِّ العين (فَوَقَعَ عَلَى حَرْفِ السَّفِينَةِ، فَنَقَرَ فِي البَحْرِ نَقْرَةً، فَقَالَ لَهُ) أي: لموسى (الخَضِرُ: مَا عِلْمِي وَعِلْمُكَ مِنْ عِلْمِ اللهِ) أي: مِن معلومه، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «في علم الله» (إِلَّا مِثْلُ مَا نَقَصَ هَذَا العُصْفُورُ مِنْ هَذَا البَحْرِ) ونقصُ العصفورِ لا تأثيرَ له، فكأنَّه لم يأخذ شيئًا، ولا ريبَ أنَّ علمَ الله لا يدخُلُه نقصٌ (ثُمَّ خَرَجَا مِنَ السَّفِينَةِ) بعد أنِ اعتذر موسى له، وسأله ألَّا (٢) يرهقَه مِن أمرِه عسرًا، وقَبِلَ عُذْرَه وأجاب سؤالَه وأدامه (٣) على الصحبة (٤) (فَبَيْنَا) بغير ميم

(هُمَا يَمْشِيَانِ عَلَى السَّاحِلِ؛ إِذْ بَصُرَ الخَضِرُ) بفتح الموحَّدة وضمِّ الصَّاد المهملة (غُلَامًا يَلْعَبُ مَعَ الغِلْمَانِ) قيل: اسمه جيسور، وقيل: حيسور، وقيل: حنسور (١)، وقيل: حيسون (٢) وقيل: شمعون، وقيل غير ذلك ممَّا لم يثبت، ولعلَّ المفسِّرين نقلوه من كتب أهل الكتاب (فَأَخَذَ الخَضِرُ رَأْسَهُ بِيَدِهِ فَاقْتَلَعَهُ بِيَدِهِ) ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي والكُشْميهَنيِّ: «برأسه فاقتلعه» (فَقَتَلَهُ، فَقَالَ لَهُ مُوسَى) لمَّا شاهد ذلك منه منكِرًا عليه أشدَّ مِنَ الأوَّل: (﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾) بالألف والتَّخفيف، وهي قراءة الحِرْمِيَّيْنِ وأبي عمرٍو؛ اسم فاعل مِن «زكا» أي: طاهرةً مِنَ الذُّنوب، ووصفها بهذا الوصف؛ لأنَّه لم يرها أذنبت، أو لأنَّها صغيرة لم تبلغ الحِنْث، لكن قولُه: (﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾) يردُّه؛ إذ لو كان لم يحتلم؛ لم يجب قتله بنفس ولا بغير نفس، وقرأَهُ الباقون بالتَّشديد مِن غير ألفٍ، أخرجوه إلى «فعيلة» للمبالغة؛ لأنَّ «فعيلًا» المحوَّل مِن فاعل يَدلُّ على المبالغة، وحكى القرطبيُّ عن صاحب «العرس والعرائس»: أنَّ موسى لمَّا قال للخضر: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾ غضب الخضرُ، واقتلعَ كَتِفَ الصَّبيِّ الأيسر، وقشرَ اللحمَ عنه، وإذا في عظم كَتِفِه (٣) مكتوبٌ: كافرٌ لا يُؤمنُ بالله أبدًا (﴿لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا﴾ [الكهف: ٧٤]) منكرًا تُنكِرُه العقول، وتنفِرُ عنه النُّفوس، وهو أبلغ في (٤) تقبيح الشَّيء مِنَ الإِمْرِ، وقيل: بالعكس؛ لأنَّ الإِمْرَ هو الدَّاهيةُ العظيمة (﴿قَالَ﴾) الخضرُ: (﴿أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْرًا﴾ [الكهف: ٧٥]) قال في «الكشاف»: فإن قلت: ما معنى زيادة ﴿لَكَ﴾؟ قلت: زيادة المكافحة بالعتاب على رفض

الوصية، والوسم بقِلَّة الصَّبر عند الكرَّة الثَّانية (قَالَ) أي: سفيانُ بنُ عُيينةَ، كما في «كتاب العلم» [خ¦١٢٢]: (وَهَذَا) ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «وهذه» (أَشَدُّ مِنَ الأُولَى) لِمَا فيها من زيادة ﴿لَّكَ﴾ (﴿قَالَ﴾) موسى له: (﴿إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا﴾ [الكهف: ٧٦]) أي: بعد هذه المرَّة، أو بعد هذه القِصَّة، فأعاد الضَّمير عليها وإن كانت لم يتقدَّم لها ذكر صريحٌ؛ حيث كانت في ضمن القول (﴿فَلَا تُصَاحِبْنِي﴾) وإن طلبتُ صحبتكَ (﴿قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْرًا﴾) أي: قد أعذرت (١) إليَّ مرَّة بعد أُخرى، فلم يبقَ موضعٌ للاعتذار (﴿فَانطَلَقَا﴾) بعد المرَّتين الأولتين (٢) (﴿حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ﴾) قيل: هي أنطاكية أو أذربيجان أو الأبلّة أو بوقة أو ناصرة أو جزيرة الأندلس، قال في «الفتح»: وهذا الاختلاف قريبٌ من الاختلاف في المراد بمجمع البحرين، وشدَّة التَّباين في ذلك يقتضي (٣) ألَّا يُوثق بشيءٍ من ذلك، وعند مسلمٍ من رواية أبي إسحاق: «أهل قرية لئامًا» أي: بخلاء، فطافا المجالس (﴿اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا﴾) واستضافوهم (﴿فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا﴾) عرضُه خمسون ذِراعًا في مئة ذراعٍ بذراعهم، قاله الثَّعلبيُّ، وقال غيرُه: سُمكه مئتا ذِراع، وظله على وجه الأرض خمس مئة ذراع وعرضه خمسون (﴿يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ﴾) إسنادُ الإرادة إلى الجدار على سبيل الاستعارة؛ فإنَّ الإرادة للجدار لا حقيقة لها، وقد كان أهلُ القرية يمرُّون تحته خائفين (قَالَ) في معنى ﴿يَنقَضَّ﴾: إنَّه (مَائِلٌ، فَقَامَ الخَضِرُ ﴿فَأَقَامَهُ﴾ بِيَدِهِ) أي: فردَّه إلى حالة الاستقامة، وهذا خارقٌ، ولأبي ذَرٍّ: «فقال الخضر بيده فأقامه» (فَقَالَ مُوسَى) لمَّا رأى مِن (٤) شدَّة الحاجة والاضطرار والافتقار إلى المطعم، وحرمان أصحاب الجدار لهم (قَوْمٌ أَتَيْنَاهُمْ) فاستطعمناهم واستضفناهم (فَلَمْ يُطْعِمُونَا، وَلَمْ يُضَيِّفُونَا، ﴿لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ﴾) بهمزة وصلٍ وتشديد الفوقيَّة وفتح الخاء، وهي قراءة غير أبي عمرو وابن كثير (﴿عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الكهف: ٧٧]) أي: جُعلًا نستعينُ به في عشائِنا (﴿قَالَ﴾) الخضر له: (﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾) بإضافة الفِراق إلى البين إضافةَ المصدر إلى الظَّرف على الاتِّساع (إِلَى قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٧٨ - ٨٢]) أي: هذا

التفسير، أي: المذكور (١) في الآية: ما ضقتَ به ذَرْعًا، ولم تصبر حتى أخبركَ به ابتداءً (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ : وَدِدْنَا) بفتح الواو وكسر الدَّال الأولى وسكون الثَّانية (أَنَّ مُوسَى كَانَ صَبَرَ حَتَّى يَقُصَّ اللهُ عَلَيْنَا مِنْ خَبَرِهِمَا) إذ لو صبرَ لرأى أعجب الأعاجيب.

(قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ) بالسَّند السَّابق: (فَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقْرَأُ: (وَكَانَ أَمَامَهُمْ مَلِكٌ)) بكسر اللام ((يَأْخُذُ كُلَّ سَفِيْنَةٍ صَالِحَةٍ غَصْبًا)، وَكَانَ يَقْرَأُ) أيضًا: ((وأَمَّا الغُلَامُ فَكَانَ كَافِرًا وَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ) [الكهف: ٨٠]) وهذه قراءةٌ شاذَّةٌ؛ لمخالفتها المصحف العثماني، لكنها كالتَّفسير.

وهذا الحديث سبق في «كتاب العلم» [خ¦٧٤] [خ¦٧٨] [خ¦١٢٢] وأخرجه المؤلِّف في أكثر من عشرة مواضع من كتابه «الجامع» [خ¦٢٢٦٧] [خ¦٢٧٢٨] [خ¦٣٢٧٨] [خ¦٣٤٠٠] [خ¦٤٧٢٦] [خ¦٤٧٢٧] [خ¦٦٦٧٢] [خ¦٧٤٧٨].

(٣) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (قوله) ﷿: (﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا﴾) أي: مجمع البحرين، و ﴿بَيْنِهِمَا﴾: ظرفٌ أُضيفَ إليه على الاتساع (﴿نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ [الكهف: ٦١]) نسي يوشعُ أنْ يَذْكُرَ لموسى ما رأى من حياة الحوت ووقوعه في البحر، ونسي موسى أن يطلبه ويتعرَّف حاله؛ ليشاهد منه تلك الأمارة التي جعلت لها، وذلك أنَّ موسى وُعِدَ أنَّ لقاء الخضر عند مجمع البحرين كما مَرَّ، وأنَّ فَقْدَ الحوتِ علامةٌ للقائه، فلمَّا بلغ الموعد؛ كان مِن حقِّهما أن يتفقدا أمر الحوت، أمَّا الفتى فلكونه كان خادمًا له وكان عليه أن يقدِّمه بين يديه، وأمَّا موسى فلكونه كان أميرًا عليه (٢) كان عليه أن يأمُرَه بإحضاره، فنسي كلُّ واحدٍ ما عليه، وإنَّما احتيج إلى التَّأويل؛ لأنَّ النِّسيان لا يتعلَّقُ بالذَّوات، كما سبق عن الرَّاغب في تعريفه النِّسيان: تركُ ضَبْطِ ما استَودع، إمَّا لضعف قلبه، وإما عن غفلة أو عن قَصْدٍ، حتى يحذف عن القلب ذكره، قاله في «فتوح الغيب» (﴿فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ﴾ سَرْبًا) بسكون الرَّاء في الفرع كأصله (٣)، ولأبي ذَرٍّ: «﴿سَرَبًا﴾

[الكهف: ٦١]» بفتحها، أي: (مَذْهَبًا، يَسْرُبُ: يَسْلُكُ، وَمِنْهُ) أي: ومن «سربًا» قوله: (﴿وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ [الرعد: ١٠]) قال أبو عبيدة أي: سالك في سربه، أي: مذهبه، وسقط لفظ «باب» لغير أبي ذَرٍّ، وسقط له لفظ «قوله».

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

(لِيُدْحِضُوا لِيُزِيلُوا، الدَّحْضُ الزَّلَقُ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾ أَيْ لِيُزِيلُوا، يُقَالُ: مَكَانٌ دَحَضٌ أَيْ مُزِلٌّ مُزْلِقٌ لَا يَثْبُتُ فِيهِ خُفٌّ وَلَا حَافِرٌ.

٢ - بَاب ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾ زَمَانًا وَجَمْعُهُ أَحْقَابٌ

٤٧٢٥ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ نَوْفًا الْبِكَالِيَّ يَزْعُمُ أَنَّ مُوسَى صَاحِبَ الْخَضِرِ لَيْسَ هُوَ مُوسَى صَاحِبَ بَنِي إِسْرَائِيلَ. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَذَبَ عَدُوُّ اللَّهِ، حَدَّثَنِي أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: إِنَّ مُوسَى قَامَ خَطِيبًا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَسُئِلَ: أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ؟ فَقَالَ: أَنَا. فَعَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ؛ إِذْ لَمْ يَرُدَّ الْعِلْمَ إِلَيْهِ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: إِنَّ لِي عَبْدًا بِمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ. قَالَ مُوسَى: يَا رَبِّ، فَكَيْفَ لِي بِهِ؟ قَالَ: تَأْخُذُ مَعَكَ حُوتًا، فَتَجْعَلُهُ فِي مِكْتَلٍ، فَحَيْثُمَا فَقَدْتَ الْحُوتَ فَهُوَ ثَمَّ.

فَأَخَذَ حُوتًا، فَجَعَلَهُ فِي مِكْتَلٍ، ثُمَّ انْطَلَقَ وَانْطَلَقَ مَعَهُ بِفَتَاهُ يُوشَعَ بْنِ نُونٍ، حَتَّى إِذَا أَتَيَا الصَّخْرَةَ وَضَعَا رُءُوسَهُمَا فَنَامَا، وَاضْطَرَبَ الْحُوتُ فِي الْمِكْتَلِ، فَخَرَجَ مِنْهُ، فَسَقَطَ فِي الْبَحْرِ، ﴿فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا﴾ وَأَمْسَكَ اللَّهُ عَنْ الْحُوتِ جِرْيَةَ الْمَاءِ، فَصَارَ عَلَيْهِ مِثْلَ الطَّاقِ، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ نَسِيَ صَاحِبُهُ أَنْ يُخْبِرَهُ بِالْحُوتِ، فَانْطَلَقَا بَقِيَّةَ يَوْمِهِمَا وَلَيْلَتَهُمَا، حَتَّى إِذَا كَانَ مِنْ الْغَدِ، قَالَ مُوسَى ﴿لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ قَالَ: وَلَمْ يَجِدْ مُوسَى النَّصَبَ حَتَّى جَاوَزَا الْمَكَانَ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ بِهِ، فَقَالَ لَهُ فَتَاهُ: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا﴾ قَالَ: فَكَانَ لِلْحُوتِ سَرَبًا، وَلِمُوسَى وَلِفَتَاهُ عَجَبًا. فَقَالَ مُوسَى: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ قَالَ: رَجَعَا يَقُصَّانِ آثَارَهُمَا حَتَّى انْتَهَيَا إِلَى الصَّخْرَةِ، فَإِذَا رَجُلٌ مُسَجًّى ثَوْبًا، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ مُوسَى، فَقَالَ الْخَضِرُ: وَأَنَّى بِأَرْضِكَ السَّلَامُ؟ قَالَ: أَنَا مُوسَى. قَالَ: مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ؟ قَالَ: نَعَمْ، أَتَيْتُكَ لِتُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رَشَدًا. قَالَ: ﴿إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ يَا مُوسَى إِنِّي عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ عَلَّمَنِيهِ لَا تَعْلَمُهُ أَنْتَ، وَأَنْتَ عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ عَلَّمَكَ اللَّهُ لَا أَعْلَمُهُ.

فَقَالَ مُوسَى: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ فَقَالَ لَهُ الْخَضِرُ: ﴿فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ فَانْطَلَقَا يَمْشِيَانِ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ، فَمَرَّتْ سَفِينَةٌ، فَكَلَّمُوهُمْ أَنْ يَحْمِلُوهُمْ، فَعَرَفُوا الْخَضِرَ فَحَمَلُوهُ بِغَيْرِ نَوْلٍ. فَلَمَّا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ، لَمْ يَفْجَأْ إِلَّا وَالْخَضِرُ قَدْ قَلَعَ لَوْحًا مِنْ أَلْوَاحِ السَّفِينَةِ بِالْقَدُومِ، فَقَالَ لَهُ مُوسَى: قَوْمٌ حَمَلُونَا بِغَيْرِ نَوْلٍ، عَمَدْتَ إِلَى سَفِينَتِهِمْ فَخَرَقْتَهَا ﴿لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا؟ ﴿قَالَ لا تُؤَاخِذْنِي

بِمَا نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾ قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : وَكَانَتْ الْأُولَى مِنْ مُوسَى نِسْيَانًا. قَالَ: وَجَاءَ عُصْفُورٌ فَوَقَعَ عَلَى حَرْفِ السَّفِينَةِ، فَنَقَرَ فِي الْبَحْرِ نَقْرَةً، فَقَالَ لَهُ الْخَضِرُ: مَا عِلْمِي وَعِلْمُكَ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ إِلَّا مِثْلُ مَا نَقَصَ هَذَا الْعُصْفُورُ مِنْ هَذَا الْبَحْرِ، ثُمَّ خَرَجَا مِنْ السَّفِينَةِ، فَبَيْنَا هُمَا يَمْشِيَانِ عَلَى السَّاحِلِ إِذْ أَبْصَرَ الْخَضِرُ غُلَامًا يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ، فَأَخَذَ الْخَضِرُ رَأْسَهُ بِيَدِهِ، فَاقْتَلَعَهُ بِيَدِهِ، فَقَتَلَهُ، فَقَالَ لَهُ مُوسَى: أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَاكِيَةً بِغَيْرِ نَفْسٍ؟ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا. قَالَ: أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْرًا؟ قَالَ: وَهَذِهِ أَشَدُّ مِنْ الْأُولَى.

﴿قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا * فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ قَالَ: مَائِلٌ - فَقَامَ الْخَضِرُ فَأَقَامَهُ بِيَدِهِ، فَقَالَ مُوسَى: قَوْمٌ أَتَيْنَاهُمْ فَلَمْ يُطْعِمُونَا وَلَمْ يُضَيِّفُونَا، ﴿لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا * قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : وَدِدْنَا أَنَّ مُوسَى كَانَ صَبَرَ حَتَّى يَقُصَّ اللَّهُ عَلَيْنَا مِنْ خَبَرِهِمَا. قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: فَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقْرَأُ: وَكَانَ أَمَامَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ - صَالِحَةٍ - غَصْبًا، وَكَانَ يَقْرَأُ: وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ - كَافِرًا وَكَانَ - أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ. قَوْلُهُ (بَابُ قَوْلِهِ: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾ اخْتُلِفَ فِي مَكَانِ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، فَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: بَحْرُ فَارِسٍ وَالرُّومِ، وَعَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ مِثْلُهُ أَخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ قَالَ: هُمَا الْكَرُّ وَالرَّسُّ حَيْثُ يَصُبَّانِ فِي الْبَحْرِ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَجْمَعُ الْبَحْرَيْنِ ذِرَاعٌ فِي أَرْضِ فَارِسٍ مِنْ جِهَةِ أَذْرَبِيجَانَ مِنَ الْبَحْرِ الْمُحِيطِ مِنْ شِمَالَيْهِ إِلَى جَنُوبَيْهِ وَطَرَفَيْهِ مِمَّا يَلِي بَرَّ الشَّامِ. وَقِيلَ هُمَا بَحْرُ الْأُرْدُنِّ وَالْقَلْزَمِ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ: مَجْمَعُ الْبَحْرَيْنِ بِطَنْجَةَ. وَعَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ قَالَ بَعْضُهُمْ: بَحْرُ أَرْمِينِيَّةَ.

وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: بِإِفْرِيقِيَةَ. أَخْرَجَهُمَا ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ لَكِنِ السَّنَدَ إِلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ضَعِيفٌ. وَهَذَا اخْتِلَافٌ شَدِيدٌ. وَأَغْرَبُ مِنْ ذَلِكَ مَا نَقَلَهُ الْقُرْطُبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْمُرَادُ الْبَحْرَيْنِ اجْتِمَاعُ مُوسَى وَالْخَضِرِ لِأَنَّهُمَا بَحْرَا عِلْمٍ، وَهَذَا غَيْرُ ثَابِتٍ وَلَا يَقْتَضِيهِ اللَّفْظُ، وَإِنَّمَا يَحْسُنُ أَنْ يُذْكَرَ فِي مُنَاسَبَةِ اجْتِمَاعِهِمَا بِهَذَا الْمَكَانِ الْمَخْصُوصِ، كَمَا قَالَ السُّهَيْلِيُّ: اجْتَمَعَ الْبَحْرَانِ بِمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ.

قَوْلُهُ: ﴿أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾ زَمَانًا، وَجَمْعُهُ أَحْقَابٌ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ قَالَ: وَيُقَالُ فِيهِ أَيْضًا حِقْبَةٌ أَيْ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَالْجَمْعُ حِقَبٌ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: الْحِقَبُ الزَّمَانُ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْحِقَبُ الدَّهْرُ. وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: الْحِقَبُ الْحِينُ أَخْرَجَهُمَا ابْنُ الْمُنْذِرِ. وَجَاءَ تَقْدِيرُهُ عَنْ غَيْرِهِمْ، فَرَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ ثَمَانُونَ سَنَةً، وَرَوَى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ سَبْعُونَ. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ قِصَّةَ مُوسَى وَالْخَضِرِ، وَسَأَذْكُرُ شَرْحَ ذَلِكَ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ.

٣ - بَاب ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا﴾ مَذْهَبًا يَسْرُبُ: يَسْلُكُ، وَمِنْهُ ﴿وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٤٧٢٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ) عبد الله بن الزُّبير قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بنُ عُيينةَ قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ قَالَ: قُلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ نَوْفًا البِكَالِيَّ) بفتح النُّون وسكون الواو وبالفاء المفتوحة، و «البِكالي» بكسر الموحَّدة وتخفيف الكاف وتشدَّد، وهو الذي في «اليونينيَّة» وغيرها (١)، ابنَ فَضالة -بفتح الفاء والمعجمة- ابن امرأة كعب، ولأبي ذَرٍّ: «البَكالي» بفتح الموحَّدة (يَزْعُمُ أَنَّ مُوسَى صَاحِبَ الخَضِرِ لَيْسَ هُوَ مُوسَى صَاحِبَ بَنِي إِسْرَائِيلَ) وإنَّما هو موسى بن ميشا بن إفراثيم بن يوسف بن يعقوب (فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَذَبَ عَدُوُّ اللهِ) نوفٌ، خرج منه مخرجَ الزَّجرِ والتَّحذير، لا القدْح (٢) في نوفٍ؛ لأنَّ ابن عبَّاس قال ذلك في حال غضبه، وألفاظُ الغضب تقع على غيرِ الحقيقة غالبًا، وتكذيبُه له لكونه

قال غيرَ الواقع، ولا يلزمُ منه تعمُّدُه (حَدَّثَنِي) بالإفراد (أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ) الأنصاريُّ: (أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ يَقُولُ: إِنَّ مُوسَى قَامَ خَطِيبًا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ) نصٌّ في أنَّ موسى صاحبُ بني إسرائيل، ففيه ردٌّ على نوف البَِكالي (فَسُئِلَ: أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ؟) أي: منهم (فَقَالَ: أَنَا) أي: أعلمُ النَّاس، قاله بحسبِ اعتقاده؛ لأنَّه نبيُّ ذلك الزَّمان، ولا أحد في زمانه أعلمُ منه، فهو خبرٌ صادقٌ على المذهبين، على قول مَن قال: صِدقُ الخبر مطابقتُه لاعتقاد المخبر ولو أخطأ، وهذا في غاية الظهور، وعلى قول مَن قال: صِدُق الخبر مطابقتُه للواقع؛ فهو إخبارٌ عن ظنِّه الواقعِ له؛ إذ معناه: أنا أعلم في ظَنِّي واعتقادي، وهو كان يظنُّ ذلك قطعًا، فهو مطابقٌ للواقع، وهذا الذي قالوه (١) هنا أبلغ من قوله في «باب الخروج في طلب العلم» [خ¦٧٨]: «هل تعلم أنَّ أحدًا أعلمُ منك؟ فقال: لا» فإنَّه نفى هناك علمه، وهنا على البَتِّ (فَعَتَبَ اللهُ عَلَيْهِ؛ إِذْ) بسكون الذَّال للتَّعليل (لَمْ يَرُدَّ العِلْمَ إِلَيْهِ) فيقول نحو: اللهُ أعلم، كما قالت الملائكة: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا﴾ [البقرة: ٣٢] وعتب اللهُ عليه لئلَّا يقتدي به فيه مَن لم يبلغْ كمالَه في تزكيةِ نفسِهِ وعلوِّ درجته من أمَّته فيهلِك؛ لِمَا تضمَّنَه مِن مدح الإنسان نفسه، ويورثه ذلك من الكِبْر والعُجْب والدَّعوى، وإنْ نُزِّه عن هذه الرذائل الأنبياءُ فغيرهم بمدرجة سبيلها (٢) ودَرْكِ ليلِها إلَّا مَن عصمَه الله، فالتحفُّظُ منها أَولى لنفسه وليُقتدى به، ولهذا قال نبينا تحفُّظًا مِن مثل هذا ممَّا قد عَلِمَ به: «أنا سيِّدُ ولدِ آدمَ ولا فخرَ» ووجه الرَّدِّ عليه فيما ظنَّه كما ظنَّ نبيُّنا أنَّه لم يقع منه نسيانٌ في قِصَّة ذي اليدين (٣) (فَأَوْحَى اللهُ) ﷿ (إِلَيْهِ) إلى موسى (٤): (إِنَّ لِي عَبْدًا بِمَجْمَعِ البَحْرَيْنِ) هو الخضر ، ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «عند مجمع البحرين» (هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ) بشيءٍ مخصوص، لا يقتضي أفضليَّتَه به على موسى، كيف وموسى جُمِعَ له بين الرِّسالة والتكليم والتوراة، وأنبياءُ بني إسرائيل داخلون كلُّهم تحت شريعته، وغايةُ الخضرِ أن يكونَ كواحدٍ منهم (قَالَ مُوسَى: يَا رَبِّ، فَكَيْفَ

لِي بِهِ؟) أي: كيف يتهيَّأ ويتيسَّرُ لي أن أظفر به؟ (قَالَ: تَأْخُذُ مَعَكَ حُوتًا) مِنَ السَّمك (فَتَجْعَلُهُ فِي مِكْتَلٍ) بكسر الميم وفتح الفوقيَّة؛ الزنبيل الكبير، ويُجمع على مكاتِل (فَحَيْثُمَا فَقَدْتَ الحُوتَ) بفتح القاف، أي: تغيَّبَ عن عينيك (فَهْوَ) أي: الخضر (ثَمَّ) بفتح المثلَّثة، أي: هناك (فَأَخَذَ) موسى (حُوتًا فَجَعَلَهُ فِي مِكْتَلٍ) كما وقع الأمر به (ثُمَّ انْطَلَقَ، وَانْطَلَقَ مَعَهُ بِفَتَاهُ (١)) ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «معه فتاه» (يُوشَعَ بْنِ نُونٍ) بالصَّرف كـ «نوح» (حَتَّى إِذَا أَتَيَا الصَّخْرَةَ) التي عند مجمع البحرين (وَضَعَا رُؤُوْسَهُمَا فَنَامَا) بالفاء، ولأبي ذَرٍّ عنِ الحَمُّويي والمُستملي: «وناما» (وَاضْطَرَبَ الحُوتُ) أي: تحرَّكَ (فِي المِكْتَلِ) لأنَّه أصابه مِن ماء عين الحياة الكائنة في أصل الصخرة شيءٌ؛ إذ إصابتها مقتضيةٌ للحياة (فَخَرَجَ مِنْهُ، فَسَقَطَ فِي البَحْرِ ﴿فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ﴾) أي: طريقَه (﴿فِي الْبَحْرِ سَرَبًا﴾ [الكهف: ٦١]) أي: مَسْلَكًا (وَأَمْسَكَ اللهُ عَنِ الحُوتِ جِرْيَةَ المَاءِ، فَصَارَ عَلَيْهِ مِثْلَ الطَّاقِ) أي: مثلَ عقدِ البناء، وعند مسلمٍ من رواية أبي إسحاق: «فاضطرب الحوت في الماء، فجعل يلتئِمُ عليه حتى صار مثل الكوَّة» (فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ) موسى (نَسِيَ صَاحِبُهُ) يوشع (أَنْ يُخْبِرَهُ بِالحُوتِ) أي: بما كان مِن أمره (فَانْطَلَقَا) سائرين (بَقِيَّةَ يَوْمِهِمَا وَلَيْلَتَهُمَا) بنصب الفوقيَّة (حَتَّى إِذَا كَانَ مِنَ الغَدِ قَالَ مُوسَىَ لِفَتَاهُ) يوشع: (﴿آتِنَا غَدَاءنَا﴾) بفتح الغين ممدودًا، أي: طعامَنا الذي نأكلُه أوَّل النَّهار (﴿لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ [الكهف: ٦٢]) أي: تعبًا، ومرادُه: السَّيرُ بقيةَ اليوم والذي يليه، وفي الإشارة بهذا إشعارٌ بأنَّ هذا المسير كان أتعبَ لهما ممَّا سبق، فإنَّ رجاءَ المطلوبِ يُقَرِّبُ البعيد، والخيبة تُبعِدُ القريبَ؛ ولذا (قَالَ: وَلَمْ يَجِدْ مُوسَى النَّصَبَ حَتَّى جَاوَزَ المَكَانَ الَّذِي أَمَرَ اللهُ بِهِ) فألقى عليه الجوع والنَّصب (فَقَالَ لَهُ فَتَاهُ) يوشع: (﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ﴾) أي: فإنِّي نسيتُ أن أخبرَك بخبرِ الحوت، ونَسَبَ النِّسيانَ لنفسه؛ لأنَّ موسى كان نائمًا إذ ذاك، وكره يوشَعُ أن يوقظَه، ونسيَ أن يُعْلِمَهُ بعدُ لِمَا قدَّرَه (٢) اللهُ تعالى عليهما مِن الخُطا.

............. … ومَنْ كُتبِتْ (١) عليه خُطًا مَشَاها

(﴿وَمَا أَنسَانِيهُ﴾) أي: وما أنساني ذكرَه (﴿إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾) نَسَبَه للشَّيطان تأدُّبًا مع الباري تعالى؛ إذ نسبةُ النُّقصِ للنَّفس والشَّيطان أليقُ بمقامِ الأدبِ (﴿وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ (٢) عَجَبًا﴾ [الكهف: ٦٣]) يجوز أن يكون (٣) ﴿عَجَبًا﴾ مفعولًا ثانيًا لـ ﴿اتَّخَذَ﴾ أي: واتخذ سبيله في البحر سبيلًا عجبًا (٤): وهو كونه كالسَّرَب، والجارُّ والمجرور متعلِّق بـ ﴿اتَّخَذَ﴾ وفاعل ﴿اتَّخَذَ﴾ قيل: الحوت، وقيل: موسى، أي: اتَّخذ موسى سبيل الحوت في البحر عَجَبًا (قَالَ: فَكَانَ) دخول الحوت في الماء (لِلْحُوتِ سَرَبًا) مَسلكًا (وَلِمُوسَى وَلِفَتَاهُ عَجَبًا) وهو أنَّ أثرَه بقي إلى حيث سار، أو جمد الماء تحته، أو صار صخرًا، أو ضرب بذنبه فصار المكان يَبَسًا، وعند ابن أبي حاتم من طريق قتادة قال: عَجِبَ موسى أن تَسْرُب (٥) حوتٌ مملَّح في مِكْتَلٍ (فَقَالَ مُوسَى) ليوشع: (﴿ذَلِكَ﴾) الذي ذكرتَه مِن حياة الحوت ودخوله في (٦) البحر (﴿مَا كُنَّا نَبْغِ﴾) أي: الذي نطلبُه؛ إذ هو آيةٌ على المطلوب (﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ [الكهف: ٦٤] قَالَ: رَجَعَا) في الطَّريق الذي جاءا فيه (يَقُصَّانِ آثَارَهُمَا) قَصَصًا، أي: يتبعان آثارَ مسيرهما (٧) اتِّباعًا، قال صاحب «الكشف» -فيما حكاه الطِّيبيُّ عنه-: ﴿قَصَصًا﴾: مصدرٌ لفعلٍ مضمرٍ يدُلُّ عليه ﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا﴾ إذ معنى: فارتدا على آثارهما واقتصا الأثر واحدٌ (حَتَّى انْتَهَيَا إِلَى الصَّخْرَةِ) أي: التي فعل فيها الحوت ما فعل، كما عند النَّسائيِّ في روايته، فذهبا يلتمسان الخَضِر (فَإِذَا رَجُلٌ) نائم (مُسَجًّى ثَوْبًا) بضمِّ الميم وفتح المهملة وتشديد الجيم منوَّنة (٨)، ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْميهَنيّ: «بثوبٍ» أي: مغطًّى كلُّه به،

ولمسلمٍ: «مُسَجًّى ثوبًا مستلقيًا على القفا» ولعبد بن حُميد من طريق أبي العالية: «فوجده نائمًا في جزيرة من جزائر البحر ملتفًّا بكساءٍ» (فَسَلَّمَ عَلَيْهِ مُوسَى، فَقَالَ الخَضِرُ) أي: بعد أن كشف وجهه، كما في الرِّواية الآتية [خ¦٤٧٢٦] هنا إن شاء الله تعالى: (وَأَنَّى) بفتح الهمزة والنون المشدَّدة، أي: وكيف (١) (بِأَرْضِكَ السَّلَامُ؟) وفي الرواية الآتية: «وهل بأرضي من سلام؟» وفيه دلالة: على أنَّ أهل تلك الأرض لم يكونوا مسلمين، أو كانت تحيَّتُهم غيرَه (قَالَ: أَنَا مُوسَى) في الآتية [خ¦٤٧٢٦] «قال: مَن أنت؟ قال: أنا موسى» (قَالَ) أي: الخضر: أنت (مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ؟ قَالَ) أي: موسى: (نَعَمْ، أَتَيْتُكَ لِتُعَلِّمَنِي) وفي الرِّواية الآتية [خ¦٤٧٢٦]: «قال: ما شأنُك؟ قال: جئتُ لتعلِّمَني» (مِمَّا عُلِّمْتَ رَشَدًا) قال أبو البقاء: ﴿رُشْدًا﴾ مفعولُ «تعلِّمني» ولا يجوزُ أن يكونَ مفعول «عُلِّمْتَ» لأنَّه لا عائدَ إذن على الموصول، أي: علمًا ذا رَشَدٍ (﴿قَالَ﴾) أي: الخضر لموسى: (﴿إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٦٧]) نفى عنه استطاعةَ الصَّبر معه على وجوهٍ من (٢) التَّأكيد، وهو عِلَّةٌ لمنعه مِنِ اتِّباعه، فإنَّ موسى لمَّا قال: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ﴾ كأنَّه قال: لا لأنَّك لن تستطيع معي صبرًا، وعبَّر بالصيغة الدَّالَّةِ على استمرار النَّفي؛ لِمَا أطلعه الله عليه مِن أنَّ موسى لا يَصْبر على ترك الإنكار إذا رأى ما يخالف الشرع لمكان عصمته، قال الخضر : (يَا مُوسَى إِنِّي عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللهِ عَلَّمَنِيهِ لَا تَعْلَمُهُ) جميعَه (أَنْتَ، وَأَنْتَ

عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللهِ عَلَّمَكَ اللهُ) ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «علَّمَكَهُ الله» (لَا أَعْلَمُهُ) جميعَه، وهذا التَّقديرُ أو (١) نحوُه واجبٌ لا بدَّ منه، وقد غَفَلَ بعضُهم عن ذلك، فقال في مجموعٍ له لطيفٍ في الخصائص النَّبويَّة: إنَّ مِن خصائص نبينا أنَّه جُمعتْ له الشَّريعة والحقيقة، ولم يكن للأنبياء إلَّا إحداهما (٢)؛ بدليل قِصَّة موسى مع الخضر، وقولِه: «إنِّي على علم لا ينبغي لك أن تعلمه، وأنت على علم لا ينبغي لي أن أعلمه» وهذا الذي قاله يلزمُ منه خلوُّ أُولي العَزْم عليهم الصلاة والسلام -غير نبيِّنا- من علم الحقيقة الذي لا ينبغي خلوُّ بعضِ آحادِ الأولياء عنه، وإخلاء الخضر

عن (١) علم الشَّريعة الذي لا يجوز لآحاد المكلَّفين الخلوَّ عنه؟! وهذا لا يخفى ما فيه من الخطر العظيم، واحتجَّ لذلك بقوله: إنَّه أراد الجمع في الحكم والقضاء تمسُّكًا بحديث السَّارق في زمنه ، قال: «اقتلوه» فقيل: إنَّما سرق، فقال: «اقطعوه» إلى أن أتى على قوائمه الأربع، ثم سَرَق في زمن الصِّدِّيق بفيه فأمر بقتله، قلت: وهو مرويٌّ عند الدَّارقطنيِّ من حديث جابر بلفظ: إنَّ النَّبيَّ أُتي بسارق فقطع يده، ثم أُتي به ثانيًا فقطع رجله، ثم أُتي به ثالثًا فقطع يده، ثم أُتي به رابعًا فقطع رجله، ثم أتي به خامسًا فقتله، وفيه محمَّد بن يزيد بن سنان (٢)، وقال الدَّارقطنيُّ -فيما حكاه الحافظ ابن حجرٍ في «أمالي الرَّافعي» - إنَّه ضعيفٌ، قال: ورواه أبو داود والنَّسائي بلفظ: «جيء بسارقٍ إلى رسول الله فقال: اقتلوه، فقالوا (٣): يا رسول الله إنَّما سرق، قال: اقطعوه فقُطع، ثم جيءَ به الثَّانية، فقال: اقتلوه، فقالوا: يا رسول الله؛ إنَّما سرق، قال: اقطعوه (٤) فذكره كذلك، قال: فجيء به الخامسة، فقال: اقتلوه، قال جابر: فانطلقنا به إلى مربد النَّعَم فاستلقى على ظهره، فقتلناه، ثم اجتررناه فألقيناه في بئر، ورمينا عليه الحجارة»، وفي إسناده مصعب بن ثابت، وقد قال النسائيُّ: ليس بالقوي، وهذا الحديث منكر، ولا أعلم فيه حديثًا صحيحًا، ورواه النَّسائيُّ والحاكم عن الحارث بن حاطب الجُمَحيِّ، وأبو نُعيم في «الحلية» عن عبد الله بن زيد الجُهنِّي، وقال ابنْ عبد البَرِّ: حديثُ القتل منكرٌ لا أصلَ له، وقال الشَّافعيُّ: منسوخٌ، لا خلاف فيه عند أهل العلم. انتهى. وهذا لا دلالة فيه أصلًا على ما ادَّعاه من مراده على ما لا يخفى، ولئن سلَّمنا ذلك كان عليه أن يُلحق ذلك في مجموعه المذكور عقب قوله ذلك؛ ليَسْلَمَ من وَصْمَةِ الإطلاق؛ إذِ المراد لا يدفع الإيراد، لكنا لا نسلِّمُه، فتأمَّلْه.

(فَقَالَ مُوسَى: ﴿سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللهُ صَابِرًا﴾) على ما أرى منك غيرَ منكِرٍ عليك، وعلَّق الوعدَ بالمشيئة للتَّيمُّن، أو عِلمًا منه بشدَّة الأمر وصعوبته؛ فإنَّ مشاهدة الفساد شيءٌ لا يُطاق (﴿وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ [الكهف: ٦٩]) أي: ولا أُخالفُك في شيءٍ (فَقَالَ لَهُ الخَضِرُ: ﴿فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ﴾) تُنكِرُه منِّي ولم تعلم وجه صِحَّتِه (﴿حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ [الكهف: ٧٠]) حتى أبدأَك أنا به قبل أن تسألَني (﴿فَانطَلَقَا﴾) لمَّا توافقا، واشترط عليه ألَّا يسأله عن شيءٍ أنكرَه عليه حتى يبدأ به (يَمْشِيَانِ عَلَى سَاحِلِ البَحْرِ، فَمَرَّتْ سَفِينَةٌ فَكَلَّمُوهُمْ) أي: موسى والخضر ويوشع كلَّموا أصحاب السفينة (أَنْ يَحْمِلُوهُمْ، فَعَرَفُوا) أي: أصحاب السفينة (الخَضِرَ، فَحَمَلُوهُ) أي: الخضر ومَن معه، ولأبي ذَرٍّ: «فحملوهم» (١) وله أيضًا: «فحُمِلُوا» أي: الثَّلاثة، وهو مبنيٌّ لما لم يُسَمَّ فاعلُه (بِغَيْرِ نَوْلٍ) بفتح النُّون؛ بغير أجرٍ إكرامًا للخضر (فَلَمَّا رَكِبَا) موسى والخضرُ (فِي السَّفِينَةِ) لم يَذكر يُوشَع؛ لأنَّه تابع غيرُ مقصودٍ بالأصالة (لَمْ يَفْجَأْ) موسى بعد أن صارت السَّفينةُ في لجَّةِ البحرِ (إِلَّا وَالخَضِرُ قَدْ قَلَعَ لَوْحًا مِنْ أَلْوَاحِ السَّفِينَةِ بِالقَدُومِ) بفتح القاف وضمِّ الدَّال المهملة المخفَّفة (٢)، فانخرقت (فَقَالَ لَهُ مُوسَى) منكِرًا عليه بلسان الشَّريعة: هؤلاء (قَوْمٌ حَمَلُونَا) ولأبي ذرٍّ: «قد حملونا» (بِغَيْرِ نَوْلٍ، عَمَدْتَ) بفتح الميم (إِلَى سَفِينَتِهِمْ فَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا) قيل: اللَّام في «لِتُغرِقَ» للعلَّة، ورُجِّح كونَها للعاقبة؛ كقوله:

..................... … لِدُوا لِلْمَوْتِ وابنُوا لِلْخَرَابِ

(﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾ [الكهف: ٧١]) عظيمًا أو مُنكَرًا (﴿قَالَ﴾) الخضرُ مُذَكِّرًا لِمَا مرَّ مِنَ الشَّرط: (﴿أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٧٢]) استفهامٌ إنكاريٌّ (﴿قَالَ﴾) موسى للخضرِ: (﴿لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾) من وصيَّتِكَ.

وفي هذا النِّسيان أقوالٌ:

أحدُها: أنَّه على حقيقته لِمَا رأى فعلَه المؤدِّي إلى إهلاك الأموال والأنفس؛ فلِشدَّة غضبه لله نَسِيَ، ويؤيِّدُه قوله في هذا الحديث قريبًا: «وكانت الأولى من موسى نسيانًا» [خ¦٤٧٢٦].

الثَّاني: أنَّه لم ينسَ ولكنَّه مِن المعاريض، وهو مرويٌّ عنِ ابن عبَّاس؛ لأنَّه إنَّما (١) رأى العهد في أن يسأل، لا في إنكار هذا الفعل، فلمَّا عاتبه الخضِر بقوله: ﴿إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ﴾ قال: ﴿لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾ أي: في الماضي، ولم يقل: إنِّي نسيتُ وصيَّتَك.

الثَّالث: أنَّ النِّسيان بمعنى التَّرك، وأطلقه عليه؛ لأنَّ النِّسيان سبب للترك؛ إذ هو من ثمراته، أي: لا تؤاخذني بما تركته ممَّا عاهدتك عليه، فإنَّ المرَّة الواحدة معفوٌّ عنها، ولا سيَّما إذا كان لها سببٌ ظاهرٌ.

(﴿وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾ [الكهف: ٧٣]) لا تضايقني بهذا القدر فتعسُر مصاحبتُك، أو لا تكلِّفني ما لا أقدرُ عليه (قَالَ) أُبيُّ بن كعبٍ: (وَقَالَ رَسُولُ اللهِ : وَكَانَتِ الأُولَى) ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «وكانت في الأولى» (مِنْ مُوسَى نِسْيَانًا، قَالَ: وَجَاءَ عُصْفُورٌ) بضمِّ العين (فَوَقَعَ عَلَى حَرْفِ السَّفِينَةِ، فَنَقَرَ فِي البَحْرِ نَقْرَةً، فَقَالَ لَهُ) أي: لموسى (الخَضِرُ: مَا عِلْمِي وَعِلْمُكَ مِنْ عِلْمِ اللهِ) أي: مِن معلومه، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «في علم الله» (إِلَّا مِثْلُ مَا نَقَصَ هَذَا العُصْفُورُ مِنْ هَذَا البَحْرِ) ونقصُ العصفورِ لا تأثيرَ له، فكأنَّه لم يأخذ شيئًا، ولا ريبَ أنَّ علمَ الله لا يدخُلُه نقصٌ (ثُمَّ خَرَجَا مِنَ السَّفِينَةِ) بعد أنِ اعتذر موسى له، وسأله ألَّا (٢) يرهقَه مِن أمرِه عسرًا، وقَبِلَ عُذْرَه وأجاب سؤالَه وأدامه (٣) على الصحبة (٤) (فَبَيْنَا) بغير ميم

(هُمَا يَمْشِيَانِ عَلَى السَّاحِلِ؛ إِذْ بَصُرَ الخَضِرُ) بفتح الموحَّدة وضمِّ الصَّاد المهملة (غُلَامًا يَلْعَبُ مَعَ الغِلْمَانِ) قيل: اسمه جيسور، وقيل: حيسور، وقيل: حنسور (١)، وقيل: حيسون (٢) وقيل: شمعون، وقيل غير ذلك ممَّا لم يثبت، ولعلَّ المفسِّرين نقلوه من كتب أهل الكتاب (فَأَخَذَ الخَضِرُ رَأْسَهُ بِيَدِهِ فَاقْتَلَعَهُ بِيَدِهِ) ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي والكُشْميهَنيِّ: «برأسه فاقتلعه» (فَقَتَلَهُ، فَقَالَ لَهُ مُوسَى) لمَّا شاهد ذلك منه منكِرًا عليه أشدَّ مِنَ الأوَّل: (﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾) بالألف والتَّخفيف، وهي قراءة الحِرْمِيَّيْنِ وأبي عمرٍو؛ اسم فاعل مِن «زكا» أي: طاهرةً مِنَ الذُّنوب، ووصفها بهذا الوصف؛ لأنَّه لم يرها أذنبت، أو لأنَّها صغيرة لم تبلغ الحِنْث، لكن قولُه: (﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾) يردُّه؛ إذ لو كان لم يحتلم؛ لم يجب قتله بنفس ولا بغير نفس، وقرأَهُ الباقون بالتَّشديد مِن غير ألفٍ، أخرجوه إلى «فعيلة» للمبالغة؛ لأنَّ «فعيلًا» المحوَّل مِن فاعل يَدلُّ على المبالغة، وحكى القرطبيُّ عن صاحب «العرس والعرائس»: أنَّ موسى لمَّا قال للخضر: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾ غضب الخضرُ، واقتلعَ كَتِفَ الصَّبيِّ الأيسر، وقشرَ اللحمَ عنه، وإذا في عظم كَتِفِه (٣) مكتوبٌ: كافرٌ لا يُؤمنُ بالله أبدًا (﴿لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا﴾ [الكهف: ٧٤]) منكرًا تُنكِرُه العقول، وتنفِرُ عنه النُّفوس، وهو أبلغ في (٤) تقبيح الشَّيء مِنَ الإِمْرِ، وقيل: بالعكس؛ لأنَّ الإِمْرَ هو الدَّاهيةُ العظيمة (﴿قَالَ﴾) الخضرُ: (﴿أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْرًا﴾ [الكهف: ٧٥]) قال في «الكشاف»: فإن قلت: ما معنى زيادة ﴿لَكَ﴾؟ قلت: زيادة المكافحة بالعتاب على رفض

الوصية، والوسم بقِلَّة الصَّبر عند الكرَّة الثَّانية (قَالَ) أي: سفيانُ بنُ عُيينةَ، كما في «كتاب العلم» [خ¦١٢٢]: (وَهَذَا) ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «وهذه» (أَشَدُّ مِنَ الأُولَى) لِمَا فيها من زيادة ﴿لَّكَ﴾ (﴿قَالَ﴾) موسى له: (﴿إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا﴾ [الكهف: ٧٦]) أي: بعد هذه المرَّة، أو بعد هذه القِصَّة، فأعاد الضَّمير عليها وإن كانت لم يتقدَّم لها ذكر صريحٌ؛ حيث كانت في ضمن القول (﴿فَلَا تُصَاحِبْنِي﴾) وإن طلبتُ صحبتكَ (﴿قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْرًا﴾) أي: قد أعذرت (١) إليَّ مرَّة بعد أُخرى، فلم يبقَ موضعٌ للاعتذار (﴿فَانطَلَقَا﴾) بعد المرَّتين الأولتين (٢) (﴿حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ﴾) قيل: هي أنطاكية أو أذربيجان أو الأبلّة أو بوقة أو ناصرة أو جزيرة الأندلس، قال في «الفتح»: وهذا الاختلاف قريبٌ من الاختلاف في المراد بمجمع البحرين، وشدَّة التَّباين في ذلك يقتضي (٣) ألَّا يُوثق بشيءٍ من ذلك، وعند مسلمٍ من رواية أبي إسحاق: «أهل قرية لئامًا» أي: بخلاء، فطافا المجالس (﴿اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا﴾) واستضافوهم (﴿فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا﴾) عرضُه خمسون ذِراعًا في مئة ذراعٍ بذراعهم، قاله الثَّعلبيُّ، وقال غيرُه: سُمكه مئتا ذِراع، وظله على وجه الأرض خمس مئة ذراع وعرضه خمسون (﴿يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ﴾) إسنادُ الإرادة إلى الجدار على سبيل الاستعارة؛ فإنَّ الإرادة للجدار لا حقيقة لها، وقد كان أهلُ القرية يمرُّون تحته خائفين (قَالَ) في معنى ﴿يَنقَضَّ﴾: إنَّه (مَائِلٌ، فَقَامَ الخَضِرُ ﴿فَأَقَامَهُ﴾ بِيَدِهِ) أي: فردَّه إلى حالة الاستقامة، وهذا خارقٌ، ولأبي ذَرٍّ: «فقال الخضر بيده فأقامه» (فَقَالَ مُوسَى) لمَّا رأى مِن (٤) شدَّة الحاجة والاضطرار والافتقار إلى المطعم، وحرمان أصحاب الجدار لهم (قَوْمٌ أَتَيْنَاهُمْ) فاستطعمناهم واستضفناهم (فَلَمْ يُطْعِمُونَا، وَلَمْ يُضَيِّفُونَا، ﴿لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ﴾) بهمزة وصلٍ وتشديد الفوقيَّة وفتح الخاء، وهي قراءة غير أبي عمرو وابن كثير (﴿عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الكهف: ٧٧]) أي: جُعلًا نستعينُ به في عشائِنا (﴿قَالَ﴾) الخضر له: (﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾) بإضافة الفِراق إلى البين إضافةَ المصدر إلى الظَّرف على الاتِّساع (إِلَى قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٧٨ - ٨٢]) أي: هذا

التفسير، أي: المذكور (١) في الآية: ما ضقتَ به ذَرْعًا، ولم تصبر حتى أخبركَ به ابتداءً (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ : وَدِدْنَا) بفتح الواو وكسر الدَّال الأولى وسكون الثَّانية (أَنَّ مُوسَى كَانَ صَبَرَ حَتَّى يَقُصَّ اللهُ عَلَيْنَا مِنْ خَبَرِهِمَا) إذ لو صبرَ لرأى أعجب الأعاجيب.

(قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ) بالسَّند السَّابق: (فَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقْرَأُ: (وَكَانَ أَمَامَهُمْ مَلِكٌ)) بكسر اللام ((يَأْخُذُ كُلَّ سَفِيْنَةٍ صَالِحَةٍ غَصْبًا)، وَكَانَ يَقْرَأُ) أيضًا: ((وأَمَّا الغُلَامُ فَكَانَ كَافِرًا وَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ) [الكهف: ٨٠]) وهذه قراءةٌ شاذَّةٌ؛ لمخالفتها المصحف العثماني، لكنها كالتَّفسير.

وهذا الحديث سبق في «كتاب العلم» [خ¦٧٤] [خ¦٧٨] [خ¦١٢٢] وأخرجه المؤلِّف في أكثر من عشرة مواضع من كتابه «الجامع» [خ¦٢٢٦٧] [خ¦٢٧٢٨] [خ¦٣٢٧٨] [خ¦٣٤٠٠] [خ¦٤٧٢٦] [خ¦٤٧٢٧] [خ¦٦٦٧٢] [خ¦٧٤٧٨].

(٣) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (قوله) ﷿: (﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا﴾) أي: مجمع البحرين، و ﴿بَيْنِهِمَا﴾: ظرفٌ أُضيفَ إليه على الاتساع (﴿نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ [الكهف: ٦١]) نسي يوشعُ أنْ يَذْكُرَ لموسى ما رأى من حياة الحوت ووقوعه في البحر، ونسي موسى أن يطلبه ويتعرَّف حاله؛ ليشاهد منه تلك الأمارة التي جعلت لها، وذلك أنَّ موسى وُعِدَ أنَّ لقاء الخضر عند مجمع البحرين كما مَرَّ، وأنَّ فَقْدَ الحوتِ علامةٌ للقائه، فلمَّا بلغ الموعد؛ كان مِن حقِّهما أن يتفقدا أمر الحوت، أمَّا الفتى فلكونه كان خادمًا له وكان عليه أن يقدِّمه بين يديه، وأمَّا موسى فلكونه كان أميرًا عليه (٢) كان عليه أن يأمُرَه بإحضاره، فنسي كلُّ واحدٍ ما عليه، وإنَّما احتيج إلى التَّأويل؛ لأنَّ النِّسيان لا يتعلَّقُ بالذَّوات، كما سبق عن الرَّاغب في تعريفه النِّسيان: تركُ ضَبْطِ ما استَودع، إمَّا لضعف قلبه، وإما عن غفلة أو عن قَصْدٍ، حتى يحذف عن القلب ذكره، قاله في «فتوح الغيب» (﴿فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ﴾ سَرْبًا) بسكون الرَّاء في الفرع كأصله (٣)، ولأبي ذَرٍّ: «﴿سَرَبًا﴾

[الكهف: ٦١]» بفتحها، أي: (مَذْهَبًا، يَسْرُبُ: يَسْلُكُ، وَمِنْهُ) أي: ومن «سربًا» قوله: (﴿وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ [الرعد: ١٠]) قال أبو عبيدة أي: سالك في سربه، أي: مذهبه، وسقط لفظ «باب» لغير أبي ذَرٍّ، وسقط له لفظ «قوله».

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.5 / 29.5
الإضاءة 7%
البدر بعد 12 يوم
اللهم صل على محمد