(وَكَانَ أَمَامَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صَالِحَةٍ⦗٩٣⦘غَصْبًا)…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٧٢٧

الحديث رقم ٤٧٢٧ من كتاب «سورة الكهف» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب فلما جاوزا قال لفتاه آتنا غداءنا.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٤٧٢٧ في صحيح البخاري

(وَكَانَ أَمَامَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صَالِحَةٍ

⦗٩٣⦘

غَصْبًا) (وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ كَافِرًا)

﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالا﴾

إسناد حديث البخاري رقم ٤٧٢٧

٤٧٢٧ - حَدَّثَنِي قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: «قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ نَوْفًا البَِكَالِيَّ يَزْعُمُ: أَنَّ مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ لَيْسَ بِمُوسَى الْخَضِرِ، فَقَالَ: كَذَبَ عَدُوُّ اللهِ. حَدَّثَنَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، عَنْ رَسُولِ اللهِ قَالَ: قَامَ مُوسَى خَطِيبًا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَقِيلَ لَهُ:

⦗٩٢⦘

أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ؟ قَالَ: أَنَا، فَعَتَبَ اللهُ عَلَيْهِ، إِذْ لَمْ يَرُدَّ الْعِلْمَ إِلَيْهِ، وَأَوْحَى إِلَيْهِ: بَلَى، عَبْدٌ مِنْ عِبَادِي بِمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ، قَالَ: أَيْ رَبِّ، كَيْفَ السَّبِيلُ إِلَيْهِ؟ قَالَ: تَأْخُذُ حُوتًا فِي مِكْتَلٍ، فَحَيْثُمَا فَقَدْتَ الْحُوتَ فَاتَّبِعْهُ، قَالَ: فَخَرَجَ مُوسَى وَمَعَهُ فَتَاهُ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، وَمَعَهُمَا الْحُوتُ، حَتَّى انْتَهَيَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَنَزَلَا عِنْدَهَا، قَالَ: فَوَضَعَ مُوسَى رَأْسَهُ فَنَامَ. قَالَ سُفْيَانُ: وَفِي حَدِيثِ غَيْرِ عَمْرٍو قَالَ: وَفِي أَصْلِ الصَّخْرَةِ عَيْنٌ يُقَالُ لَهَا الْحَيَاةُ، لَا يُصِيبُ مِنْ مَائِهَا شَيْءٌ إِلَّا حَيِيَ، فَأَصَابَ الْحُوتَ مِنْ مَاءِ تِلْكَ الْعَيْنِ، قَالَ: فَتَحَرَّكَ وَانْسَلَّ مِنَ الْمِكْتَلِ فَدَخَلَ الْبَحْرَ، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ مُوسَى قَالَ ﴿لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا﴾ الْآيَةَ، قَالَ: وَلَمْ يَجِدِ النَّصَبَ حَتَّى جَاوَزَ مَا أُمِرَ بِهِ، قَالَ لَهُ فَتَاهُ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ﴾ الْآيَةَ، قَالَ: فَرَجَعَا يَقُصَّانِ فِي آثَارِهِمَا، فَوَجَدَا فِي الْبَحْرِ كَالطَّاقِ مَمَرَّ الْحُوتِ، فَكَانَ لِفَتَاهُ عَجَبًا، وَلِلْحُوتِ سَرَبًا، قَالَ: فَلَمَّا انْتَهَيَا إِلَى الصَّخْرَةِ، إِذْ هُمَا بِرَجُلٍ مُسَجًّى بِثَوْبٍ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ مُوسَى، قَالَ: وَأَنَّى بِأَرْضِكَ السَّلَامُ، فَقَالَ: أَنَا مُوسَى، قَالَ: مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رَشَدًا. قَالَ لَهُ الْخَضِرُ: يَا مُوسَى، إِنَّكَ عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللهِ عَلَّمَكَهُ اللهُ لَا أَعْلَمُهُ، وَأَنَا عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللهِ عَلَّمَنِيهِ اللهُ لَا تَعْلَمُهُ. قَالَ: بَلْ أَتَّبِعُكَ، قَالَ: ﴿فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ فَانْطَلَقَا يَمْشِيَانِ عَلَى السَّاحِلِ، فَمَرَّتْ بِهِمَا سَفِينَةٌ فَعُرِفَ الْخَضِرُ، فَحَمَلُوهُمْ فِي سَفِينَتِهِمْ بِغَيْرِ نَوْلٍ، يَقُولُ: بِغَيْرِ أَجْرٍ، فَرَكِبَا السَّفِينَةَ. قَالَ: وَوَقَعَ عُصْفُورٌ عَلَى حَرْفِ السَّفِينَةِ، فَغَمَسَ مِنْقَارُهُ الْبَحْرَ، فَقَالَ الْخَضِرُ لِمُوسَى: مَا عِلْمُكَ وَعِلْمِي وَعِلْمُ الْخَلَائِقِ فِي عِلْمِ اللهِ، إِلَّا مِقْدَارُ مَا غَمَسَ هَذَا الْعُصْفُورُ مِنْقَارَهُ، قَالَ: فَلَمْ يَفْجَأْ مُوسَى إِذْ عَمَدَ الْخَضِرُ إِلَى قَدُومٍ فَخَرَقَ السَّفِينَةَ، فَقَالَ لَهُ مُوسَى: قَوْمٌ حَمَلُونَا بِغَيْرِ نَوْلٍ، عَمَدْتَ إِلَى سَفِينَتِهِمْ فَخَرَقْتَهَا ﴿لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ﴾ الْآيَةَ، فَانْطَلَقَا إِذَا هُمَا بِغُلَامٍ يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ، فَأَخَذَ الْخَضِرُ بِرَأْسِهِ فَقَطَعَهُ، قَالَ لَهُ مُوسَى: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا * قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ فَقَالَ بِيَدِهِ هَكَذَا ﴿فَأَقَامَهُ﴾ فَقَالَ لَهُ مُوسَى: إِنَّا دَخَلْنَا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَلَمْ يُضَيِّفُونَا وَلَمْ يُطْعِمُونَا، ﴿لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا * قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ : وَدِدْنَا أَنَّ مُوسَى صَبَرَ حَتَّى يُقَصَّ عَلَيْنَا مِنْ أَمْرِهِمَا. قَالَ: وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقْرَأُ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٤٧٢٧: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ عَاصِمٍ أَنَّهُمَا أُبْدِلَا جَارِيَةً. قَالَ: وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ خُصيْمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: أَنَّهَا جَارِيَةٌ. قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَبَلَغَنِي أَنَّ أُمَّهُ يَوْمَ قُتِلَ كَانَتْ حُبْلَى بِغُلَامٍ. وَيَعْقُوبُ بْنُ عَاصِمٍ هُوَ أَخُو دَاوُدَ وَهُمَا ابْنَا عَاصِمِ بْنِ عُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيِّ وَكُلٌّ مِنْهُمَا ثِقَةٌ مِنْ صِغَارِ التَّابِعِينَ. وَفِي الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ غَيْرَ مَا تَقَدَّمَ: اسْتِحْبَابُ الْحِرْصِ عَلَى الِازْدِيَادِ مِنَ الْعِلْمِ، وَالرِّحْلَةِ فِيهِ، وَلِقَاءِ الْمَشَايِخِ وَتَجَشُّمِ الْمَشَاقِّ فِي ذَلِكَ، وَالِاسْتِعَانَةِ فِي ذَلِكَ بِالْأَتْبَاعِ، وَإِطْلَاقِ الْفَتَى عَلَى التَّابِعِ، وَاسْتِخْدَامِ الْحُرِّ، وَطَوَاعِيَةِ الْخَادِمِ لِمَخْدُومِهِ وَعُذْرِ النَّاسِي، وَقَبُولِ الْهِبَةِ مِنْ غَيْرِ الْمُسْلِمِ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْخَضِرَ نَبِيٌّ لِعِدَّةِ مَعَانٍ قَدْ نَبَّهْتُ عَلَيْهَا فِيمَا تَقَدَّمَ كَقَوْلِهِ: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ وَكَاتِّبَاعِ مُوسَى رَسُولِ اللَّهِ لَهُ لِيَتَعَلَّمَ مِنْهُ، وَكَإِطْلَاقِ أَنَّهُ أَعْلَمُ مِنْهُ، وَكَإِقْدَامِهِ عَلَى قَتْلِ النَّفْسِ لِمَا شَرَحَهُ بَعْدُ وَغَيْرُ ذَلِكَ.

وَأَمَّا مَنِ اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ دَفْعِ أَغْلَظِ الضَّرَرَيْنِ بِأَخَفِّهِمَا، وَالْإِغْضَاءِ عَلَى بَعْضِ الْمُنْكَرَاتِ مَخَافَةَ أَنْ يَتَوَلَّدَ مِنْهُ مَا هُوَ أَشَدُّ، وَإِفْسَادِ بَعْضِ الْمَالِ لِإِصْلَاحِ مُعْظَمِهِ كَخِصَاءِ الْبَهِيمَةِ لِلسِّمَنِ وَقَطْعِ أُذُنِهَا لِتَتَمَيَّزَ، وَمِنْ هَذَا مُصَالَحَةُ وَلِيِّ الْيَتِيمِ السُّلْطَانَ عَلَى بَعْضِ مَالِ الْيَتِيمِ خَشْيَةَ ذَهَابِهِ بِجَمِيعِهِ فَصَحِيحٌ، لَكِنْ فِيمَا لَا يُعَارِضُ مَنْصُوصَ الشَّرْعِ، فَلَا يَسُوغُ الْإِقْدَامُ عَلَى قَتْلِ النَّفْسِ مِمَّنْ يُتَوَقَّعُ مِنْهُ أَنْ يَقْتُلَ أَنْفُسًا كَثِيرَةً قَبْلَ أَنْ يَتَعَاطَى شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ. وَإِنَّمَا فَعَلَ الْخَضِرُ ذَلِكَ لِاطِّلَاعِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ. وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: قَوْلُ الْخَضِرِ: وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ كَافِرًا هُوَ بِاعْتِبَارِ مَا يَئُولُ إِلَيْهِ أَمْرُهُ أَنْ لَوْ عَاشَ حَتَّى يَبْلُغَ، وَاسْتِحْبَابُ مِثْلِ هَذَا الْقَتْلِ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ، وَلِلَّهِ أَنْ يَحْكُمَ فِي خَلْقِهِ بِمَا يَشَاءُ قَبْلَ الْبُلُوغِ وَبَعْدَهُ انْتَهَى. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ جَوَازُ تَكْلِيفِ الْمُمَيِّزِ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ كَانَ فِي تِلْكَ الشَّرِيعَةِ فَيَرْتَفِعُ الْإِشْكَالُ.

وَفِيهِ جَوَازُ الْإِخْبَارِ بِالتَّعَبِ وَيَلْحَقُ بِهِ الْأَلَمُ مِنْ مَرَضٍ وَنَحْوِهِ، وَمَحَلُّ ذَلِكَ إِذَا كَانَ عَلَى غَيْرِ سَخَطٍ مِنَ الْمَقْدُورِ، وَفِيهِ أَنَّ الْمُتَوَجِّهَ إِلَى رَبِّهِ يُعَانُ فَلَا يُسْرِعُ إِلَيْهِ النَّصَبُ وَالْجُوعُ، بِخِلَافِ الْمُتَوَجِّهِ إِلَى غَيْرِهِ كَمَا فِي قِصَّةِ مُوسَى فِي تَوَجُّهِهِ إِلَى مِيقَاتِ رَبِّهِ وَذَلِكَ فِي طَاعَةِ رَبِّهِ فَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ أَنَّهُ تَعِبَ وَلَا طَلَبَ غَدَاءً وَلَا رَافَقَ أَحَدًا، وَأَمَّا فِي تَوَجُّهِهِ إِلَى مَدْيَنَ فَكَانَ فِي حَاجَةِ نَفْسِهِ فَأَصَابَهُ الْجُوعُ، وَفِي تَوَجُّهِهِ إِلَى الْخَضِرِ لِحَاجَةِ نَفْسِهِ أَيْضًا فَتَعِبَ وَجَاعَ. وَفِيهِ جَوَازُ طَلَبِ الْقُوتِ وَطَلَبِ الضِّيَافَةِ، وَفِيهِ قِيَامُ الْعُذْرِ بِالْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ وَقِيَامُ الْحُجَّةِ بِالثَّانِيَةِ، قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ هَذَا أَصْلُ مَالِكٍ فِي ضَرْبِ الْآجَالِ فِي الْأَحْكَامِ إِلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَفِي التَّلَوُّمِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَفِيهِ حُسْنُ الْأَدَبِ مَعَ اللَّهِ وَأَنْ لَا يُضَافَ إِلَيْهِ مَا يُسْتَهْجَنُ لَفْظُهُ وَإِنْ كَانَ الْكُلُّ بِتَقْدِيرِهِ وَخَلْقِهِ لِقَوْلِ الْخَضِرِ عَنِ السَّفِينَةِ ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ وَعَنِ الْجِدَارِ ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ﴾ وَمِثْلُ هَذَا قَوْلُهُ : وَالْخَيْرُ بِيَدِكَ، وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ.

٤ - بَاب ﴿فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ إِلَى قَوْلِهِ: قصصا. ﴿صُنْعًا﴾ عَمَلًا، ﴿حِوَلا﴾ تَحَوُّلًا، ﴿قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ إِمْرًا وَنُكْرًا: دَاهِيَةً، يَنْقَضَّ: يَنْقَاضُ كَمَا تَنْقَاضُ السِّنُّ، لَتَخِذْتَ وَاتَّخَذْتَ وَاحِدٌ، رُحْمًا مِنْ الرُّحْمِ وَهِيَ أَشَدُّ مُبَالَغَةً مِنْ الرَّحْمَةِ، وَيُظنُّ أَنَّهُ مِنْ الرَّحِيمِ، وَتُدْعَى مَكَّةُ أُمَّ رُحْمٍ، أَيْ الرَّحْمَةُ تَنْزِلُ بِهَا.

[باب قال أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة]

٤٧٢٧ - حَدَّثَنِي قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنِي سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ:

قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ نَوْفًا الْبَكَالِيَّ يَزْعُمُ أَنَّ مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ لَيْسَ بِمُوسَى الْخَضِرِ، فَقَالَ: كَذَبَ عَدُوُّ اللَّهِ، حَدَّثَنَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ، قَالَ: قَامَ مُوسَى خَطِيبًا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَقِيلَ لَهُ: أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ؟ قَالَ: أَنَا. فَعَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ؛ إِذْ لَمْ يَرُدَّ الْعِلْمَ إِلَيْهِ، وَأَوْحَى إِلَيْهِ: بَلَى، عَبْدٌ مِنْ عِبَادِي بِمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ. قَالَ: أَيْ رَبِّ، كَيْفَ السَّبِيلُ إِلَيْهِ؟ قَالَ: تَأْخُذُ حُوتًا فِي مِكْتَلٍ، فَحَيْثُمَا فَقَدْتَ الْحُوتَ فَاتَّبِعْهُ. قَالَ: فَخَرَجَ مُوسَى وَمَعَهُ فَتَاهُ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، وَمَعَهُمَا الْحُوتُ، حَتَّى انْتَهَيَا إِلَى الصَّخْرَةِ، فَنَزَلَا عِنْدَهَا. قَالَ: فَوَضَعَ مُوسَى رَأْسَهُ، فَنَامَ. قَالَ سُفْيَانُ: وَفِي حَدِيثِ غَيْرِ عَمْرٍو قَالَ: وَفِي أَصْلِ الصَّخْرَةِ عَيْنٌ، يُقَالُ لَهَا: الْحَيَاةُ، لَا يُصِيبُ مِنْ مَائِهَا شَيْءٌ إِلَّا حَيِيَ، فَأَصَابَ الْحُوتَ مِنْ مَاءِ تِلْكَ الْعَيْنِ. قَالَ: فَتَحَرَّكَ وَانْسَلَّ مِنْ الْمِكْتَلِ، فَدَخَلَ الْبَحْرَ، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ مُوسَى، قَالَ ﴿لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا﴾ الْآيَةَ. قَالَ: وَلَمْ يَجِدْ النَّصَبَ حَتَّى جَاوَزَ مَا أُمِرَ بِهِ. قَالَ لَهُ فَتَاهُ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ﴾ الْآيَةَ. قَالَ: فَرَجَعَا يَقُصَّانِ فِي آثَارِهِمَا فَوَجَدَا فِي الْبَحْرِ كَالطَّاقِ مَمَرَّ الْحُوتِ، فَكَانَ لِفَتَاهُ عَجَبًا وَلِلْحُوتِ سَرَبًا. قَالَ: فَلَمَّا انْتَهَيَا إِلَى الصَّخْرَةِ؛ إِذْ هُمَا بِرَجُلٍ مُسَجًّى بِثَوْبٍ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ مُوسَى.

قَالَ: وَأَنَّى بِأَرْضِكَ السَّلَامُ؟ فَقَالَ: أَنَا مُوسَى. قَالَ: مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رَشَدًا؟ قَالَ لَهُ الْخَضِرُ: يَا مُوسَى، إِنَّكَ عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ عَلَّمَكَهُ اللَّهُ لَا أَعْلَمُهُ، وَأَنَا عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ عَلَّمَنِيهِ اللَّهُ لَا تَعْلَمُهُ. قَالَ: بَلْ أَتَّبِعُكَ، قَالَ: ﴿فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ فَانْطَلَقَا يَمْشِيَانِ عَلَى السَّاحِلِ، فَمَرَّتْ بِهِما سَفِينَةٌ، فَعُرِفَ الْخَضِرُ فَحَمَلُوهُمْ فِي سَفِينَتِهِمْ بِغَيْرِ نَوْلٍ - يَقُولُ: بِغَيْرِ أَجْرٍ - فَرَكِبَا السَّفِينَةَ، قَالَ: وَوَقَعَ عُصْفُورٌ عَلَى حَرْفِ السَّفِينَةِ، فَغَمَسَ مِنْقَارَهُ فِي الْبَحْرِ. فَقَالَ الْخَضِرُ لِمُوسَى: مَا عِلْمُكَ وَعِلْمِي وَعِلْمُ الْخَلَائِقِ فِي عِلْمِ اللَّهِ إِلَّا مِقْدَارُ مَا غَمَسَ هَذَا الْعُصْفُورُ مِنْقَارَهُ. قَالَ: فَلَمْ يَفْجَأْ مُوسَى؛ إِذْ عَمَدَ الْخَضِرُ إِلَى قَدُومٍ فَخَرَقَ السَّفِينَةَ، فَقَالَ لَهُ مُوسَى: قَوْمٌ حَمَلُونَا بِغَيْرِ نَوْلٍ عَمَدْتَ إِلَى سَفِينَتِهِمْ، فَخَرَقْتَهَا ﴿لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ﴾ الْآيَةَ. فَانْطَلَقَا، إِذَا هُمَا بِغُلَامٍ يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ، فَأَخَذَ الْخَضِرُ بِرَأْسِهِ فَقَطَعَهُ، قَالَ لَهُ مُوسَى: أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ؟! لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا. قَالَ: أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْرًا إِلَى قَوْلِهِ: فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ. فَقَالَ بِيَدِهِ هَكَذَا فَأَقَامَهُ، فَقَالَ لَهُ مُوسَى: إِنَّا دَخَلْنَا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَلَمْ يُضَيِّفُونَا وَلَمْ يُطْعِمُونَا، لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا.

قَالَ: هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : وَدِدْنَا أَنَّ مُوسَى صَبَرَ

حَتَّى يُقَصَّ عَلَيْنَا مِنْ أَمْرِهِمَا. قَالَ: وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقْرَأُ: وَكَانَ أَمَامَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صَالِحَةٍ غَصْبًا، وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ كَافِرًا.

قَوْلُهُ: (بَابُ ﴿فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿قَصَصًا﴾ سَاقَ فِيهِ قِصَّةَ مُوسَى عَنْ قُتَيْبَةَ، عَنْ سُفْيَانَ، وَقَدْ نَبَّهْتُ عَلَى مَا فِيهِ مِنْ فَائِدَةٍ زَائِدَةٍ فِي الَّذِي قَبْلَهُ. وَقَوْلُهُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ تَقَدَّمَ قَبْلَ ببَابٍ مِنْ رِوَايَةِ الْحُمَيْدِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيٍّ بْنِ الْمَدِينِيِّ قَالَ: حَجَجْتُ حَجَّةً وَلَيْسَ لِي هِمَّةٌ إِلَّا أَنْ أَسْمَعَ مِنْ سُفْيَانَ الْخَبَرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، حَتَّى سَمِعْتُهُ يَقُولُ: حَدَّثَنَا عَمْرٌو وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ يَقُولُهُ بِالْعَنْعَنَةِ.

قَوْلُهُ: (يَنْقَضُّ يَنْقَاضُ كَمَا يَنْقَاضُ السِّنُّ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَلِغَيْرِهِ الشَّيْءُ بِمُعْجَمَةٍ وَتَحْتَانِيَّةٍ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ قَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ أَيْ يَقَعَ، يُقَالُ: انْقَضَّتِ الدَّارُ إِذَا انْهَدَمَتْ، قَالَ: وَقَرَأَهُ قَوْمٌ يَنْقَاضُ أي يَنْقَلِعُ مِنْ أَصْلِهِ، كَقَوْلِكَ: انْقَاضَتِ السِّنُّ إِذَا انْقَلَعَتْ مِنْ أَصْلِهَا، وَهَذَا يُؤَيِّدُ رِوَايَةَ أَبِي ذَرٍّ، وَقِرَاءَةُ يَنْقَاضُ مَرْوِيَّةٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ. وَاخْتُلِفَ فِي ضَادِهَا فَقِيلَ بِالتَّشْدِيدِ بِوَزْنِ يَحْمَارُّ وَهُوَ أَبْلَغُ مِنْ يَنْقَضُّ، وَيَنْقَضُّ بِوَزْنِ يَفْعَلُّ مِنِ انْقِضَاضِ الطَّائِرِ إِذَا سَقَطَ إِلَى الْأَرْضِ، وَقِيلَ بِالتَّخْفِيفِ وَعَلَيْهِ يَنْطَبِقُ الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ. وَعَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَرَأَ يَنْقَاصُ بِالْمُهْمَلَةِ، وَقَالَ ابْنُ خَالَوَيْهِ: يَقُولُونَ: انْقَاصَتِ السِّنُّ إِذَا انْشَقَّتْ طُولًا، وَقِيلَ: إِذَا تَصَدَّعَتْ كَيْفَ كَانَ. وَقَالَ ابْنُ فَارِسٍ: قِيلَ مَعْنَاهُ كَالَّذِي بِالْمُعْجَمَةِ وَقِيلَ الشَّقُّ طُولًا. وَقَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: انْقَاضَ بِالْمُعْجَمَةِ انْكَسَرَ، وَبِالْمُهْمَلَةِ انْصَدَعَ. وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ تَبَعًا لِابْنِ مَسْعُودٍ يُرِيدُ لِيُنْقَضَ بِكَسْرِ اللَّامِ وَضَمِّ التَّحْتَانِيَّةِ وَفَتْحِ الْقَافِ وَتَخْفِيفِ الضَّادِ مِنَ النَّقْضِ.

قَوْلُهُ: ﴿نُكْرًا﴾ دَاهِيَةً) كَذَا فِيهِ، وَالَّذِي عِنْدَ أَبِي عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾ دَاهِيَةً، وَنُكْرًا أَيْ عَظِيمًا. وَاخْتُلِفَ فِي أَيِّهِمَا أَبْلَغُ فَقِيلَ إِمْرًا أَبْلَغُ مِنْ نُكْرًا لِأَنَّهُ قَالَهَا بِسَبَبِ الْخَرْقِ الَّذِي يُفْضِي إِلَى هَلَاكِ عِدَّةِ أَنْفُسٍ، وَتِلْكَ بِسَبَبِ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ. وَقِيلَ نُكْرًا أَبْلَغُ لِكَوْنِ الضَّرَرِ فِيهَا نَاجِزًا بِخِلَافِ إِمْرًا لِكَوْنِ الضَّرَرِ فِيهَا مُتَوَقَّعًا. وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ فِي نُكْرًا: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكَ﴾ وَلَمْ يَقُلْهَا فِي إِمْرًا.

قَوْلُهُ: (لَتَخِذْتَ وَاتَّخَذْتَ وَاحِدٌ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ سُفْيَانَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: أَنَّ النَّبِيَّ قَرَأَهَا لَتَخِذْتَ وَهِيَ قِرَاءَةُ أَبِي عَمْرٍو، وَرِوَايَةُ غَيْرِهِ لَاتَّخَذْتَ.

قَوْلُهُ: (رُحْمًا مِنَ الرُّحْمِ وَهِيَ أَشَدُّ مُبَالَغَةٍ مِنَ الرَّحْمَةِ، وَيَظُنُّ أَنَّهُ مِنَ الرَّحِيمِ، وَتُدْعَى مَكَّةَ أُمُّ رُحْمٍ أَيِ الرَّحْمَةُ تَنْزِلُ بِهَا) هُوَ مِنْ كَلَامِ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَوَقَعَ عِنْدَهُ مُفَرَّقًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَحَاصِلُ كَلَامِهِ أَنَّ رُحْمًا مِنَ الرَّحِمِ الَّتِي هِيَ الْقَرَابَةُ، وَهِيَ أَبْلَغُ مِنَ الرَّحْمَةِ الَّتِي هِيَ رِقَّةُ الْقَلْبِ؛ لِأَنَّهَا تَسْتَلْزِمُهَا غَالِبًا مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ، وَقَوْلُهُ: وَيُظَنُّ مَبْنِيٌّ لِلْمَجْهُولِ، وَقَوْلُهُ: مُشْتَقٌّ مِنَ الرَّحْمَةِ أَيِ الَّتِي اشْتُقَّ مِنْهَا الرَّحِيمُ، وَقَوْلُهُ: أُمُّ رُحْمٍ بِضَمِّ الرَّاءِ وَالسُّكُونِ وَذَلِكَ لِتَنْزِلَ الرَّحْمَةُ بِهَا، فَفِيهِ تَقْوِيَةٌ لِمَا اخْتَارَهُ مِنْ أَنَّ الرُّحْمَ مِنَ الْقَرَابَةِ لَا مِنَ الرِّقَّةِ.

قوله: (باب قوله تعالى: ﴿قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ﴾ إلخ) ثبتت هذه الترجمة لأبي ذر، وذكر فيه قصة موسى والخضر عن قتيبة عن سفيان بن عيينة، وقد تقدمت عن عبد الله بن محمد عن سفيان بن عيينة في كتاب العلم، وقوله في آخرها: (قال رسول الله : وددنا أن موسى صبر حتى يقص الله علينا من أمرهما) تقدم في العلم بلفظ (يرحم الله موسى لوددنا لو صبر) وتقدم في أحاديث الأنبياء عن علي بن عبد الله بن المديني عن سفيان كرواية قتيبة، لكن قال بعدها: (قال سفيان: قال رسول الله : يرحم الله موسى إلخ) فهذا يحتمل أن تكون هذه الزيادة وهو (يرحم الله موسى) لم تكن عند ابن عيينة بهذا الإسناد، ولكنه أرسلها. ويحتمل أن يكون على سمعه منه مرتين

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٤٧٢٧ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثَّقفيُّ أبو رجاءٍ البَغْلانيُّ -بفتح الموحَّدة وسكون المعجمة- (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ أيضًا: «حدَّثنا» (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) ابنِ أبي عمران ميمونٍ الهلاليُّ الكوفيُّ ثم المكِّيُّ، الإمام الحافظ الحجَّة، تغيَّر حفظه بأَخَرة، وربَّما دلَّس عنِ الثقات، وهو مِن أثبت الناس في عمرو بن دينار (عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ) المكِّيِّ الجُمحيِّ مولاهم (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ) الأسديِّ مولاهم الكوفيِّ أنَّه (قَالَ: قُلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ نَوْفًا) كذا في «اليونينيَّة»، وفي «الفرع»: «نوف» بغير ألفٍ (البِكَالِيَّ) بكسر الموحَّدة نسبةً إلى بني بِكال؛ بطنٍ من حمير، و «نوفَ»: بغير صرفٍ، وصرفُه أشهرُ كما مرَّ، ولأبي ذر: «البَكالي» بفتح الموحَّدة (يَزْعُمُ أَنَّ مُوسَى نَبِيَّ اللهِ) المرسل إلى بني إسرائيل كذا في الفرع «موسى نبيِّ الله» والذي في «اليونينيَّة»: «يزعم أنَّ موسى نبيَّ (١) بني إسرائيل» (٢) (لَيْسَ بِمُوسَى الخَضِرِ) بل موسى آخر (فَقَالَ) ابن عبَّاس : (كَذَبَ عَدُوُّ اللهِ) يعني: نوفًا، وعبّر بذلك للزجر والتحذير، لا قدحًا فيه (حَدَّثَنَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ) أنَّه (قَالَ: قَامَ مُوسَى خَطِيبًا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ) يُذَكِّرُهم بنِعَمِ الله عليهم وعليه، ويَذكُر ما أكرمه الله به

من رسالته وتكريمه وتفضيله (فَقِيلَ لَهُ: أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ؟) أي: منهم (قَالَ) ولأبي ذَرٍّ: «فقال»: (أَنَا) أي: أعلمُ (فَعَتَبَ اللهُ عَلَيْهِ إِذْ لَمْ يَرُدَّ العِلْمَ إِلَيْهِ) كأنْ يقولَ: اللهُ أعلم (وَأَوْحَى إِلَيْهِ) بفتح الهمزة والحاء (بَلَى، عَبْدٌ مِنْ عِبَادِي) كائنٌ (بِمَجْمَعِ البَحْرَيْنِ، هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ) أي: بشيءٍ مخصوصٍ، والعالمُ بالعِلم الخاص لا يلزمُ منه أن يكونَ أعلمَ من العالم بالعِلم العام (قَالَ: أَيْ رَبِّ كَيْفَ السَّبِيلُ إِلَيْهِ) أي: إلى لقائه؟ (قَالَ: تَأْخُذُ حُوتًا فِي مِكْتَلٍ، فَحَيْثُمَا فَقَدْتَ الحُوتَ) بفتح القاف (فَاتَّبِعْهُ) بهمزة وصل وتشديد الفوقيَّة وكسر الموحَّدة، ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «فاتْبَعْهُ» بسكون الفوقية وفتح الموحَّدة، أي: اتْبَعْ أثرَ الحوت، فإنَّك ستلقى العبد الأعلم (قَالَ: فَخَرَجَ مُوسَى وَمَعَهُ فَتَاهُ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ) مجرورٌ بالإضافة منصرفٌ، كنوح على الفصحى (وَمَعَهُمَا الحُوتُ) المأمور به (حَتَّى انْتَهَيَا إِلَى الصَّخْرَةِ) التي عند مَجمع البحرين (فَنَزَلَا عِنْدَهَا، قَالَ: فَوَضَعَ مُوسَى رَأْسَهُ فَنَامَ -قَالَ سُفْيَانُ) بنُ عُيينةَ بالإسناد السَّابق: (وَفِي حَدِيثِ غَيْرِ عَمْرٍو) لعلَّ الغيرَ المذكورَ -كما قال في «الفتح» - قَتادةُ؛ لِمَا عندَ ابن أبي حاتم من طريقه (قَالَ-: وَفِي أَصْلِ الصَّخْرَةِ عَيْنٌ يُقَالُ لَهَا) ولأبي الوقت والأَصيلي «له» (الحَيَاةُ) بتاء التأنيث آخره (لَا يُصِيبُ مِنْ مَائِهَا شَيْءٌ) من الحيوان (إِلَّا حَيِيَ) وعند ابن إسحاق: «من شرب منه خُلِّد، ولا يقاربه شيء ميت إلَّا حَيِيَ» ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ والمُستملي: «لا تصيب» بالفوقيَّة، أي: العين شيئًا -أي: من الحيوان- إلَّا حَيِيَ (فَأَصَابَ الحُوتَ مِنْ) رشاش (مَاءِ تِلْكَ العَيْنِ، قَالَ: فَتَحَرَّكَ وَانْسَلَّ مِنَ المِكْتَلِ، فَدَخَلَ البَحْرَ) ولعلَّ هذه العين -إن ثبت النقل فيها- هي التي شرب منها الخضر فخُلِّد، كما قال به جماعةٌ كما مرَّ (فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ مُوسَى ﴿قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءنَا﴾ … الآيَةَ [الكهف: ٦٢]) أي: بعد أن (١) نسي الفتى أن (٢) يخبرَه بأنَّ الحوت حَيِيَ، وانطلاقهما سائرين بقيَّة يومهما وليلتهما، حتى كان مِنَ الغد قال له إذ ذاك: ﴿آتِنَا غَدَاءنَا﴾ (قَالَ: وَلَمْ يَجِدِ النَّصَبَ حَتَّى جَاوَزَ مَا أُمِرَ بِهِ) فألقى اللهُ عليه

الجوعَ والنَّصَبَ (قَالَ لَهُ فَتَاهُ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ﴾) أي: أنْ أُخبرَك بخبرِه (الآيَةَ) إلى قوله: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ﴾ [الكهف: ٦٤] (قَالَ: فَرَجَعَا يَقُصَّانِ فِي آثَارِهِمَا) حتى انتهيا إلى الصخرة (فَوَجَدَا فِي البَحْرِ كَالطَّاقِ مَمَرَّ الحُوتِ) مفعولُ «وجدا» (فَكَانَ لِفَتَاهُ عَجَبًا) إذ هو أمرٌ خارق (وَلِلْحُوتِ سَرَبًا) مسلكًا، وروى ابن أبي حاتم من طريق العوفيِّ عن ابن عبَّاسٍ قال: رجع موسى فوجد الحوت، فجعل موسى يُقدِّم عصاه يفرِّج بها عنه الماء ويتْبع الحوت، وجعل الحوت لا يمسُّ شيئًا من البحر إلَّا يبس حتى يصير صخرة (قَالَ: فَلَمَّا انْتَهَيَا إِلَى الصَّخْرَةِ؛ إِذَا) والذي في «اليونينيَّة» (١): «إذْ» (هُمَا بِرَجُلٍ مُسَجًّى) مغطًّى (بِثَوْبٍ) وفي رواية الربيع عن أنس عند ابن أبي حاتم قال: «انجاب الماء عن مسلك الحوت فصارت (٢) كوَّة، فدخلها (٣) موسى على أثر الحوت فإذا هو بالخضِر» (فَسَلَّمَ عَلَيْهِ مُوسَى، قَالَ) الخَضِر بعد أن ردَّ السلام عليه وكشف الثوب عن وجهه: (وَأَنَّى) بهمزة ونون مشدَّدة مفتوحتين، أي: وكيف (بِأَرْضِكَ السَّلَامُ) وأهلُها كفَّارٌ؟ أو لم يكن السلام تحيَّتَهُم (فَقَالَ) موسى بعد أن قال له الخضِر: مَن أنت؟ (أَنَا مُوسَى، قَالَ) الخضر: (مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ؟ قَالَ: نَعَمْ) قال له موسى: (﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾) أي: عِلمًا ذا رَشَدٍ أسترشد به (قَالَ) ولأبي ذَرٍّ: «فقال» (لَهُ الخَضِرُ: يَا مُوسَى إِنَّكَ عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللهِ عَلَّمَكَهُ اللهُ لَا أَعْلَمُهُ، وَأَنَا عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللهِ عَلَّمَنِيهِ اللهُ لَا تَعْلَمُهُ) فكلٌّ منَّا مكلَّفٌ بأمورٍ مِنَ الله (٤) دون صاحبه (قَالَ) موسى: (بَلْ أَتَّبِعُكَ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «هل» والأُولى أوضح (﴿قَالَ﴾) الخضِرُ: (﴿فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ﴾) تُنكره (٥) ابتداءً (﴿حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾) حتى أبدأَكَ ببيانِه (﴿فَانطَلَقَا﴾ يَمْشِيَانِ عَلَى السَّاحِلِ (٦)، فَمَرَّتْ بِهِمَا سَفِينَةٌ) ولأبي ذرٍّ:

«بهم» أي: بموسى ويوشع والخضر (فَعُرِفَ (١) الخَضِرُ، فَحَمَلُوهُمْ فِي سَفِينَتِهِمْ بِغَيْرِ نَوْلٍ) بفتح النون وسكون الواو (-يَقُولُ: بِغَيْرِ أَجْرٍ-) أي: أُجرةٍ (فَرَكِبَا السَّفِينَةَ) ولم يذكر يوشع؛ لأنَّه تابعٌ غيرُ مقصودٍ بالأصالة (٢)، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «فركبا في السفينة» (قَالَ: وَوَقَعَ (٣) عُصْفُورٌ) بضمِّ العين (عَلَى حَرْفِ السَّفِينَةِ فَغَمَسَ مِنْقَارَهُ البَحْرَ) بنصبهما، ولأبي ذرٍّ: «في البحر» (فَقَالَ الخَضِرُ لِمُوسَى) ولأبي ذرٍّ: «يا موسى»: (مَا عِلْمُكَ وَعِلْمِي وَعِلْمُ الخَلَائِقِ فِي عِلْمِ اللهِ إِلَّا مِقْدَارُ) بالرَّفع (مَا غَمَسَ هَذَا العُصْفُورُ مِنْقَارَهُ) وفي روايةٍ: «ما نقص علمي وعلمك من علم الله» والعلمُ يُطلق ويُراد به المعلوم، وعلم الله لا يدخله نقصٌ، ونقصُ العُصفورِ لا تأثيرَ له، فكأنَّه لم يأخذ شيئًا، فهو كقوله:

وَلَا عَيْبَ فيهم غَيرَ أن سيوفَهم … بِهنَّ فُلولٌ من قِراعِ الكَتَائبِ

أي: لا عيب فيهم أصلًا (٤).

(قَالَ: فَلَمْ يَفْجَأْ مُوسَى) بالهمزة (إِذْ عَمَدَ الخَضِرُ) بفتح الميم (إِلَى قَدُومٍ) بفتح القاف وتخفيف الدال، أي: الآلة المعروفة (فَخَرَقَ السَّفِينَةَ، فَقَالَ (٥) لَهُ مُوسَى: قَوْمٌ حَمَلُونَا بِغَيْرِ نَوْلٍ عَمَدْتَ) بفتح الميم أيضًا (إِلَى سَفِينَتِهِمْ فَخَرَقْتَهَا ﴿لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ (٦)﴾ … الآيَةَ [الكهف: ٧١]). وسقط لأبي ذرٍّ «﴿لَقَدْ جِئْتَ﴾» و «الآيةَ» (فَانْطَلَقَا) بعد أن خرجا من السفينة (إِذَا (٧) هُمَا بِغُلَامٍ يَلْعَبُ مَعَ الغِلْمَانِ، فَأَخَذَ الخَضِرُ بِرَأْسِهِ) ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي والكُشْميهَنيِّ: «فأخذ الخضر رأسَه» بحذف الجارِّ والنَّصبِ مفعولُ «أخذ» (فَقَطَعَهُ، قَالَ) ولأبي الوقت: «فقال» (لَهُ مُوسَى: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾) بالتشديد؛ طاهرةً (﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾) قيل: وكان القتل في أُبُلَّة، بضمِّ

الهمزة والموحَّدة وتشديد اللَّام المفتوحة؛ مدينة قرب بصرة وعبَّادان (﴿لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا﴾) منكرًا (﴿قَالَ﴾) الخضر: (﴿أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْرًا﴾) وأتى بـ ﴿لَّكَ﴾ مع ﴿نُّكْرًا﴾ بخلاف ﴿إِمْرًا﴾ قيل: لأنَّ النُّكْر أبلغُ؛ لأنَّ معه القتلُ الحتْمُ، بخلاف خرقِ (١) السفينة؛ فإنَّه يمكن تدارُكُه (إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ﴾) أن (٢) يسقط (فَقَالَ) الخضِرُ (بِيَدِهِ هَكَذَا ﴿فَأَقَامَهُ﴾ فَقَالَ لَهُ مُوسَى: إِنَّا دَخَلْنَا هَذِهِ القَرْيَةَ فَلَمْ يُضَيِّفُونَا وَلَمْ يُطْعِمُونَا، ﴿لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا. قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾) قال في «الأنوار»: الإشارة إلى الفراق الموعود بقوله: فلا تصاحبني، أو إلى الاعتراض الثالث، أو الوقت، أي: هذا الاعتراض سبب فِراقنا، أو هذا الوقت وقته (﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٧٨]) لكونه (٣) منكرًا من حيثُ الظاهرُ، وقد كانت أحكام موسى -كغيرِه من الأنبياء- مبنيَّةً على الظَّواهر؛ ولذا أنكر خرق السفينة وقتل الغلام؛ إذِ التَّصرُّف في أموال الناس وأرواحِهِم بغير حقٍّ حرامٌ في الشَّرع الذي شرعه الله لأنبيائه ؛ إذ لم يكلِّفنا إلى الكشف عن البواطن؛ لِمَا في ذلك من الحَرَج، وأمَّا وقوع ذلك من الخضر فالظاهر أنَّه قد شُرع له أن يعمل بما كُشِفَ له من بواطن الأسرار، واطلع عليه من حقائق الأستار، فلمَّا عَلِمَ الخضرُ علمًا يقينًا أنَّه إن لم (٤) يعبِ السفينةَ بالخرق غصبها الملكُ؛ وجب عليه ذلك دفعًا للضرر عن مُلَّاكِها؛ إذ لو تركها ولم يَعِبْها فاتت بالكُلِّيَّة عليهم بأخذ الملك لها (٥)، وكذا قتل الغلام؛ فإنَّه علم بالوحيِ أنَّه إن لم يقتلْه تَبِعَه أبواه على الكفر لمزيد محبَّتِهِما له، فكانتِ المضرَّةُ بقتله أيسرَ مِن إبقائه، لا سيَّما والمطبوع على الكفر الذي لا يُرجى إيمانه كان قتلُه في شريعتهم واجبًا؛ لأنَّ أخذ الجزية لم يكن سائغًا لهم، وقد رزقَهُما الله خيرًا منه كما مرَّ، ولو ترك الجدار حتى يسقطَ ضاعَ مالُ أولئك الأيتام، فكانت المصلحةُ التَّامة في إقامته، ولعلَّ ذلك كان واجبًا عليه.

(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ : وَدِدْنَا) بكسر الدال الأولى وسكون الثانية (أنَّ مُوسَى صَبَرَ حَتَّى

يُقَصَّ) بضمِّ أوله وفتح آخره مبنيًّا للمفعول (عَلَيْنَا مِنْ أَمْرِهِمَا، قَالَ: وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقْرَأُ: (وَكَانَ أَمَامَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صَالِحَةٍ)) غير معيبة ((غَصْبًا، وَأَمَّا الغُلَامُ فَكَانَ كَافِرًا)) وقد سبق أنَّ «أمام» يُستعمل موضع «وراء»، فهي مفسِّرة للآية كما مرَّ، وقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ﴾ [الكهف: ٨٠] فيه إشعارٌ بأنَّ الغلام كان كافرًا، كما في هذه القراءة، لكنَّها -كقراءة (أمامهم) و (صالحة) - مِنَ الشَّواذِّ المخالفة لمصحف عثمان، والله الموفِّق.

(٥) هذا (١) (بابٌ) بالتَّنوين، (قولُه) تعالى: (﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ [الكهف: ١٠٣]) زاد أبو ذر (٢): «الآيةَ» أي: هل نخبركم بالأخسرين، ثم فسَّرَهم بقوله: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ﴾ [الكهف: ١٠٤] أي: عملوا أعمالًا باطلة على غير شريعةٍ مَشروعة، وهم يحسبون أنَّهم يُحسِنون صُنعًا، أي: يعتقدون أنَّهم على (٣) هدًى فَضَلَّ سَعْيُهُم، و «أعمالًا» نصب على التمييز، وجمع لأنَّه من أسماء الفاعلين، أو لتنوع (٤) أعمالهم، فليسوا مشتركين في عمل واحد، وفي قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ﴾ [الكهف: ١٠٤] تجنيس التصحيف؛ وهو أن يكون النقط فرقًا بين الكلمتين، وقوله: ﴿هَلْ نُنَبِّئُكُمْ﴾ استفهامٌ تقريري، وفي قوله: ﴿بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ [الكهف: ١٠٣] الاستعارة؛ استعار الخسران الذي هو حقيقة في ضد الربح لكون أعمالهم الصالحة نفدت (٥) أجورها، واستعار الضلال الذي هو حقيقة في التِّيه عن الطريق المستقيم لإسقاط أعمالهم وإذهابها، وفي قوله: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ﴾ الحذفُ، أي: قل هل نُنَبِّئُكُم بما يحلُّ بالأخسرين، وسقط لفظ «باب» لغير أبي ذر.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ عَاصِمٍ أَنَّهُمَا أُبْدِلَا جَارِيَةً. قَالَ: وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ خُصيْمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: أَنَّهَا جَارِيَةٌ. قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَبَلَغَنِي أَنَّ أُمَّهُ يَوْمَ قُتِلَ كَانَتْ حُبْلَى بِغُلَامٍ. وَيَعْقُوبُ بْنُ عَاصِمٍ هُوَ أَخُو دَاوُدَ وَهُمَا ابْنَا عَاصِمِ بْنِ عُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيِّ وَكُلٌّ مِنْهُمَا ثِقَةٌ مِنْ صِغَارِ التَّابِعِينَ. وَفِي الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ غَيْرَ مَا تَقَدَّمَ: اسْتِحْبَابُ الْحِرْصِ عَلَى الِازْدِيَادِ مِنَ الْعِلْمِ، وَالرِّحْلَةِ فِيهِ، وَلِقَاءِ الْمَشَايِخِ وَتَجَشُّمِ الْمَشَاقِّ فِي ذَلِكَ، وَالِاسْتِعَانَةِ فِي ذَلِكَ بِالْأَتْبَاعِ، وَإِطْلَاقِ الْفَتَى عَلَى التَّابِعِ، وَاسْتِخْدَامِ الْحُرِّ، وَطَوَاعِيَةِ الْخَادِمِ لِمَخْدُومِهِ وَعُذْرِ النَّاسِي، وَقَبُولِ الْهِبَةِ مِنْ غَيْرِ الْمُسْلِمِ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْخَضِرَ نَبِيٌّ لِعِدَّةِ مَعَانٍ قَدْ نَبَّهْتُ عَلَيْهَا فِيمَا تَقَدَّمَ كَقَوْلِهِ: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ وَكَاتِّبَاعِ مُوسَى رَسُولِ اللَّهِ لَهُ لِيَتَعَلَّمَ مِنْهُ، وَكَإِطْلَاقِ أَنَّهُ أَعْلَمُ مِنْهُ، وَكَإِقْدَامِهِ عَلَى قَتْلِ النَّفْسِ لِمَا شَرَحَهُ بَعْدُ وَغَيْرُ ذَلِكَ.

وَأَمَّا مَنِ اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ دَفْعِ أَغْلَظِ الضَّرَرَيْنِ بِأَخَفِّهِمَا، وَالْإِغْضَاءِ عَلَى بَعْضِ الْمُنْكَرَاتِ مَخَافَةَ أَنْ يَتَوَلَّدَ مِنْهُ مَا هُوَ أَشَدُّ، وَإِفْسَادِ بَعْضِ الْمَالِ لِإِصْلَاحِ مُعْظَمِهِ كَخِصَاءِ الْبَهِيمَةِ لِلسِّمَنِ وَقَطْعِ أُذُنِهَا لِتَتَمَيَّزَ، وَمِنْ هَذَا مُصَالَحَةُ وَلِيِّ الْيَتِيمِ السُّلْطَانَ عَلَى بَعْضِ مَالِ الْيَتِيمِ خَشْيَةَ ذَهَابِهِ بِجَمِيعِهِ فَصَحِيحٌ، لَكِنْ فِيمَا لَا يُعَارِضُ مَنْصُوصَ الشَّرْعِ، فَلَا يَسُوغُ الْإِقْدَامُ عَلَى قَتْلِ النَّفْسِ مِمَّنْ يُتَوَقَّعُ مِنْهُ أَنْ يَقْتُلَ أَنْفُسًا كَثِيرَةً قَبْلَ أَنْ يَتَعَاطَى شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ. وَإِنَّمَا فَعَلَ الْخَضِرُ ذَلِكَ لِاطِّلَاعِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ. وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: قَوْلُ الْخَضِرِ: وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ كَافِرًا هُوَ بِاعْتِبَارِ مَا يَئُولُ إِلَيْهِ أَمْرُهُ أَنْ لَوْ عَاشَ حَتَّى يَبْلُغَ، وَاسْتِحْبَابُ مِثْلِ هَذَا الْقَتْلِ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ، وَلِلَّهِ أَنْ يَحْكُمَ فِي خَلْقِهِ بِمَا يَشَاءُ قَبْلَ الْبُلُوغِ وَبَعْدَهُ انْتَهَى. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ جَوَازُ تَكْلِيفِ الْمُمَيِّزِ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ كَانَ فِي تِلْكَ الشَّرِيعَةِ فَيَرْتَفِعُ الْإِشْكَالُ.

وَفِيهِ جَوَازُ الْإِخْبَارِ بِالتَّعَبِ وَيَلْحَقُ بِهِ الْأَلَمُ مِنْ مَرَضٍ وَنَحْوِهِ، وَمَحَلُّ ذَلِكَ إِذَا كَانَ عَلَى غَيْرِ سَخَطٍ مِنَ الْمَقْدُورِ، وَفِيهِ أَنَّ الْمُتَوَجِّهَ إِلَى رَبِّهِ يُعَانُ فَلَا يُسْرِعُ إِلَيْهِ النَّصَبُ وَالْجُوعُ، بِخِلَافِ الْمُتَوَجِّهِ إِلَى غَيْرِهِ كَمَا فِي قِصَّةِ مُوسَى فِي تَوَجُّهِهِ إِلَى مِيقَاتِ رَبِّهِ وَذَلِكَ فِي طَاعَةِ رَبِّهِ فَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ أَنَّهُ تَعِبَ وَلَا طَلَبَ غَدَاءً وَلَا رَافَقَ أَحَدًا، وَأَمَّا فِي تَوَجُّهِهِ إِلَى مَدْيَنَ فَكَانَ فِي حَاجَةِ نَفْسِهِ فَأَصَابَهُ الْجُوعُ، وَفِي تَوَجُّهِهِ إِلَى الْخَضِرِ لِحَاجَةِ نَفْسِهِ أَيْضًا فَتَعِبَ وَجَاعَ. وَفِيهِ جَوَازُ طَلَبِ الْقُوتِ وَطَلَبِ الضِّيَافَةِ، وَفِيهِ قِيَامُ الْعُذْرِ بِالْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ وَقِيَامُ الْحُجَّةِ بِالثَّانِيَةِ، قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ هَذَا أَصْلُ مَالِكٍ فِي ضَرْبِ الْآجَالِ فِي الْأَحْكَامِ إِلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَفِي التَّلَوُّمِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَفِيهِ حُسْنُ الْأَدَبِ مَعَ اللَّهِ وَأَنْ لَا يُضَافَ إِلَيْهِ مَا يُسْتَهْجَنُ لَفْظُهُ وَإِنْ كَانَ الْكُلُّ بِتَقْدِيرِهِ وَخَلْقِهِ لِقَوْلِ الْخَضِرِ عَنِ السَّفِينَةِ ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ وَعَنِ الْجِدَارِ ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ﴾ وَمِثْلُ هَذَا قَوْلُهُ : وَالْخَيْرُ بِيَدِكَ، وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ.

٤ - بَاب ﴿فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ إِلَى قَوْلِهِ: قصصا. ﴿صُنْعًا﴾ عَمَلًا، ﴿حِوَلا﴾ تَحَوُّلًا، ﴿قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ إِمْرًا وَنُكْرًا: دَاهِيَةً، يَنْقَضَّ: يَنْقَاضُ كَمَا تَنْقَاضُ السِّنُّ، لَتَخِذْتَ وَاتَّخَذْتَ وَاحِدٌ، رُحْمًا مِنْ الرُّحْمِ وَهِيَ أَشَدُّ مُبَالَغَةً مِنْ الرَّحْمَةِ، وَيُظنُّ أَنَّهُ مِنْ الرَّحِيمِ، وَتُدْعَى مَكَّةُ أُمَّ رُحْمٍ، أَيْ الرَّحْمَةُ تَنْزِلُ بِهَا.

[باب قال أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة]

٤٧٢٧ - حَدَّثَنِي قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنِي سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ:

قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ نَوْفًا الْبَكَالِيَّ يَزْعُمُ أَنَّ مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ لَيْسَ بِمُوسَى الْخَضِرِ، فَقَالَ: كَذَبَ عَدُوُّ اللَّهِ، حَدَّثَنَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ، قَالَ: قَامَ مُوسَى خَطِيبًا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَقِيلَ لَهُ: أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ؟ قَالَ: أَنَا. فَعَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ؛ إِذْ لَمْ يَرُدَّ الْعِلْمَ إِلَيْهِ، وَأَوْحَى إِلَيْهِ: بَلَى، عَبْدٌ مِنْ عِبَادِي بِمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ. قَالَ: أَيْ رَبِّ، كَيْفَ السَّبِيلُ إِلَيْهِ؟ قَالَ: تَأْخُذُ حُوتًا فِي مِكْتَلٍ، فَحَيْثُمَا فَقَدْتَ الْحُوتَ فَاتَّبِعْهُ. قَالَ: فَخَرَجَ مُوسَى وَمَعَهُ فَتَاهُ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، وَمَعَهُمَا الْحُوتُ، حَتَّى انْتَهَيَا إِلَى الصَّخْرَةِ، فَنَزَلَا عِنْدَهَا. قَالَ: فَوَضَعَ مُوسَى رَأْسَهُ، فَنَامَ. قَالَ سُفْيَانُ: وَفِي حَدِيثِ غَيْرِ عَمْرٍو قَالَ: وَفِي أَصْلِ الصَّخْرَةِ عَيْنٌ، يُقَالُ لَهَا: الْحَيَاةُ، لَا يُصِيبُ مِنْ مَائِهَا شَيْءٌ إِلَّا حَيِيَ، فَأَصَابَ الْحُوتَ مِنْ مَاءِ تِلْكَ الْعَيْنِ. قَالَ: فَتَحَرَّكَ وَانْسَلَّ مِنْ الْمِكْتَلِ، فَدَخَلَ الْبَحْرَ، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ مُوسَى، قَالَ ﴿لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا﴾ الْآيَةَ. قَالَ: وَلَمْ يَجِدْ النَّصَبَ حَتَّى جَاوَزَ مَا أُمِرَ بِهِ. قَالَ لَهُ فَتَاهُ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ﴾ الْآيَةَ. قَالَ: فَرَجَعَا يَقُصَّانِ فِي آثَارِهِمَا فَوَجَدَا فِي الْبَحْرِ كَالطَّاقِ مَمَرَّ الْحُوتِ، فَكَانَ لِفَتَاهُ عَجَبًا وَلِلْحُوتِ سَرَبًا. قَالَ: فَلَمَّا انْتَهَيَا إِلَى الصَّخْرَةِ؛ إِذْ هُمَا بِرَجُلٍ مُسَجًّى بِثَوْبٍ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ مُوسَى.

قَالَ: وَأَنَّى بِأَرْضِكَ السَّلَامُ؟ فَقَالَ: أَنَا مُوسَى. قَالَ: مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رَشَدًا؟ قَالَ لَهُ الْخَضِرُ: يَا مُوسَى، إِنَّكَ عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ عَلَّمَكَهُ اللَّهُ لَا أَعْلَمُهُ، وَأَنَا عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ عَلَّمَنِيهِ اللَّهُ لَا تَعْلَمُهُ. قَالَ: بَلْ أَتَّبِعُكَ، قَالَ: ﴿فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ فَانْطَلَقَا يَمْشِيَانِ عَلَى السَّاحِلِ، فَمَرَّتْ بِهِما سَفِينَةٌ، فَعُرِفَ الْخَضِرُ فَحَمَلُوهُمْ فِي سَفِينَتِهِمْ بِغَيْرِ نَوْلٍ - يَقُولُ: بِغَيْرِ أَجْرٍ - فَرَكِبَا السَّفِينَةَ، قَالَ: وَوَقَعَ عُصْفُورٌ عَلَى حَرْفِ السَّفِينَةِ، فَغَمَسَ مِنْقَارَهُ فِي الْبَحْرِ. فَقَالَ الْخَضِرُ لِمُوسَى: مَا عِلْمُكَ وَعِلْمِي وَعِلْمُ الْخَلَائِقِ فِي عِلْمِ اللَّهِ إِلَّا مِقْدَارُ مَا غَمَسَ هَذَا الْعُصْفُورُ مِنْقَارَهُ. قَالَ: فَلَمْ يَفْجَأْ مُوسَى؛ إِذْ عَمَدَ الْخَضِرُ إِلَى قَدُومٍ فَخَرَقَ السَّفِينَةَ، فَقَالَ لَهُ مُوسَى: قَوْمٌ حَمَلُونَا بِغَيْرِ نَوْلٍ عَمَدْتَ إِلَى سَفِينَتِهِمْ، فَخَرَقْتَهَا ﴿لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ﴾ الْآيَةَ. فَانْطَلَقَا، إِذَا هُمَا بِغُلَامٍ يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ، فَأَخَذَ الْخَضِرُ بِرَأْسِهِ فَقَطَعَهُ، قَالَ لَهُ مُوسَى: أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ؟! لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا. قَالَ: أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْرًا إِلَى قَوْلِهِ: فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ. فَقَالَ بِيَدِهِ هَكَذَا فَأَقَامَهُ، فَقَالَ لَهُ مُوسَى: إِنَّا دَخَلْنَا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَلَمْ يُضَيِّفُونَا وَلَمْ يُطْعِمُونَا، لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا.

قَالَ: هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : وَدِدْنَا أَنَّ مُوسَى صَبَرَ

حَتَّى يُقَصَّ عَلَيْنَا مِنْ أَمْرِهِمَا. قَالَ: وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقْرَأُ: وَكَانَ أَمَامَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صَالِحَةٍ غَصْبًا، وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ كَافِرًا.

قَوْلُهُ: (بَابُ ﴿فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿قَصَصًا﴾ سَاقَ فِيهِ قِصَّةَ مُوسَى عَنْ قُتَيْبَةَ، عَنْ سُفْيَانَ، وَقَدْ نَبَّهْتُ عَلَى مَا فِيهِ مِنْ فَائِدَةٍ زَائِدَةٍ فِي الَّذِي قَبْلَهُ. وَقَوْلُهُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ تَقَدَّمَ قَبْلَ ببَابٍ مِنْ رِوَايَةِ الْحُمَيْدِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيٍّ بْنِ الْمَدِينِيِّ قَالَ: حَجَجْتُ حَجَّةً وَلَيْسَ لِي هِمَّةٌ إِلَّا أَنْ أَسْمَعَ مِنْ سُفْيَانَ الْخَبَرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، حَتَّى سَمِعْتُهُ يَقُولُ: حَدَّثَنَا عَمْرٌو وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ يَقُولُهُ بِالْعَنْعَنَةِ.

قَوْلُهُ: (يَنْقَضُّ يَنْقَاضُ كَمَا يَنْقَاضُ السِّنُّ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَلِغَيْرِهِ الشَّيْءُ بِمُعْجَمَةٍ وَتَحْتَانِيَّةٍ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ قَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ أَيْ يَقَعَ، يُقَالُ: انْقَضَّتِ الدَّارُ إِذَا انْهَدَمَتْ، قَالَ: وَقَرَأَهُ قَوْمٌ يَنْقَاضُ أي يَنْقَلِعُ مِنْ أَصْلِهِ، كَقَوْلِكَ: انْقَاضَتِ السِّنُّ إِذَا انْقَلَعَتْ مِنْ أَصْلِهَا، وَهَذَا يُؤَيِّدُ رِوَايَةَ أَبِي ذَرٍّ، وَقِرَاءَةُ يَنْقَاضُ مَرْوِيَّةٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ. وَاخْتُلِفَ فِي ضَادِهَا فَقِيلَ بِالتَّشْدِيدِ بِوَزْنِ يَحْمَارُّ وَهُوَ أَبْلَغُ مِنْ يَنْقَضُّ، وَيَنْقَضُّ بِوَزْنِ يَفْعَلُّ مِنِ انْقِضَاضِ الطَّائِرِ إِذَا سَقَطَ إِلَى الْأَرْضِ، وَقِيلَ بِالتَّخْفِيفِ وَعَلَيْهِ يَنْطَبِقُ الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ. وَعَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَرَأَ يَنْقَاصُ بِالْمُهْمَلَةِ، وَقَالَ ابْنُ خَالَوَيْهِ: يَقُولُونَ: انْقَاصَتِ السِّنُّ إِذَا انْشَقَّتْ طُولًا، وَقِيلَ: إِذَا تَصَدَّعَتْ كَيْفَ كَانَ. وَقَالَ ابْنُ فَارِسٍ: قِيلَ مَعْنَاهُ كَالَّذِي بِالْمُعْجَمَةِ وَقِيلَ الشَّقُّ طُولًا. وَقَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: انْقَاضَ بِالْمُعْجَمَةِ انْكَسَرَ، وَبِالْمُهْمَلَةِ انْصَدَعَ. وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ تَبَعًا لِابْنِ مَسْعُودٍ يُرِيدُ لِيُنْقَضَ بِكَسْرِ اللَّامِ وَضَمِّ التَّحْتَانِيَّةِ وَفَتْحِ الْقَافِ وَتَخْفِيفِ الضَّادِ مِنَ النَّقْضِ.

قَوْلُهُ: ﴿نُكْرًا﴾ دَاهِيَةً) كَذَا فِيهِ، وَالَّذِي عِنْدَ أَبِي عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾ دَاهِيَةً، وَنُكْرًا أَيْ عَظِيمًا. وَاخْتُلِفَ فِي أَيِّهِمَا أَبْلَغُ فَقِيلَ إِمْرًا أَبْلَغُ مِنْ نُكْرًا لِأَنَّهُ قَالَهَا بِسَبَبِ الْخَرْقِ الَّذِي يُفْضِي إِلَى هَلَاكِ عِدَّةِ أَنْفُسٍ، وَتِلْكَ بِسَبَبِ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ. وَقِيلَ نُكْرًا أَبْلَغُ لِكَوْنِ الضَّرَرِ فِيهَا نَاجِزًا بِخِلَافِ إِمْرًا لِكَوْنِ الضَّرَرِ فِيهَا مُتَوَقَّعًا. وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ فِي نُكْرًا: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكَ﴾ وَلَمْ يَقُلْهَا فِي إِمْرًا.

قَوْلُهُ: (لَتَخِذْتَ وَاتَّخَذْتَ وَاحِدٌ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ سُفْيَانَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: أَنَّ النَّبِيَّ قَرَأَهَا لَتَخِذْتَ وَهِيَ قِرَاءَةُ أَبِي عَمْرٍو، وَرِوَايَةُ غَيْرِهِ لَاتَّخَذْتَ.

قَوْلُهُ: (رُحْمًا مِنَ الرُّحْمِ وَهِيَ أَشَدُّ مُبَالَغَةٍ مِنَ الرَّحْمَةِ، وَيَظُنُّ أَنَّهُ مِنَ الرَّحِيمِ، وَتُدْعَى مَكَّةَ أُمُّ رُحْمٍ أَيِ الرَّحْمَةُ تَنْزِلُ بِهَا) هُوَ مِنْ كَلَامِ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَوَقَعَ عِنْدَهُ مُفَرَّقًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَحَاصِلُ كَلَامِهِ أَنَّ رُحْمًا مِنَ الرَّحِمِ الَّتِي هِيَ الْقَرَابَةُ، وَهِيَ أَبْلَغُ مِنَ الرَّحْمَةِ الَّتِي هِيَ رِقَّةُ الْقَلْبِ؛ لِأَنَّهَا تَسْتَلْزِمُهَا غَالِبًا مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ، وَقَوْلُهُ: وَيُظَنُّ مَبْنِيٌّ لِلْمَجْهُولِ، وَقَوْلُهُ: مُشْتَقٌّ مِنَ الرَّحْمَةِ أَيِ الَّتِي اشْتُقَّ مِنْهَا الرَّحِيمُ، وَقَوْلُهُ: أُمُّ رُحْمٍ بِضَمِّ الرَّاءِ وَالسُّكُونِ وَذَلِكَ لِتَنْزِلَ الرَّحْمَةُ بِهَا، فَفِيهِ تَقْوِيَةٌ لِمَا اخْتَارَهُ مِنْ أَنَّ الرُّحْمَ مِنَ الْقَرَابَةِ لَا مِنَ الرِّقَّةِ.

قوله: (باب قوله تعالى: ﴿قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ﴾ إلخ) ثبتت هذه الترجمة لأبي ذر، وذكر فيه قصة موسى والخضر عن قتيبة عن سفيان بن عيينة، وقد تقدمت عن عبد الله بن محمد عن سفيان بن عيينة في كتاب العلم، وقوله في آخرها: (قال رسول الله : وددنا أن موسى صبر حتى يقص الله علينا من أمرهما) تقدم في العلم بلفظ (يرحم الله موسى لوددنا لو صبر) وتقدم في أحاديث الأنبياء عن علي بن عبد الله بن المديني عن سفيان كرواية قتيبة، لكن قال بعدها: (قال سفيان: قال رسول الله : يرحم الله موسى إلخ) فهذا يحتمل أن تكون هذه الزيادة وهو (يرحم الله موسى) لم تكن عند ابن عيينة بهذا الإسناد، ولكنه أرسلها. ويحتمل أن يكون على سمعه منه مرتين

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٤٧٢٧ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثَّقفيُّ أبو رجاءٍ البَغْلانيُّ -بفتح الموحَّدة وسكون المعجمة- (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ أيضًا: «حدَّثنا» (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) ابنِ أبي عمران ميمونٍ الهلاليُّ الكوفيُّ ثم المكِّيُّ، الإمام الحافظ الحجَّة، تغيَّر حفظه بأَخَرة، وربَّما دلَّس عنِ الثقات، وهو مِن أثبت الناس في عمرو بن دينار (عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ) المكِّيِّ الجُمحيِّ مولاهم (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ) الأسديِّ مولاهم الكوفيِّ أنَّه (قَالَ: قُلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ نَوْفًا) كذا في «اليونينيَّة»، وفي «الفرع»: «نوف» بغير ألفٍ (البِكَالِيَّ) بكسر الموحَّدة نسبةً إلى بني بِكال؛ بطنٍ من حمير، و «نوفَ»: بغير صرفٍ، وصرفُه أشهرُ كما مرَّ، ولأبي ذر: «البَكالي» بفتح الموحَّدة (يَزْعُمُ أَنَّ مُوسَى نَبِيَّ اللهِ) المرسل إلى بني إسرائيل كذا في الفرع «موسى نبيِّ الله» والذي في «اليونينيَّة»: «يزعم أنَّ موسى نبيَّ (١) بني إسرائيل» (٢) (لَيْسَ بِمُوسَى الخَضِرِ) بل موسى آخر (فَقَالَ) ابن عبَّاس : (كَذَبَ عَدُوُّ اللهِ) يعني: نوفًا، وعبّر بذلك للزجر والتحذير، لا قدحًا فيه (حَدَّثَنَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ) أنَّه (قَالَ: قَامَ مُوسَى خَطِيبًا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ) يُذَكِّرُهم بنِعَمِ الله عليهم وعليه، ويَذكُر ما أكرمه الله به

من رسالته وتكريمه وتفضيله (فَقِيلَ لَهُ: أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ؟) أي: منهم (قَالَ) ولأبي ذَرٍّ: «فقال»: (أَنَا) أي: أعلمُ (فَعَتَبَ اللهُ عَلَيْهِ إِذْ لَمْ يَرُدَّ العِلْمَ إِلَيْهِ) كأنْ يقولَ: اللهُ أعلم (وَأَوْحَى إِلَيْهِ) بفتح الهمزة والحاء (بَلَى، عَبْدٌ مِنْ عِبَادِي) كائنٌ (بِمَجْمَعِ البَحْرَيْنِ، هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ) أي: بشيءٍ مخصوصٍ، والعالمُ بالعِلم الخاص لا يلزمُ منه أن يكونَ أعلمَ من العالم بالعِلم العام (قَالَ: أَيْ رَبِّ كَيْفَ السَّبِيلُ إِلَيْهِ) أي: إلى لقائه؟ (قَالَ: تَأْخُذُ حُوتًا فِي مِكْتَلٍ، فَحَيْثُمَا فَقَدْتَ الحُوتَ) بفتح القاف (فَاتَّبِعْهُ) بهمزة وصل وتشديد الفوقيَّة وكسر الموحَّدة، ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «فاتْبَعْهُ» بسكون الفوقية وفتح الموحَّدة، أي: اتْبَعْ أثرَ الحوت، فإنَّك ستلقى العبد الأعلم (قَالَ: فَخَرَجَ مُوسَى وَمَعَهُ فَتَاهُ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ) مجرورٌ بالإضافة منصرفٌ، كنوح على الفصحى (وَمَعَهُمَا الحُوتُ) المأمور به (حَتَّى انْتَهَيَا إِلَى الصَّخْرَةِ) التي عند مَجمع البحرين (فَنَزَلَا عِنْدَهَا، قَالَ: فَوَضَعَ مُوسَى رَأْسَهُ فَنَامَ -قَالَ سُفْيَانُ) بنُ عُيينةَ بالإسناد السَّابق: (وَفِي حَدِيثِ غَيْرِ عَمْرٍو) لعلَّ الغيرَ المذكورَ -كما قال في «الفتح» - قَتادةُ؛ لِمَا عندَ ابن أبي حاتم من طريقه (قَالَ-: وَفِي أَصْلِ الصَّخْرَةِ عَيْنٌ يُقَالُ لَهَا) ولأبي الوقت والأَصيلي «له» (الحَيَاةُ) بتاء التأنيث آخره (لَا يُصِيبُ مِنْ مَائِهَا شَيْءٌ) من الحيوان (إِلَّا حَيِيَ) وعند ابن إسحاق: «من شرب منه خُلِّد، ولا يقاربه شيء ميت إلَّا حَيِيَ» ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ والمُستملي: «لا تصيب» بالفوقيَّة، أي: العين شيئًا -أي: من الحيوان- إلَّا حَيِيَ (فَأَصَابَ الحُوتَ مِنْ) رشاش (مَاءِ تِلْكَ العَيْنِ، قَالَ: فَتَحَرَّكَ وَانْسَلَّ مِنَ المِكْتَلِ، فَدَخَلَ البَحْرَ) ولعلَّ هذه العين -إن ثبت النقل فيها- هي التي شرب منها الخضر فخُلِّد، كما قال به جماعةٌ كما مرَّ (فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ مُوسَى ﴿قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءنَا﴾ … الآيَةَ [الكهف: ٦٢]) أي: بعد أن (١) نسي الفتى أن (٢) يخبرَه بأنَّ الحوت حَيِيَ، وانطلاقهما سائرين بقيَّة يومهما وليلتهما، حتى كان مِنَ الغد قال له إذ ذاك: ﴿آتِنَا غَدَاءنَا﴾ (قَالَ: وَلَمْ يَجِدِ النَّصَبَ حَتَّى جَاوَزَ مَا أُمِرَ بِهِ) فألقى اللهُ عليه

الجوعَ والنَّصَبَ (قَالَ لَهُ فَتَاهُ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ﴾) أي: أنْ أُخبرَك بخبرِه (الآيَةَ) إلى قوله: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ﴾ [الكهف: ٦٤] (قَالَ: فَرَجَعَا يَقُصَّانِ فِي آثَارِهِمَا) حتى انتهيا إلى الصخرة (فَوَجَدَا فِي البَحْرِ كَالطَّاقِ مَمَرَّ الحُوتِ) مفعولُ «وجدا» (فَكَانَ لِفَتَاهُ عَجَبًا) إذ هو أمرٌ خارق (وَلِلْحُوتِ سَرَبًا) مسلكًا، وروى ابن أبي حاتم من طريق العوفيِّ عن ابن عبَّاسٍ قال: رجع موسى فوجد الحوت، فجعل موسى يُقدِّم عصاه يفرِّج بها عنه الماء ويتْبع الحوت، وجعل الحوت لا يمسُّ شيئًا من البحر إلَّا يبس حتى يصير صخرة (قَالَ: فَلَمَّا انْتَهَيَا إِلَى الصَّخْرَةِ؛ إِذَا) والذي في «اليونينيَّة» (١): «إذْ» (هُمَا بِرَجُلٍ مُسَجًّى) مغطًّى (بِثَوْبٍ) وفي رواية الربيع عن أنس عند ابن أبي حاتم قال: «انجاب الماء عن مسلك الحوت فصارت (٢) كوَّة، فدخلها (٣) موسى على أثر الحوت فإذا هو بالخضِر» (فَسَلَّمَ عَلَيْهِ مُوسَى، قَالَ) الخَضِر بعد أن ردَّ السلام عليه وكشف الثوب عن وجهه: (وَأَنَّى) بهمزة ونون مشدَّدة مفتوحتين، أي: وكيف (بِأَرْضِكَ السَّلَامُ) وأهلُها كفَّارٌ؟ أو لم يكن السلام تحيَّتَهُم (فَقَالَ) موسى بعد أن قال له الخضِر: مَن أنت؟ (أَنَا مُوسَى، قَالَ) الخضر: (مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ؟ قَالَ: نَعَمْ) قال له موسى: (﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾) أي: عِلمًا ذا رَشَدٍ أسترشد به (قَالَ) ولأبي ذَرٍّ: «فقال» (لَهُ الخَضِرُ: يَا مُوسَى إِنَّكَ عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللهِ عَلَّمَكَهُ اللهُ لَا أَعْلَمُهُ، وَأَنَا عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللهِ عَلَّمَنِيهِ اللهُ لَا تَعْلَمُهُ) فكلٌّ منَّا مكلَّفٌ بأمورٍ مِنَ الله (٤) دون صاحبه (قَالَ) موسى: (بَلْ أَتَّبِعُكَ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «هل» والأُولى أوضح (﴿قَالَ﴾) الخضِرُ: (﴿فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ﴾) تُنكره (٥) ابتداءً (﴿حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾) حتى أبدأَكَ ببيانِه (﴿فَانطَلَقَا﴾ يَمْشِيَانِ عَلَى السَّاحِلِ (٦)، فَمَرَّتْ بِهِمَا سَفِينَةٌ) ولأبي ذرٍّ:

«بهم» أي: بموسى ويوشع والخضر (فَعُرِفَ (١) الخَضِرُ، فَحَمَلُوهُمْ فِي سَفِينَتِهِمْ بِغَيْرِ نَوْلٍ) بفتح النون وسكون الواو (-يَقُولُ: بِغَيْرِ أَجْرٍ-) أي: أُجرةٍ (فَرَكِبَا السَّفِينَةَ) ولم يذكر يوشع؛ لأنَّه تابعٌ غيرُ مقصودٍ بالأصالة (٢)، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «فركبا في السفينة» (قَالَ: وَوَقَعَ (٣) عُصْفُورٌ) بضمِّ العين (عَلَى حَرْفِ السَّفِينَةِ فَغَمَسَ مِنْقَارَهُ البَحْرَ) بنصبهما، ولأبي ذرٍّ: «في البحر» (فَقَالَ الخَضِرُ لِمُوسَى) ولأبي ذرٍّ: «يا موسى»: (مَا عِلْمُكَ وَعِلْمِي وَعِلْمُ الخَلَائِقِ فِي عِلْمِ اللهِ إِلَّا مِقْدَارُ) بالرَّفع (مَا غَمَسَ هَذَا العُصْفُورُ مِنْقَارَهُ) وفي روايةٍ: «ما نقص علمي وعلمك من علم الله» والعلمُ يُطلق ويُراد به المعلوم، وعلم الله لا يدخله نقصٌ، ونقصُ العُصفورِ لا تأثيرَ له، فكأنَّه لم يأخذ شيئًا، فهو كقوله:

وَلَا عَيْبَ فيهم غَيرَ أن سيوفَهم … بِهنَّ فُلولٌ من قِراعِ الكَتَائبِ

أي: لا عيب فيهم أصلًا (٤).

(قَالَ: فَلَمْ يَفْجَأْ مُوسَى) بالهمزة (إِذْ عَمَدَ الخَضِرُ) بفتح الميم (إِلَى قَدُومٍ) بفتح القاف وتخفيف الدال، أي: الآلة المعروفة (فَخَرَقَ السَّفِينَةَ، فَقَالَ (٥) لَهُ مُوسَى: قَوْمٌ حَمَلُونَا بِغَيْرِ نَوْلٍ عَمَدْتَ) بفتح الميم أيضًا (إِلَى سَفِينَتِهِمْ فَخَرَقْتَهَا ﴿لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ (٦)﴾ … الآيَةَ [الكهف: ٧١]). وسقط لأبي ذرٍّ «﴿لَقَدْ جِئْتَ﴾» و «الآيةَ» (فَانْطَلَقَا) بعد أن خرجا من السفينة (إِذَا (٧) هُمَا بِغُلَامٍ يَلْعَبُ مَعَ الغِلْمَانِ، فَأَخَذَ الخَضِرُ بِرَأْسِهِ) ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي والكُشْميهَنيِّ: «فأخذ الخضر رأسَه» بحذف الجارِّ والنَّصبِ مفعولُ «أخذ» (فَقَطَعَهُ، قَالَ) ولأبي الوقت: «فقال» (لَهُ مُوسَى: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾) بالتشديد؛ طاهرةً (﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾) قيل: وكان القتل في أُبُلَّة، بضمِّ

الهمزة والموحَّدة وتشديد اللَّام المفتوحة؛ مدينة قرب بصرة وعبَّادان (﴿لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا﴾) منكرًا (﴿قَالَ﴾) الخضر: (﴿أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْرًا﴾) وأتى بـ ﴿لَّكَ﴾ مع ﴿نُّكْرًا﴾ بخلاف ﴿إِمْرًا﴾ قيل: لأنَّ النُّكْر أبلغُ؛ لأنَّ معه القتلُ الحتْمُ، بخلاف خرقِ (١) السفينة؛ فإنَّه يمكن تدارُكُه (إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ﴾) أن (٢) يسقط (فَقَالَ) الخضِرُ (بِيَدِهِ هَكَذَا ﴿فَأَقَامَهُ﴾ فَقَالَ لَهُ مُوسَى: إِنَّا دَخَلْنَا هَذِهِ القَرْيَةَ فَلَمْ يُضَيِّفُونَا وَلَمْ يُطْعِمُونَا، ﴿لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا. قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾) قال في «الأنوار»: الإشارة إلى الفراق الموعود بقوله: فلا تصاحبني، أو إلى الاعتراض الثالث، أو الوقت، أي: هذا الاعتراض سبب فِراقنا، أو هذا الوقت وقته (﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٧٨]) لكونه (٣) منكرًا من حيثُ الظاهرُ، وقد كانت أحكام موسى -كغيرِه من الأنبياء- مبنيَّةً على الظَّواهر؛ ولذا أنكر خرق السفينة وقتل الغلام؛ إذِ التَّصرُّف في أموال الناس وأرواحِهِم بغير حقٍّ حرامٌ في الشَّرع الذي شرعه الله لأنبيائه ؛ إذ لم يكلِّفنا إلى الكشف عن البواطن؛ لِمَا في ذلك من الحَرَج، وأمَّا وقوع ذلك من الخضر فالظاهر أنَّه قد شُرع له أن يعمل بما كُشِفَ له من بواطن الأسرار، واطلع عليه من حقائق الأستار، فلمَّا عَلِمَ الخضرُ علمًا يقينًا أنَّه إن لم (٤) يعبِ السفينةَ بالخرق غصبها الملكُ؛ وجب عليه ذلك دفعًا للضرر عن مُلَّاكِها؛ إذ لو تركها ولم يَعِبْها فاتت بالكُلِّيَّة عليهم بأخذ الملك لها (٥)، وكذا قتل الغلام؛ فإنَّه علم بالوحيِ أنَّه إن لم يقتلْه تَبِعَه أبواه على الكفر لمزيد محبَّتِهِما له، فكانتِ المضرَّةُ بقتله أيسرَ مِن إبقائه، لا سيَّما والمطبوع على الكفر الذي لا يُرجى إيمانه كان قتلُه في شريعتهم واجبًا؛ لأنَّ أخذ الجزية لم يكن سائغًا لهم، وقد رزقَهُما الله خيرًا منه كما مرَّ، ولو ترك الجدار حتى يسقطَ ضاعَ مالُ أولئك الأيتام، فكانت المصلحةُ التَّامة في إقامته، ولعلَّ ذلك كان واجبًا عليه.

(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ : وَدِدْنَا) بكسر الدال الأولى وسكون الثانية (أنَّ مُوسَى صَبَرَ حَتَّى

يُقَصَّ) بضمِّ أوله وفتح آخره مبنيًّا للمفعول (عَلَيْنَا مِنْ أَمْرِهِمَا، قَالَ: وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقْرَأُ: (وَكَانَ أَمَامَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صَالِحَةٍ)) غير معيبة ((غَصْبًا، وَأَمَّا الغُلَامُ فَكَانَ كَافِرًا)) وقد سبق أنَّ «أمام» يُستعمل موضع «وراء»، فهي مفسِّرة للآية كما مرَّ، وقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ﴾ [الكهف: ٨٠] فيه إشعارٌ بأنَّ الغلام كان كافرًا، كما في هذه القراءة، لكنَّها -كقراءة (أمامهم) و (صالحة) - مِنَ الشَّواذِّ المخالفة لمصحف عثمان، والله الموفِّق.

(٥) هذا (١) (بابٌ) بالتَّنوين، (قولُه) تعالى: (﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ [الكهف: ١٠٣]) زاد أبو ذر (٢): «الآيةَ» أي: هل نخبركم بالأخسرين، ثم فسَّرَهم بقوله: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ﴾ [الكهف: ١٠٤] أي: عملوا أعمالًا باطلة على غير شريعةٍ مَشروعة، وهم يحسبون أنَّهم يُحسِنون صُنعًا، أي: يعتقدون أنَّهم على (٣) هدًى فَضَلَّ سَعْيُهُم، و «أعمالًا» نصب على التمييز، وجمع لأنَّه من أسماء الفاعلين، أو لتنوع (٤) أعمالهم، فليسوا مشتركين في عمل واحد، وفي قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ﴾ [الكهف: ١٠٤] تجنيس التصحيف؛ وهو أن يكون النقط فرقًا بين الكلمتين، وقوله: ﴿هَلْ نُنَبِّئُكُمْ﴾ استفهامٌ تقريري، وفي قوله: ﴿بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ [الكهف: ١٠٣] الاستعارة؛ استعار الخسران الذي هو حقيقة في ضد الربح لكون أعمالهم الصالحة نفدت (٥) أجورها، واستعار الضلال الذي هو حقيقة في التِّيه عن الطريق المستقيم لإسقاط أعمالهم وإذهابها، وفي قوله: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ﴾ الحذفُ، أي: قل هل نُنَبِّئُكُم بما يحلُّ بالأخسرين، وسقط لفظ «باب» لغير أبي ذر.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.5 / 29.5
الإضاءة 7%
البدر بعد 12 يوم
الله أكبر