«كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَقَالَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٨٠٢

الحديث رقم ٤٨٠٢ من كتاب «كتاب تفسير القرآن» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: سورة يس.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٤٨٠٢ في صحيح البخاري

«كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ فِي الْمَسْجِدِ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَقَالَ: يَا أَبَا ذَرٍّ، أَتَدْرِي أَيْنَ تَغْرُبُ الشَّمْسُ؟ قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: فَإِنَّهَا تَذْهَبُ حَتَّى تَسْجُدَ تَحْتَ الْعَرْشِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾».

إسناد حديث البخاري رقم ٤٨٠٢

٤٨٠٢ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ - قَالَ:

📖 هذا الحديث في تفسير سورة يس - اطّلع على تفسيرها وأسباب نزولها.

شرح حديث ٤٨٠٢: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

مَأْخُوذٌ مِنَ الْفَاكِهَةِ وَهِيَ التَّلَذُّذُ وَالتَّنَعُّمُ.

قَوْلُهُ: (جُنْدٌ مُحْضَرُونَ: عِنْدَ الْحِسَابِ) سَقَطَ هَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَقَدْ وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ كَذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (وَيُذْكَرُ عَنْ عِكْرِمَةَ الْمَشْحُونِ: الْمُوقَرِ) سَقَطَ هَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ، وَجَاءَ مِثْلُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْهُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ.

قَوْلُهُ: (سُورَةُ يس - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ هُنَا، وَسَقَطَ لِغَيْرِهِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ مَصَائِبُكُمْ) وَتَقَدَّمَ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ. وَلِلطَّبَرِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: طَائِرُكُمْ أَعْمَالُكُمْ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: طَائِرُكُمْ أَيْ حَظُّكُمْ مِنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ.

قَوْلُهُ: (يَنْسِلُونَ يَخْرُجُونَ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِهِ.

قَوْلُهُ: (مَرْقَدِنَا: مَخْرَجِنَا. وَقَوْلُهُ: أَحْصَيْنَاهُ حَفِظْنَاهُ. وَقَوْلُهُ: مَكَانَتُهُمْ وَمَكَانُهُمْ وَاحِدٌ) سَقَطَ هَذَا كُلُّهُ لِأَبِي ذَرٍّ وَسَيَأْتِي تَفْسِيرُ أَحْصَيْنَاهُ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ﴾ يَقُولُ: لَأَهْلَكْنَاهُمْ فِي مَسَاكِنِهِمْ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ﴾ الْمَكَانُ وَالْمَكَانَةُ وَاحِدٌ.

١ - بَاب ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾

٤٨٠٢ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ فِي الْمَسْجِدِ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَقَالَ: يَا أَبَا ذَرٍّ أَتَدْرِي أَيْنَ تَغْرُبُ الشَّمْسُ؟ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: فَإِنَّما تَذْهَبُ حَتَّى تَسْجُدَ تَحْتَ الْعَرْشِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾.

٤٨٠٣ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ قَالَ: مُسْتَقَرُّهَا تَحْتَ الْعَرْشِ

قَوْلُهُ: بَابُ قَوْلِهِ: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي ذَرٍّ كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ فِي الْمَسْجِدِ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَقَالَ: يَا أَبَا ذَرٍّ أتدري أَيْنَ تَغْرُبُ الشَّمْسُ؟ قَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: فَإِنَّهَا تَذْهَبُ تَسْجُدُ تَحْتَ الْعَرْشِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ هَكَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ بِلَفْظِ تَذْهَبُ حَتَّى تَنْتَهِيَ تَحْتَ الْعَرْشِ عِنْدَ رَبِّهَا وَزَادَ ثُمَّ تَسْتَأْذِنُ فَيُؤْذَنُ لَهَا، وَيُوشِكُ أَنْ تَسْتَأْذِنَ فَلَا يُؤْذَنُ لَهَا وَتَسْتَشْفِعُ وَتَطْلُبُ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ قِيلَ اطْلُعِي مِنْ مَكَانِكِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ وَقَدْ ذُكِرَ نَحْوُ هَذِهِ الزِّيَادَةِ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ أَبِي نُعَيْمٍ كَمَا سَأُنَبِّهُ عَلَيْهِ.

قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ (سَأَلْتُ النَّبِيَّ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا قَالَ: مُسْتَقَرُّهَا تَحْتَ الْعَرْشِ) كَذَا رَوَاهُ وَكِيعٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ مُخْتَصَرًا، وَهُوَ بِالْمَعْنَى، فَإِنَّ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّ النَّبِيَّ هُوَ الَّذِي اسْتَفْهَمَهُ أَتَدْرِي أَيْنَ تَغْرُبُ الشَّمْسُ؟ فَقَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (فَإِنَّهَا تَذْهَبُ حَتَّى تَسْجُدَ تَحْتَ الْعَرْشِ) فِي رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ كَمَا سَيَأْتِي فِي التَّوْحِيدِ فَإِنَّهَا تَذْهَبُ فَتَسْتَأْذِنُ فِي السُّجُودِ فَيُؤْذَنُ لَهَا، وَكَأَنَّهَا

قَدْ قِيلَ لَهَا اطْلُعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتِ فَتَطْلُعُ مِنْ مَغْرِبِهَا. ثُمَّ قَرَأَ وَذَلِكَ مُسْتَقَرٌّ لَهَا. قَالَ: وَهِيَ قِرَاءَةُ عَبْدِ اللَّهِ. وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ طَرِيقِ وَهْبٍ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فِي هَذِهِ الْآيَةِ قَالَ: مُسْتَقَرُّهَا أَنْ تَطْلُعَ فَيَرُدُّهَا ذُنُوبُ بَنِي آدَمَ، فَإِذَا غَرَبَتْ سَلَّمَتْ وَسَجَدَتْ وَاسْتَأْذَنَتْ فَلَا يُؤْذَنُ لَهَا، فَتَقُولُ: إِنَّ السَّيْرَ بَعُدَ، وَإِنِّي إِنْ لَا يُؤْذَنُ لِي لَا أَبْلُغُ، فَتُحْبَسُ مَا شَاءَ اللَّهُ. ثُمَّ يُقَالُ: اطْلُعِي مِنْ حَيْثُ غَرَبْتِ، قَالَ: فَمِنْ يَوْمِئِذٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا. وَأَمَّا قَوْلُهُ تَحْتَ الْعَرْشِ فَقِيلَ هُوَ حِينَ مُحَاذَاتِهَا. وَلَا يُخَالِفُ هَذَا قَوْلُهُ: وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهَا نِهَايَةُ مُدْرَكِ الْبَصَرِ إِلَيْهَا حَالَ الْغُرُوبِ، وَسُجُودُهَا تَحْتَ الْعَرْشِ إِنَّمَا هُوَ بَعْدَ الْغُرُوبِ. وَفِي الْحَدِيثِ رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِمُسْتَقَرِّهَا غَايَةُ مَا تَنْتَهِي إِلَيْهِ فِي الِارْتِفَاعِ، وَذَلِكَ أَطْوَلُ يَوْمٍ فِي السَّنَةِ، وَقِيلَ إِلَى مُنْتَهَى أَمْرِهَا عِنْدَ انْتِهَاءِ الدُّنْيَا.

وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِاسْتِقْرَارِهَا تَحْتَ الْعَرْشِ أَنَّهَا تَسْتَقِرُّ تَحْتَهُ اسْتِقْرَارًا لَا نُحِيطُ بِهِ نَحْنُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى أَوْ عِلْمُ مَا سَأَلْتَ عَنْهُ مِنْ مُسْتَقَرِّهَا تَحْتَ الْعَرْشِ فِي كِتَابٍ كُتِبَ فِيهِ ابْتِدَاءُ أُمُورِ الْعَالَمِ وَنِهَايَتُهَا فَيُقْطَعُ دَوْرَانُ الشَّمْسِ وَتَسْتَقِرُّ عِنْدَ ذَلِكَ وَيَبْطُلُ فِعْلُهَا، وَلَيْسَ فِي سُجُودِهَا كُلَّ لَيْلَةٍ تَحْتَ الْعَرْشِ مَا يُعِيقُ عَنْ دَوَرَانِهَا فِي سَيْرِهَا. قُلْتُ: وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالِاسْتِقْرَارِ وُقُوعُهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ عِنْدَ سُجُودِهَا وَمُقَابِلُ الِاسْتِقْرَارِ الْمَسِيرُ الدَّائِمُ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ بِالْجَرْيِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٣٧ - سُورَةُ الصَّافَّاتِ

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ: مِنْ كُلِّ مَكَانٍ، وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِ جَانِبٍ. دحورا يُرْمَوْنَ. وَاصِبٌ: دَائِمٌ. لَازِبٍ: لَازِمٍ. تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ يَعْنِي الْحَقَّ، الْكُفَّارُ تَقُولُهُ لِلشَّياطينِ. غَوْلٌ وَجَعُ بَطْنٍ. يُنْزَفُونَ: لَا تَذْهَبُ عُقُولُهُمْ. قَرِينٌ: شَيْطَانٌ. يُهْرَعُونَ: كَهَيْئَةِ الْهَرْوَلَةِ. يَزِفُّونَ التَّسَلَانُ فِي الْمَشْيِ. وَبَيْنَ الْجَنَّةِ نَسَبًا، قَالَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ: الْمَلَائِكَةُ بَنَاتُ اللَّهِ، وَأُمَّهَاتُهُمْ بَنَاتُ سَرَوَاتِ الْجِنِّ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ سَيحْضُرُونَ لِلْحِسَابِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَنَحْنُ الصَّافُّونَ: الْمَلَائِكَةُ. صِرَاطِ الْجَحِيمِ: وَوَسَطَ الْجَحِيمِ. لَشَوْبًا: يُخْلَطُ طَعَامُهُمْ وَيُسَاطُ بِالْحَمِيمِ. مَدْحُورًا: مَطْرُودًا. بَيْضٌ مَكْنُونٌ: اللُّؤْلُؤُ الْمَكْنُونُ. وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ: يُذْكَرُ بِخَيْرٍ. وَيُقَالُ: يَسْتَسْخِرُونَ: يَسْخَرُونَ. بَعْلًا: رَبًّا. الْأَسْبَابُ: السماء.

قَوْلُهُ: (سُورَةُ الصَّافَّاتِ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ ﴿وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ، ﴿وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ * دُحُورًا﴾ يُرْمَوْنَ. ﴿وَاصِبٌ﴾ دَائِمٌ. ﴿لازِبٍ﴾ لَازِمٌ) سَقَطَ هَذَا كُلُّهُ لِأَبِي ذَرٍّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُهُ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ. وَرَوَى الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ﴾ يَقُولُونَ هُوَ سَاحِرٌ هُوَ كَاهِنٌ هُوَ شَاعِرٌ وَفِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ﴾ قَالَ: لَازِمٍ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ﴾ أَيْ دَائِمٌ وَفِي قَوْلِهِ: ﴿مِنْ طِينٍ لازِبٍ﴾ هِيَ بِمَعْنَى اللَّازِمِ، قَالَ النَّابِغَةُ:

وَلَا يَحْسِبُونَ الشَّرَّ ضَرْبَةَ لَازِبٍ أَيْ: لَازِمٍ.

قَوْلُهُ: ﴿تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ﴾، يَعْنِي الْحَقَّ، الْكُفَّارُ تَقُولُهُ لِلشَّيَاطِينِ) وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ يَعْنِي الْجِنَّ بِجِيمٍ ثُمَّ نُونٍ، وَنَسَبَهُ عِيَاضٌ لِلْأَكْثَرِ. وَقَدْ وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِ: ﴿إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٤٨٠٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضلُ بنُ دكين قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمانُ (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) بنِ يزيد (التَّيْمِيِّ) الكوفيِّ (عَنْ أَبِيهِ) يزيد (عَنْ أَبِي ذَرٍّ) جندب الغفاريِّ () أنَّه (قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبيِّ (١) فِي المَسْجِدِ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَقَالَ: يَا أَبَا ذَرٍّ، أَتَدْرِي أَيْنَ تَغْرُبُ الشَّمْسُ؟) استفهامٌ أريد به الإعلام (قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: فَإِنَّهَا تَذْهَبُ حَتَّى تَسْجُدَ تَحْتَ العَرْشِ) أي: تنقادُ للباري تعالى انقيادَ السَّاجدِ من (٢) المكلَّفين، أو شبَّهها بالسَّاجد (٣) عند غروبها. قال ابنُ كثيرٍ: والعرشُ فوق العالمِ ممَّا يلي رؤوسَ النَّاسِ، فالشَّمسُ إذا كانت في قبَّةِ الفلكِ وقت الظَّهيرةِ تكون أقرب إلى العرشِ، فإذا استدارَت في فلكها الرَّابع إلى مقابلةِ هذا المقامِ -وهو (٤) وقت نصف اللَّيل- صارَت أبعد ما يكون من العرشِ، فحينئذٍ تسجدُ وتستأذنُ في الطُّلوعِ، أي: من المشرقِ على عادتها، فيؤذنُ لها (فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [يس: ٣٨]).

٤٨٠٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ) عبد الله بنُ الزُّبيرِ قال: (حَدَّثَنَا وَكِيعٌ) بفتح الواو وكسر الكاف، ابنُ الجرَّاحِ قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمانُ بنُ مهران (عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ) يزيد بنِ شريكٍ (عَنْ أَبِي ذَرٍّ) الغفاريِّ ، أنَّه (قَالَ: سَأَلْتُ النَّبيَّ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا﴾ [يس: ٣٨] قَالَ) : (مُسْتَقَرُّهَا تَحْتَ العَرْشِ) قال الخطَّابيُّ: يحتمل أن يكون على ظاهرهِ من الاستقرارِ تحت العرشِ بحيث لا نحيطُ به نحن، ويحتملُ أن

يكون المعنى: إنَّ علمَ (١) ما سألتَ عنه من مستقرِّها تحتَ العرش في كتابٍ كتبتْ فيه مَبادئ أمور العالمِ ونهايتها، وهو اللَّوحُ المحفوظُ.

والحديث أخرجهُ المؤلِّف في مواضع (٢) [خ¦٣١٩٩] [خ¦٤٨٠٢] [خ¦٧٤٣٣]، والنَّسائيُّ عن إسحاقَ (٣) بنِ إبراهيمَ، عن أبي نُعيمٍ -شيخ المؤلِّف فيه- ولفظه: «تَذهبُ حتَّى تَنتهِي تحتَ العرشِ عند ربِّها»، وزاد: «ثمَّ تستأذِنُ فيؤذنُ لها، ويوشكُ أن تستأذنَ فلا يُؤذَن لها، وتستشفِعُ وتطلبُ، فإذا كانَ كذلكَ قيل لها: اطَّلعِي من مكانكِ، فذلكَ قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا﴾».

(((٣٧))) (وَالصَّافَّاتِ) مكِّيَّة، وآيُها إحدى أو اثنتان (٤) وثمانون (٥)، ولأبي ذرٍّ: «سُورة ﴿(٦) وَالصَّافَّاتِ﴾».

(بسم الله الرحمن الرحيم) وسقطتِ البسملةُ لغير أبي ذرٍّ (وَقَالَ مُجَاهِدٌ) في قولهِ تعالى بسورة سبأ:

(﴿وَيَقْذِفُونَ﴾) بفتح أوله وكسر ثالثه (﴿بِالْغَيْبِ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [سبأ: ٥٣]) أي: (مِنْ كُلِّ مَكَانٍ) وعند ابنِ أبي حاتمٍ عنه: ﴿مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾ يقولون: هو ساحرٌ، هو كاهنٌ، هو شاعرٌ، وقال مجاهدٌ أيضًا في قولهِ: (﴿وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ﴾) بالصَّافات [الآية: ٨] أي: (يُرْمَوْنَ) وفي نسخةٍ: «﴿مِن كُلِّ جَانِبٍ. دُحُورًا﴾ يرمون» أي: يرمونَ من كلِّ جانبٍ من (١) جوانبِ السَّماءِ إذا قصدُوا صعودهُ، و ﴿دُحُورًا﴾ علَّة للطَّردِ، أي: للدُّحورِ، فنصبه على أنَّه مفعولٌ له ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ﴾ (﴿وَاصِبٌ﴾ [الصافات: ٩]) أي: (دَائِمٌ) وقيل: شديدٌ.

(﴿لَّازِبٍ﴾) في قولهِ: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لَّازِبٍ﴾ [الصافات: ١١] معناه: (لَازِمٌ) بالميم بدل الموحدة، ومنه قول النَّابغة:

........................ … وَلَا تَحْسَبُونَ الشَّرَّ ضَرْبَةَ لَازِبٍ

بالموحدةِ، أي: لازمٍ -بالميم- فهما بمعنى؛ لأنَّه يلزم اليدَ، أي: يلصقُ بها، وقيل: بالموحدةِ اللَّزِج، وأكثر أهل اللُّغة على أنَّ الباء في «لازبٍ» بدل: من «الميم»، وهذا كلُّه ساقطٌ في رواية أبي ذرٍّ (﴿تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ﴾ [الصافات: ٢٨] يَعْنِي: الحَقَّ) أي: الصِّراط الحقَّ، فمن أتاهُ الشَّيطان من قبل اليمينِ؛ أتاهُ من قبلِ الدِّين فلبَّسَ عليه الحقَّ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «يعنِي: الجِنَّ» بالجيم والنون المشددة، والمراد به: بيان المقولِ لهم وهم الشَّياطين، وبالأوَّل تفسير لفظ ﴿الْيَمِينِ﴾ واليمينُ هنا استعارةٌ عن الخيراتِ والسَّعاداتِ؛ لأنَّ الجانبَ الأيمن أفضلُ من الأيسرِ إجماعًا، و ﴿عَنِ الْيَمِينِ﴾ حالٌ من فاعل ﴿تَأْتُونَنَا﴾ والمرادُ بها الجارحةُ، عبَّر بها عن القوَّةِ، أو الحلف؛ لأنَّ المتعاقدين بالحلفِ يمسحُ كلٌّ منهما يمين الآخر، فالتَّقديرُ على الأوَّل: تأتونَنا أقوياءَ، وعلى الثَّاني: مقسِمين حالفين (الكُفَّارُ تَقُولُهُ (٢) لِلشَّيْطَانِ) وفي نسخة: «للشَّياطين» بالجمع، وقد كانوا يحلفونَ لهم إنَّهم على الحقِّ.

(﴿غَوْلٌ﴾) أي: (وَجَعُ بطْنٍ) وبه قال قتادة، وقال اللَّيث: صُداعٌ ﴿وَلَا هُمْ عَنْهَا﴾ (﴿يُنزَفُونَ﴾ [الصافات: ٤٧]) أي: (لَا تَذْهَبُ عُقُولُهُمْ) و ﴿يُنزَفُونَ﴾ بضم أوله وفتح الزاي، من نزف الرَّجل، ثلاثيًّا، مبنيًّا للمفعول بمعنى: سَكِرَ وذهب عقلهُ، وقرأ حمزةُ والكِسائيُّ: بكسر الزاي، من أَنزفَ الرَّجلُ؛ إذا ذهبَ عقلهُ من السَّكر.

(﴿قَرِينٌ﴾ [الصافات: ٥١]) أي: (شَيْطَانٌ) أي: في الدُّنيا ينكرُ البعثَ، ويوبِّخني على التَّصديق بالبعثِ والقيامةِ، وسقطَ لأبي ذرٍّ من قوله: «﴿غَوْلٌ﴾ … » إلى هنا (١).

(﴿يُهْرَعُونَ﴾) في قولهِ: ﴿فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ [الصافات: ٧٠] (كَهَيْئَةِ الهَرْوَلَةِ) والمعنى: أنَّهم يتَّبعونَ آباءهُم اتِّباعًا في سرعةٍ، كأنَّهم يُزعجون (٢) على الإسراعِ على أثرِهم، فكأنَّهم بادرُوا إلى ذلك من غيرِ توقُّفٍ على نظرٍ وبحثٍ.

(﴿يَزِفُّونَ﴾) في قولهِ تعالى: ﴿فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ [الصافات: ٩٤] هو (النَّسَلَانُ) بفتحتين: الإسراعُ (فِي المَشْيِ) مع تقاربِ الخُطا، وهو دونَ السَّعي.

(﴿وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾) في قولهِ تعالى: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ [الصافات: ١٥٨] (قَالَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ: المَلَائِكَةُ بَنَاتُ اللهِ) فقال أبو بكرٍ الصِّديق: فمن أمهاتُهم؟ فقالوا: (وَأُمَّهَاتُهُمْ بَنَاتُ سَرَوَاتِ الجِنِّ) بفتح السين والراء، أي: بنات خواصهم، وعن ابنِ عبَّاسٍ: هم حيٌّ من الملائكةِ يقال لهم: الجنُّ، منهم إبليس، وقيل: هم خزَّانُ الجنَّة. قال الإمام فخرُ الدِّين: وهذا القول عندي مشكلٌ؛ لأنَّ الله تعالى أبطلَ قولهم إنَّ الملائكةَ بناتُ الله، ثمَّ عطف عليهِ (٣) قوله: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ [الصافات: ١٥٨] والعطف يقتضي كون المعطوف مغايرًا للمعطوف عليه، فوجبَ أن يكون المرادُ من الآية غير ما ذكر، وأمَّا قول مجاهدٍ: الملائكةُ بنات الله … إلى آخره؛ فبعيدٌ؛ لأنَّ المصاهرةَ لا تسمَّى نَسبًا. وحكى ابنُ جريرٍ الطَّبريُّ عن العوفيِّ، عن ابنِ عبَّاسٍ قال: زعمَ أعداءُ الله أنَّ الله تعالى هو وإبليس أخوان، ذكره ابنُ كثيرٍ. وزاد الإمام فخرُ الدِّين: فالله هو الحرُّ الكريمُ، وإبليسُ هو الأخُ الشَّريدُ (٤)، ونسبه لقولِ بعض الزَّنادقةِ، وقال: إنَّه أقربُ الأقاويل في هذه الآية.

(وَقَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ [الصافات: ١٥٨]) أي: (سَتُحْضَرُون) أيُّها

القائلون هذا القول (لِلْحِسَابِ) بضم المثناة الفوقية وفتح الضاد المعجمة (١)، وسقطَ من قوله: «﴿يَزِفُّونَ﴾ … » إلى قوله: «لِلْحِسَابِ» لأبي ذرٍّ (٢). (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما وصلهُ ابنُ جريرٍ في قولهِ: (﴿لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾ [الصافات: ١٦٥] المَلَائِكَةُ) والمفعول محذوفٌ، أي: الصَّافُّونَ أجنحتَنا أو أقدامَنا، ويحتملُ ألَّا يُراد المفعول، أي: نحن من أهلِ هذا الفعل فعلى الأوَّل يفيد الحصرَ، أي: أنَّهم الصَّافون في مواقف العبوديَّة لا غيرهم، وقال الكلبيُّ: صفوف الملائكةِ كصفوفِ النَّاسِ في الأرضِ.

(﴿صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾) في قولهِ تعالى: ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٢٣] أي: (سَوَاءِ الجَحِيمِ وَوَسْطِ الجَحِيمِ) بسكون السين، وفي «اليونينية» بفتحها (٣).

(﴿لَشَوْبًا﴾ [الصافات: ٦٧]) أي: (يُخْلَطُ طَعَامُهُمْ وَيُسَاطُ) أي: يخلطُ (بِالحَمِيمِ) الماء الحار الشَّديد، فإذا شربوهُ قطع أمعاءَهم.

(﴿مَّدْحُورًا﴾ [الأعراف: ١٨]) بسورة الأعراف، أي: (مَطْرُودًا) لأنَّ الدَّحرَ هو الطَّردُ، وسقطَ من قوله: «﴿صِرَاطِ﴾ … » إلى هنا لأبي ذرٍّ (٤).

(﴿بَيْضٌ مَّكْنُونٌ﴾ [الصافات: ٤٩]) قال ابن عبَّاس فيما وصلهُ ابنُ أبي حاتمٍ: (اللُّؤْلُؤُ المَكْنُونُ) أي: المصون، قال الشَّمَّاخ:

وَلَو أَنِّي أَشَاءُ كَنَنْتُ (٥) نَفْسِي … إِلَى بَيْضَاءَ بَهْكَنَةٍ (٦) شَمُوْعِ

والشَّموع: اللَّعوب (٧)، والبَهْكنةُ (٨): الممتلئةُ. وقال غير ابنِ عبَّاس: المراد بيضُ النَّعامِ، وهو بياضٌ مشوبٌ ببعضِ صفرةٍ، وهو أحسنُ ألوانِ الأبدانِ. وقال ذو الرِّمَّة:

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

مَأْخُوذٌ مِنَ الْفَاكِهَةِ وَهِيَ التَّلَذُّذُ وَالتَّنَعُّمُ.

قَوْلُهُ: (جُنْدٌ مُحْضَرُونَ: عِنْدَ الْحِسَابِ) سَقَطَ هَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَقَدْ وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ كَذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (وَيُذْكَرُ عَنْ عِكْرِمَةَ الْمَشْحُونِ: الْمُوقَرِ) سَقَطَ هَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ، وَجَاءَ مِثْلُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْهُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ.

قَوْلُهُ: (سُورَةُ يس - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ هُنَا، وَسَقَطَ لِغَيْرِهِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ مَصَائِبُكُمْ) وَتَقَدَّمَ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ. وَلِلطَّبَرِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: طَائِرُكُمْ أَعْمَالُكُمْ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: طَائِرُكُمْ أَيْ حَظُّكُمْ مِنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ.

قَوْلُهُ: (يَنْسِلُونَ يَخْرُجُونَ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِهِ.

قَوْلُهُ: (مَرْقَدِنَا: مَخْرَجِنَا. وَقَوْلُهُ: أَحْصَيْنَاهُ حَفِظْنَاهُ. وَقَوْلُهُ: مَكَانَتُهُمْ وَمَكَانُهُمْ وَاحِدٌ) سَقَطَ هَذَا كُلُّهُ لِأَبِي ذَرٍّ وَسَيَأْتِي تَفْسِيرُ أَحْصَيْنَاهُ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ﴾ يَقُولُ: لَأَهْلَكْنَاهُمْ فِي مَسَاكِنِهِمْ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ﴾ الْمَكَانُ وَالْمَكَانَةُ وَاحِدٌ.

١ - بَاب ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾

٤٨٠٢ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ فِي الْمَسْجِدِ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَقَالَ: يَا أَبَا ذَرٍّ أَتَدْرِي أَيْنَ تَغْرُبُ الشَّمْسُ؟ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: فَإِنَّما تَذْهَبُ حَتَّى تَسْجُدَ تَحْتَ الْعَرْشِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾.

٤٨٠٣ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ قَالَ: مُسْتَقَرُّهَا تَحْتَ الْعَرْشِ

قَوْلُهُ: بَابُ قَوْلِهِ: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي ذَرٍّ كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ فِي الْمَسْجِدِ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَقَالَ: يَا أَبَا ذَرٍّ أتدري أَيْنَ تَغْرُبُ الشَّمْسُ؟ قَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: فَإِنَّهَا تَذْهَبُ تَسْجُدُ تَحْتَ الْعَرْشِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ هَكَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ بِلَفْظِ تَذْهَبُ حَتَّى تَنْتَهِيَ تَحْتَ الْعَرْشِ عِنْدَ رَبِّهَا وَزَادَ ثُمَّ تَسْتَأْذِنُ فَيُؤْذَنُ لَهَا، وَيُوشِكُ أَنْ تَسْتَأْذِنَ فَلَا يُؤْذَنُ لَهَا وَتَسْتَشْفِعُ وَتَطْلُبُ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ قِيلَ اطْلُعِي مِنْ مَكَانِكِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ وَقَدْ ذُكِرَ نَحْوُ هَذِهِ الزِّيَادَةِ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ أَبِي نُعَيْمٍ كَمَا سَأُنَبِّهُ عَلَيْهِ.

قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ (سَأَلْتُ النَّبِيَّ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا قَالَ: مُسْتَقَرُّهَا تَحْتَ الْعَرْشِ) كَذَا رَوَاهُ وَكِيعٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ مُخْتَصَرًا، وَهُوَ بِالْمَعْنَى، فَإِنَّ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّ النَّبِيَّ هُوَ الَّذِي اسْتَفْهَمَهُ أَتَدْرِي أَيْنَ تَغْرُبُ الشَّمْسُ؟ فَقَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (فَإِنَّهَا تَذْهَبُ حَتَّى تَسْجُدَ تَحْتَ الْعَرْشِ) فِي رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ كَمَا سَيَأْتِي فِي التَّوْحِيدِ فَإِنَّهَا تَذْهَبُ فَتَسْتَأْذِنُ فِي السُّجُودِ فَيُؤْذَنُ لَهَا، وَكَأَنَّهَا

قَدْ قِيلَ لَهَا اطْلُعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتِ فَتَطْلُعُ مِنْ مَغْرِبِهَا. ثُمَّ قَرَأَ وَذَلِكَ مُسْتَقَرٌّ لَهَا. قَالَ: وَهِيَ قِرَاءَةُ عَبْدِ اللَّهِ. وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ طَرِيقِ وَهْبٍ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فِي هَذِهِ الْآيَةِ قَالَ: مُسْتَقَرُّهَا أَنْ تَطْلُعَ فَيَرُدُّهَا ذُنُوبُ بَنِي آدَمَ، فَإِذَا غَرَبَتْ سَلَّمَتْ وَسَجَدَتْ وَاسْتَأْذَنَتْ فَلَا يُؤْذَنُ لَهَا، فَتَقُولُ: إِنَّ السَّيْرَ بَعُدَ، وَإِنِّي إِنْ لَا يُؤْذَنُ لِي لَا أَبْلُغُ، فَتُحْبَسُ مَا شَاءَ اللَّهُ. ثُمَّ يُقَالُ: اطْلُعِي مِنْ حَيْثُ غَرَبْتِ، قَالَ: فَمِنْ يَوْمِئِذٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا. وَأَمَّا قَوْلُهُ تَحْتَ الْعَرْشِ فَقِيلَ هُوَ حِينَ مُحَاذَاتِهَا. وَلَا يُخَالِفُ هَذَا قَوْلُهُ: وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهَا نِهَايَةُ مُدْرَكِ الْبَصَرِ إِلَيْهَا حَالَ الْغُرُوبِ، وَسُجُودُهَا تَحْتَ الْعَرْشِ إِنَّمَا هُوَ بَعْدَ الْغُرُوبِ. وَفِي الْحَدِيثِ رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِمُسْتَقَرِّهَا غَايَةُ مَا تَنْتَهِي إِلَيْهِ فِي الِارْتِفَاعِ، وَذَلِكَ أَطْوَلُ يَوْمٍ فِي السَّنَةِ، وَقِيلَ إِلَى مُنْتَهَى أَمْرِهَا عِنْدَ انْتِهَاءِ الدُّنْيَا.

وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِاسْتِقْرَارِهَا تَحْتَ الْعَرْشِ أَنَّهَا تَسْتَقِرُّ تَحْتَهُ اسْتِقْرَارًا لَا نُحِيطُ بِهِ نَحْنُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى أَوْ عِلْمُ مَا سَأَلْتَ عَنْهُ مِنْ مُسْتَقَرِّهَا تَحْتَ الْعَرْشِ فِي كِتَابٍ كُتِبَ فِيهِ ابْتِدَاءُ أُمُورِ الْعَالَمِ وَنِهَايَتُهَا فَيُقْطَعُ دَوْرَانُ الشَّمْسِ وَتَسْتَقِرُّ عِنْدَ ذَلِكَ وَيَبْطُلُ فِعْلُهَا، وَلَيْسَ فِي سُجُودِهَا كُلَّ لَيْلَةٍ تَحْتَ الْعَرْشِ مَا يُعِيقُ عَنْ دَوَرَانِهَا فِي سَيْرِهَا. قُلْتُ: وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالِاسْتِقْرَارِ وُقُوعُهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ عِنْدَ سُجُودِهَا وَمُقَابِلُ الِاسْتِقْرَارِ الْمَسِيرُ الدَّائِمُ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ بِالْجَرْيِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٣٧ - سُورَةُ الصَّافَّاتِ

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ: مِنْ كُلِّ مَكَانٍ، وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِ جَانِبٍ. دحورا يُرْمَوْنَ. وَاصِبٌ: دَائِمٌ. لَازِبٍ: لَازِمٍ. تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ يَعْنِي الْحَقَّ، الْكُفَّارُ تَقُولُهُ لِلشَّياطينِ. غَوْلٌ وَجَعُ بَطْنٍ. يُنْزَفُونَ: لَا تَذْهَبُ عُقُولُهُمْ. قَرِينٌ: شَيْطَانٌ. يُهْرَعُونَ: كَهَيْئَةِ الْهَرْوَلَةِ. يَزِفُّونَ التَّسَلَانُ فِي الْمَشْيِ. وَبَيْنَ الْجَنَّةِ نَسَبًا، قَالَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ: الْمَلَائِكَةُ بَنَاتُ اللَّهِ، وَأُمَّهَاتُهُمْ بَنَاتُ سَرَوَاتِ الْجِنِّ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ سَيحْضُرُونَ لِلْحِسَابِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَنَحْنُ الصَّافُّونَ: الْمَلَائِكَةُ. صِرَاطِ الْجَحِيمِ: وَوَسَطَ الْجَحِيمِ. لَشَوْبًا: يُخْلَطُ طَعَامُهُمْ وَيُسَاطُ بِالْحَمِيمِ. مَدْحُورًا: مَطْرُودًا. بَيْضٌ مَكْنُونٌ: اللُّؤْلُؤُ الْمَكْنُونُ. وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ: يُذْكَرُ بِخَيْرٍ. وَيُقَالُ: يَسْتَسْخِرُونَ: يَسْخَرُونَ. بَعْلًا: رَبًّا. الْأَسْبَابُ: السماء.

قَوْلُهُ: (سُورَةُ الصَّافَّاتِ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ ﴿وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ، ﴿وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ * دُحُورًا﴾ يُرْمَوْنَ. ﴿وَاصِبٌ﴾ دَائِمٌ. ﴿لازِبٍ﴾ لَازِمٌ) سَقَطَ هَذَا كُلُّهُ لِأَبِي ذَرٍّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُهُ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ. وَرَوَى الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ﴾ يَقُولُونَ هُوَ سَاحِرٌ هُوَ كَاهِنٌ هُوَ شَاعِرٌ وَفِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ﴾ قَالَ: لَازِمٍ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ﴾ أَيْ دَائِمٌ وَفِي قَوْلِهِ: ﴿مِنْ طِينٍ لازِبٍ﴾ هِيَ بِمَعْنَى اللَّازِمِ، قَالَ النَّابِغَةُ:

وَلَا يَحْسِبُونَ الشَّرَّ ضَرْبَةَ لَازِبٍ أَيْ: لَازِمٍ.

قَوْلُهُ: ﴿تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ﴾، يَعْنِي الْحَقَّ، الْكُفَّارُ تَقُولُهُ لِلشَّيَاطِينِ) وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ يَعْنِي الْجِنَّ بِجِيمٍ ثُمَّ نُونٍ، وَنَسَبَهُ عِيَاضٌ لِلْأَكْثَرِ. وَقَدْ وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِ: ﴿إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٤٨٠٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضلُ بنُ دكين قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمانُ (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) بنِ يزيد (التَّيْمِيِّ) الكوفيِّ (عَنْ أَبِيهِ) يزيد (عَنْ أَبِي ذَرٍّ) جندب الغفاريِّ () أنَّه (قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبيِّ (١) فِي المَسْجِدِ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَقَالَ: يَا أَبَا ذَرٍّ، أَتَدْرِي أَيْنَ تَغْرُبُ الشَّمْسُ؟) استفهامٌ أريد به الإعلام (قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: فَإِنَّهَا تَذْهَبُ حَتَّى تَسْجُدَ تَحْتَ العَرْشِ) أي: تنقادُ للباري تعالى انقيادَ السَّاجدِ من (٢) المكلَّفين، أو شبَّهها بالسَّاجد (٣) عند غروبها. قال ابنُ كثيرٍ: والعرشُ فوق العالمِ ممَّا يلي رؤوسَ النَّاسِ، فالشَّمسُ إذا كانت في قبَّةِ الفلكِ وقت الظَّهيرةِ تكون أقرب إلى العرشِ، فإذا استدارَت في فلكها الرَّابع إلى مقابلةِ هذا المقامِ -وهو (٤) وقت نصف اللَّيل- صارَت أبعد ما يكون من العرشِ، فحينئذٍ تسجدُ وتستأذنُ في الطُّلوعِ، أي: من المشرقِ على عادتها، فيؤذنُ لها (فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [يس: ٣٨]).

٤٨٠٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ) عبد الله بنُ الزُّبيرِ قال: (حَدَّثَنَا وَكِيعٌ) بفتح الواو وكسر الكاف، ابنُ الجرَّاحِ قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمانُ بنُ مهران (عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ) يزيد بنِ شريكٍ (عَنْ أَبِي ذَرٍّ) الغفاريِّ ، أنَّه (قَالَ: سَأَلْتُ النَّبيَّ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا﴾ [يس: ٣٨] قَالَ) : (مُسْتَقَرُّهَا تَحْتَ العَرْشِ) قال الخطَّابيُّ: يحتمل أن يكون على ظاهرهِ من الاستقرارِ تحت العرشِ بحيث لا نحيطُ به نحن، ويحتملُ أن

يكون المعنى: إنَّ علمَ (١) ما سألتَ عنه من مستقرِّها تحتَ العرش في كتابٍ كتبتْ فيه مَبادئ أمور العالمِ ونهايتها، وهو اللَّوحُ المحفوظُ.

والحديث أخرجهُ المؤلِّف في مواضع (٢) [خ¦٣١٩٩] [خ¦٤٨٠٢] [خ¦٧٤٣٣]، والنَّسائيُّ عن إسحاقَ (٣) بنِ إبراهيمَ، عن أبي نُعيمٍ -شيخ المؤلِّف فيه- ولفظه: «تَذهبُ حتَّى تَنتهِي تحتَ العرشِ عند ربِّها»، وزاد: «ثمَّ تستأذِنُ فيؤذنُ لها، ويوشكُ أن تستأذنَ فلا يُؤذَن لها، وتستشفِعُ وتطلبُ، فإذا كانَ كذلكَ قيل لها: اطَّلعِي من مكانكِ، فذلكَ قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا﴾».

(((٣٧))) (وَالصَّافَّاتِ) مكِّيَّة، وآيُها إحدى أو اثنتان (٤) وثمانون (٥)، ولأبي ذرٍّ: «سُورة ﴿(٦) وَالصَّافَّاتِ﴾».

(بسم الله الرحمن الرحيم) وسقطتِ البسملةُ لغير أبي ذرٍّ (وَقَالَ مُجَاهِدٌ) في قولهِ تعالى بسورة سبأ:

(﴿وَيَقْذِفُونَ﴾) بفتح أوله وكسر ثالثه (﴿بِالْغَيْبِ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [سبأ: ٥٣]) أي: (مِنْ كُلِّ مَكَانٍ) وعند ابنِ أبي حاتمٍ عنه: ﴿مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾ يقولون: هو ساحرٌ، هو كاهنٌ، هو شاعرٌ، وقال مجاهدٌ أيضًا في قولهِ: (﴿وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ﴾) بالصَّافات [الآية: ٨] أي: (يُرْمَوْنَ) وفي نسخةٍ: «﴿مِن كُلِّ جَانِبٍ. دُحُورًا﴾ يرمون» أي: يرمونَ من كلِّ جانبٍ من (١) جوانبِ السَّماءِ إذا قصدُوا صعودهُ، و ﴿دُحُورًا﴾ علَّة للطَّردِ، أي: للدُّحورِ، فنصبه على أنَّه مفعولٌ له ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ﴾ (﴿وَاصِبٌ﴾ [الصافات: ٩]) أي: (دَائِمٌ) وقيل: شديدٌ.

(﴿لَّازِبٍ﴾) في قولهِ: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لَّازِبٍ﴾ [الصافات: ١١] معناه: (لَازِمٌ) بالميم بدل الموحدة، ومنه قول النَّابغة:

........................ … وَلَا تَحْسَبُونَ الشَّرَّ ضَرْبَةَ لَازِبٍ

بالموحدةِ، أي: لازمٍ -بالميم- فهما بمعنى؛ لأنَّه يلزم اليدَ، أي: يلصقُ بها، وقيل: بالموحدةِ اللَّزِج، وأكثر أهل اللُّغة على أنَّ الباء في «لازبٍ» بدل: من «الميم»، وهذا كلُّه ساقطٌ في رواية أبي ذرٍّ (﴿تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ﴾ [الصافات: ٢٨] يَعْنِي: الحَقَّ) أي: الصِّراط الحقَّ، فمن أتاهُ الشَّيطان من قبل اليمينِ؛ أتاهُ من قبلِ الدِّين فلبَّسَ عليه الحقَّ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «يعنِي: الجِنَّ» بالجيم والنون المشددة، والمراد به: بيان المقولِ لهم وهم الشَّياطين، وبالأوَّل تفسير لفظ ﴿الْيَمِينِ﴾ واليمينُ هنا استعارةٌ عن الخيراتِ والسَّعاداتِ؛ لأنَّ الجانبَ الأيمن أفضلُ من الأيسرِ إجماعًا، و ﴿عَنِ الْيَمِينِ﴾ حالٌ من فاعل ﴿تَأْتُونَنَا﴾ والمرادُ بها الجارحةُ، عبَّر بها عن القوَّةِ، أو الحلف؛ لأنَّ المتعاقدين بالحلفِ يمسحُ كلٌّ منهما يمين الآخر، فالتَّقديرُ على الأوَّل: تأتونَنا أقوياءَ، وعلى الثَّاني: مقسِمين حالفين (الكُفَّارُ تَقُولُهُ (٢) لِلشَّيْطَانِ) وفي نسخة: «للشَّياطين» بالجمع، وقد كانوا يحلفونَ لهم إنَّهم على الحقِّ.

(﴿غَوْلٌ﴾) أي: (وَجَعُ بطْنٍ) وبه قال قتادة، وقال اللَّيث: صُداعٌ ﴿وَلَا هُمْ عَنْهَا﴾ (﴿يُنزَفُونَ﴾ [الصافات: ٤٧]) أي: (لَا تَذْهَبُ عُقُولُهُمْ) و ﴿يُنزَفُونَ﴾ بضم أوله وفتح الزاي، من نزف الرَّجل، ثلاثيًّا، مبنيًّا للمفعول بمعنى: سَكِرَ وذهب عقلهُ، وقرأ حمزةُ والكِسائيُّ: بكسر الزاي، من أَنزفَ الرَّجلُ؛ إذا ذهبَ عقلهُ من السَّكر.

(﴿قَرِينٌ﴾ [الصافات: ٥١]) أي: (شَيْطَانٌ) أي: في الدُّنيا ينكرُ البعثَ، ويوبِّخني على التَّصديق بالبعثِ والقيامةِ، وسقطَ لأبي ذرٍّ من قوله: «﴿غَوْلٌ﴾ … » إلى هنا (١).

(﴿يُهْرَعُونَ﴾) في قولهِ: ﴿فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ [الصافات: ٧٠] (كَهَيْئَةِ الهَرْوَلَةِ) والمعنى: أنَّهم يتَّبعونَ آباءهُم اتِّباعًا في سرعةٍ، كأنَّهم يُزعجون (٢) على الإسراعِ على أثرِهم، فكأنَّهم بادرُوا إلى ذلك من غيرِ توقُّفٍ على نظرٍ وبحثٍ.

(﴿يَزِفُّونَ﴾) في قولهِ تعالى: ﴿فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ [الصافات: ٩٤] هو (النَّسَلَانُ) بفتحتين: الإسراعُ (فِي المَشْيِ) مع تقاربِ الخُطا، وهو دونَ السَّعي.

(﴿وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾) في قولهِ تعالى: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ [الصافات: ١٥٨] (قَالَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ: المَلَائِكَةُ بَنَاتُ اللهِ) فقال أبو بكرٍ الصِّديق: فمن أمهاتُهم؟ فقالوا: (وَأُمَّهَاتُهُمْ بَنَاتُ سَرَوَاتِ الجِنِّ) بفتح السين والراء، أي: بنات خواصهم، وعن ابنِ عبَّاسٍ: هم حيٌّ من الملائكةِ يقال لهم: الجنُّ، منهم إبليس، وقيل: هم خزَّانُ الجنَّة. قال الإمام فخرُ الدِّين: وهذا القول عندي مشكلٌ؛ لأنَّ الله تعالى أبطلَ قولهم إنَّ الملائكةَ بناتُ الله، ثمَّ عطف عليهِ (٣) قوله: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ [الصافات: ١٥٨] والعطف يقتضي كون المعطوف مغايرًا للمعطوف عليه، فوجبَ أن يكون المرادُ من الآية غير ما ذكر، وأمَّا قول مجاهدٍ: الملائكةُ بنات الله … إلى آخره؛ فبعيدٌ؛ لأنَّ المصاهرةَ لا تسمَّى نَسبًا. وحكى ابنُ جريرٍ الطَّبريُّ عن العوفيِّ، عن ابنِ عبَّاسٍ قال: زعمَ أعداءُ الله أنَّ الله تعالى هو وإبليس أخوان، ذكره ابنُ كثيرٍ. وزاد الإمام فخرُ الدِّين: فالله هو الحرُّ الكريمُ، وإبليسُ هو الأخُ الشَّريدُ (٤)، ونسبه لقولِ بعض الزَّنادقةِ، وقال: إنَّه أقربُ الأقاويل في هذه الآية.

(وَقَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ [الصافات: ١٥٨]) أي: (سَتُحْضَرُون) أيُّها

القائلون هذا القول (لِلْحِسَابِ) بضم المثناة الفوقية وفتح الضاد المعجمة (١)، وسقطَ من قوله: «﴿يَزِفُّونَ﴾ … » إلى قوله: «لِلْحِسَابِ» لأبي ذرٍّ (٢). (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما وصلهُ ابنُ جريرٍ في قولهِ: (﴿لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾ [الصافات: ١٦٥] المَلَائِكَةُ) والمفعول محذوفٌ، أي: الصَّافُّونَ أجنحتَنا أو أقدامَنا، ويحتملُ ألَّا يُراد المفعول، أي: نحن من أهلِ هذا الفعل فعلى الأوَّل يفيد الحصرَ، أي: أنَّهم الصَّافون في مواقف العبوديَّة لا غيرهم، وقال الكلبيُّ: صفوف الملائكةِ كصفوفِ النَّاسِ في الأرضِ.

(﴿صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾) في قولهِ تعالى: ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٢٣] أي: (سَوَاءِ الجَحِيمِ وَوَسْطِ الجَحِيمِ) بسكون السين، وفي «اليونينية» بفتحها (٣).

(﴿لَشَوْبًا﴾ [الصافات: ٦٧]) أي: (يُخْلَطُ طَعَامُهُمْ وَيُسَاطُ) أي: يخلطُ (بِالحَمِيمِ) الماء الحار الشَّديد، فإذا شربوهُ قطع أمعاءَهم.

(﴿مَّدْحُورًا﴾ [الأعراف: ١٨]) بسورة الأعراف، أي: (مَطْرُودًا) لأنَّ الدَّحرَ هو الطَّردُ، وسقطَ من قوله: «﴿صِرَاطِ﴾ … » إلى هنا لأبي ذرٍّ (٤).

(﴿بَيْضٌ مَّكْنُونٌ﴾ [الصافات: ٤٩]) قال ابن عبَّاس فيما وصلهُ ابنُ أبي حاتمٍ: (اللُّؤْلُؤُ المَكْنُونُ) أي: المصون، قال الشَّمَّاخ:

وَلَو أَنِّي أَشَاءُ كَنَنْتُ (٥) نَفْسِي … إِلَى بَيْضَاءَ بَهْكَنَةٍ (٦) شَمُوْعِ

والشَّموع: اللَّعوب (٧)، والبَهْكنةُ (٨): الممتلئةُ. وقال غير ابنِ عبَّاس: المراد بيضُ النَّعامِ، وهو بياضٌ مشوبٌ ببعضِ صفرةٍ، وهو أحسنُ ألوانِ الأبدانِ. وقال ذو الرِّمَّة:

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.6 / 29.5
الإضاءة 8%
البدر بعد 12 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله