«خَلَقَ اللهُ الْخَلْقَ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهُ قَامَتِ الرَّحِمُ، فَأَخَذَتْ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٨٣٠

الحديث رقم ٤٨٣٠ من كتاب «سورة الذين كفروا» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب وتقطعوا أرحامكم.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٤٨٣٠ في صحيح البخاري

«خَلَقَ اللهُ الْخَلْقَ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهُ قَامَتِ الرَّحِمُ، فَأَخَذَتْ بِحَقْوِ الرَّحْمَنِ، فَقَالَ لَهُ: مَهْ، قَالَتْ: هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِكَ مِنَ الْقَطِيعَةِ، قَالَ: أَلَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ، وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ، قَالَتْ: بَلَى يَا رَبِّ، قَالَ: فَذَاكِ». قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: اقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾.

إسناد حديث البخاري رقم ٤٨٣٠

٤٨٣٠ - حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ قَالَ: حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي مُزَرَِّدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٤٨٣٠: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الْحَارِثِ بْنِ حَسَّانَ الْبَكْرِيِّ قَالَ: خَرَجْتُ أَنَا وَالْعَلَاءُ بْنُ الْحَضْرَمِيِّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ الْحَدِيثَ - وَفِيهِ - فَقُلْتُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ أَنْ أَكُونَ كَوَافِدِ عَادٍ، قَالَ: وَمَا وَافِدُ عَادٍ؟ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْحَدِيثِ وَلَكِنَّهُ يَسْتَطْعِمُهُ، فَقُلْتُ: إِنَّ عَادًا قَحَطُوا، فَبَعَثُوا قَيْلَ بْنَ عَنْزٍ إِلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ بَكْرٍ بِمَكَّةَ يَسْتَسْقِي لَهُمْ، فَمَكَثَ شَهْرًا فِي ضِيَافَتِهِ تُغَنِّيهِ الْجَرَادَتَانِ، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ شَهْرٍ خَرَجَ لَهُمْ فَاسْتَسْقَى لَهُمْ، فَمَرَّتْ بِهِمْ سَحَابَاتٌ فَاخْتَارَ السَّوْدَاءَ مِنْهَا، فَنُودِيَ: خُذْهَا رَمَادًا رِمْدا، لَا تُبْقِ مِنْ عَادٍ أَحَدًا وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ بَعْضَهُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ فِي قِصَّةِ عَادٍ الْأَخِيرَةِ لِذِكْرِ مَكَّةَ فِيهِ، وَإِنَّمَا بُنِيَتْ بَعْدَ إِبْرَاهِيمَ حِينَ أَسْكَنَ هَاجَرَ وَإِسْمَاعِيلَ بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ، فَالَّذِينَ ذُكِرُوا فِي سُورَةِ الْأَحْقَافِ هُمْ عَادٌ الْأَخِيرَةُ وَيَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَخَا عَادٍ﴾ نَبِيٌّ آخَرُ غَيْرُ هُودٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٤٧ - سُورَةُ مُحَمَّدٍ -

أَوْزَارُهَا: آثَامُهَا. حَتَّى لَا يَبْقَى إِلَّا مُسْلِمٌ. عَرَفَهَا: بَيَّنَهَا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وَلِيُّهُمْ. عَزَمَ الْأَمْرُ: جَدَّ الْأَمْرُ. فَلَا تَهِنُوا: لَا تَضْعُفُوا. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَضْغَانَهُمْ: حَسَدَهُمْ. آسِنٍ: مُتَغَيِّرٍ.

قَوْلُهُ: (سُورَةُ مُحَمَّدٍ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَلِغَيْرِهِ: الَّذِينَ كَفَرُوا، حَسْبُ.

قَوْلُهُ: ﴿أَوْزَارَهَا﴾ آثَامَهَا حَتَّى لَا يَبْقَى إِلَّا مُسْلِمٌ) قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ قَالَ: حَتَّى لَا يَكُونَ شِرْكٌ، قَالَ: وَالْحَرْبُ مَنْ كَانَ يُقَاتِلُهُ، سَمَّاهُمْ حَرْبًا. قَالَ ابْنُ التِّينِ: لَمْ يَقُلْ هَذَا أَحَدٌ غَيْرَ الْبُخَارِيِّ. وَالْمَعْرُوفُ أَنَّ الْمُرَادَ بِأَوْزَارِهَا السِّلَاحُ، وَقِيلَ حَتَّى يَنْزِلَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ انْتَهَى. وَمَا نَفَاهُ قَدْ عَلِمَهُ غَيْرُهُ؛ قَالَ ابْنُ قُرْقُولٍ: هَذَا التَّفْسِيرُ يَحْتَاجُ إِلَى تَفْسِيرٍ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْحَرْبَ لَا آثَامَ لَهَا، فَلَعَلَّهُ كَمَا قَالَ الْفَرَّاءُ: آثَامُ أَهْلِهَا، ثُمَّ حَذَفَ وَأَبْقَى الْمُضَافَ إِلَيْهِ، أَوْ كَمَا قَالَ النَّحَّاسُ: حَتَّى تَضَعَ أَهْلَ الْآثَامِ فَلَا يَبْقَى مُشْرِكٌ انْتَهَى. وَلَفْظُ الْفَرَّاءِ: الْهَاءُ فِي أَوْزَارِهَا لِأَهْلِ الْحَرْبِ أَيْ آثَامَهُمْ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَعُودَ عَلَى الْحَرْبِ وَالْمُرَادُ بِأَوْزَارِهَا سِلَاحُهَا انْتَهَى. فَجَعَلَ مَا ادَّعَى ابْنُ التِّينِ أَنَّهُ الْمَشْهُورُ احْتِمَالًا.

قَوْلُهُ: (عَرَّفَهَا: بَيَّنَهَا) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ بَيَّنَهَا لَهُمْ وَعَرَّفَهُمْ مَنَازِلَهُمْ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وَلِيُّهُمْ) كَذَا لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ وَسَقَطَ لَهُ، وَقَدْ وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِهَذَا.

قَوْلُهُ: ﴿فَإِذَا عَزَمَ الأَمْرُ﴾ أَيْ جَدَّ الْأَمْرُ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْهُ.

قَوْلُهُ: ﴿فَلا تَهِنُوا﴾ فَلَا تَضْعُفُوا) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِهِ كَذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَضْغَانَهُمْ: حَسَدَهُمْ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ﴾ قَالَ: أَعْمَالَهُمْ، خَبَثَهُمْ وَالْحَسَدَ.

قَوْلُهُ: (آسِنٌ: مُتَغَيِّرٌ) كَذَا لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ هُنَا، وَسَيَأْتِي فِي أَوَاخِرِ السُّورَةِ.

قَوْلُهُ: (آسِنٌ مُتَغَيِّرٌ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مِثْلَهُ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ غَيْرُ مُنْتِنٍ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقٍ مُرْسَلٍ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي مُعَاذٍ الْبَصْرِيِّ أَنَّ عَلِيًّا كَانَ عِنْدَ النَّبِيِّ فَذَكَرَ حَدِيثًا طَوِيلًا مَرْفُوعًا فِيهِ ذِكْرُ الْجَنَّةِ قَالَ: - ﴿أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ قَالَ: صَافٍ لَا كَدَرَ فِيهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

١ - بَاب ﴿وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾

٤٨٣٠ - حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ قَالَ: حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي مُزَرِّدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهُ قَامَتْ الرَّحِمُ فَأَخَذَتْ بِحَقْوِ الرَّحْمَنِ فَقَالَ لَهُ: مَهْ، قَالَتْ: هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِكَ مِنْ الْقَطِيعَةِ. قَالَ: أَلَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ وَأَقْطَعَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٤٨٣٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ) بفتح الميم واللام بينهما خاء معجمة ساكنة، الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ) بنُ بلالٍ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي مُزَرِّدٍ) بضم الميم وفتح الزاي وكسر الراء -وفي «اليونينية» بفتحها- مشددة بعدها دال مهملة، اسمه: عبد الرَّحمن بن يسار -بالتَّحتية والمهملة المخففة- (عَنْ) عمِّه (سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبيِّ ) أنَّه (قَالَ: خَلَقَ اللهُ الخَلْقَ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهُ) أي: قضاهُ أو أتمَّهُ أو نحو ذلك ممَّا يشهدُ بأنَّه مجازٌ من القول، فإنَّه لن (١) يشغلهُ شأن عن شأنٍ (قَامَتِ الرَّحِمُ) حقيقة بأن تجسَّمت (فَأَخَذَتْ بِحَقْوِ الرَّحْمَنِ) بفتح الحاء المهملة، وفي «اليونينية» بكسر الحاء (٢) وكذا (٣) في الفرع مصلَّحة وكشطَ فوقها، وعند الطَّبريِّ: «بحقوي الرَّحمن» بالتَّثنية، والحقو: الإزارُ والخصرُ ومشدُّ الإزارِ، قال البيضاويُّ: لما كان من عادةِ المستجير أن يأخذ بذيل المستجارِ به أو بطرفِ ردائهِ وإزارهِ، وربَّما أخذ بحقو إزارهِ مبالغةً في الاستجارةِ، فكأنَّه يشيرُ به إلى أنَّ المطلوب أن يحرسَهُ ويذبَّ عنه ما يؤذيهِ، كما يحرسُ ما تحتَ إزارهِ ويذبُّ عنه، فإنَّه لاصقٌ به لا ينفكُّ عنه استعيرَ ذلك للرَّحمِ، وقال الطِّيبيُّ: و (٤) هذا مبنيٌّ على الاستعارةِ التَّمثيليَّةِ الَّتي الوجهُ فيها منتزعٌ من أمورٍ متوهَّمةٍ للمشبَّه المعقول، وذلك أنَّه شبَّه حالة الرَّحمِ وما هي عليه من الافتقارِ إلى الصِّلة والذَّبِّ عنها (٥) من القطيعةِ بحال مستجيرٍ يأخذ بذيل المستجارِ به وحقو إزارهِ، ثمَّ أدخلَ صورةَ حالِ المشبَّه في

جنس (١) المشبَّه به، واستعمل في حال المشبَّه ما كان مستعملًا في المشبَّه به من الألفاظ بدلائل قرائنِ الأحوالِ، ويجوزُ أن تكون مَكْنِيَّة بأن يشبِّه الرَّحم بإنسانٍ مستجيرٍ بمن يحميهِ ويحرسه ويذبُّ عنه ما يؤذيهِ، ثمَّ أسند على سبيلِ الاستعارةِ التَّخييليَّةِ ما هو لازمُ المشبَّه به من القيامِ ليكون قرينةً مانعةً من إرادةِ الحقيقةِ، ثمَّ رُشِّحت الاستعارة بأخذ الحقو والقول، وقوله: «بحقْو الرَّحمن»، استعارة أخرى مثلها، وسقطَ قوله: «بحقوِ الرَّحمن» في رواية أبي ذرٍّ، كما في الفرع وأصله. وقال في «الفتح»: حُذف للأكثر مفعول «أخذتْ». قال: وفي رواية ابنِ السَّكنِ: «فأخذتْ (٢) بحقو الرَّحمنِ»، وقال القابسيُّ: أبى أبو زيد أن يقرأَ لنا هذا الحرفَ لإشكالهِ، وقال: هو ثابتٌ لكن مع تنزيهِ الله تعالى، ويحتملُ أن يكونَ على حذفٍ، أي: قام ملكٌ فتكلَّم على لسانِها، أو على طريقِ ضربِ المثلِ والاستعارةِ، والمراد تعظيمُ شأنها، وفضيلةُ واصلها، وإثمُ قاطعِها، وتثنيةُ حقو المرويَّة عند الطَّبريِّ للتَّأكيدِ؛ لأنَّ الأخذ باليدينِ آكدُ في الاستجارةِ من الأخذِ بيدٍ واحدةٍ (٣).

(فَقَالَ) تعالى (لَهَ: مَهْ) بفتح الميم وسكون الهاء: اسم فعلٍ، أي: اكفُف وانزجِر. وقال ابنُ مالكٍ: هي هنا ما الاستفهاميَّة حُذفتْ ألفها ووُقِف عليها بهاء السَّكت، والشَّائعُ أن لا يُفعل ذلك بها إلَّا وهي مجرورة، ومِن استعمالها -كما وقع هنا- غير مجرورةٍ قول أبي ذؤيبٍ الهذليِّ: قدمت المدينةَ ولأهلها ضجيجٌ بالبكاء (٤) كضجيجِ الحجيجِ، فقلتُ: مه، فقالوا: قُبِضَ رسولُ الله . انتهى. فإن كان المرادُ الزَّجر فواضحٌ، وإن كان الاستفهام فالمرادُ منه الأمر بإظهارِ الحاجةِ دون الاستعلامِ، فإنَّه تعالى يعلمُ السِّرَّ وأخفى. (قَالَتْ: هَذَا مَقَامُ العَائِذِ) بالذال المعجمة، أي: قيامِي هذا قيام المستجيرِ (بِكَ مِنَ القَطِيعَةِ) وفي حديث عبد الله بنِ عمرو عند أحمد: أنَّها (٥) تكلَّم بلسانٍ طلقٍ ذلقٍ (قَالَ) تعالى: (أَلَا) بالتَّخفيف (تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ) بأن أتعطَّفَ

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الْحَارِثِ بْنِ حَسَّانَ الْبَكْرِيِّ قَالَ: خَرَجْتُ أَنَا وَالْعَلَاءُ بْنُ الْحَضْرَمِيِّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ الْحَدِيثَ - وَفِيهِ - فَقُلْتُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ أَنْ أَكُونَ كَوَافِدِ عَادٍ، قَالَ: وَمَا وَافِدُ عَادٍ؟ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْحَدِيثِ وَلَكِنَّهُ يَسْتَطْعِمُهُ، فَقُلْتُ: إِنَّ عَادًا قَحَطُوا، فَبَعَثُوا قَيْلَ بْنَ عَنْزٍ إِلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ بَكْرٍ بِمَكَّةَ يَسْتَسْقِي لَهُمْ، فَمَكَثَ شَهْرًا فِي ضِيَافَتِهِ تُغَنِّيهِ الْجَرَادَتَانِ، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ شَهْرٍ خَرَجَ لَهُمْ فَاسْتَسْقَى لَهُمْ، فَمَرَّتْ بِهِمْ سَحَابَاتٌ فَاخْتَارَ السَّوْدَاءَ مِنْهَا، فَنُودِيَ: خُذْهَا رَمَادًا رِمْدا، لَا تُبْقِ مِنْ عَادٍ أَحَدًا وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ بَعْضَهُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ فِي قِصَّةِ عَادٍ الْأَخِيرَةِ لِذِكْرِ مَكَّةَ فِيهِ، وَإِنَّمَا بُنِيَتْ بَعْدَ إِبْرَاهِيمَ حِينَ أَسْكَنَ هَاجَرَ وَإِسْمَاعِيلَ بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ، فَالَّذِينَ ذُكِرُوا فِي سُورَةِ الْأَحْقَافِ هُمْ عَادٌ الْأَخِيرَةُ وَيَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَخَا عَادٍ﴾ نَبِيٌّ آخَرُ غَيْرُ هُودٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٤٧ - سُورَةُ مُحَمَّدٍ -

أَوْزَارُهَا: آثَامُهَا. حَتَّى لَا يَبْقَى إِلَّا مُسْلِمٌ. عَرَفَهَا: بَيَّنَهَا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وَلِيُّهُمْ. عَزَمَ الْأَمْرُ: جَدَّ الْأَمْرُ. فَلَا تَهِنُوا: لَا تَضْعُفُوا. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَضْغَانَهُمْ: حَسَدَهُمْ. آسِنٍ: مُتَغَيِّرٍ.

قَوْلُهُ: (سُورَةُ مُحَمَّدٍ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَلِغَيْرِهِ: الَّذِينَ كَفَرُوا، حَسْبُ.

قَوْلُهُ: ﴿أَوْزَارَهَا﴾ آثَامَهَا حَتَّى لَا يَبْقَى إِلَّا مُسْلِمٌ) قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ قَالَ: حَتَّى لَا يَكُونَ شِرْكٌ، قَالَ: وَالْحَرْبُ مَنْ كَانَ يُقَاتِلُهُ، سَمَّاهُمْ حَرْبًا. قَالَ ابْنُ التِّينِ: لَمْ يَقُلْ هَذَا أَحَدٌ غَيْرَ الْبُخَارِيِّ. وَالْمَعْرُوفُ أَنَّ الْمُرَادَ بِأَوْزَارِهَا السِّلَاحُ، وَقِيلَ حَتَّى يَنْزِلَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ انْتَهَى. وَمَا نَفَاهُ قَدْ عَلِمَهُ غَيْرُهُ؛ قَالَ ابْنُ قُرْقُولٍ: هَذَا التَّفْسِيرُ يَحْتَاجُ إِلَى تَفْسِيرٍ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْحَرْبَ لَا آثَامَ لَهَا، فَلَعَلَّهُ كَمَا قَالَ الْفَرَّاءُ: آثَامُ أَهْلِهَا، ثُمَّ حَذَفَ وَأَبْقَى الْمُضَافَ إِلَيْهِ، أَوْ كَمَا قَالَ النَّحَّاسُ: حَتَّى تَضَعَ أَهْلَ الْآثَامِ فَلَا يَبْقَى مُشْرِكٌ انْتَهَى. وَلَفْظُ الْفَرَّاءِ: الْهَاءُ فِي أَوْزَارِهَا لِأَهْلِ الْحَرْبِ أَيْ آثَامَهُمْ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَعُودَ عَلَى الْحَرْبِ وَالْمُرَادُ بِأَوْزَارِهَا سِلَاحُهَا انْتَهَى. فَجَعَلَ مَا ادَّعَى ابْنُ التِّينِ أَنَّهُ الْمَشْهُورُ احْتِمَالًا.

قَوْلُهُ: (عَرَّفَهَا: بَيَّنَهَا) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ بَيَّنَهَا لَهُمْ وَعَرَّفَهُمْ مَنَازِلَهُمْ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وَلِيُّهُمْ) كَذَا لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ وَسَقَطَ لَهُ، وَقَدْ وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِهَذَا.

قَوْلُهُ: ﴿فَإِذَا عَزَمَ الأَمْرُ﴾ أَيْ جَدَّ الْأَمْرُ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْهُ.

قَوْلُهُ: ﴿فَلا تَهِنُوا﴾ فَلَا تَضْعُفُوا) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِهِ كَذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَضْغَانَهُمْ: حَسَدَهُمْ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ﴾ قَالَ: أَعْمَالَهُمْ، خَبَثَهُمْ وَالْحَسَدَ.

قَوْلُهُ: (آسِنٌ: مُتَغَيِّرٌ) كَذَا لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ هُنَا، وَسَيَأْتِي فِي أَوَاخِرِ السُّورَةِ.

قَوْلُهُ: (آسِنٌ مُتَغَيِّرٌ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مِثْلَهُ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ غَيْرُ مُنْتِنٍ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقٍ مُرْسَلٍ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي مُعَاذٍ الْبَصْرِيِّ أَنَّ عَلِيًّا كَانَ عِنْدَ النَّبِيِّ فَذَكَرَ حَدِيثًا طَوِيلًا مَرْفُوعًا فِيهِ ذِكْرُ الْجَنَّةِ قَالَ: - ﴿أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ قَالَ: صَافٍ لَا كَدَرَ فِيهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

١ - بَاب ﴿وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾

٤٨٣٠ - حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ قَالَ: حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي مُزَرِّدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهُ قَامَتْ الرَّحِمُ فَأَخَذَتْ بِحَقْوِ الرَّحْمَنِ فَقَالَ لَهُ: مَهْ، قَالَتْ: هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِكَ مِنْ الْقَطِيعَةِ. قَالَ: أَلَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ وَأَقْطَعَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٤٨٣٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ) بفتح الميم واللام بينهما خاء معجمة ساكنة، الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ) بنُ بلالٍ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي مُزَرِّدٍ) بضم الميم وفتح الزاي وكسر الراء -وفي «اليونينية» بفتحها- مشددة بعدها دال مهملة، اسمه: عبد الرَّحمن بن يسار -بالتَّحتية والمهملة المخففة- (عَنْ) عمِّه (سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبيِّ ) أنَّه (قَالَ: خَلَقَ اللهُ الخَلْقَ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهُ) أي: قضاهُ أو أتمَّهُ أو نحو ذلك ممَّا يشهدُ بأنَّه مجازٌ من القول، فإنَّه لن (١) يشغلهُ شأن عن شأنٍ (قَامَتِ الرَّحِمُ) حقيقة بأن تجسَّمت (فَأَخَذَتْ بِحَقْوِ الرَّحْمَنِ) بفتح الحاء المهملة، وفي «اليونينية» بكسر الحاء (٢) وكذا (٣) في الفرع مصلَّحة وكشطَ فوقها، وعند الطَّبريِّ: «بحقوي الرَّحمن» بالتَّثنية، والحقو: الإزارُ والخصرُ ومشدُّ الإزارِ، قال البيضاويُّ: لما كان من عادةِ المستجير أن يأخذ بذيل المستجارِ به أو بطرفِ ردائهِ وإزارهِ، وربَّما أخذ بحقو إزارهِ مبالغةً في الاستجارةِ، فكأنَّه يشيرُ به إلى أنَّ المطلوب أن يحرسَهُ ويذبَّ عنه ما يؤذيهِ، كما يحرسُ ما تحتَ إزارهِ ويذبُّ عنه، فإنَّه لاصقٌ به لا ينفكُّ عنه استعيرَ ذلك للرَّحمِ، وقال الطِّيبيُّ: و (٤) هذا مبنيٌّ على الاستعارةِ التَّمثيليَّةِ الَّتي الوجهُ فيها منتزعٌ من أمورٍ متوهَّمةٍ للمشبَّه المعقول، وذلك أنَّه شبَّه حالة الرَّحمِ وما هي عليه من الافتقارِ إلى الصِّلة والذَّبِّ عنها (٥) من القطيعةِ بحال مستجيرٍ يأخذ بذيل المستجارِ به وحقو إزارهِ، ثمَّ أدخلَ صورةَ حالِ المشبَّه في

جنس (١) المشبَّه به، واستعمل في حال المشبَّه ما كان مستعملًا في المشبَّه به من الألفاظ بدلائل قرائنِ الأحوالِ، ويجوزُ أن تكون مَكْنِيَّة بأن يشبِّه الرَّحم بإنسانٍ مستجيرٍ بمن يحميهِ ويحرسه ويذبُّ عنه ما يؤذيهِ، ثمَّ أسند على سبيلِ الاستعارةِ التَّخييليَّةِ ما هو لازمُ المشبَّه به من القيامِ ليكون قرينةً مانعةً من إرادةِ الحقيقةِ، ثمَّ رُشِّحت الاستعارة بأخذ الحقو والقول، وقوله: «بحقْو الرَّحمن»، استعارة أخرى مثلها، وسقطَ قوله: «بحقوِ الرَّحمن» في رواية أبي ذرٍّ، كما في الفرع وأصله. وقال في «الفتح»: حُذف للأكثر مفعول «أخذتْ». قال: وفي رواية ابنِ السَّكنِ: «فأخذتْ (٢) بحقو الرَّحمنِ»، وقال القابسيُّ: أبى أبو زيد أن يقرأَ لنا هذا الحرفَ لإشكالهِ، وقال: هو ثابتٌ لكن مع تنزيهِ الله تعالى، ويحتملُ أن يكونَ على حذفٍ، أي: قام ملكٌ فتكلَّم على لسانِها، أو على طريقِ ضربِ المثلِ والاستعارةِ، والمراد تعظيمُ شأنها، وفضيلةُ واصلها، وإثمُ قاطعِها، وتثنيةُ حقو المرويَّة عند الطَّبريِّ للتَّأكيدِ؛ لأنَّ الأخذ باليدينِ آكدُ في الاستجارةِ من الأخذِ بيدٍ واحدةٍ (٣).

(فَقَالَ) تعالى (لَهَ: مَهْ) بفتح الميم وسكون الهاء: اسم فعلٍ، أي: اكفُف وانزجِر. وقال ابنُ مالكٍ: هي هنا ما الاستفهاميَّة حُذفتْ ألفها ووُقِف عليها بهاء السَّكت، والشَّائعُ أن لا يُفعل ذلك بها إلَّا وهي مجرورة، ومِن استعمالها -كما وقع هنا- غير مجرورةٍ قول أبي ذؤيبٍ الهذليِّ: قدمت المدينةَ ولأهلها ضجيجٌ بالبكاء (٤) كضجيجِ الحجيجِ، فقلتُ: مه، فقالوا: قُبِضَ رسولُ الله . انتهى. فإن كان المرادُ الزَّجر فواضحٌ، وإن كان الاستفهام فالمرادُ منه الأمر بإظهارِ الحاجةِ دون الاستعلامِ، فإنَّه تعالى يعلمُ السِّرَّ وأخفى. (قَالَتْ: هَذَا مَقَامُ العَائِذِ) بالذال المعجمة، أي: قيامِي هذا قيام المستجيرِ (بِكَ مِنَ القَطِيعَةِ) وفي حديث عبد الله بنِ عمرو عند أحمد: أنَّها (٥) تكلَّم بلسانٍ طلقٍ ذلقٍ (قَالَ) تعالى: (أَلَا) بالتَّخفيف (تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ) بأن أتعطَّفَ

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.6 / 29.5
الإضاءة 8%
البدر بعد 12 يوم
سبحان الله