«اقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ﴾».

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٨٣١

الحديث رقم ٤٨٣١ من كتاب «سورة الذين كفروا» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب وتقطعوا أرحامكم.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٤٨٣١ في صحيح البخاري

«اقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ﴾».

إسناد حديث البخاري رقم ٤٨٣١

٤٨٣١ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ، حَدَّثَنَا حَاتِمٌ، عَنْ مُعَاوِيَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي عَمِّي أَبُو الْحُبَابِ سَعِيدُ بْنُ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِهَذَا، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ :

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٤٨٣١: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

مَنْ قَطَعَكِ؟ قَالَتْ: بَلَى يَا رَبِّ. قَالَ: فَذَاكِ. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾

[الحديث ٤٨٣٠ - أطرافه في: ٤٨٣١، ٤٨٣٢، ٧٥٠٢]

٤٨٣١ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ حَدَّثَنَا حَاتِمٌ عَنْ مُعَاوِيَةَ قَالَ حَدَّثَنِي عَمِّي أَبُو الْحُبَابِ سَعِيدُ بْنُ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِهَذَا ثُمَّ قال رسول الله : "اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ﴾

٤٨٣٢ - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي الْمُزَرَّدِ بِهَذَا. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : وَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ﴾

قَوْلُهُ: بَابُ ﴿وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾: قَرَأَ الْجُمْهُورُ بِالتَّشْدِيدِ وَيَعْقُوبُ بِالتَّخْفِيفِ.

قَوْلُهُ: (خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهُ) أَيْ قَضَاهُ وَأَتَمَّهُ.

قَوْلُهُ: (قَامَتِ الرَّحِمُ) يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَالْأَعْرَاضُ يَجُوزُ أَنْ تَتَجَسَّدَ وَتَتَكَلَّمُ بِإِذْنِ اللَّهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَلَى حَذْفٍ أَيْ قَامَ مَلَكٌ فَتَكَلَّمَ عَلَى لِسَانِهَا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلَى طَرِيقِ ضَرْبِ الْمَثَلِ وَالِاسْتِعَارَةِ وَالْمُرَادُ تَعْظِيمُ شَأْنِهَا وَفَضْلُ وَاصِلِهَا وَإِثْمُ قَاطِعِهَا.

قَوْلُهُ: (فَأَخَذَتْ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِحَذْفِ مَفْعُولِ أَخَذَتْ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ السَّكَنِ فَأَخَذَتْ بِحَقْوِ الرَّحْمَنِ وَفِي رِوَايَةِ الطَّبَرِيِّ بِحَقْوَيِ الرَّحْمَنِ بِالتَّثْنِيَةِ، قَالَ الْقَابِسِيُّ: أَبَى أَبُو زَيْدٍ الْمَرْوَزِيُّ أَنْ يَقْرَأَ لَنَا هَذَا الْحَرْفَ لِإِشْكَالِهِ، وَمَشَى بَعْضُ الشُّرَّاحِ عَلَى الْحَذْفِ فَقَالَ: أَخَذَتْ بِقَائِمَةٍ مِنْ قَوَائِمِ الْعَرْشِ، وَقَالَ عِيَاضٌ: الْحَقْوُ مَعْقِدُ الْإِزَارِ، وَهُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي يُسْتَجَارُ بِهِ وَيُحْتَزَمُ بِهِ عَلَى عَادَةِ الْعَرَبِ، لِأَنَّهُ مِنْ أَحَقِّ مَا يُحَامَى عَنْهُ وَيُدْفَعُ، كَمَا قَالُوا نَمْنَعُهُ مِمَّا نَمْنَعُ مِنْهُ أُزُرَنَا، فَاسْتُعِيرَ ذَلِكَ مَجَازًا لِلرَّحِمِ فِي اسْتِعَاذَتِهَا بِاللَّهِ مِنَ الْقَطِيعَةِ انْتَهَى. . وَقَدْ يُطْلَقُ الْحَقْوُ عَلَى الْإِزَارِ نَفْسِهِ كَمَا فِي حَدِيثِ أُمِّ عَطِيَّةَ فَأَعْطَاهَا حَقْوَهُ فَقَالَ: أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ يَعْنِي إِزَارَهُ وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا، وَهُوَ الَّذِي جَرَتِ الْعَادَةُ بِالتَّمَسُّكِ بِهِ عِنْدَ الْإِلْحَاحِ فِي الِاسْتِجَارَةِ وَالطَّلَبِ، وَالْمَعْنَى عَلَى هَذَا صَحِيحٌ مَعَ اعْتِقَادِ تَنْزِيهِ اللَّهِ عَنِ الْجَارِحَةِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: هَذَا الْقَوْلُ مَبْنِيٌّ عَلَى الِاسْتِعَارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ كَأَنَّهُ شَبَّهَ حَالَةَ الرَّحِمِ وَمَا هِيَ عَلَيْهِ مِنَ الِافْتِقَارِ إِلَى الصِّلَةِ وَالذَّبِّ عَنْهَا بِحَالِ مُسْتَجِيرٍ يَأْخُذُ بِحَقْوِ الْمُسْتَجَارِ بِهِ، ثُمَّ أَسْنَدَ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِعَارَةِ التَّخْيِيلِيَّةِ مَا هُوَ لَازِمٌ لِلْمُشَبَّهِ بِهِ مِنَ الْقِيَامِ فَيَكُونُ قَرِينَةً مَانِعَةً مِنْ إِرَادَةِ الْحَقِيقَةِ، ثُمَّ رُشِّحَتْ الِاسْتِعَارَةُ بِالْقَوْلِ وَالْأَخْذِ وَبِلَفْظِ الْحَقْوِ فَهُوَ اسْتِعَارَةٌ أُخْرَى، وَالتَّثْنِيَةُ فِيهِ لِلتَّأْكِيدِ لِأَنَّ الْأَخْذَ بِالْيَدَيْنِ آكَدُ فِي الِاسْتِجَارَةِ مِنَ الْأَخْذِ بِيَدٍ وَاحِدَةٍ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ لَهُ مَهْ) هُوَ اسْمُ فِعْلٍ مَعْنَاهُ الزَّجْرُ أَيِ اكْفُفْ. وَقَالَ ابْنُ مَالِكٍ: هِيَ هُنَا مَا الِاسْتِفْهَامِيَّةُ حُذِفَتْ أَلِفُهَا وَوُقِفَ عَلَيْهَا بِهَاءِ السَّكْتِ، وَالشَّائِعُ أَنْ لَا يُفْعَلَ ذَلِكَ إِلَّا وَهِيَ مَجْرُورَةٌ، لَكِنْ قَدْ سُمِعَ مِثْلُ ذَلِكَ فَجَاءَ عَنْ أَبِي ذُؤَيْبٍ الْهُذَلِيِّ قَالَ: قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ وَلِأَهْلِهَا ضَجِيجٌ بِالْبُكَاءِ كَضَجِيجِ الْحَجِيجِ، فَقُلْتُ: مَهْ؟ فَقَالُوا. قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ .

قَوْلُهُ فِي الْإِسْنَادِ (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ) هُوَ ابْنُ بِلَالٍ.

قَوْلُهُ: (هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِكَ مِنَ الْقَطِيعَةِ) هَذِهِ الْإِشَارَةُ إِلَى الْمَقَامِ أَيْ قِيَامِي فِي هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِكَ، وَسَيَأْتِي مَزِيدُ بَيَانٍ لِمَا يَتَعَلَّقُ بِقَطِيعَةِ الرَّحِمِ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْأَدَبِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الطَّبَرِيِّ هَذَا مَقَامُ عَائِذٍ مِنَ الْقَطِيعَةِ وَالْعَائِذُ الْمُسْتَعِيذُ، وَهُوَ الْمُعْتَصِمُ بِالشَّيْءِ الْمُسْتَجِيرُ بِهِ.

قَوْلُهُ: (قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ﴾ هَذَا ظَاهِرُهُ أَنَّ الِاسْتِشْهَادَ مَوْقُوفٌ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ مَنْ رَفَعَهُ

وَكَذَا فِي رِوَايَةِ الطَّبَرِيِّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي كَثِيرٍ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا حَاتِمٌ) هُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ الْكُوفِيُّ نَزِيلُ الْمَدِينَةِ، وَمُعَاوِيَةُ هُوَ ابْنُ أَبِي مُزَرِّدٍ الْمَذْكُورُ فِي الَّذِي قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ.

قَوْلُهُ: (بِهَذَا) يَعْنِي الْحَدِيثَ الَّذِي قَبْلَهُ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقَيْنِ عَنْ حَاتِمِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بِلَفْظِ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهُ قَامَتِ الرَّحِمُ فَقَالَتْ: هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ وَلَمْ يَذْكُرِ الزِّيَادَةَ. وَزَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ قَالَتْ بَلَى يَا رَبِّ قَالَ: فَذَلِكَ لَكِ.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ) حَاصِلُهُ أَنَّ الَّذِي وَقَفَهُ سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، وَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ الْمَذْكُورَةِ.

قَوْلُهُ (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ) هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ

قَوْلُهُ (بِهَذَا) أَيْ بِهَذَا الْإِسْنَادِ وَالْمَتْنِ، وَوَافَقَ حَاتِمًا عَلَى رَفْعِ هَذَا الْكَلَامِ الْأَخِيرِ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ حِبَّانَ بْنِ مُوسَى، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ.

(تَنْبِيهٌ): اخْتُلِفَ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: ﴿إِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ فَالْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّهَا مِنَ الْوِلَايَةِ وَالْمَعْنَى إِنْ وُلِّيتُمُ الْحُكْمَ، وَقِيلَ بِمَعْنَى الْإِعْرَاضِ، وَالْمَعْنَى لَعَلَّكُمْ إِنْ أَعْرَضْتُمْ عَنْ قَبُولِ الْحق أَنْ يَقَعَ مِنْكُمْ مَا ذُكِرَ، وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ، وَيَشْهَدُ لَهُ مَا أَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ فِي تَهْذِيبِهِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ يَقُولُ: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ﴾ قَالَ: هُمْ هَذَا الْحَيُّ مِنْ قُرَيْشٍ، أَخَذَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ إِنْ وُلُّوا النَّاسَ أَنْ لَا يُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَلَا يُقَطِّعُوا أَرْحَامَهُمْ.

٤٨ - سُورَةُ الْفَتْحِ

وقَالَ مُجَاهِدٌ: بُورًا هَالِكِينَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ﴾ السَّحْنَةُ. وَقَالَ مَنْصُورٌ، عَنْ مُجَاهِدٍ: التَّوَاضُعُ. شَطْأَهُ: فِرَاخَهُ. فَاسْتَغْلَظَ: غَلُظَ. سُوقِهِ: السَّاقُ حَامِلَةُ الشَّجَرَةِ. وَيُقَالُ دَائِرَةُ السَّوْءِ كَقَوْلِكَ رَجُلُ السَّوْءِ. دَائِرَةُ السَّوْءِ: الْعَذَابُ. يُعَزِّرُوهُ: يَنْصُرُوهُ. شَطْأَهُ: شَطْءُ السُّنْبُلِ. تُنْبِتُ الْحَبَّةُ عَشْرًا أَوْ ثَمَانِيًا وَسَبْعًا فَيَقْوَى بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، فَذَاكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَآزَرَهُ: قَوَّاهُ، وَلَوْ كَانَتْ وَاحِدَةٌ لَمْ تَقُمْ عَلَى سَاقٍ، وَهُوَ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلنَّبِيِّ إِذَا خَرَجَ وَحْدَهُ، ثُمَّ قَوَّاهُ بِأَصْحَابِهِ كَمَا قَوَّى الْحَبَّةَ بِمَا يَنْبُتُ مِنْهَا.

قَوْلُهُ: (سُورَةُ الْفَتْحِ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) سَقَطَتِ الْبَسْمَلَةُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿بُورًا﴾ هَالِكِينَ) وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِهَذَا، وَسَقَطَ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: وَيُقَالُ بَارَ الطَّعَامُ أَيْ هَلَكَ، وَمِنْهُ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزِّبَعْرَى:

يَا رَسُولَ الْمَلِيكِ إِنَّ لِسَانِي … رَائقٌ مَا فَتَقْتُ إِذْ أَنَا بُورُ

أَيْ هَالِكٌ.

قَوْلُهُ: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ﴾: السَّحْنَةُ وَفِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِيِّ، وَالْكُشْمِيهَنِيِّ، وَالْقَابِسِيِّ السَّجْدَةُ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، فَقَدْ وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ الْحَاكِمِ، عَنْ مُجَاهِدٍ كَذَلِكَ، وَالسَّحْنَةُ بِالسِّينِ وَسُكُونِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَتَيْنِ وَقَيَّدَهُ ابْنُ السَّكَنِ، وَالْأَصِيلِيُّ بِفَتْحِهِمَا قَالَ عِيَاضٌ وَهُوَ الصَّوَابُ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ، وَهُوَ لِينُ الْبَشَرَةِ وَالنَّعْمَةُ، وَقِيلَ الْهَيْئَةُ،

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

عليه وأرحمه لطفًا وفضلًا (وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ) فلا أرحمه؟ (قَالَتْ: بَلَى يَا رَبِّ) أي: رضيتُ (قَالَ) تعالى: (فَذَاكِ) بكسر الكاف، إشارة إلى قوله: ألا ترضينَ … إلى آخره، زاد الإسماعيليُّ: «لَكِ». (قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) : (اقْرَؤُوْا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ﴾) أي: فهل يتوقَّعُ منكم (﴿إِن تَوَلَّيْتُمْ﴾) أحكام النَّاسِ وتأمَّرتُم (١) عليهم، أو أعرضتُم عن القرآنِ وفارقتُم أحكامهُ (﴿أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾) بالمعصيةِ والبغي وسفكِ الدِّماءِ (﴿وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد: ٢٢]).

وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «التَّوحيد» [خ¦٧٥٠٢] وفي «الأدب» [خ¦٥٩٨٧]، ومسلم في «الأدب»، والنَّسائيُّ في «التَّفسير».

٤٨٣١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ) بنِ محمدِ بنِ حمزةَ بنِ مصعب بنِ الزُّبير بنِ العوَّامِ، أبو إسحاق الأسديُّ الزُّبيريُّ المدنيُّ قال: (حَدَّثَنَا حَاتِمٌ) هو ابنُ إسماعيلَ الكوفيُّ، نزيل المدينة (عَنْ مُعَاوِيَةَ) بنِ أبي مُزرِّد، السَّابق قريبًا [خ¦٤٨٣٠] أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَمِّي (٢) أَبُو الحُبَابِ) بضم الحاء (٣) المهملة وبموحدتين بينهما ألف (سَعِيدُ بْنُ يَسَارٍ) بالسين المهملة، ضدُّ اليمين (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِهَذَا) الحديثِ السَّابق (ثُمَّ) قال أبو هُريرة (قَالَ رَسُولُ اللهِ : اقْرَؤُوْا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ﴾ [محمد: ٢٢]).

٤٨٣٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» بالإفراد (بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ) السَّخْتِيانيُّ المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بنُ المباركِ المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا) ولغير أبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي المُزَرِّدِ) باللام وكسر الراء (٤)، وفي «اليونينية»: بفتحها (بِهَذَا) الحديث إسنادًا ومتنًا (قَالَ رَسُولُ اللهِ : اقْرَؤُوْا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ﴾ [محمد: ٢٢]) ومراد المؤلِّف بإيراد هذه الطَّريق وسابقتها الإعلامُ بأنَّ الَّذي وقفه سليمانُ بنُ بلال على أبي هُريرة -حيث قال: قال أبو هُريرة: اقرؤوا إن شئتُم: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ﴾ - رفعَه حاتمُ بن إسماعيلَ وابنُ المباركِ، وكذا رفعه الإسماعيليُّ من طريق حبَّان بن موسى، عن ابنِ المباركِ أيضًا. قال الإمام النَّوويُّ : لا خلافَ أنَّ صلةَ الرَّحم واجبةٌ في الجُملةِ، وقطيعتُها معصيةٌ، والصِّلة درجاتٌ بعضُها أرفعُ من

بعضٍ، وأدنَاها صلتُها بالكلامِ ولو بالسَّلام، ويختلفُ ذلك باختلافِ القدرةِ والحاجةِ. انتهى. وفي حديث أبي بكرةَ مرفوعًا: «ما مِن ذنبٍ أَحرَى أن يعجِّلَ اللهُ عقوبتهُ في الدُّنيا مع ما يدَّخرُ لصاحبهِ في الآخرةِ مِن البغْيِ وقطيعةِ الرَّحم» رواه أحمدُ، وعنده من حديث ثوبان مرفوعًا: «من سرَّه النَّسأ في الأجلِ والزِّيادةِ في الرِّزق؛ فليصِلْ رحمَه».

(﴿آسِنٍ﴾ [محمد: ١٥]) أي: (مُتَغَيِّرٍ) وسبقَ هذا قريبًا [خ¦٦٥ - ٧٠٩٢].

(((٤٨))) (سورة الفَتْحِ) مدنيَّةٌ، نزلتْ مُنْصَرَف النَّبيِّ من الحديبية سنة ستٍّ من الهجرةِ، وآيُها تسع وعشرون.

(بسم الله الرحمن الرحيم) سقطتِ البسملَةُ لغير أبي ذرٍّ. (قَالَ (١) مُجَاهِدٌ) فيما وصلهُ الطَّبريُّ من طريق ابنِ أبي نَجيحٍ عنه: (﴿بُورًا﴾) في قولهِ تعالى: ﴿وَظَنَنتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾ [الفتح: ١٢] (٢) أي: (هَالِكِينَ) والبورُ: الهلاكُ، وهو يحتملُ أن يكون هنا مصدرًا أخبرَ به عن الجمعِ، كقوله:

يَا رَسُولَ الإِلَهِ إِنَّ لِسَانِي … رَاتِقٌ مَا فَتَقْتُ إِذْ أَنَا بُورُ

ولذلك يستوي فيه المفردُ والمذكَّر وضدهما، ويحتملُ أن يكون جمع: بائرٍ؛ كحائلٍ وحُول، في المعتلِّ، وبازلٍ وبُزل في الصَّحيح، وسقطَ هذا لغير أبي ذرٍّ.

(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصلهُ ابنُ أبي حاتمٍ في قولهِ تعالى: (﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم﴾ [الفتح: ٢٩]) هي (السَّحْنَةُ) بفتح السين المهملة في «اليونينية»، وهي (١) في الفرع كذلك (٢) مصلَّحة وتحت السِّين كشطٌ، وبذلك ضبطه ابنُ السَّكن والأَصيليُّ. وقال القاضِي عياضٌ: إنَّه الصَّوابُ عند أهل اللُّغة، وفي كثيرٍ من الأصولِ بكسرها والحاء المهملة ساكنة، وجزمَ ابنُ قتيبةَ بفتحها وأنكر السكون، وقد أثبتَه الكِسائيُّ والفرَّاء، وهي لينُ البشرةِ والنَّعمة، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي والكُشمِيهنيِّ: «السَّجدة» وكذا في رواية القابسيِّ، أي: أثر السَّجدة في الوجهِ، لكن (٣) في التئامِ هذا مع قوله: ﴿مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: ٢٩] قلقٌ لا يخفى، وعن ابنِ عبَّاس في رواية عطيَّة العوفيِّ عنه: نورٌ وبياضٌ في وجوههم يوم القيامةِ. وعن عطاء بنِ أبي رباح: استنارة وجوههم من كثرةِ صلاتهم، أي: ما يظهرهُ الله تعالى في وجوهِ السَّاجدينَ نهارًا إذا قاموا باللَّيل متهجِّدينِ، فمن توجَّه إلى الله بكلِّيته لا بدَّ أن يظهرَ في وجههِ نورٌ تبهر منه الأنوارُ. وعن شهرِ بنِ حوشبٍ: تكون مواضع السُّجود من وجوههم كالقمرِ ليلةَ البدر. وعن الضَّحَّاكِ: صفرة الوجهِ. وروى السُّلَمِيُّ عن عبد العزيزِ المكيِّ: ليس هو الصُّفرةُ، ولكنَّه نورٌ يظهرُ على وجوهِ العابدينَ يبدو من باطنِهم على ظاهرهِم، يتبيَّن ذلك للمؤمنين ولو كان ذلك في زنجيٍّ أو حبشيٍّ. قال ابنُ عطاء: ترى عليهم خلَعَ الأنوارِ لائحة، وقال الحسن: إذا رأيتَهم حسبتَهم مرضَى وما هم بمرضَى.

(وَقَالَ مَنْصُورٌ) هو: ابنُ المعتمر، فيما وصلهُ عليُّ بنُ المدينيِّ، عن جرير، عنه: (عَنْ مُجَاهِدٍ): هو (التَّوَاضُعُ) وزاد في روايةِ زائدة عن منصورٍ -عند عبد بنِ حُمَيد-: قلت: ما كنتُ أراهُ إلَّا هذا الأثر الَّذي في الوجهِ، فقال: ربَّما كان بين عينِي من هو أقسَى قلبًا من فرعونَ. وقال بعضُهم: إنَّ للحسنةِ نورًا في القلبِ، وضياءً في الوجهِ، وسعةً في الرِّزقِ، ومحبَّةً في قلوبِ النَّاس،

فما كَمن في النَّفس ظهرَ على صفحاتِ الوجهِ. وفي حديث جندبِ بن (١) سفيانَ البجليِّ عند الطَّبرانيِّ مرفوعًا: «ما أسرَّ (٢) أحدٌ سريرةً إلَّا ألبسهُ الله رداءهَا، إنْ خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر».

(﴿شَطْأَهُ﴾) في قولهِ: ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾ [الفتح: ٢٩] أي: (فِرَاخَهُ) يقال: أشطأ الزَّرع إذا فرَّخ، وهل يختصُّ ذلك بالحنطةِ فقط، أو بها وبالشَّعيرِ فقط، أو لا يختصُّ؟ خلافٌ مشهورٌ، قال:

أَخْرجَ الشَّطْءَ عَلَى وَجْهِ الثَّرَى … ومِنَ الأَشْجَارِ أَفْنَانُ الثَّمَر

(﴿فَاسْتَغْلَظَ﴾) أي: (غَلُظَ) بضم اللام ذلك الزَّرع بعد الرِّقَّة (٣) ولأبي ذرٍّ: «تغلَّظ» أي: قويَ.

(﴿سُوقِهِ﴾) من قوله تعالى: ﴿فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ﴾ [الفتح: ٢٩] (السَّاقُ: حَامِلَةُ الشَّجَرَةِ) والجار متعلِّق بـ ﴿اسْتَوَى﴾ ويجوز أن يكونَ حالًا، أي: كائنًا على سوقه، أي: قائمًا عليها.

(وَيُقَالُ: ﴿دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ [الفتح: ٦] كَقَوْلِكَ: رَجُلُ السَّوْءِ) أي: الفاسدُ، كما يقالُ: رجلُ صدقٍ، أي: صالحٍ، وهذا قولُ الخليل والزَّجاج، واختاره الزَّمخشريُّ، وتحقيقه: أنَّ السَّوء في المعاني كالفسادِ في الأجسادِ، يقال: ساءَ مزاجُه، ساءَ خلقُه، ساء ظنُّه، كما يقال: فسدَ اللَّحمُ، وفسدَ الهواءُ، بل كلُّ ما ساءَ فقد فسدَ، وكلُّ ما فسدَ فقد ساءَ، غير أنَّ أحدهما كثيرٌ في الاستعمالِ في المعاني، والآخر في الأجرامِ، قال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الروم: ٤١] وقال: ﴿سَاء مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: ٩] وسقطَ لأبي ذرٍّ لفظ «يقال» فقط.

(وَ ﴿دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ العَذَابُ) يعني: حاقَ بهم العذابُ بحيثُ لا يخرجونَ منه، وضمَّ السين أبو عمرو وابنُ كثيرٍ، فمعنى (٤) المفتوح: الفسادُ والرَّداءَةُ، والضم: الهزيمةُ والبلاءُ، أو المضمومُ: العذابُ والضَّررُ، والمفتوح: الذَّمُّ.

(﴿وَتُعَزِّرُوهُ﴾ [الفتح: ٩]) أي: (ينْصُرُوهُ) قرأ ابنُ كثير وأبو عَمرو بالغيبة في: ﴿لِتُؤْمِنُوا﴾

﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ﴾ رجوعًا إلى ﴿الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الفتح: ٥] والباقون بالخطاب إسنادًا إلى المخاطبين، والظَّاهر أنَّ الضَّمائر عائدةٌ إلى الله، وتفريقُها بجعلِ بعضها للرَّسول قولٌ للضَّحَّاك.

(﴿شَطْأَهُ﴾): هو (شَطْءُ (١) السُّنْبُلِ) ولأبي ذرٍّ: «شَطْأ» بالألف بدل الواو صورة الهمزة (تُنْبِتُ) بضم أوَّله وكسر ثالثهِ من الإنباتِ (الحَبَّةُ) الواحدةُ (عَشْرًا) من السَّنابلِ (أَوْ ثَمَانِيًا) ولأبي ذرٍّ: «وثمانيًا» بإسقاط الألفِ (وَسَبْعًا) قال تعالى: ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ﴾ [البقرة: ٢٦١] (فَيَقْوَى بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، فَذَاكَ (٢) قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَآزَرَهُ﴾) أي: (قَوَّاهُ) وأعانهُ (وَلَوْ كَانَتْ وَاحِدَةً؛ لَمْ تَقُمْ عَلَى سَاقٍ، وَهُوَ) أي: ما ذكر (مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللهُ لِلنَّبِيِّ ، إِذْ خَرَجَ) على كفَّار مكَّة (وَحْدَهُ) يدعوهُم إلى الله، أو لمَّا خرجَ من بيتهِ وحدَه حين اجتمعَ الكفَّارُ على أذاه (ثُمَّ قَوَّاهُ) ﷿ (بِأَصْحَابِهِ) المهاجرينَ والأنصار (كَمَا قَوَّى الحَبَّةَ بِمَا يَنْبُتُ) بفتح أوَّله وضمِّ ثالثه، وبضم ثمَّ كسر (مِنْهَا) وقال غيره: هو مثل ضربهُ الله لأصحاب محمَّد في الإنجيلِ: أنَّهم يكونون قليلًا ثمَّ يزدادونَ ويكثرونَ. وقال قتادةُ: مثل أصحابِ محمَّد في الإنجيلِ مكتوبٌ له: (٣) سيخرجُ قومٌ ينبتونُ نباتَ الزَّرعِ، يأمرونَ بالمعروفِ وينهونَ عن المنكرِ.

(١) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، أي: (٤) في قولهِ تعالى: (﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ [الفتح: ١]) الأكثرون (٥) على أنَّه صلحُ الحديبيةِ، وقيل: فتحُ مكَّة، والتَّعبيرُ عنه (٦) بالماضِي لتحقُّقهِ. قال في «الكشاف»: وفي ذلك من الفخامةِ والدَّلالة على علوِّ شأن المخبرِ ما لا يخفى. انتهى. قال الطِّيبيُّ: لأنَّ هذا الأسلوبَ إنَّما يرتكبُ في أمرٍ يعظمُ (٧) منالهُ، ويعزُّ الوصول إليه، ولا يقدرُ على نيلهِ إلَّا من له قهرٌ وسلطانٌ،

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

مَنْ قَطَعَكِ؟ قَالَتْ: بَلَى يَا رَبِّ. قَالَ: فَذَاكِ. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾

[الحديث ٤٨٣٠ - أطرافه في: ٤٨٣١، ٤٨٣٢، ٧٥٠٢]

٤٨٣١ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ حَدَّثَنَا حَاتِمٌ عَنْ مُعَاوِيَةَ قَالَ حَدَّثَنِي عَمِّي أَبُو الْحُبَابِ سَعِيدُ بْنُ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِهَذَا ثُمَّ قال رسول الله : "اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ﴾

٤٨٣٢ - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي الْمُزَرَّدِ بِهَذَا. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : وَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ﴾

قَوْلُهُ: بَابُ ﴿وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾: قَرَأَ الْجُمْهُورُ بِالتَّشْدِيدِ وَيَعْقُوبُ بِالتَّخْفِيفِ.

قَوْلُهُ: (خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهُ) أَيْ قَضَاهُ وَأَتَمَّهُ.

قَوْلُهُ: (قَامَتِ الرَّحِمُ) يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَالْأَعْرَاضُ يَجُوزُ أَنْ تَتَجَسَّدَ وَتَتَكَلَّمُ بِإِذْنِ اللَّهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَلَى حَذْفٍ أَيْ قَامَ مَلَكٌ فَتَكَلَّمَ عَلَى لِسَانِهَا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلَى طَرِيقِ ضَرْبِ الْمَثَلِ وَالِاسْتِعَارَةِ وَالْمُرَادُ تَعْظِيمُ شَأْنِهَا وَفَضْلُ وَاصِلِهَا وَإِثْمُ قَاطِعِهَا.

قَوْلُهُ: (فَأَخَذَتْ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِحَذْفِ مَفْعُولِ أَخَذَتْ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ السَّكَنِ فَأَخَذَتْ بِحَقْوِ الرَّحْمَنِ وَفِي رِوَايَةِ الطَّبَرِيِّ بِحَقْوَيِ الرَّحْمَنِ بِالتَّثْنِيَةِ، قَالَ الْقَابِسِيُّ: أَبَى أَبُو زَيْدٍ الْمَرْوَزِيُّ أَنْ يَقْرَأَ لَنَا هَذَا الْحَرْفَ لِإِشْكَالِهِ، وَمَشَى بَعْضُ الشُّرَّاحِ عَلَى الْحَذْفِ فَقَالَ: أَخَذَتْ بِقَائِمَةٍ مِنْ قَوَائِمِ الْعَرْشِ، وَقَالَ عِيَاضٌ: الْحَقْوُ مَعْقِدُ الْإِزَارِ، وَهُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي يُسْتَجَارُ بِهِ وَيُحْتَزَمُ بِهِ عَلَى عَادَةِ الْعَرَبِ، لِأَنَّهُ مِنْ أَحَقِّ مَا يُحَامَى عَنْهُ وَيُدْفَعُ، كَمَا قَالُوا نَمْنَعُهُ مِمَّا نَمْنَعُ مِنْهُ أُزُرَنَا، فَاسْتُعِيرَ ذَلِكَ مَجَازًا لِلرَّحِمِ فِي اسْتِعَاذَتِهَا بِاللَّهِ مِنَ الْقَطِيعَةِ انْتَهَى. . وَقَدْ يُطْلَقُ الْحَقْوُ عَلَى الْإِزَارِ نَفْسِهِ كَمَا فِي حَدِيثِ أُمِّ عَطِيَّةَ فَأَعْطَاهَا حَقْوَهُ فَقَالَ: أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ يَعْنِي إِزَارَهُ وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا، وَهُوَ الَّذِي جَرَتِ الْعَادَةُ بِالتَّمَسُّكِ بِهِ عِنْدَ الْإِلْحَاحِ فِي الِاسْتِجَارَةِ وَالطَّلَبِ، وَالْمَعْنَى عَلَى هَذَا صَحِيحٌ مَعَ اعْتِقَادِ تَنْزِيهِ اللَّهِ عَنِ الْجَارِحَةِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: هَذَا الْقَوْلُ مَبْنِيٌّ عَلَى الِاسْتِعَارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ كَأَنَّهُ شَبَّهَ حَالَةَ الرَّحِمِ وَمَا هِيَ عَلَيْهِ مِنَ الِافْتِقَارِ إِلَى الصِّلَةِ وَالذَّبِّ عَنْهَا بِحَالِ مُسْتَجِيرٍ يَأْخُذُ بِحَقْوِ الْمُسْتَجَارِ بِهِ، ثُمَّ أَسْنَدَ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِعَارَةِ التَّخْيِيلِيَّةِ مَا هُوَ لَازِمٌ لِلْمُشَبَّهِ بِهِ مِنَ الْقِيَامِ فَيَكُونُ قَرِينَةً مَانِعَةً مِنْ إِرَادَةِ الْحَقِيقَةِ، ثُمَّ رُشِّحَتْ الِاسْتِعَارَةُ بِالْقَوْلِ وَالْأَخْذِ وَبِلَفْظِ الْحَقْوِ فَهُوَ اسْتِعَارَةٌ أُخْرَى، وَالتَّثْنِيَةُ فِيهِ لِلتَّأْكِيدِ لِأَنَّ الْأَخْذَ بِالْيَدَيْنِ آكَدُ فِي الِاسْتِجَارَةِ مِنَ الْأَخْذِ بِيَدٍ وَاحِدَةٍ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ لَهُ مَهْ) هُوَ اسْمُ فِعْلٍ مَعْنَاهُ الزَّجْرُ أَيِ اكْفُفْ. وَقَالَ ابْنُ مَالِكٍ: هِيَ هُنَا مَا الِاسْتِفْهَامِيَّةُ حُذِفَتْ أَلِفُهَا وَوُقِفَ عَلَيْهَا بِهَاءِ السَّكْتِ، وَالشَّائِعُ أَنْ لَا يُفْعَلَ ذَلِكَ إِلَّا وَهِيَ مَجْرُورَةٌ، لَكِنْ قَدْ سُمِعَ مِثْلُ ذَلِكَ فَجَاءَ عَنْ أَبِي ذُؤَيْبٍ الْهُذَلِيِّ قَالَ: قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ وَلِأَهْلِهَا ضَجِيجٌ بِالْبُكَاءِ كَضَجِيجِ الْحَجِيجِ، فَقُلْتُ: مَهْ؟ فَقَالُوا. قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ .

قَوْلُهُ فِي الْإِسْنَادِ (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ) هُوَ ابْنُ بِلَالٍ.

قَوْلُهُ: (هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِكَ مِنَ الْقَطِيعَةِ) هَذِهِ الْإِشَارَةُ إِلَى الْمَقَامِ أَيْ قِيَامِي فِي هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِكَ، وَسَيَأْتِي مَزِيدُ بَيَانٍ لِمَا يَتَعَلَّقُ بِقَطِيعَةِ الرَّحِمِ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْأَدَبِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الطَّبَرِيِّ هَذَا مَقَامُ عَائِذٍ مِنَ الْقَطِيعَةِ وَالْعَائِذُ الْمُسْتَعِيذُ، وَهُوَ الْمُعْتَصِمُ بِالشَّيْءِ الْمُسْتَجِيرُ بِهِ.

قَوْلُهُ: (قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ﴾ هَذَا ظَاهِرُهُ أَنَّ الِاسْتِشْهَادَ مَوْقُوفٌ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ مَنْ رَفَعَهُ

وَكَذَا فِي رِوَايَةِ الطَّبَرِيِّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي كَثِيرٍ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا حَاتِمٌ) هُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ الْكُوفِيُّ نَزِيلُ الْمَدِينَةِ، وَمُعَاوِيَةُ هُوَ ابْنُ أَبِي مُزَرِّدٍ الْمَذْكُورُ فِي الَّذِي قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ.

قَوْلُهُ: (بِهَذَا) يَعْنِي الْحَدِيثَ الَّذِي قَبْلَهُ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقَيْنِ عَنْ حَاتِمِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بِلَفْظِ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهُ قَامَتِ الرَّحِمُ فَقَالَتْ: هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ وَلَمْ يَذْكُرِ الزِّيَادَةَ. وَزَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ قَالَتْ بَلَى يَا رَبِّ قَالَ: فَذَلِكَ لَكِ.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ) حَاصِلُهُ أَنَّ الَّذِي وَقَفَهُ سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، وَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ الْمَذْكُورَةِ.

قَوْلُهُ (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ) هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ

قَوْلُهُ (بِهَذَا) أَيْ بِهَذَا الْإِسْنَادِ وَالْمَتْنِ، وَوَافَقَ حَاتِمًا عَلَى رَفْعِ هَذَا الْكَلَامِ الْأَخِيرِ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ حِبَّانَ بْنِ مُوسَى، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ.

(تَنْبِيهٌ): اخْتُلِفَ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: ﴿إِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ فَالْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّهَا مِنَ الْوِلَايَةِ وَالْمَعْنَى إِنْ وُلِّيتُمُ الْحُكْمَ، وَقِيلَ بِمَعْنَى الْإِعْرَاضِ، وَالْمَعْنَى لَعَلَّكُمْ إِنْ أَعْرَضْتُمْ عَنْ قَبُولِ الْحق أَنْ يَقَعَ مِنْكُمْ مَا ذُكِرَ، وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ، وَيَشْهَدُ لَهُ مَا أَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ فِي تَهْذِيبِهِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ يَقُولُ: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ﴾ قَالَ: هُمْ هَذَا الْحَيُّ مِنْ قُرَيْشٍ، أَخَذَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ إِنْ وُلُّوا النَّاسَ أَنْ لَا يُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَلَا يُقَطِّعُوا أَرْحَامَهُمْ.

٤٨ - سُورَةُ الْفَتْحِ

وقَالَ مُجَاهِدٌ: بُورًا هَالِكِينَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ﴾ السَّحْنَةُ. وَقَالَ مَنْصُورٌ، عَنْ مُجَاهِدٍ: التَّوَاضُعُ. شَطْأَهُ: فِرَاخَهُ. فَاسْتَغْلَظَ: غَلُظَ. سُوقِهِ: السَّاقُ حَامِلَةُ الشَّجَرَةِ. وَيُقَالُ دَائِرَةُ السَّوْءِ كَقَوْلِكَ رَجُلُ السَّوْءِ. دَائِرَةُ السَّوْءِ: الْعَذَابُ. يُعَزِّرُوهُ: يَنْصُرُوهُ. شَطْأَهُ: شَطْءُ السُّنْبُلِ. تُنْبِتُ الْحَبَّةُ عَشْرًا أَوْ ثَمَانِيًا وَسَبْعًا فَيَقْوَى بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، فَذَاكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَآزَرَهُ: قَوَّاهُ، وَلَوْ كَانَتْ وَاحِدَةٌ لَمْ تَقُمْ عَلَى سَاقٍ، وَهُوَ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلنَّبِيِّ إِذَا خَرَجَ وَحْدَهُ، ثُمَّ قَوَّاهُ بِأَصْحَابِهِ كَمَا قَوَّى الْحَبَّةَ بِمَا يَنْبُتُ مِنْهَا.

قَوْلُهُ: (سُورَةُ الْفَتْحِ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) سَقَطَتِ الْبَسْمَلَةُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿بُورًا﴾ هَالِكِينَ) وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِهَذَا، وَسَقَطَ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: وَيُقَالُ بَارَ الطَّعَامُ أَيْ هَلَكَ، وَمِنْهُ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزِّبَعْرَى:

يَا رَسُولَ الْمَلِيكِ إِنَّ لِسَانِي … رَائقٌ مَا فَتَقْتُ إِذْ أَنَا بُورُ

أَيْ هَالِكٌ.

قَوْلُهُ: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ﴾: السَّحْنَةُ وَفِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِيِّ، وَالْكُشْمِيهَنِيِّ، وَالْقَابِسِيِّ السَّجْدَةُ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، فَقَدْ وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ الْحَاكِمِ، عَنْ مُجَاهِدٍ كَذَلِكَ، وَالسَّحْنَةُ بِالسِّينِ وَسُكُونِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَتَيْنِ وَقَيَّدَهُ ابْنُ السَّكَنِ، وَالْأَصِيلِيُّ بِفَتْحِهِمَا قَالَ عِيَاضٌ وَهُوَ الصَّوَابُ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ، وَهُوَ لِينُ الْبَشَرَةِ وَالنَّعْمَةُ، وَقِيلَ الْهَيْئَةُ،

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

عليه وأرحمه لطفًا وفضلًا (وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ) فلا أرحمه؟ (قَالَتْ: بَلَى يَا رَبِّ) أي: رضيتُ (قَالَ) تعالى: (فَذَاكِ) بكسر الكاف، إشارة إلى قوله: ألا ترضينَ … إلى آخره، زاد الإسماعيليُّ: «لَكِ». (قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) : (اقْرَؤُوْا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ﴾) أي: فهل يتوقَّعُ منكم (﴿إِن تَوَلَّيْتُمْ﴾) أحكام النَّاسِ وتأمَّرتُم (١) عليهم، أو أعرضتُم عن القرآنِ وفارقتُم أحكامهُ (﴿أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾) بالمعصيةِ والبغي وسفكِ الدِّماءِ (﴿وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد: ٢٢]).

وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «التَّوحيد» [خ¦٧٥٠٢] وفي «الأدب» [خ¦٥٩٨٧]، ومسلم في «الأدب»، والنَّسائيُّ في «التَّفسير».

٤٨٣١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ) بنِ محمدِ بنِ حمزةَ بنِ مصعب بنِ الزُّبير بنِ العوَّامِ، أبو إسحاق الأسديُّ الزُّبيريُّ المدنيُّ قال: (حَدَّثَنَا حَاتِمٌ) هو ابنُ إسماعيلَ الكوفيُّ، نزيل المدينة (عَنْ مُعَاوِيَةَ) بنِ أبي مُزرِّد، السَّابق قريبًا [خ¦٤٨٣٠] أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَمِّي (٢) أَبُو الحُبَابِ) بضم الحاء (٣) المهملة وبموحدتين بينهما ألف (سَعِيدُ بْنُ يَسَارٍ) بالسين المهملة، ضدُّ اليمين (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِهَذَا) الحديثِ السَّابق (ثُمَّ) قال أبو هُريرة (قَالَ رَسُولُ اللهِ : اقْرَؤُوْا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ﴾ [محمد: ٢٢]).

٤٨٣٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» بالإفراد (بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ) السَّخْتِيانيُّ المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بنُ المباركِ المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا) ولغير أبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي المُزَرِّدِ) باللام وكسر الراء (٤)، وفي «اليونينية»: بفتحها (بِهَذَا) الحديث إسنادًا ومتنًا (قَالَ رَسُولُ اللهِ : اقْرَؤُوْا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ﴾ [محمد: ٢٢]) ومراد المؤلِّف بإيراد هذه الطَّريق وسابقتها الإعلامُ بأنَّ الَّذي وقفه سليمانُ بنُ بلال على أبي هُريرة -حيث قال: قال أبو هُريرة: اقرؤوا إن شئتُم: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ﴾ - رفعَه حاتمُ بن إسماعيلَ وابنُ المباركِ، وكذا رفعه الإسماعيليُّ من طريق حبَّان بن موسى، عن ابنِ المباركِ أيضًا. قال الإمام النَّوويُّ : لا خلافَ أنَّ صلةَ الرَّحم واجبةٌ في الجُملةِ، وقطيعتُها معصيةٌ، والصِّلة درجاتٌ بعضُها أرفعُ من

بعضٍ، وأدنَاها صلتُها بالكلامِ ولو بالسَّلام، ويختلفُ ذلك باختلافِ القدرةِ والحاجةِ. انتهى. وفي حديث أبي بكرةَ مرفوعًا: «ما مِن ذنبٍ أَحرَى أن يعجِّلَ اللهُ عقوبتهُ في الدُّنيا مع ما يدَّخرُ لصاحبهِ في الآخرةِ مِن البغْيِ وقطيعةِ الرَّحم» رواه أحمدُ، وعنده من حديث ثوبان مرفوعًا: «من سرَّه النَّسأ في الأجلِ والزِّيادةِ في الرِّزق؛ فليصِلْ رحمَه».

(﴿آسِنٍ﴾ [محمد: ١٥]) أي: (مُتَغَيِّرٍ) وسبقَ هذا قريبًا [خ¦٦٥ - ٧٠٩٢].

(((٤٨))) (سورة الفَتْحِ) مدنيَّةٌ، نزلتْ مُنْصَرَف النَّبيِّ من الحديبية سنة ستٍّ من الهجرةِ، وآيُها تسع وعشرون.

(بسم الله الرحمن الرحيم) سقطتِ البسملَةُ لغير أبي ذرٍّ. (قَالَ (١) مُجَاهِدٌ) فيما وصلهُ الطَّبريُّ من طريق ابنِ أبي نَجيحٍ عنه: (﴿بُورًا﴾) في قولهِ تعالى: ﴿وَظَنَنتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾ [الفتح: ١٢] (٢) أي: (هَالِكِينَ) والبورُ: الهلاكُ، وهو يحتملُ أن يكون هنا مصدرًا أخبرَ به عن الجمعِ، كقوله:

يَا رَسُولَ الإِلَهِ إِنَّ لِسَانِي … رَاتِقٌ مَا فَتَقْتُ إِذْ أَنَا بُورُ

ولذلك يستوي فيه المفردُ والمذكَّر وضدهما، ويحتملُ أن يكون جمع: بائرٍ؛ كحائلٍ وحُول، في المعتلِّ، وبازلٍ وبُزل في الصَّحيح، وسقطَ هذا لغير أبي ذرٍّ.

(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصلهُ ابنُ أبي حاتمٍ في قولهِ تعالى: (﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم﴾ [الفتح: ٢٩]) هي (السَّحْنَةُ) بفتح السين المهملة في «اليونينية»، وهي (١) في الفرع كذلك (٢) مصلَّحة وتحت السِّين كشطٌ، وبذلك ضبطه ابنُ السَّكن والأَصيليُّ. وقال القاضِي عياضٌ: إنَّه الصَّوابُ عند أهل اللُّغة، وفي كثيرٍ من الأصولِ بكسرها والحاء المهملة ساكنة، وجزمَ ابنُ قتيبةَ بفتحها وأنكر السكون، وقد أثبتَه الكِسائيُّ والفرَّاء، وهي لينُ البشرةِ والنَّعمة، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي والكُشمِيهنيِّ: «السَّجدة» وكذا في رواية القابسيِّ، أي: أثر السَّجدة في الوجهِ، لكن (٣) في التئامِ هذا مع قوله: ﴿مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: ٢٩] قلقٌ لا يخفى، وعن ابنِ عبَّاس في رواية عطيَّة العوفيِّ عنه: نورٌ وبياضٌ في وجوههم يوم القيامةِ. وعن عطاء بنِ أبي رباح: استنارة وجوههم من كثرةِ صلاتهم، أي: ما يظهرهُ الله تعالى في وجوهِ السَّاجدينَ نهارًا إذا قاموا باللَّيل متهجِّدينِ، فمن توجَّه إلى الله بكلِّيته لا بدَّ أن يظهرَ في وجههِ نورٌ تبهر منه الأنوارُ. وعن شهرِ بنِ حوشبٍ: تكون مواضع السُّجود من وجوههم كالقمرِ ليلةَ البدر. وعن الضَّحَّاكِ: صفرة الوجهِ. وروى السُّلَمِيُّ عن عبد العزيزِ المكيِّ: ليس هو الصُّفرةُ، ولكنَّه نورٌ يظهرُ على وجوهِ العابدينَ يبدو من باطنِهم على ظاهرهِم، يتبيَّن ذلك للمؤمنين ولو كان ذلك في زنجيٍّ أو حبشيٍّ. قال ابنُ عطاء: ترى عليهم خلَعَ الأنوارِ لائحة، وقال الحسن: إذا رأيتَهم حسبتَهم مرضَى وما هم بمرضَى.

(وَقَالَ مَنْصُورٌ) هو: ابنُ المعتمر، فيما وصلهُ عليُّ بنُ المدينيِّ، عن جرير، عنه: (عَنْ مُجَاهِدٍ): هو (التَّوَاضُعُ) وزاد في روايةِ زائدة عن منصورٍ -عند عبد بنِ حُمَيد-: قلت: ما كنتُ أراهُ إلَّا هذا الأثر الَّذي في الوجهِ، فقال: ربَّما كان بين عينِي من هو أقسَى قلبًا من فرعونَ. وقال بعضُهم: إنَّ للحسنةِ نورًا في القلبِ، وضياءً في الوجهِ، وسعةً في الرِّزقِ، ومحبَّةً في قلوبِ النَّاس،

فما كَمن في النَّفس ظهرَ على صفحاتِ الوجهِ. وفي حديث جندبِ بن (١) سفيانَ البجليِّ عند الطَّبرانيِّ مرفوعًا: «ما أسرَّ (٢) أحدٌ سريرةً إلَّا ألبسهُ الله رداءهَا، إنْ خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر».

(﴿شَطْأَهُ﴾) في قولهِ: ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾ [الفتح: ٢٩] أي: (فِرَاخَهُ) يقال: أشطأ الزَّرع إذا فرَّخ، وهل يختصُّ ذلك بالحنطةِ فقط، أو بها وبالشَّعيرِ فقط، أو لا يختصُّ؟ خلافٌ مشهورٌ، قال:

أَخْرجَ الشَّطْءَ عَلَى وَجْهِ الثَّرَى … ومِنَ الأَشْجَارِ أَفْنَانُ الثَّمَر

(﴿فَاسْتَغْلَظَ﴾) أي: (غَلُظَ) بضم اللام ذلك الزَّرع بعد الرِّقَّة (٣) ولأبي ذرٍّ: «تغلَّظ» أي: قويَ.

(﴿سُوقِهِ﴾) من قوله تعالى: ﴿فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ﴾ [الفتح: ٢٩] (السَّاقُ: حَامِلَةُ الشَّجَرَةِ) والجار متعلِّق بـ ﴿اسْتَوَى﴾ ويجوز أن يكونَ حالًا، أي: كائنًا على سوقه، أي: قائمًا عليها.

(وَيُقَالُ: ﴿دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ [الفتح: ٦] كَقَوْلِكَ: رَجُلُ السَّوْءِ) أي: الفاسدُ، كما يقالُ: رجلُ صدقٍ، أي: صالحٍ، وهذا قولُ الخليل والزَّجاج، واختاره الزَّمخشريُّ، وتحقيقه: أنَّ السَّوء في المعاني كالفسادِ في الأجسادِ، يقال: ساءَ مزاجُه، ساءَ خلقُه، ساء ظنُّه، كما يقال: فسدَ اللَّحمُ، وفسدَ الهواءُ، بل كلُّ ما ساءَ فقد فسدَ، وكلُّ ما فسدَ فقد ساءَ، غير أنَّ أحدهما كثيرٌ في الاستعمالِ في المعاني، والآخر في الأجرامِ، قال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الروم: ٤١] وقال: ﴿سَاء مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: ٩] وسقطَ لأبي ذرٍّ لفظ «يقال» فقط.

(وَ ﴿دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ العَذَابُ) يعني: حاقَ بهم العذابُ بحيثُ لا يخرجونَ منه، وضمَّ السين أبو عمرو وابنُ كثيرٍ، فمعنى (٤) المفتوح: الفسادُ والرَّداءَةُ، والضم: الهزيمةُ والبلاءُ، أو المضمومُ: العذابُ والضَّررُ، والمفتوح: الذَّمُّ.

(﴿وَتُعَزِّرُوهُ﴾ [الفتح: ٩]) أي: (ينْصُرُوهُ) قرأ ابنُ كثير وأبو عَمرو بالغيبة في: ﴿لِتُؤْمِنُوا﴾

﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ﴾ رجوعًا إلى ﴿الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الفتح: ٥] والباقون بالخطاب إسنادًا إلى المخاطبين، والظَّاهر أنَّ الضَّمائر عائدةٌ إلى الله، وتفريقُها بجعلِ بعضها للرَّسول قولٌ للضَّحَّاك.

(﴿شَطْأَهُ﴾): هو (شَطْءُ (١) السُّنْبُلِ) ولأبي ذرٍّ: «شَطْأ» بالألف بدل الواو صورة الهمزة (تُنْبِتُ) بضم أوَّله وكسر ثالثهِ من الإنباتِ (الحَبَّةُ) الواحدةُ (عَشْرًا) من السَّنابلِ (أَوْ ثَمَانِيًا) ولأبي ذرٍّ: «وثمانيًا» بإسقاط الألفِ (وَسَبْعًا) قال تعالى: ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ﴾ [البقرة: ٢٦١] (فَيَقْوَى بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، فَذَاكَ (٢) قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَآزَرَهُ﴾) أي: (قَوَّاهُ) وأعانهُ (وَلَوْ كَانَتْ وَاحِدَةً؛ لَمْ تَقُمْ عَلَى سَاقٍ، وَهُوَ) أي: ما ذكر (مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللهُ لِلنَّبِيِّ ، إِذْ خَرَجَ) على كفَّار مكَّة (وَحْدَهُ) يدعوهُم إلى الله، أو لمَّا خرجَ من بيتهِ وحدَه حين اجتمعَ الكفَّارُ على أذاه (ثُمَّ قَوَّاهُ) ﷿ (بِأَصْحَابِهِ) المهاجرينَ والأنصار (كَمَا قَوَّى الحَبَّةَ بِمَا يَنْبُتُ) بفتح أوَّله وضمِّ ثالثه، وبضم ثمَّ كسر (مِنْهَا) وقال غيره: هو مثل ضربهُ الله لأصحاب محمَّد في الإنجيلِ: أنَّهم يكونون قليلًا ثمَّ يزدادونَ ويكثرونَ. وقال قتادةُ: مثل أصحابِ محمَّد في الإنجيلِ مكتوبٌ له: (٣) سيخرجُ قومٌ ينبتونُ نباتَ الزَّرعِ، يأمرونَ بالمعروفِ وينهونَ عن المنكرِ.

(١) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، أي: (٤) في قولهِ تعالى: (﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ [الفتح: ١]) الأكثرون (٥) على أنَّه صلحُ الحديبيةِ، وقيل: فتحُ مكَّة، والتَّعبيرُ عنه (٦) بالماضِي لتحقُّقهِ. قال في «الكشاف»: وفي ذلك من الفخامةِ والدَّلالة على علوِّ شأن المخبرِ ما لا يخفى. انتهى. قال الطِّيبيُّ: لأنَّ هذا الأسلوبَ إنَّما يرتكبُ في أمرٍ يعظمُ (٧) منالهُ، ويعزُّ الوصول إليه، ولا يقدرُ على نيلهِ إلَّا من له قهرٌ وسلطانٌ،

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.6 / 29.5
الإضاءة 8%
البدر بعد 12 يوم
سبحان الله وبحمده