الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٨٤٧
الحديث رقم ٤٨٤٧ من كتاب «سورة الحجرات» في صحيح البخاري، تحت باب: باب إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
⦗١٣٨⦘
فِي ذَلِكَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ حَتَّى انْقَضَتِ الْآيَةُ.»
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾
سُورَةُ ق
﴿رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ رَدٌّ، ﴿فُرُوجٍ﴾ فُتُوقٍ، وَاحِدُهَا فَرْجٌ، وَرِيدٌ فِي حَلْقِهِ، الْحَبْلُ حَبْلُ الْعَاتِقِ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿مَا تَنْقُصُ الأَرْضُ﴾ مِنْ عِظَامِهِمْ، ﴿تَبْصِرَةً﴾ بَصِيرَةً حَبَّ الْحَصِيدِ الْحِنْطَةُ ﴿بَاسِقَاتٍ﴾ الطِّوَالُ، ﴿أَفَعَيِينَا﴾ أَفَأَعْيَا عَلَيْنَا ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ﴾ الشَّيْطَانُ الَّذِي قُيِّضَ لَهُ، ﴿فَنَقَّبُوا﴾ ضَرَبُوا، ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ﴾ لَا يُحَدِّثُ نَفْسَهُ بِغَيْرِهِ، حِينَ أَنْشَأَكُمْ وَأَنْشَأَ خَلْقَكُمْ ﴿رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ رَصَدٌ ﴿سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ الْمَلَكَانِ كَاتِبٌ وَشَهِيدٌ، ﴿شَهِيدٌ﴾ شَاهِدٌ بِالْقَلْبِ، ﴿لُغُوبٍ﴾ النَّصَبُ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿نَضِيدٌ﴾ الْكُفُرَّى مَا دَامَ فِي أَكْمَامِهِ، وَمَعْنَاهُ مَنْضُودٌ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ، فَإِذَا خَرَجَ مِنْ أَكْمَامِهِ فَلَيْسَ بِنَضِيدٍ، فِي أَدْبَارِ النُّجُومِ وَأَدْبَارِ السُّجُودِ كَانَ عَاصِمٌ يَفْتَحُ الَّتِي فِي ق وَيَكْسِرُ الَّتِي فِي الطُّورِ، وَيُكْسَرَانِ جَمِيعًا وَيُنْصَبَانِ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿يَوْمَ الْخُرُوجِ﴾ يَخْرُجُونَ مِنَ الْقُبُورِ.
﴿وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾
٤٨٤٧ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ : أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ الزُّبَيْرِ أَخْبَرَهُمْ: أَنَّهُ
تنازع الخَيَّران أبو بكر وعمر أمام النبي صلى الله عليه وسلم وارتفعت أصواتهما، وكان ذلك عندما قدم على النبي صلى الله عليه وسلم رَكْبُ بني تميم، فأشار أحد الخيرين وهو عمر رضي الله تعالى عنه، بتأمير الأقرع بن حابس أحد بني مجاشع، بينما أشار أبو بكر بغير الأقرع، وهو القعقاع بن معبد بن زرارة التميمي، من بطنٍ آخر من تميم، وكانا يطلبان الإمارة، فقال أبو بكر لعمر: ما أردت إلا أن تخالفني، وقال عمر: ما أردت أن أخالفك، فلما تنازع أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما، في ذلك وارتفعت أصواتهما عند النبي نزلت {يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم} الآية، قال عبد الله بن الزبير: فلم يُسمِع عمر النبي صلى الله عليه وسلم حديثه بعد نزول هذه الآية حتى يستفهم النبي منه أي يطلب الفهم، ولم يذكر ذلك عن أبيه يعني أبا بكر، أي أن عبد الله بن الزبير لم يذكر أن أبا بكر أيضًا كان لا يسمع النبي عليه الصلاة والسلام حتى يستفهم منه، ولم يكن أبو بكر أبا مباشرًا لعبد الله بن الزبير، وإنما كان جده للأم، وأَطلق عليه الأبوة، وفُهِم منه أن الجد للأم يسمى أبا.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الصِّدِّيقُ. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ قَالَ: وَمَا ذَكَرَ ابْنُ الزُّبَيْرِ جَدَّهُ وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الطَّبَرِيِّ مِنْ طَرِيقِ مُؤَمِّلِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ نَافِعِ بْنِ عُمَرَ فَقَالَ فِي آخِرِهِ وَمَا ذَكَرَ ابْنُ الزُّبَيْرِ جَدَّهُ يَعْنِي أَبَا بَكْرٍ، وَفِيهِ تَعَقُّبٌ عَلَى مَنْ عَدَّ فِي الْخَصَائِصِ النَّبَوِيَّةِ أَنَّ أَوْلَادَ بِنْتِهِ يُنْسَبُونَ إِلَيْهِ لِقَوْلِهِ إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ وَقَدْ أَنْكَرَهُ الْقَفَّالُ عَلَى ابْنِ الْقَاصِّ وَعَدَّهُ الْقُضَاعِيُّ فِيمَا اخْتَصَّ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ، وَفِيهِ نَظَرٌ فَقَدِ احْتَجَّ يَحْيَى بْنُ يَعْمُرَ بِأَنَّ عِيسَى نُسِبَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَهُوَ ابْنُ بِنْتِهِ، وَهُوَ اسْتِدْلَالٌ صَحِيحٌ، وَإِطْلَاقُ الْأَبِ عَلَى الْجَدِّ مَشْهُورٌ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمَنَاقِبِ.
قَوْلُهُ: (افْتَقَدَ ثَابِتَ بْنَ قَيْسٍ) تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي أَوَاخِرِ عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ) هُوَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، بَيَّنَهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ فِي رِوَايَتِهِ لِهَذَا الْحَدِيثِ عَنْ أَنَسٍ، وَقِيلَ: هُوَ عَاصِمُ بْنُ عَدِيٍّ، وَقِيلَ: أَبُو مَسْعُودٍ، وَالْأَوَّلُ الْمُعْتَمَدُ.
قَوْلُهُ: (أَنَا أَعْلَمُ لَكَ عِلْمُهُ) أَيْ: أَعْلَمُ لِأَجْلِكَ عِلْمًا مُتَعَلِّقًا بِهِ.
قَوْلُهُ (فَقَالَ: مُوسَى) هُوَ ابْنُ أَنَسٍ رَاوِي الْحَدِيثِ عَنْ أَنَسٍ.
٢ - بَاب ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾
٤٨٤٧ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ أَخْبَرَهُمْ: أَنَّهُ قَدِمَ رَكْبٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَمِّرْ الْقَعْقَاعَ بْنَ مَعْبَدٍ، وَقَالَ عُمَرُ: بَلْ أَمِّرْ الْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَا أَرَدْتَ إِلَى - أَوْ إِلَّا - خِلَافِي، فَقَالَ عُمَرُ: مَا أَرَدْتُ خِلَافَكَ، فَتَمَارَيَا حَتَّى ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا، فَنَزَلَ فِي ذَلِكَ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ .. حَتَّى انْقَضَتْ الْآيَةُ.
قَوْلُهُ: بَابُ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾. ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي الَّذِي قَبْلَهُ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ قَالَ: هُمْ أَعْرَابُ بَنِي تَمِيمٍ. وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ حَمْدِي زَيْنٌ وَإِنَّ ذَمِّي شَيْنٌ، فَقَالَ: ذَاكَ اللَّهُ ﵎.
وَرُوِي مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ مِثْلُهُ مُرْسَلًا. وَزَادَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾ .. الْآيَةَ. وَمِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ نَحْوَهُ.
قَوْلُهُ: (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ) كَذَا قَالَ حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ تَقَدَّمَ فِي التَّفْسِيرِ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ يُوسُفَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ بِالْعَنْعَنَةِ، وَتَابَعَهُ هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ ثَوْرٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، فَزَادَ فِيهِ رَجُلًا قَالَ: أَخْبَرَنِي رَجُلٌ أَنَّ ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ أَخْبَرَهُ، فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ حَمَلَهُ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ بِوَاسِطَةٍ، ثُمَّ لَقِيَهُ فَسَمِعَهُ مِنْهُ.
وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ، وَقَدْ سَاقَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ قِصَّةَ وَفْدِ بَنِي تَمِيمٍ فِي ذَلِكَ مُطَوَّلَةً بِانْقِطَاعٍ، وَأَخْرَجَهَا ابْنُ مَنْدَهْ فِي تَرْجَمَةِ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ فِي الْمَعْرِفَةِ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى مَوْصُولَةٍ.
٥٠ - سُورَةُ ق
﴿رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ رَدٌّ. ﴿فُرُوجٍ﴾ فُتُوقٍ. وَاحِدُهَا فَرْجٌ. ﴿مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ وَرِيدَاهُ فِي حَلْقِهِ. وَالْحَبْلُ: حَبْلُ الْعَاتِقِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿مَا تَنْقُصُ الأَرْضُ﴾ مِنْ عِظَامِهِمْ. ﴿تَبْصِرَةً﴾ بَصِيرَةً. ﴿وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ الْحِنْطَةُ. ﴿بَاسِقَاتٍ﴾ الطِّوَالُ. ﴿أَفَعَيِينَا﴾ أَفَأَعْيَا عَلَيْنَا. ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ﴾ الشَّيْطَانُ الَّذِي قُيِّضَ لَهُ. ﴿فَنَقَّبُوا﴾ ضَرَبُوا. ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ﴾ لَا يُحَدِّثُ نَفْسَهُ بِغَيْرِهِ. حِينَ أَنْشَأَكُمْ وَأَنْشَأَ خَلْقَكُمْ. ﴿رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ رَصَدٌ. ﴿سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ الْمَلَكَانِ. كَاتِبٌ وَشَهِيدٌ: ﴿وَشَهِيدٌ﴾ شَاهِدٌ بِالْغَيْبِ. ﴿لُغُوبٍ﴾ النَّصَبُ. وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿نَضِيدٌ﴾ الْكُفُرَّى مَا دَامَ فِي أَكْمَامِهِ. وَمَعْنَاهُ: مَنْضُودٌ، بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ، فَإِذَا خَرَجَ مِنْ أَكْمَامِهِ فَلَيْسَ بِنَضِيدٍ. في أدْبَارِ النُّجُومِ، وَأَدْبَارِ السُّجُودِ: كَانَ عَاصِمٌ يَفْتَحُ الَّتِي فِي ق، وَيَكْسِرُ الَّتِي فِي الطُّورِ، وَيُكْسَرَانِ جَمِيعًا وَيُنْصَبَانِ. وَق الَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَوْمَ الْخُرُوجِ: يَوْمَ يَخْرُجُونَ إِلَى الْبَعْثِ مِنْ الْقُبُورِ.
قَوْلُهُ: (سُورَةُ ق. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) سَقَطَتِ الْبَسْمَلَةُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ، وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ: ق اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ الْقُرْآنِ. وَعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: جَبَلٌ مُحِيطٌ بِالْأَرْضِ، وَقِيلَ: هِيَ الْقَافُ مِنْ قَوْلِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ، دَلَّتْ عَلَى بَقِيَّةِ الْكَلِمَةِ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
قُلْتُ لَهَا قِفِي لَنَا قَالَتْ قَافُ
قَوْلُهُ: ﴿رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ رَدٌّ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ بِلَفْظِهِ، وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَنْكَرُوا الْبَعْثَ فَقَالُوا: مَنْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُرْجِعَنَا وَيُحْيِينَا.
قَوْلُهُ: ﴿فُرُوجٍ﴾ فُتُوقٌ وَاحِدُهَا فَرْجٌ) أَيْ بِسُكُونِ الرَّاءِ، هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ بِلَفْظِهِ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ قَالَ: الْفَرْجُ الشَّقُّ.
قَوْلُهُ: ﴿مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ وَرِيدَاهُ فِي حَلْقِهِ، وَالْحَبْلُ حَبْلُ الْعَاتِقِ) سَقَطَ هَذَا لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ بِلَفْظِهِ. وَزَادَ: فَأَضَافَهُ إِلَى الْوَرِيدِ كَمَا يُضَافُ الْحَبْلُ إِلَى الْعَاتِقِ. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ قَالَ: مِنْ عِرْقِ الْعُنُقِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ: مُجَاهِدٌ: ﴿مَا تَنْقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ﴾ مِنْ عِظَامِهِمْ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ، عَنْ وَرْقَاءَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ بِهَذَا، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَا تَأْكُلُ الْأَرْضُ: مِنْ لُحُومِهِمْ وَعِظَامِهِمْ وَأَشْعَارِهِمْ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: يَعْنِي الْمَوْتَى تَأْكُلُهُمُ الْأَرْضُ إِذَا مَاتُوا. وَعَنْ جَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَوْفٍ، عَنِ الْحَسَنِ: أَيْ مِنْ أَبْدَانِهِمْ.
(تَنْبِيهٌ): زَعَمَ ابْنُ التِّينِ أَنَّهُ وَقَعَ فِي الْبُخَارِيِّ بِلَفْظِ مِنْ أَعْظَامِهِمْ ثُمَّ اسْتَشْكَلَهُ وَقَالَ: الصَّوَابُ مِنْ عِظَامِهِمْ. وَفَعْلٌ بِفَتْحِ الْفَاءِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ لَا يُجْمَعُ عَلَى أَفْعَالٍ إِلَّا نَادِرًا.
قَوْلُهُ: ﴿تَبْصِرَةً﴾ بَصِيرَةً) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ، عَنْ مُجَاهِدٍ هَكَذَا، وَقَالَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ ﴿تَبْصِرَةً﴾، قَالَ: نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ ﷿.
قَوْلُهُ: ﴿وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ الْحِنْطَةَ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ أَيْضًا عَنْهُ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: هُوَ الْبُرُّ وَالشَّعِيرُ.
قَوْلُهُ: ﴿بَاسِقَاتٍ﴾ الطِّوَالُ) وَصَلَهُ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
النَّارِ) لأنَّه كان يجهرُ بالقولِ بين يدي الرَّسول، وكان القياسُ: عملِي وأنَا (فَأَتَى الرَّجُلُ النَّبيَّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَالَ: كَذَا وَكَذَا) للَّذي قالهُ ثابت (فَقَالَ مُوسَى) بنُ أنسٍ، بالإسناد السَّابق إلى ثابت (١): (فَرَجَعَ) الرَّجلُ المذكور (إِلَيْهِ) أي: إلى ثابتٍ (المَرَّةَ الآخِرَةَ) بمدِّ الهمزة (بِبِشَارَةٍ عَظِيمَةٍ) من الرَّسول (فَقَالَ) ﵊ للرَّجل: (اذْهَبْ إِلَيْهِ) أي (٢): إلى ثابتٍ (فَقُلْ لَهُ: إِنَّكَ لَسْتَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَلَكِنَّكَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ) زاد في رواية أحمد: قال: فكنَّا (٣) نراهُ يمشِي بين أظهرنَا، ونحن نعلمُ أنَّه من أهل الجنَّةِ، فلمَّا كان يوم اليمامةِ كان فينا بعضُ الانكشافِ، فجاء ثابتٌ قد تحنَّطَ ولبس كفنهُ، وقاتلهم حتَّى قُتل، وهذا لا ينافِي ما روي في العشرة المبشَّرينَ بالجنَّةِ، لأنَّ مفهومَ العددِ لا اعتبارَ له فلا ينفِي الزَّائد.
وهذا الحديث ذكره أواخر «علامات النبوَّة» [خ¦٣٦١٣] وتفرَّد به من هذا الوجه.
(٢) هذا (بابٌ) بالتَّنوين قوله تعالى (٤): (﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاء الْحُجُرَاتِ﴾) من خارجِها خَلفَها أو قدامها، والمراد: حجراتِ نسائهِ ﵊، ومناداتِهم من ورائِها إمَّا بأنَّهم أتوهَا حجرةً حجرةً فنادوهُ من ورائها، أو بأنَّهم تفرَّقوا على الحجراتِ متطلبينَ له، فأسندَ فعل الأبعاضِ إلى الكلِّ (﴿أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [الحجرات: ٤]) إذ (٥) العقلُ يقتضِي حسنَ الأدب.
٤٨٤٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ) أبو عليٍّ الزَّعفرانيُّ البغداديُّ، واسم جدِّه الصَّبَّاح
قال: (حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ) هو: ابنُ محمَّد المصِّيْصِيُّ الأعورُ، ترمذيُّ الأصل، سكن بغدادَ، ثمَّ المصِّيْصَة (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبد الملكِ بنِ عبد العزيزِ، أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ) عبد الله: (أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام (أَخْبَرَهُمْ: أَنَّهُ قَدِمَ رَكْبٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ عَلَى النَّبيِّ ﷺ) فسألوهُ أن يؤمِّر عليهم أحدًا (فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ) له ﵊: (أَمِّرِ) عليهم (القَعْقَاعَ بْنَ مَعْبَدٍ) بفتح الميم والموحدة (وَقَالَ (١) عُمَرُ: أَمِّرِ) عليهم، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي والكُشمِيهنيِّ: «بل أمِّر» (الأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ) أخا (٢) بني مُجاشعٍ (فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ) لعمر ﵄: (مَا أَرَدْتَ) بذلك (إِلَى) بلفظ الجارة (-أَوْ) قال: (إِلَّا- خِلَافِي) بكسر الهمزة وتشديد اللام، أي: إنَّما تريدُ مخالفتِي (فَقَالَ عُمَرُ: مَا أَرَدْتُ خِلَافَكَ، فَتَمَارَيَا) فتجادَلا وتخاصَمَا (حَتَّى ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا) في ذلك (فَنَزَلَ فِي ذَلِكَ: ﴿يَا أَيُّهَا الذين آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١] حَتَّى انْقَضَتِ الآيَةُ) وروى الطَّبريُّ من طريق أبي إسحاق عن البراءِ قال: جاءَ رجلٌ إلى النَّبيِّ ﷺ فقال: يا محمَّد، إنَّ حمدِي زَيْنٌ، وإنَّ (٣) ذمِّي شَيْنٌ، فقال: «ذاك الله ﵎». وروي من طريق معمرٍ، عن قتادةَ مثله مرسلًا، وزاد: فأنزلَ الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاء الْحُجُرَاتِ﴾ الاية [الحجرات: ٤].
(٣) (باب قَوْلِهِ) تعالى: (﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ﴾) قال في «الكشاف»: ﴿أَنَّهُمْ صَبَرُوا﴾ في موضعِ الرَّفع على الفاعليَّةِ؛ لأنَّ المعنى: ولو ثبتَ صبرُهم. قال أبو حيَّان: هذا ليس (٤) مذهب سيبويه، بل مذهبُ سيبويه أنَّ «أن» وما بعدها بعد «لو» في موضعِ مبتدَأ، لا في موضعِ (٥) فاعل (٦)، ومذهب المبرِّد أنَّها في موضع فاعلٍ بفعل محذوفٍ كما (٧) زعم الزَّمخشريُّ، ومذهب
سيبويه أنَّها في محلِّ رفع بالابتداءِ (١)، وحينئذٍ يكونُ اسم «كان» ضميرًا عائدًا على صبرِهم المفهوم من الفعلِ (﴿لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ﴾ [الحجرات: ٥]) لكان الصَّبر خيرًا لهم من الاستعجالِ؛ لما فيه من حفظِ الأدبِ وتعظيمِ الرَّسولِ الموجبين للثَّناءِ والثَّوابِ، ولم يذكرِ المؤلِّف حديثًا هنا (٢)، ولعلَّه بيَّض له فلم يظفَرْ بشيءٍ على شرطهِ.
(((٥٠))) (سورة ق) مكِّيَّة، وهي خمسٌ وأربعون آية، وزاد أبو ذرٍّ: «بسم الله الرحمن الرحيم».
(﴿رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ [ق: ٣]) أي: (رَدٌّ) إلى الحيَاة الدُّنيا ﴿بَعِيدٌ﴾ أي: غير كائنٍ، أي: يبعدُ أن نُبعثَ (٣) بعد الموتِ.
(﴿فُرُوجٍ﴾ [ق: ٦]) أي: (فُتُوقٍ) بأن خلقَها مَلساءَ متلاصقَةَ الطِّباقِ (وَاحِدُهَا فَرْجٌ) بسكون الراء. (﴿مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦]) قال مجاهدٌ فيما رواه الفِرْيابيُّ: (وَرِيْدَاهُ فِي حَلْقِهِ) والوَريدُ: عرقُ العُنقِ، ولغير أبي ذرٍّ: «وريدٌ في حلقهِ» (الحَبْلُ: حَبْلُ العَاتِقِ) وزاد أبو ذرٍّ: «واوًا» قبل
قوله: الحبلُ، وقوله: ﴿مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ هو كقولهم: مسجد الجامعِ، أي: حبل العرقِ الوريدِ، أو لأنَّ الحبلَ أعمُّ فأضيفَ للبيانِ، نحو: بعيرُ سانيَةٍ، أو يرادُ (١) حبلُ العاتقِ، فأضيفَ إلى الوريدِ، كما يضافُ إلى العاتقِ؛ لأنَّهما في عُضوٍ واحدٍ.
(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصلهُ (٢) الفِرْيابيُّ في قولهِ تعالى: (﴿مَا تَنقُصُ الْأَرْضُ﴾ [ق: ٤]) أي: ما تأكُلُ (مِنْ عِظَامِهِمْ) لا يعزُب عن علمهِ شيء تعالى.
(﴿تَبْصِرَةً﴾ [ق: ٨]) أي: (بَصِيرَةً) قاله مجاهدٌ فيما وصلهُ الفِرْيابيُّ، والنَّصب على المفعولِ من أجلهِ، أي: تبصِير أمثالهِم، أو بفعلٍ من لفظهِ، أي: بصِّرْهم تبصرةً، أي: خلقَ السَّماءَ تبصرةً.
(﴿وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ [ق: ٩]) هو (الحِنْطَةُ) وصلهُ الفِريابيُّ أيضًا، أو سائر الحبوبِ الَّتي تحصدُ، وهو من باب حذف الموصوفِ للعلمِ به، أي: وحبَّ الزَّرعِ الحصيدِ، نحو: مسجد الجامعِ، أو من باب إضافةِ الموصوفِ إلى صفتهِ؛ لأنَّ الأصلَ: والحبَّ الحصيدَ، أي: المحصود.
(﴿بَاسِقَاتٍ﴾ [ق: ١٠]) هي (الطِّوَالُ) والبُسُوقُ: الطُّولُ، يقال: بسقَ فلانٌ على أصحابهِ، أي: طالَ عليهم في الفَضلِ.
(﴿أَفَعَيِينَا﴾ [ق: ١٥]) أي: (أَفَأَعْيَا عَلَيْنَا) أفعجزنَا عن الإبداءِ حتَّى نعجزَ عن الإعادةِ؟ ويقالُ لكلِّ من عجزَ عن شيءٍ: عييَ به، وهذا (٣) تقريعٌ لهم؛ لأنَّهم اعترفُوا بالخلقِ الأوَّلِ وأنكرُوا البعثَ.
(﴿وَقَالَ قَرِينُهُ﴾ [ق: ٢٣]) هو (الشَّيْطَانُ الَّذِي قُيِّضَ لَهُ) بضم القاف وكسر التحتية المشددة آخره ضاد معجمة: قُدِّر، وقيل: القرينُ الملكُ الموكَّلُ به.
(﴿فَنَقَّبُوا﴾ [ق: ٣٦]) أي: (ضَرَبُوا) بمعنى طافُوا في البلادِ حذرَ الموتِ، والضَّمير للقرونِ السَّابقةِ أو لقريشٍ.
(﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ﴾ [ق: ٣٧]) أي: (لَا يُحَدِّثُ نَفْسَهُ بِغَيْرِهِ) لإصغائهِ لاستماعهِ (١).
(حِينَ أَنْشَأَكُمْ وَأَنْشَأَ خَلْقَكُمْ) وهذه بقيَّةُ تفسير قوله: ﴿أَفَعَيِينَا﴾ وتأخيره لعلَّه من بعض النُّساخ، وسقطَ من قوله: «﴿أَفَعَيِينَا﴾ … » إلى هنا لأبي ذرٍّ (٢).
(﴿رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨]) قال مجاهد فيما وصلهُ الفِريابيُّ: (رَصَدٌ) يرصُدُ وينظرُ، وقال ابن عبَّاس -فيما وصلهُ الطَّبريُّ-: يكتبُ كلُّ ما تكلَّم به من خيرٍ وشرٍّ. وعن مجاهدٍ: حتَّى أنينهُ في مرضهِ. وقال الضَّحَّاك: مجلسهُما تحت الشَّعرِ على الحنكِ.
(﴿سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ [ق: ٢١] المَلَكَانِ) ولأبي ذرٍّ: «المَلكَين» بالنَّصب بنحو يعني، أحدُهما (كَاتِبٌ وَ) الآخرُ (شَهِيدٌ) وقيل: السَّائقُ هو الَّذي يسوقهُ إلى الموقفِ، والشَّهيدُ هو الكاتبُ، والسَّائقُ لازمٌ للبرِّ والفاجرِ، أما البرُّ فيساقُ إلى الجنَّةِ، وأما الفاجرُ فيساقُ إلى (٣) النَّارِ.
(﴿شَهِيدٌ﴾) في قولهِ تعالى: ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧] قال مجاهدٌ فيما وصلهُ الفِريابيُّ: (شَاهِدٌ بِالقَلْبِ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «بالغيبِ».
(﴿لُّغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨]) ولأبي ذرٍّ: «﴿مِن لُّغُوبٍ﴾» هو (النَّصَبُ) ولأبي ذرٍّ: «نَصَبٍ» بالجر، أي: من نصبٍ، وهذا وصلهُ الفِريابيُّ، وهو ردٌّ لما زعمَت اليهودُ من أنَّه (٤) تعالى بدأَ خلقَ العالم يوم الأحدِ، وفرغَ منه يوم (٥) الجمعةِ، واستراحَ يوم السَّبت، فأكذَبهم الله بقولهِ: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِن
لُّغُوبٍ﴾ رواه عبدُ الرَّزَّاق، عن مَعْمر، عن قتادةَ.
(وَقَالَ غَيْرُهُ) أي: غير مُجاهد (١): (﴿نَّضِيدٌ﴾) في قولهِ تعالى: ﴿لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ﴾ [ق: ١٠] (الكُفُرَّى) بضم الكاف والفاء وتشديد الراء مقصورًا: الطَّلعُ (مَا دَامَ فِي أَكْمَامِهِ) جمع: كِم؛ بالكسر (وَمَعْنَاهُ: مَنْضُودٌ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ، فَإِذَا خَرَجَ مِنْ أَكْمَامِهِ فَلَيْسَ بِنَضِيدٍ) وهذا (٢) عجيبٌ، فإنَّ الأشجارَ الطِّوالَ ثمارُها بارزةٌ بعضها على بعضٍ، لكلِّ واحدةٍ منها أصلٌ يخرجُ منه كالجوزِ واللَّوزِ، والطَّلعُ كالسُّنبلةِ الواحدةِ تكون على أصلٍ واحدٍ.
(فِي (٣) ﴿وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾) بالطُّورِ [الآية: ٤٩] (٤) (وَ ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾) [ق: ٤٠] هنا (كَانَ عَاصِمٌ يَفْتَحُ) هذه (الَّتِي فِي ﴿ق﴾) كابنِ (٥) عامرٍ والكِسائيِّ وأبي (٦) عَمرو، جمع: دُبُر؛ وهو آخر الصَّلاةِ وعقبها، وجمع باعتبارِ تعدُّدِ السُّجودِ (وَيَكْسِرُ الَّتِي فِي الطُّورِ) موافقة للجمهورِ مصدرًا، وهذا بخلافِ آخر ﴿ق﴾ فإنَّ الفتح لائقٌ به؛ لأنَّه يرادُ به الجمع لدُبرِ السُّجودِ، أي: أعقابه، كما مرَّ (وَيُكْسَرَانِ جَمِيعًا) فكَسَرَ موضع ﴿ق﴾ نافعٌ وابن كثيرٍ وحَمزة، والطُّور الجمهور (وَيُنْصَبَانِ) أي: يفتحان، فالأوَّل عَاصم ومَن معه، والثَّاني المطوعيُّ عن الأعمشِ شاذًّا؛ يعني: أعقابَ النُّجومِ وآثارهَا إذا غربَت.
(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما وصلهُ ابنُ أبي حاتمٍ في قولهِ تعالى: (﴿يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾ [ق: ٤٢]) أي: (يَخْرُجُونَ) ولأبي ذرٍّ: «يوم يخرجُون» وزاد أبو ذرٍّ و (٧) أبو الوقتِ: «إلى البعثِ» (مِنَ القُبُورِ) والإشارة في قوله: ﴿ذَلِكَ﴾ يجوز أن تكون إلى النِّداء، ويكون قد اتَّسع في الظَّرفِ فأخبر به عن المصدرِ، أو (٨) يُقَدَّر مضاف، أي: ذلك النِّداءُ والاستماعُ نداءُ يوم الخروجِ واستماعه.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
الْأَقْرَع بن حَابِس، والأقرع لقبه واسْمه فراس بن حَابِس بن عقال، بِالْكَسْرِ وَتَخْفِيف الْقَاف: ابْن مُحَمَّد بن سُفْيَان بن مجاشع بن عبد الله بن دارم التَّمِيمِي الدَّارمِيّ، وَكَانَت وَفَاة الْأَقْرَع فِي خلَافَة عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَوْله: (بِرَجُل آخر) ، وَهُوَ الْقَعْقَاع بن معبد بن زُرَارَة بن عدس بن يزِيد بن عبد الله بن دارم التَّمِيمِي الدَّارمِيّ، قَالَ الْكَلْبِيّ: كَانَ يُقَال لَهُ تيار الْفُرَات لجوده. قَوْله: (مَا أردْت إِلَّا خلافي) أَي لَيْسَ مقصودك إِلَّا مُخَالفَة قولي. قَوْله: (قَالَ ابْن الزبير) أَي عبد الله بن الزبير بن الْعَوام. قَوْله: (يسمع) ، بِضَم الْيَاء من الأسماع، وَلَا شكّ أَن رفع الصَّوْت على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَوق صَوته حرَام بِهَذِهِ الْآيَة. فَإِن قلت: ثَبت فِي (الصَّحِيح) أَن عمر اسْتَأْذن على رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَعِنْده نسَاء من قُرَيْش يكلمنه عالية أصواتهن. قلت: يحْتَمل أَن يكون ذَلِك قبل النَّهْي أَو يكون علو الصَّوْت كَانَ بالهيئة الاجتماعية لَا بانفراد كل مِنْهُنَّ. قَوْله: (عَن أَبِيه يَعْنِي أَبَا بكر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ) ، قَالَ الْكرْمَانِي: أطلق الْأَب على الْجد مجَازًا، لِأَن أَبَا بكر أَبُو أم عبد الله، وَهِي أَسمَاء بنت أبي بكر، وَقَالَ بَعضهم: قَالَ مغلطاي: يحْتَمل أَنه أَرَادَ بذلك أَبَا بكر عبد الله بن الزبير، أَو أَبَا بكر عبد الله بن أبي مليكَة. فَإِن لَهُ ذكرا فِي الصَّحَابَة عِنْد ابْن أبي عمر وَأبي نعيم، وَهَذَا بعيد عَن الصَّوَاب، وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) وَأغْرب بعض الشُّرَّاح ثمَّ ذكر مَا ذكره بَعضهم. قلت: لَا يشك فِي بعده عَن الصَّوَاب، وَلَكِن يُؤَاخذ بَعضهم بقوله، قَالَ مغلطاي، فَذكره هَكَذَا يشْعر بالتحقير، وَكَذَلِكَ صَاحب (التَّلْوِيح) يَقُول: وَأغْرب بعض الشُّرَّاح، مَعَ أَنه شَيْخه وَلم يشرع الَّذِي جمعه إلَاّ من كتاب شَيْخه هَذَا وَلم يذكر من خَارج إلَاّ شَيْئا يَسِيرا.
٦٤٨٤ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله حدَّثنا أزْهَر بنُ سَعْدٍ أخْبَرَنا ابنُ عَوْن قَالَ أنْبَأَنِي مُوسَى بنُ أنَسٍ عَنْ أنَسٍ بنِ مَالِكٍ رَضِي الله عنهُ أنَّ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم افْتَقَدَ ثَابِتَ بنَ قَيْسٍ فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ الله أنَا أعْلَمُ لَكَ عِلْمَهُ فَأتاهُ فَوَجَدَهُ جَالِسا فِي بَيْتِهِ مُنَكَّسا رَأسَهُ فَقَالَ لهُ مَا شَأنُكَ فَقَالَ شَر كانَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ فَوْقَ صَوْتِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ مِنْ أهْلِ النَّارِ فَأتَى الرَّجُلُ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَأخْبَرَهُ أنَّهُ قَالَ كَذَا وَكذا فَقَالَ مُوسَى فَرَجَعَ إلَيْهِ المَرَّةَ الآخِرَةَ بِبشَارَةٍ عَظِيمَةٍ فَقَالَ اذْهَبْ إلَيْهِ فَقُلْ لَهُ إنَّكَ لَسْتَ مِنْ أهْلِ النَّارِ وَلَكِنَّكَ مِنْ أهْلِ الجنةِ..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (كَانَ يرفع صَوته فَوق صَوت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) وَمر هَذَا الحَدِيث فِي عَلَامَات النُّبُوَّة بِعَين هَذَا الْإِسْنَاد والمتن، وَهَذَا مُكَرر صَرِيحًا لَيْسَ فِيهِ زِيَادَة إلَاّ ذكره فِي التَّرْجَمَة الْمَذْكُورَة، وَابْن عون هُوَ عبد الله، ومُوسَى هُوَ ابْن أنس بن مَالك قَاضِي الْبَصْرَة، يروي عَن أَبِيه.
قَوْله: (فَقَالَ رجل) هُوَ سعيد بن معَاذ. قَوْله: أَنا أعلم لَك علمه الْقيَاس أَن يَقُول: أَنا أعلم لَك حَاله لَا علمه، لَكِن قَوْله: مصدر مُضَاف إِلَى الْمَفْعُول أَي: أعلم لِأَجلِك علما يتَعَلَّق بِهِ. قَوْله: (لكنك من أهل الْجنَّة) ، صَرِيح فِي أَنه من أهل الْجنَّة وَلَا مُنَافَاة بَينه وَبَين الْعشْرَة المبشرة لِأَن مفهموم الْعدَد لَا اعْتِبَار لَهُ. فَلَا يَنْفِي الزَّائِد أَو الْمَقْصُود من الْعشْرَة الَّذين قَالَ فيهم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِلَفْظ: بشرت بِالْجنَّةِ، أَو المبشرون بدفعة وَاحِدَة، فِي مجْلِس وَاحِد، وَلَا بُد من التَّأْوِيل إِذْ بِالْإِجْمَاع أَزوَاج الرَّسُول وَفَاطِمَة والحسنان وَنَحْوهم من أهل الْجنَّة.
٢ - (بابٌ: {إنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الحُجُرَاتِ أكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ} (الحجرات: ٤)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله عز وَجل: {إِن الَّذين} الْآيَة. قَالَ الْمُفَسِّرُونَ (إِن الَّذين يُنَادُونَك يَعْنِي أَعْرَاب تَمِيم نادوا يَا مُحَمَّد أخرج إِلَيْنَا فَإِن مَدْحنَا زين وذمنا شين، وَقَالَ قَتَادَة: وَعَن زيد بن أَرقم: جَاءَ نَاس من الْعَرَب إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ بَعضهم لبَعض: انْطَلقُوا بِنَا إِلَى هَذَا الرجل فَإِن يكن نَبيا نَكُنْ أسعد النَّاس، وَإِن يكن ملكا نعش فِي جنابه، فجاؤوا إِلَى حجرَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَجعلُوا يُنَادُونَهُ: يَا مُحَمَّد يَا مُحَمَّد، فَأنْزل الله تَعَالَى: {إِن الَّذين يُنَادُونَك} الآيَةَ.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الصِّدِّيقُ. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ قَالَ: وَمَا ذَكَرَ ابْنُ الزُّبَيْرِ جَدَّهُ وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الطَّبَرِيِّ مِنْ طَرِيقِ مُؤَمِّلِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ نَافِعِ بْنِ عُمَرَ فَقَالَ فِي آخِرِهِ وَمَا ذَكَرَ ابْنُ الزُّبَيْرِ جَدَّهُ يَعْنِي أَبَا بَكْرٍ، وَفِيهِ تَعَقُّبٌ عَلَى مَنْ عَدَّ فِي الْخَصَائِصِ النَّبَوِيَّةِ أَنَّ أَوْلَادَ بِنْتِهِ يُنْسَبُونَ إِلَيْهِ لِقَوْلِهِ إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ وَقَدْ أَنْكَرَهُ الْقَفَّالُ عَلَى ابْنِ الْقَاصِّ وَعَدَّهُ الْقُضَاعِيُّ فِيمَا اخْتَصَّ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ، وَفِيهِ نَظَرٌ فَقَدِ احْتَجَّ يَحْيَى بْنُ يَعْمُرَ بِأَنَّ عِيسَى نُسِبَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَهُوَ ابْنُ بِنْتِهِ، وَهُوَ اسْتِدْلَالٌ صَحِيحٌ، وَإِطْلَاقُ الْأَبِ عَلَى الْجَدِّ مَشْهُورٌ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمَنَاقِبِ.
قَوْلُهُ: (افْتَقَدَ ثَابِتَ بْنَ قَيْسٍ) تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي أَوَاخِرِ عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ) هُوَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، بَيَّنَهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ فِي رِوَايَتِهِ لِهَذَا الْحَدِيثِ عَنْ أَنَسٍ، وَقِيلَ: هُوَ عَاصِمُ بْنُ عَدِيٍّ، وَقِيلَ: أَبُو مَسْعُودٍ، وَالْأَوَّلُ الْمُعْتَمَدُ.
قَوْلُهُ: (أَنَا أَعْلَمُ لَكَ عِلْمُهُ) أَيْ: أَعْلَمُ لِأَجْلِكَ عِلْمًا مُتَعَلِّقًا بِهِ.
قَوْلُهُ (فَقَالَ: مُوسَى) هُوَ ابْنُ أَنَسٍ رَاوِي الْحَدِيثِ عَنْ أَنَسٍ.
٢ - بَاب ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾
٤٨٤٧ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ أَخْبَرَهُمْ: أَنَّهُ قَدِمَ رَكْبٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَمِّرْ الْقَعْقَاعَ بْنَ مَعْبَدٍ، وَقَالَ عُمَرُ: بَلْ أَمِّرْ الْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَا أَرَدْتَ إِلَى - أَوْ إِلَّا - خِلَافِي، فَقَالَ عُمَرُ: مَا أَرَدْتُ خِلَافَكَ، فَتَمَارَيَا حَتَّى ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا، فَنَزَلَ فِي ذَلِكَ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ .. حَتَّى انْقَضَتْ الْآيَةُ.
قَوْلُهُ: بَابُ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾. ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي الَّذِي قَبْلَهُ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ قَالَ: هُمْ أَعْرَابُ بَنِي تَمِيمٍ. وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ حَمْدِي زَيْنٌ وَإِنَّ ذَمِّي شَيْنٌ، فَقَالَ: ذَاكَ اللَّهُ ﵎.
وَرُوِي مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ مِثْلُهُ مُرْسَلًا. وَزَادَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾ .. الْآيَةَ. وَمِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ نَحْوَهُ.
قَوْلُهُ: (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ) كَذَا قَالَ حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ تَقَدَّمَ فِي التَّفْسِيرِ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ يُوسُفَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ بِالْعَنْعَنَةِ، وَتَابَعَهُ هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ ثَوْرٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، فَزَادَ فِيهِ رَجُلًا قَالَ: أَخْبَرَنِي رَجُلٌ أَنَّ ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ أَخْبَرَهُ، فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ حَمَلَهُ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ بِوَاسِطَةٍ، ثُمَّ لَقِيَهُ فَسَمِعَهُ مِنْهُ.
وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ، وَقَدْ سَاقَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ قِصَّةَ وَفْدِ بَنِي تَمِيمٍ فِي ذَلِكَ مُطَوَّلَةً بِانْقِطَاعٍ، وَأَخْرَجَهَا ابْنُ مَنْدَهْ فِي تَرْجَمَةِ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ فِي الْمَعْرِفَةِ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى مَوْصُولَةٍ.
٥٠ - سُورَةُ ق
﴿رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ رَدٌّ. ﴿فُرُوجٍ﴾ فُتُوقٍ. وَاحِدُهَا فَرْجٌ. ﴿مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ وَرِيدَاهُ فِي حَلْقِهِ. وَالْحَبْلُ: حَبْلُ الْعَاتِقِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿مَا تَنْقُصُ الأَرْضُ﴾ مِنْ عِظَامِهِمْ. ﴿تَبْصِرَةً﴾ بَصِيرَةً. ﴿وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ الْحِنْطَةُ. ﴿بَاسِقَاتٍ﴾ الطِّوَالُ. ﴿أَفَعَيِينَا﴾ أَفَأَعْيَا عَلَيْنَا. ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ﴾ الشَّيْطَانُ الَّذِي قُيِّضَ لَهُ. ﴿فَنَقَّبُوا﴾ ضَرَبُوا. ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ﴾ لَا يُحَدِّثُ نَفْسَهُ بِغَيْرِهِ. حِينَ أَنْشَأَكُمْ وَأَنْشَأَ خَلْقَكُمْ. ﴿رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ رَصَدٌ. ﴿سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ الْمَلَكَانِ. كَاتِبٌ وَشَهِيدٌ: ﴿وَشَهِيدٌ﴾ شَاهِدٌ بِالْغَيْبِ. ﴿لُغُوبٍ﴾ النَّصَبُ. وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿نَضِيدٌ﴾ الْكُفُرَّى مَا دَامَ فِي أَكْمَامِهِ. وَمَعْنَاهُ: مَنْضُودٌ، بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ، فَإِذَا خَرَجَ مِنْ أَكْمَامِهِ فَلَيْسَ بِنَضِيدٍ. في أدْبَارِ النُّجُومِ، وَأَدْبَارِ السُّجُودِ: كَانَ عَاصِمٌ يَفْتَحُ الَّتِي فِي ق، وَيَكْسِرُ الَّتِي فِي الطُّورِ، وَيُكْسَرَانِ جَمِيعًا وَيُنْصَبَانِ. وَق الَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَوْمَ الْخُرُوجِ: يَوْمَ يَخْرُجُونَ إِلَى الْبَعْثِ مِنْ الْقُبُورِ.
قَوْلُهُ: (سُورَةُ ق. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) سَقَطَتِ الْبَسْمَلَةُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ، وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ: ق اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ الْقُرْآنِ. وَعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: جَبَلٌ مُحِيطٌ بِالْأَرْضِ، وَقِيلَ: هِيَ الْقَافُ مِنْ قَوْلِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ، دَلَّتْ عَلَى بَقِيَّةِ الْكَلِمَةِ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
قُلْتُ لَهَا قِفِي لَنَا قَالَتْ قَافُ
قَوْلُهُ: ﴿رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ رَدٌّ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ بِلَفْظِهِ، وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَنْكَرُوا الْبَعْثَ فَقَالُوا: مَنْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُرْجِعَنَا وَيُحْيِينَا.
قَوْلُهُ: ﴿فُرُوجٍ﴾ فُتُوقٌ وَاحِدُهَا فَرْجٌ) أَيْ بِسُكُونِ الرَّاءِ، هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ بِلَفْظِهِ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ قَالَ: الْفَرْجُ الشَّقُّ.
قَوْلُهُ: ﴿مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ وَرِيدَاهُ فِي حَلْقِهِ، وَالْحَبْلُ حَبْلُ الْعَاتِقِ) سَقَطَ هَذَا لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ بِلَفْظِهِ. وَزَادَ: فَأَضَافَهُ إِلَى الْوَرِيدِ كَمَا يُضَافُ الْحَبْلُ إِلَى الْعَاتِقِ. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ قَالَ: مِنْ عِرْقِ الْعُنُقِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ: مُجَاهِدٌ: ﴿مَا تَنْقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ﴾ مِنْ عِظَامِهِمْ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ، عَنْ وَرْقَاءَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ بِهَذَا، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَا تَأْكُلُ الْأَرْضُ: مِنْ لُحُومِهِمْ وَعِظَامِهِمْ وَأَشْعَارِهِمْ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: يَعْنِي الْمَوْتَى تَأْكُلُهُمُ الْأَرْضُ إِذَا مَاتُوا. وَعَنْ جَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَوْفٍ، عَنِ الْحَسَنِ: أَيْ مِنْ أَبْدَانِهِمْ.
(تَنْبِيهٌ): زَعَمَ ابْنُ التِّينِ أَنَّهُ وَقَعَ فِي الْبُخَارِيِّ بِلَفْظِ مِنْ أَعْظَامِهِمْ ثُمَّ اسْتَشْكَلَهُ وَقَالَ: الصَّوَابُ مِنْ عِظَامِهِمْ. وَفَعْلٌ بِفَتْحِ الْفَاءِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ لَا يُجْمَعُ عَلَى أَفْعَالٍ إِلَّا نَادِرًا.
قَوْلُهُ: ﴿تَبْصِرَةً﴾ بَصِيرَةً) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ، عَنْ مُجَاهِدٍ هَكَذَا، وَقَالَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ ﴿تَبْصِرَةً﴾، قَالَ: نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ ﷿.
قَوْلُهُ: ﴿وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ الْحِنْطَةَ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ أَيْضًا عَنْهُ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: هُوَ الْبُرُّ وَالشَّعِيرُ.
قَوْلُهُ: ﴿بَاسِقَاتٍ﴾ الطِّوَالُ) وَصَلَهُ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
النَّارِ) لأنَّه كان يجهرُ بالقولِ بين يدي الرَّسول، وكان القياسُ: عملِي وأنَا (فَأَتَى الرَّجُلُ النَّبيَّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَالَ: كَذَا وَكَذَا) للَّذي قالهُ ثابت (فَقَالَ مُوسَى) بنُ أنسٍ، بالإسناد السَّابق إلى ثابت (١): (فَرَجَعَ) الرَّجلُ المذكور (إِلَيْهِ) أي: إلى ثابتٍ (المَرَّةَ الآخِرَةَ) بمدِّ الهمزة (بِبِشَارَةٍ عَظِيمَةٍ) من الرَّسول (فَقَالَ) ﵊ للرَّجل: (اذْهَبْ إِلَيْهِ) أي (٢): إلى ثابتٍ (فَقُلْ لَهُ: إِنَّكَ لَسْتَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَلَكِنَّكَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ) زاد في رواية أحمد: قال: فكنَّا (٣) نراهُ يمشِي بين أظهرنَا، ونحن نعلمُ أنَّه من أهل الجنَّةِ، فلمَّا كان يوم اليمامةِ كان فينا بعضُ الانكشافِ، فجاء ثابتٌ قد تحنَّطَ ولبس كفنهُ، وقاتلهم حتَّى قُتل، وهذا لا ينافِي ما روي في العشرة المبشَّرينَ بالجنَّةِ، لأنَّ مفهومَ العددِ لا اعتبارَ له فلا ينفِي الزَّائد.
وهذا الحديث ذكره أواخر «علامات النبوَّة» [خ¦٣٦١٣] وتفرَّد به من هذا الوجه.
(٢) هذا (بابٌ) بالتَّنوين قوله تعالى (٤): (﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاء الْحُجُرَاتِ﴾) من خارجِها خَلفَها أو قدامها، والمراد: حجراتِ نسائهِ ﵊، ومناداتِهم من ورائِها إمَّا بأنَّهم أتوهَا حجرةً حجرةً فنادوهُ من ورائها، أو بأنَّهم تفرَّقوا على الحجراتِ متطلبينَ له، فأسندَ فعل الأبعاضِ إلى الكلِّ (﴿أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [الحجرات: ٤]) إذ (٥) العقلُ يقتضِي حسنَ الأدب.
٤٨٤٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ) أبو عليٍّ الزَّعفرانيُّ البغداديُّ، واسم جدِّه الصَّبَّاح
قال: (حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ) هو: ابنُ محمَّد المصِّيْصِيُّ الأعورُ، ترمذيُّ الأصل، سكن بغدادَ، ثمَّ المصِّيْصَة (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبد الملكِ بنِ عبد العزيزِ، أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ) عبد الله: (أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام (أَخْبَرَهُمْ: أَنَّهُ قَدِمَ رَكْبٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ عَلَى النَّبيِّ ﷺ) فسألوهُ أن يؤمِّر عليهم أحدًا (فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ) له ﵊: (أَمِّرِ) عليهم (القَعْقَاعَ بْنَ مَعْبَدٍ) بفتح الميم والموحدة (وَقَالَ (١) عُمَرُ: أَمِّرِ) عليهم، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي والكُشمِيهنيِّ: «بل أمِّر» (الأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ) أخا (٢) بني مُجاشعٍ (فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ) لعمر ﵄: (مَا أَرَدْتَ) بذلك (إِلَى) بلفظ الجارة (-أَوْ) قال: (إِلَّا- خِلَافِي) بكسر الهمزة وتشديد اللام، أي: إنَّما تريدُ مخالفتِي (فَقَالَ عُمَرُ: مَا أَرَدْتُ خِلَافَكَ، فَتَمَارَيَا) فتجادَلا وتخاصَمَا (حَتَّى ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا) في ذلك (فَنَزَلَ فِي ذَلِكَ: ﴿يَا أَيُّهَا الذين آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١] حَتَّى انْقَضَتِ الآيَةُ) وروى الطَّبريُّ من طريق أبي إسحاق عن البراءِ قال: جاءَ رجلٌ إلى النَّبيِّ ﷺ فقال: يا محمَّد، إنَّ حمدِي زَيْنٌ، وإنَّ (٣) ذمِّي شَيْنٌ، فقال: «ذاك الله ﵎». وروي من طريق معمرٍ، عن قتادةَ مثله مرسلًا، وزاد: فأنزلَ الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاء الْحُجُرَاتِ﴾ الاية [الحجرات: ٤].
(٣) (باب قَوْلِهِ) تعالى: (﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ﴾) قال في «الكشاف»: ﴿أَنَّهُمْ صَبَرُوا﴾ في موضعِ الرَّفع على الفاعليَّةِ؛ لأنَّ المعنى: ولو ثبتَ صبرُهم. قال أبو حيَّان: هذا ليس (٤) مذهب سيبويه، بل مذهبُ سيبويه أنَّ «أن» وما بعدها بعد «لو» في موضعِ مبتدَأ، لا في موضعِ (٥) فاعل (٦)، ومذهب المبرِّد أنَّها في موضع فاعلٍ بفعل محذوفٍ كما (٧) زعم الزَّمخشريُّ، ومذهب
سيبويه أنَّها في محلِّ رفع بالابتداءِ (١)، وحينئذٍ يكونُ اسم «كان» ضميرًا عائدًا على صبرِهم المفهوم من الفعلِ (﴿لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ﴾ [الحجرات: ٥]) لكان الصَّبر خيرًا لهم من الاستعجالِ؛ لما فيه من حفظِ الأدبِ وتعظيمِ الرَّسولِ الموجبين للثَّناءِ والثَّوابِ، ولم يذكرِ المؤلِّف حديثًا هنا (٢)، ولعلَّه بيَّض له فلم يظفَرْ بشيءٍ على شرطهِ.
(((٥٠))) (سورة ق) مكِّيَّة، وهي خمسٌ وأربعون آية، وزاد أبو ذرٍّ: «بسم الله الرحمن الرحيم».
(﴿رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ [ق: ٣]) أي: (رَدٌّ) إلى الحيَاة الدُّنيا ﴿بَعِيدٌ﴾ أي: غير كائنٍ، أي: يبعدُ أن نُبعثَ (٣) بعد الموتِ.
(﴿فُرُوجٍ﴾ [ق: ٦]) أي: (فُتُوقٍ) بأن خلقَها مَلساءَ متلاصقَةَ الطِّباقِ (وَاحِدُهَا فَرْجٌ) بسكون الراء. (﴿مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦]) قال مجاهدٌ فيما رواه الفِرْيابيُّ: (وَرِيْدَاهُ فِي حَلْقِهِ) والوَريدُ: عرقُ العُنقِ، ولغير أبي ذرٍّ: «وريدٌ في حلقهِ» (الحَبْلُ: حَبْلُ العَاتِقِ) وزاد أبو ذرٍّ: «واوًا» قبل
قوله: الحبلُ، وقوله: ﴿مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ هو كقولهم: مسجد الجامعِ، أي: حبل العرقِ الوريدِ، أو لأنَّ الحبلَ أعمُّ فأضيفَ للبيانِ، نحو: بعيرُ سانيَةٍ، أو يرادُ (١) حبلُ العاتقِ، فأضيفَ إلى الوريدِ، كما يضافُ إلى العاتقِ؛ لأنَّهما في عُضوٍ واحدٍ.
(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصلهُ (٢) الفِرْيابيُّ في قولهِ تعالى: (﴿مَا تَنقُصُ الْأَرْضُ﴾ [ق: ٤]) أي: ما تأكُلُ (مِنْ عِظَامِهِمْ) لا يعزُب عن علمهِ شيء تعالى.
(﴿تَبْصِرَةً﴾ [ق: ٨]) أي: (بَصِيرَةً) قاله مجاهدٌ فيما وصلهُ الفِرْيابيُّ، والنَّصب على المفعولِ من أجلهِ، أي: تبصِير أمثالهِم، أو بفعلٍ من لفظهِ، أي: بصِّرْهم تبصرةً، أي: خلقَ السَّماءَ تبصرةً.
(﴿وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ [ق: ٩]) هو (الحِنْطَةُ) وصلهُ الفِريابيُّ أيضًا، أو سائر الحبوبِ الَّتي تحصدُ، وهو من باب حذف الموصوفِ للعلمِ به، أي: وحبَّ الزَّرعِ الحصيدِ، نحو: مسجد الجامعِ، أو من باب إضافةِ الموصوفِ إلى صفتهِ؛ لأنَّ الأصلَ: والحبَّ الحصيدَ، أي: المحصود.
(﴿بَاسِقَاتٍ﴾ [ق: ١٠]) هي (الطِّوَالُ) والبُسُوقُ: الطُّولُ، يقال: بسقَ فلانٌ على أصحابهِ، أي: طالَ عليهم في الفَضلِ.
(﴿أَفَعَيِينَا﴾ [ق: ١٥]) أي: (أَفَأَعْيَا عَلَيْنَا) أفعجزنَا عن الإبداءِ حتَّى نعجزَ عن الإعادةِ؟ ويقالُ لكلِّ من عجزَ عن شيءٍ: عييَ به، وهذا (٣) تقريعٌ لهم؛ لأنَّهم اعترفُوا بالخلقِ الأوَّلِ وأنكرُوا البعثَ.
(﴿وَقَالَ قَرِينُهُ﴾ [ق: ٢٣]) هو (الشَّيْطَانُ الَّذِي قُيِّضَ لَهُ) بضم القاف وكسر التحتية المشددة آخره ضاد معجمة: قُدِّر، وقيل: القرينُ الملكُ الموكَّلُ به.
(﴿فَنَقَّبُوا﴾ [ق: ٣٦]) أي: (ضَرَبُوا) بمعنى طافُوا في البلادِ حذرَ الموتِ، والضَّمير للقرونِ السَّابقةِ أو لقريشٍ.
(﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ﴾ [ق: ٣٧]) أي: (لَا يُحَدِّثُ نَفْسَهُ بِغَيْرِهِ) لإصغائهِ لاستماعهِ (١).
(حِينَ أَنْشَأَكُمْ وَأَنْشَأَ خَلْقَكُمْ) وهذه بقيَّةُ تفسير قوله: ﴿أَفَعَيِينَا﴾ وتأخيره لعلَّه من بعض النُّساخ، وسقطَ من قوله: «﴿أَفَعَيِينَا﴾ … » إلى هنا لأبي ذرٍّ (٢).
(﴿رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨]) قال مجاهد فيما وصلهُ الفِريابيُّ: (رَصَدٌ) يرصُدُ وينظرُ، وقال ابن عبَّاس -فيما وصلهُ الطَّبريُّ-: يكتبُ كلُّ ما تكلَّم به من خيرٍ وشرٍّ. وعن مجاهدٍ: حتَّى أنينهُ في مرضهِ. وقال الضَّحَّاك: مجلسهُما تحت الشَّعرِ على الحنكِ.
(﴿سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ [ق: ٢١] المَلَكَانِ) ولأبي ذرٍّ: «المَلكَين» بالنَّصب بنحو يعني، أحدُهما (كَاتِبٌ وَ) الآخرُ (شَهِيدٌ) وقيل: السَّائقُ هو الَّذي يسوقهُ إلى الموقفِ، والشَّهيدُ هو الكاتبُ، والسَّائقُ لازمٌ للبرِّ والفاجرِ، أما البرُّ فيساقُ إلى الجنَّةِ، وأما الفاجرُ فيساقُ إلى (٣) النَّارِ.
(﴿شَهِيدٌ﴾) في قولهِ تعالى: ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧] قال مجاهدٌ فيما وصلهُ الفِريابيُّ: (شَاهِدٌ بِالقَلْبِ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «بالغيبِ».
(﴿لُّغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨]) ولأبي ذرٍّ: «﴿مِن لُّغُوبٍ﴾» هو (النَّصَبُ) ولأبي ذرٍّ: «نَصَبٍ» بالجر، أي: من نصبٍ، وهذا وصلهُ الفِريابيُّ، وهو ردٌّ لما زعمَت اليهودُ من أنَّه (٤) تعالى بدأَ خلقَ العالم يوم الأحدِ، وفرغَ منه يوم (٥) الجمعةِ، واستراحَ يوم السَّبت، فأكذَبهم الله بقولهِ: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِن
لُّغُوبٍ﴾ رواه عبدُ الرَّزَّاق، عن مَعْمر، عن قتادةَ.
(وَقَالَ غَيْرُهُ) أي: غير مُجاهد (١): (﴿نَّضِيدٌ﴾) في قولهِ تعالى: ﴿لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ﴾ [ق: ١٠] (الكُفُرَّى) بضم الكاف والفاء وتشديد الراء مقصورًا: الطَّلعُ (مَا دَامَ فِي أَكْمَامِهِ) جمع: كِم؛ بالكسر (وَمَعْنَاهُ: مَنْضُودٌ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ، فَإِذَا خَرَجَ مِنْ أَكْمَامِهِ فَلَيْسَ بِنَضِيدٍ) وهذا (٢) عجيبٌ، فإنَّ الأشجارَ الطِّوالَ ثمارُها بارزةٌ بعضها على بعضٍ، لكلِّ واحدةٍ منها أصلٌ يخرجُ منه كالجوزِ واللَّوزِ، والطَّلعُ كالسُّنبلةِ الواحدةِ تكون على أصلٍ واحدٍ.
(فِي (٣) ﴿وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾) بالطُّورِ [الآية: ٤٩] (٤) (وَ ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾) [ق: ٤٠] هنا (كَانَ عَاصِمٌ يَفْتَحُ) هذه (الَّتِي فِي ﴿ق﴾) كابنِ (٥) عامرٍ والكِسائيِّ وأبي (٦) عَمرو، جمع: دُبُر؛ وهو آخر الصَّلاةِ وعقبها، وجمع باعتبارِ تعدُّدِ السُّجودِ (وَيَكْسِرُ الَّتِي فِي الطُّورِ) موافقة للجمهورِ مصدرًا، وهذا بخلافِ آخر ﴿ق﴾ فإنَّ الفتح لائقٌ به؛ لأنَّه يرادُ به الجمع لدُبرِ السُّجودِ، أي: أعقابه، كما مرَّ (وَيُكْسَرَانِ جَمِيعًا) فكَسَرَ موضع ﴿ق﴾ نافعٌ وابن كثيرٍ وحَمزة، والطُّور الجمهور (وَيُنْصَبَانِ) أي: يفتحان، فالأوَّل عَاصم ومَن معه، والثَّاني المطوعيُّ عن الأعمشِ شاذًّا؛ يعني: أعقابَ النُّجومِ وآثارهَا إذا غربَت.
(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما وصلهُ ابنُ أبي حاتمٍ في قولهِ تعالى: (﴿يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾ [ق: ٤٢]) أي: (يَخْرُجُونَ) ولأبي ذرٍّ: «يوم يخرجُون» وزاد أبو ذرٍّ و (٧) أبو الوقتِ: «إلى البعثِ» (مِنَ القُبُورِ) والإشارة في قوله: ﴿ذَلِكَ﴾ يجوز أن تكون إلى النِّداء، ويكون قد اتَّسع في الظَّرفِ فأخبر به عن المصدرِ، أو (٨) يُقَدَّر مضاف، أي: ذلك النِّداءُ والاستماعُ نداءُ يوم الخروجِ واستماعه.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
الْأَقْرَع بن حَابِس، والأقرع لقبه واسْمه فراس بن حَابِس بن عقال، بِالْكَسْرِ وَتَخْفِيف الْقَاف: ابْن مُحَمَّد بن سُفْيَان بن مجاشع بن عبد الله بن دارم التَّمِيمِي الدَّارمِيّ، وَكَانَت وَفَاة الْأَقْرَع فِي خلَافَة عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَوْله: (بِرَجُل آخر) ، وَهُوَ الْقَعْقَاع بن معبد بن زُرَارَة بن عدس بن يزِيد بن عبد الله بن دارم التَّمِيمِي الدَّارمِيّ، قَالَ الْكَلْبِيّ: كَانَ يُقَال لَهُ تيار الْفُرَات لجوده. قَوْله: (مَا أردْت إِلَّا خلافي) أَي لَيْسَ مقصودك إِلَّا مُخَالفَة قولي. قَوْله: (قَالَ ابْن الزبير) أَي عبد الله بن الزبير بن الْعَوام. قَوْله: (يسمع) ، بِضَم الْيَاء من الأسماع، وَلَا شكّ أَن رفع الصَّوْت على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَوق صَوته حرَام بِهَذِهِ الْآيَة. فَإِن قلت: ثَبت فِي (الصَّحِيح) أَن عمر اسْتَأْذن على رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَعِنْده نسَاء من قُرَيْش يكلمنه عالية أصواتهن. قلت: يحْتَمل أَن يكون ذَلِك قبل النَّهْي أَو يكون علو الصَّوْت كَانَ بالهيئة الاجتماعية لَا بانفراد كل مِنْهُنَّ. قَوْله: (عَن أَبِيه يَعْنِي أَبَا بكر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ) ، قَالَ الْكرْمَانِي: أطلق الْأَب على الْجد مجَازًا، لِأَن أَبَا بكر أَبُو أم عبد الله، وَهِي أَسمَاء بنت أبي بكر، وَقَالَ بَعضهم: قَالَ مغلطاي: يحْتَمل أَنه أَرَادَ بذلك أَبَا بكر عبد الله بن الزبير، أَو أَبَا بكر عبد الله بن أبي مليكَة. فَإِن لَهُ ذكرا فِي الصَّحَابَة عِنْد ابْن أبي عمر وَأبي نعيم، وَهَذَا بعيد عَن الصَّوَاب، وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) وَأغْرب بعض الشُّرَّاح ثمَّ ذكر مَا ذكره بَعضهم. قلت: لَا يشك فِي بعده عَن الصَّوَاب، وَلَكِن يُؤَاخذ بَعضهم بقوله، قَالَ مغلطاي، فَذكره هَكَذَا يشْعر بالتحقير، وَكَذَلِكَ صَاحب (التَّلْوِيح) يَقُول: وَأغْرب بعض الشُّرَّاح، مَعَ أَنه شَيْخه وَلم يشرع الَّذِي جمعه إلَاّ من كتاب شَيْخه هَذَا وَلم يذكر من خَارج إلَاّ شَيْئا يَسِيرا.
٦٤٨٤ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله حدَّثنا أزْهَر بنُ سَعْدٍ أخْبَرَنا ابنُ عَوْن قَالَ أنْبَأَنِي مُوسَى بنُ أنَسٍ عَنْ أنَسٍ بنِ مَالِكٍ رَضِي الله عنهُ أنَّ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم افْتَقَدَ ثَابِتَ بنَ قَيْسٍ فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ الله أنَا أعْلَمُ لَكَ عِلْمَهُ فَأتاهُ فَوَجَدَهُ جَالِسا فِي بَيْتِهِ مُنَكَّسا رَأسَهُ فَقَالَ لهُ مَا شَأنُكَ فَقَالَ شَر كانَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ فَوْقَ صَوْتِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ مِنْ أهْلِ النَّارِ فَأتَى الرَّجُلُ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَأخْبَرَهُ أنَّهُ قَالَ كَذَا وَكذا فَقَالَ مُوسَى فَرَجَعَ إلَيْهِ المَرَّةَ الآخِرَةَ بِبشَارَةٍ عَظِيمَةٍ فَقَالَ اذْهَبْ إلَيْهِ فَقُلْ لَهُ إنَّكَ لَسْتَ مِنْ أهْلِ النَّارِ وَلَكِنَّكَ مِنْ أهْلِ الجنةِ..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (كَانَ يرفع صَوته فَوق صَوت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) وَمر هَذَا الحَدِيث فِي عَلَامَات النُّبُوَّة بِعَين هَذَا الْإِسْنَاد والمتن، وَهَذَا مُكَرر صَرِيحًا لَيْسَ فِيهِ زِيَادَة إلَاّ ذكره فِي التَّرْجَمَة الْمَذْكُورَة، وَابْن عون هُوَ عبد الله، ومُوسَى هُوَ ابْن أنس بن مَالك قَاضِي الْبَصْرَة، يروي عَن أَبِيه.
قَوْله: (فَقَالَ رجل) هُوَ سعيد بن معَاذ. قَوْله: أَنا أعلم لَك علمه الْقيَاس أَن يَقُول: أَنا أعلم لَك حَاله لَا علمه، لَكِن قَوْله: مصدر مُضَاف إِلَى الْمَفْعُول أَي: أعلم لِأَجلِك علما يتَعَلَّق بِهِ. قَوْله: (لكنك من أهل الْجنَّة) ، صَرِيح فِي أَنه من أهل الْجنَّة وَلَا مُنَافَاة بَينه وَبَين الْعشْرَة المبشرة لِأَن مفهموم الْعدَد لَا اعْتِبَار لَهُ. فَلَا يَنْفِي الزَّائِد أَو الْمَقْصُود من الْعشْرَة الَّذين قَالَ فيهم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِلَفْظ: بشرت بِالْجنَّةِ، أَو المبشرون بدفعة وَاحِدَة، فِي مجْلِس وَاحِد، وَلَا بُد من التَّأْوِيل إِذْ بِالْإِجْمَاع أَزوَاج الرَّسُول وَفَاطِمَة والحسنان وَنَحْوهم من أهل الْجنَّة.
٢ - (بابٌ: {إنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الحُجُرَاتِ أكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ} (الحجرات: ٤)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله عز وَجل: {إِن الَّذين} الْآيَة. قَالَ الْمُفَسِّرُونَ (إِن الَّذين يُنَادُونَك يَعْنِي أَعْرَاب تَمِيم نادوا يَا مُحَمَّد أخرج إِلَيْنَا فَإِن مَدْحنَا زين وذمنا شين، وَقَالَ قَتَادَة: وَعَن زيد بن أَرقم: جَاءَ نَاس من الْعَرَب إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ بَعضهم لبَعض: انْطَلقُوا بِنَا إِلَى هَذَا الرجل فَإِن يكن نَبيا نَكُنْ أسعد النَّاس، وَإِن يكن ملكا نعش فِي جنابه، فجاؤوا إِلَى حجرَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَجعلُوا يُنَادُونَهُ: يَا مُحَمَّد يَا مُحَمَّد، فَأنْزل الله تَعَالَى: {إِن الَّذين يُنَادُونَك} الآيَةَ.