الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٥١٠٦
الحديث رقم ٥١٠٦ من كتاب «كتاب النكاح» في صحيح البخاري، تحت باب: باب قوله وربائبكم اللاتي في حجوركم.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
٥١٠٦ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ زَيْنَبَ، عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ قَالَتْ:
أم حبيبة بنت أبي سفيان هي إحدى أمهات المؤمنات -رضي الله عنهن- وكانت حظية وسعيدة بزواجها من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وحُقَّ لها ذلك، فالتمست من النبي صلى الله عليه وسلم أن يتزوج أختها.
فعجب صلى الله عليه وسلم ، كيف سمحت أن ينكح ضرة لها، لما عند النساء من الغيرة الشديدة في ذلك، ولذا قال -مستفهمًا متعجبًا-: أو تحبين ذلك؟ فقالت: نعم أحب ذلك.
ثم شرحت له السبب الذي من أجله طابت نفسها بزواجه من أختها، وهو أنه لابد لها من مشارك فيه من النساء، ولن تنفرد به وحدها، فليكن المشارك لها في هذا الخير العظيم هو أختها.
وكأنها غير عالمة بتحريم الجمع بين الأختين، ولذا فإنه أخبرها صلى الله عليه وسلم أن أختها لا تحل له.
فأخبرته أنها حدثت أنه سيتزوج بنت أبي سلمة.
فاستفهم منها متثبتاً: تريدين بنت أم سلمة؟ قالت: نعم.
فقال مبينا كذب هذه الشائعة: إن بنت أم سلمة لا تحل لي لسببين.
أحدهما: أنها ربيبتي التي قمت على مصالحها في حجري، فهي بنت زوجتي.
والثاني: أنها بنت أخي من الرضاعة، فقد أرضعتني، وأباها أبا سلمة، ثويبة -وهي مولاة لأبي لهب- فأنا عمها أيضاً، فلا تعرضْنَ علي بناتِكن وأخواتكن، فأنا أدرى وأولى منكن بتدبير شأني في مثل هذا.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِي حَجْرِهِ؟ وَدَفَعَ النَّبِيُّ ﷺ رَبِيبَةً لَهُ إِلَى مَنْ يَكْفُلُهَا، وَسَمَّى النَّبِيُّ ﷺ ابْنَ ابْنَتِهِ ابْنًا.
٥١٠٦ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ زَيْنَبَ، عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ لَكَ فِي بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ، قَالَ: فَأَفْعَلُ مَاذَا؟ قُلْتُ: تَنْكِحُ، قَالَ: أَتُحِبِّينَ؟ قُلْتُ: لَسْتُ لَكَ بِمُخْلِيَةٍ، وَأَحَبُّ مَنْ شَرِكَنِي فِيكَ أُخْتِي، قَالَ: إِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِي، قُلْتُ: بَلَغَنِي أَنَّكَ تَخْطُبُ، قَالَ: ابْنَةَ أُمِّ سَلَمَةَ، قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: لَوْ لَمْ تَكُنْ رَبِيبَتِي مَا حَلَّتْ لِي، أَرْضَعَتْنِي وَأَبَاهَا ثُوَيْبَةُ، فَلَا تَعْرِضْنَ عَلَيَّ بَنَاتِكُنَّ وَلَا أَخَوَاتِكُنَّ. وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ: دُرَّةُ بِنْتُ أم سَلَمَةَ.
قَوْلُهُ (بَابُ ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ هَذِهِ التَّرْجَمَةُ مَعْقُودَةٌ لِتَفْسِيرِ الرَّبِيبَةِ وَتَفْسِيرِ الْمُرَادِ بِالدُّخُولِ. فَأَمَّا الرَّبِيبَةُ فَهِيَ بِنْتُ امْرَأَةِ الرَّجُلِ، قِيلَ لَهَا ذَلِكَ لِأَنَّهَا مَرْبُوبَةٌ، وَغَلِطَ مَنْ قَالَ هُوَ مِنَ التَّرْبِيَةِ. وَأَمَّا الدُّخُولُ فَفِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْجِمَاعُ وَهُوَ أَصَحُّ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ، وَالْقَوْلُ الْآخَرُ وَهُوَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ الْمُرَادُ بِهِ الْخَلْوَةُ.
قَوْلُهُ (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الدُّخُولُ وَالْمَسِيسُ وَاللِّمَاسُ هُوَ الْجِمَاعُ) تَقَدَّمَ ذِكْرُ مَنْ وَصَلَهُ عَنْهُ فِي تَفْسِيرِ الْمَائِدَةِ، وَفِيهِ زِيَادَةٌ. وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ طَرِيقِ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيِّ قَالَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الدُّخُولُ وَالتَّغَشِّي وَالْإِفْضَاءُ وَالْمُبَاشَرَةُ وَالرَّفَثُ وَاللَّمْسُ الْجِمَاعُ، إِلَّا أَنَّ اللَّهَ حَيِيٌّ كَرِيمٌ يَكُنِّي بِمَا شَاءَ عَمَّا شَاءَ.
قَوْلُهُ (وَمَنْ قَالَ بَنَاتُ وَلَدِهَا هُنَّ مِنْ بَنَاتِهَا فِي التَّحْرِيمِ) سَقَطَ مِنْ هُنَا إِلَى آخِرِ التَّرْجَمَةِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، عَنِ السَّرَخْسِيِّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ حُكْمُ ذَلِكَ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ.
قَوْلُهُ (لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِأُمِّ حَبِيبَةٍ إِلَخْ) قَدْ وَصَلَهُ فِي الْبَابِ، وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْ عُمُومِ قَوْلِهِ بَنَاتِكُنَّ لِأَنَّ الِابْنَ بِنْتٌ.
قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ حَلَائِلُ وَلَدِ الْأَبْنَاءِ هُنَّ حَلَائِلُ الْأَبْنَاءِ) أَيْ مِثْلُهُنَّ فِي التَّحْرِيمِ، وَهَذَا بِالِاتِّفَاقِ، فَكَذَلِكَ بَنَاتُ الْأَبْنَاءِ وَبَنَاتُ الْبَنَاتِ.
قَوْلُهُ (وَهَلْ تُسَمَّى الرَّبِيبَةُ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِي حِجْرِهِ) أَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَنَّ التَّقْيِيدَ بِقَوْلِهِ (فِي حُجُورِكُمْ هَلْ هُوَ لِلْغَالِبِ، أَوْ يُعْتَبَرُ فِيهِ مَفْهُومُ الْمُخَالَفَةِ؟ وَقَدْ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى الْأَوَّلِ، وَفِيهِ خِلَافٌ قَدِيمٌ أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُمَا مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ: كَانَتْ عِنْدِي امْرَأَةٌ قَدْ وَلَدَتْ لِي، فَمَاتَتْ فَوَجَدْتُ عَلَيْهَا، فَلَقِيتُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ لِي: مَا لَكَ؟ فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: أَلِهَا ابْنَةٌ؟ يَعْنِي مِنْ غَيْرِكَ، قُلْتُ: نَعَمْ قَالَ: كَانَتْ فِي حِجْرِكَ؟ قُلْتُ: لَا، هِيَ فِي الطَّائِفِ، قَالَ: فَانْكِحْهَا، قُلْتُ: فَأَيْنَ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَرَبَائِبُكُمُ﴾ قَالَ إِنَّهَا لَمْ تَكُنْ فِي حِجْرِكَ. وَقَدْ دَفَعَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ هَذَا الْأَثَرَ وَادَّعَى نَفْيَ ثُبُوتِهِ بِأَنَّ إِبْرَاهِيمَ بْنَ عُبَيْدٍ لَا يُعْرَفُ، وَهُوَ عَجِيبٌ، فَإِنَّ الْأَثَرَ الْمَذْكُورَ عِنْدَ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفْسِيرِهِ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ رِفَاعَةَ، وَإِبْرَاهِيمُ ثِقَةٌ تَابِعِيٌّ مَعْرُوفٌ، وَأَبُوهُ وَجَدُّهُ صَحَابِيَّانِ، وَالْأَثَرُ صَحِيحٌ عَنْ عَلِيٍّ.
وَكَذَا صَحَّ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ أَفْتَى مَنْ سَأَلَهُ إِذْ تَزَوَّجَ بِنْتَ رَجُلٍ كَانَتْ تَحْتَهُ جِدَّتُهَا وَلَمْ تَكُنِ الْبِنْتُ فِي حِجْرِهِ أَخْرَجَهُ أَبُو عُبَيْدٍ، وَهَذَا وَإِنْ كَانَ الْجُمْهُورُ عَلَى خِلَافِهِ فَقَدِ احْتَجَّ أَبُو عُبَيْدٍ لِلْجُمْهُورِ بِقَوْلِهِ ﷺ فَلَا تَعْرِضْنَ عَلَيَّ بَنَاتِكُنَّ قَالَ نَعَمْ وَلَمْ يُقَيِّدْ بِالْحِجْرِ، وَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْمُطْلَقَ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُقَيَّدِ، وَلَوْلَا الْإِجْمَاعُ الْحَادِثُ فِي الْمَسْأَلَةِ وَنُدْرَةُ الْمُخَالِفِ لَكَانَ الْأَخْذُ بِهِ أَوْلَى. لِأَنَّ التَّحْرِيمَ جَاءَ مَشْرُوطًا بِأَمْرَيْنِ: أَنْ تَكُونَ فِي الْحِجْرِ وَأَنْ يَكُونَ الَّذِي يُرِيدُ التَّزْوِيجَ قَدْ دَخَلَ بِالْأُمِّ، فَلَا تَحْرُمُ بِوُجُودِ أَحَدِ الشَّرْطَيْنِ.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
علَّق الإباحةَ بعدمِ الدُّخولِ فقط، ولو كانت الحرمةُ مقيَّدةً بهما لتعلَّقتِ الإباحةُ بعدمِهما، وقال عليٌّ: لا تحرمُ الرَّبيبةُ إلَّا إذا كانت في حَجْرهِ لظاهرِ الآية، وقول عليٍّ هذا رواهُ عنه ابنُ أبي حاتم في «تفسيره»، وقال به أيضًا عمرُ بن الخطاب فيما رواه أبو عُبيد.
(وَدَفَعَ النَّبِيُّ ﷺ رَبِيبَةً لَهُ) هي زينبُ بنت أم سلمة (إِلَى مَنْ يَكْفُلُهَا) وهو نوفلٌ الأشجعيُّ وقال له: «إنَّما أنتَ ظِئرِي» رواه البزَّار والحاكم موصولًا (وَسَمَّى النَّبِيُّ ﷺ) فيما سبق موصولًا في «المناقب» [خ¦٣٧٤٦] (ابْنَ ابْنَتِهِ) الحسن بن علي (ابْنًا) حيث قال: «إنَّ ابني هذَا سيِّدٌ» وثبتَ قوله: «ومن قال … » (١) إلى هنا للمُستملي والكُشمِيهنيِّ (٢).
٥١٠٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ) عبد الله بن الزُّبيرِ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينةَ قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ) عروةَ بن الزُّبير (عَنْ زَيْنَبَ) بنت أبي سلمةَ (عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ) بنت أبي سفيان أنَّها (قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلْ لَكَ فِي) تزويج أختِي عزَّة أو درَّة أو حَمْنة (بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ؟ قَالَ: فَأَفْعَلُ مَاذَا؟) قالتْ أمُّ حبيبةَ: (قُلْتُ): يا رسول الله (تَنْكِحُـ) ها (قَالَ: أَتُحِبِّينَ؟) أي: ذلك، وأرادَ بالاستفهامِ الاستثبات في شدَّةِ الرَّغبةِ ليتقرَّر الجوابُ بعد ذلك، وأيضًا ليعلمَ السَّبب في محبَّتها ذلك ليرتِّبَ (٣) عليه الحكمَ الشَّرعيَّ، ولذا قالت: (قُلْتُ: لَسْتُ لَكَ بِمُخْلِيَةٍ) بضم الميم وسكون المعجمة، اسم فاعلٍ من أخلاهُ، وَجَدهُ خاليًا، فهو مخلٍ، والمرأةُ مخليةٌ، وهذا (٤) من مَعاني صيغةِ أفعلَ، كأحمدتهُ وجدتهُ حميدًا، أي: لستُ أجدكَ خاليًا من الزَّوجاتِ غيري
(وَأَحَبُّ مَنْ شَرَِكَنِي) بفتح الشين وكسر الراء، وتفتح من غير ألفٍ (فِيكَ أُخْتِي. قَالَ) ﵊: (إِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِي) لما فيه من الجمعِ بين الأختينِ (قُلْتُ): يا رسول الله (بَلَغَنِي أَنَّكَ تَخْطُبُ) أي: بنت أبي سلمة درَّة (قَالَ: ابْنَةَ أُمِّ سَلَمَةَ؟) أي: أأنكحها (قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ) ﵊: (لَوْ لَمْ تَكُنْ رَبِيبَتِي مَا حَلَّتْ لِي؛ أَرْضَعَتْنِي وَأَبَاهَا) بفتح الهمزة والموحدة المخففة، أي: والد دُرَّة أبا سلمة (ثُوَيْبَةُ) رفع على الفاعليَّة، وقوله: «لو لم». قال في «المصابيح»: هذا مثلُ: «نعمَ العبدُ صهيبٌ، لو لم يخفِ اللهَ لم يعصهِ»، فإنَّ حِلَّها للنَّبيِّ ﷺ منتفٍ من جهتين: كونُها ربيبتَهُ، وكونُها ابنةَ أخيهِ من الرَّضاعةِ، كما أنَّ معصيةَ صهيبٍ منتفيةٌ من جهتِي المخافَةِ والإجلال (فَلَا تَعْرِضْنَ) بفتح التاء وكسر الراء وسكون الضاد، كيضربْنَ (عَلَيَّ بَنَاتِكُنَّ وَلَا أَخَوَاتِكُنَّ).
(وَقَالَ اللَّيْثُ) بن سعد الإمامُ: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) أي: ابنُ عروة، بالإسناد المذكورِ، فسمَّى بنت أبي سلمة فقال: هي (دُرَّةُ) بضم الدال المهملة وفتح الراء المشددة (بِنْتُ أَبِي سَلَمَةَ) ولأبي ذرٍّ: «أمُّ سلمَةَ» فوهم من سمَّاهَا زينب.
(٢٦) هذا (بابٌ) بالتنوين في قوله تعالى: (﴿وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾) في موضعِ رفع عطفًا على المحرَّمات، أي: وحرَّمَ عليكُم الجمعَ بين الأختينِ لما فيه من قطيعةِ الرَّحمِ، وإن رضيتْ بذلك، فإنَّ الطبعَ يتغيَّرُ، وإليه أشارَ ﷺ بقوله: «إنَّكُم إذا فعلتُم ذلكَ قطَّعتُم أَرحامهنَّ» كما زاده (١) ابن حبَّان والطَّبرانيُّ وغيرهما، سواءٌ كانتا من الأبوينِ، أو من أحدِهما، من النَّسبِ أو الرَّضاعِ، وسواءٌ النِّكاح وملك اليمينِ، ولو اشتَرى زوجتهُ بأن كانتْ أمةً فلهُ أن يتزوَّجَ أُختها وأربعًا سِواها لأنَّ ذلك الفراش قد انقطعَ، ولو اشتَرى أختين صحَّ الشِّراءُ إجماعًا لأنَّه لا يتعيَّنُ الوطءُ، فلو وطئَ إحداهما -ولو في الدُّبرِ- حَرُمَتِ الأُخرى للجمعِ المنهيِّ عنه (﴿إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٣]) من الجمعِ بينهما، فمعفوٌّ عنه.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِي حَجْرِهِ؟ وَدَفَعَ النَّبِيُّ ﷺ رَبِيبَةً لَهُ إِلَى مَنْ يَكْفُلُهَا، وَسَمَّى النَّبِيُّ ﷺ ابْنَ ابْنَتِهِ ابْنًا.
٥١٠٦ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ زَيْنَبَ، عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ لَكَ فِي بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ، قَالَ: فَأَفْعَلُ مَاذَا؟ قُلْتُ: تَنْكِحُ، قَالَ: أَتُحِبِّينَ؟ قُلْتُ: لَسْتُ لَكَ بِمُخْلِيَةٍ، وَأَحَبُّ مَنْ شَرِكَنِي فِيكَ أُخْتِي، قَالَ: إِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِي، قُلْتُ: بَلَغَنِي أَنَّكَ تَخْطُبُ، قَالَ: ابْنَةَ أُمِّ سَلَمَةَ، قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: لَوْ لَمْ تَكُنْ رَبِيبَتِي مَا حَلَّتْ لِي، أَرْضَعَتْنِي وَأَبَاهَا ثُوَيْبَةُ، فَلَا تَعْرِضْنَ عَلَيَّ بَنَاتِكُنَّ وَلَا أَخَوَاتِكُنَّ. وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ: دُرَّةُ بِنْتُ أم سَلَمَةَ.
قَوْلُهُ (بَابُ ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ هَذِهِ التَّرْجَمَةُ مَعْقُودَةٌ لِتَفْسِيرِ الرَّبِيبَةِ وَتَفْسِيرِ الْمُرَادِ بِالدُّخُولِ. فَأَمَّا الرَّبِيبَةُ فَهِيَ بِنْتُ امْرَأَةِ الرَّجُلِ، قِيلَ لَهَا ذَلِكَ لِأَنَّهَا مَرْبُوبَةٌ، وَغَلِطَ مَنْ قَالَ هُوَ مِنَ التَّرْبِيَةِ. وَأَمَّا الدُّخُولُ فَفِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْجِمَاعُ وَهُوَ أَصَحُّ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ، وَالْقَوْلُ الْآخَرُ وَهُوَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ الْمُرَادُ بِهِ الْخَلْوَةُ.
قَوْلُهُ (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الدُّخُولُ وَالْمَسِيسُ وَاللِّمَاسُ هُوَ الْجِمَاعُ) تَقَدَّمَ ذِكْرُ مَنْ وَصَلَهُ عَنْهُ فِي تَفْسِيرِ الْمَائِدَةِ، وَفِيهِ زِيَادَةٌ. وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ طَرِيقِ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيِّ قَالَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الدُّخُولُ وَالتَّغَشِّي وَالْإِفْضَاءُ وَالْمُبَاشَرَةُ وَالرَّفَثُ وَاللَّمْسُ الْجِمَاعُ، إِلَّا أَنَّ اللَّهَ حَيِيٌّ كَرِيمٌ يَكُنِّي بِمَا شَاءَ عَمَّا شَاءَ.
قَوْلُهُ (وَمَنْ قَالَ بَنَاتُ وَلَدِهَا هُنَّ مِنْ بَنَاتِهَا فِي التَّحْرِيمِ) سَقَطَ مِنْ هُنَا إِلَى آخِرِ التَّرْجَمَةِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، عَنِ السَّرَخْسِيِّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ حُكْمُ ذَلِكَ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ.
قَوْلُهُ (لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِأُمِّ حَبِيبَةٍ إِلَخْ) قَدْ وَصَلَهُ فِي الْبَابِ، وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْ عُمُومِ قَوْلِهِ بَنَاتِكُنَّ لِأَنَّ الِابْنَ بِنْتٌ.
قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ حَلَائِلُ وَلَدِ الْأَبْنَاءِ هُنَّ حَلَائِلُ الْأَبْنَاءِ) أَيْ مِثْلُهُنَّ فِي التَّحْرِيمِ، وَهَذَا بِالِاتِّفَاقِ، فَكَذَلِكَ بَنَاتُ الْأَبْنَاءِ وَبَنَاتُ الْبَنَاتِ.
قَوْلُهُ (وَهَلْ تُسَمَّى الرَّبِيبَةُ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِي حِجْرِهِ) أَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَنَّ التَّقْيِيدَ بِقَوْلِهِ (فِي حُجُورِكُمْ هَلْ هُوَ لِلْغَالِبِ، أَوْ يُعْتَبَرُ فِيهِ مَفْهُومُ الْمُخَالَفَةِ؟ وَقَدْ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى الْأَوَّلِ، وَفِيهِ خِلَافٌ قَدِيمٌ أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُمَا مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ: كَانَتْ عِنْدِي امْرَأَةٌ قَدْ وَلَدَتْ لِي، فَمَاتَتْ فَوَجَدْتُ عَلَيْهَا، فَلَقِيتُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ لِي: مَا لَكَ؟ فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: أَلِهَا ابْنَةٌ؟ يَعْنِي مِنْ غَيْرِكَ، قُلْتُ: نَعَمْ قَالَ: كَانَتْ فِي حِجْرِكَ؟ قُلْتُ: لَا، هِيَ فِي الطَّائِفِ، قَالَ: فَانْكِحْهَا، قُلْتُ: فَأَيْنَ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَرَبَائِبُكُمُ﴾ قَالَ إِنَّهَا لَمْ تَكُنْ فِي حِجْرِكَ. وَقَدْ دَفَعَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ هَذَا الْأَثَرَ وَادَّعَى نَفْيَ ثُبُوتِهِ بِأَنَّ إِبْرَاهِيمَ بْنَ عُبَيْدٍ لَا يُعْرَفُ، وَهُوَ عَجِيبٌ، فَإِنَّ الْأَثَرَ الْمَذْكُورَ عِنْدَ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفْسِيرِهِ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ رِفَاعَةَ، وَإِبْرَاهِيمُ ثِقَةٌ تَابِعِيٌّ مَعْرُوفٌ، وَأَبُوهُ وَجَدُّهُ صَحَابِيَّانِ، وَالْأَثَرُ صَحِيحٌ عَنْ عَلِيٍّ.
وَكَذَا صَحَّ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ أَفْتَى مَنْ سَأَلَهُ إِذْ تَزَوَّجَ بِنْتَ رَجُلٍ كَانَتْ تَحْتَهُ جِدَّتُهَا وَلَمْ تَكُنِ الْبِنْتُ فِي حِجْرِهِ أَخْرَجَهُ أَبُو عُبَيْدٍ، وَهَذَا وَإِنْ كَانَ الْجُمْهُورُ عَلَى خِلَافِهِ فَقَدِ احْتَجَّ أَبُو عُبَيْدٍ لِلْجُمْهُورِ بِقَوْلِهِ ﷺ فَلَا تَعْرِضْنَ عَلَيَّ بَنَاتِكُنَّ قَالَ نَعَمْ وَلَمْ يُقَيِّدْ بِالْحِجْرِ، وَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْمُطْلَقَ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُقَيَّدِ، وَلَوْلَا الْإِجْمَاعُ الْحَادِثُ فِي الْمَسْأَلَةِ وَنُدْرَةُ الْمُخَالِفِ لَكَانَ الْأَخْذُ بِهِ أَوْلَى. لِأَنَّ التَّحْرِيمَ جَاءَ مَشْرُوطًا بِأَمْرَيْنِ: أَنْ تَكُونَ فِي الْحِجْرِ وَأَنْ يَكُونَ الَّذِي يُرِيدُ التَّزْوِيجَ قَدْ دَخَلَ بِالْأُمِّ، فَلَا تَحْرُمُ بِوُجُودِ أَحَدِ الشَّرْطَيْنِ.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
علَّق الإباحةَ بعدمِ الدُّخولِ فقط، ولو كانت الحرمةُ مقيَّدةً بهما لتعلَّقتِ الإباحةُ بعدمِهما، وقال عليٌّ: لا تحرمُ الرَّبيبةُ إلَّا إذا كانت في حَجْرهِ لظاهرِ الآية، وقول عليٍّ هذا رواهُ عنه ابنُ أبي حاتم في «تفسيره»، وقال به أيضًا عمرُ بن الخطاب فيما رواه أبو عُبيد.
(وَدَفَعَ النَّبِيُّ ﷺ رَبِيبَةً لَهُ) هي زينبُ بنت أم سلمة (إِلَى مَنْ يَكْفُلُهَا) وهو نوفلٌ الأشجعيُّ وقال له: «إنَّما أنتَ ظِئرِي» رواه البزَّار والحاكم موصولًا (وَسَمَّى النَّبِيُّ ﷺ) فيما سبق موصولًا في «المناقب» [خ¦٣٧٤٦] (ابْنَ ابْنَتِهِ) الحسن بن علي (ابْنًا) حيث قال: «إنَّ ابني هذَا سيِّدٌ» وثبتَ قوله: «ومن قال … » (١) إلى هنا للمُستملي والكُشمِيهنيِّ (٢).
٥١٠٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ) عبد الله بن الزُّبيرِ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينةَ قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ) عروةَ بن الزُّبير (عَنْ زَيْنَبَ) بنت أبي سلمةَ (عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ) بنت أبي سفيان أنَّها (قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلْ لَكَ فِي) تزويج أختِي عزَّة أو درَّة أو حَمْنة (بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ؟ قَالَ: فَأَفْعَلُ مَاذَا؟) قالتْ أمُّ حبيبةَ: (قُلْتُ): يا رسول الله (تَنْكِحُـ) ها (قَالَ: أَتُحِبِّينَ؟) أي: ذلك، وأرادَ بالاستفهامِ الاستثبات في شدَّةِ الرَّغبةِ ليتقرَّر الجوابُ بعد ذلك، وأيضًا ليعلمَ السَّبب في محبَّتها ذلك ليرتِّبَ (٣) عليه الحكمَ الشَّرعيَّ، ولذا قالت: (قُلْتُ: لَسْتُ لَكَ بِمُخْلِيَةٍ) بضم الميم وسكون المعجمة، اسم فاعلٍ من أخلاهُ، وَجَدهُ خاليًا، فهو مخلٍ، والمرأةُ مخليةٌ، وهذا (٤) من مَعاني صيغةِ أفعلَ، كأحمدتهُ وجدتهُ حميدًا، أي: لستُ أجدكَ خاليًا من الزَّوجاتِ غيري
(وَأَحَبُّ مَنْ شَرَِكَنِي) بفتح الشين وكسر الراء، وتفتح من غير ألفٍ (فِيكَ أُخْتِي. قَالَ) ﵊: (إِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِي) لما فيه من الجمعِ بين الأختينِ (قُلْتُ): يا رسول الله (بَلَغَنِي أَنَّكَ تَخْطُبُ) أي: بنت أبي سلمة درَّة (قَالَ: ابْنَةَ أُمِّ سَلَمَةَ؟) أي: أأنكحها (قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ) ﵊: (لَوْ لَمْ تَكُنْ رَبِيبَتِي مَا حَلَّتْ لِي؛ أَرْضَعَتْنِي وَأَبَاهَا) بفتح الهمزة والموحدة المخففة، أي: والد دُرَّة أبا سلمة (ثُوَيْبَةُ) رفع على الفاعليَّة، وقوله: «لو لم». قال في «المصابيح»: هذا مثلُ: «نعمَ العبدُ صهيبٌ، لو لم يخفِ اللهَ لم يعصهِ»، فإنَّ حِلَّها للنَّبيِّ ﷺ منتفٍ من جهتين: كونُها ربيبتَهُ، وكونُها ابنةَ أخيهِ من الرَّضاعةِ، كما أنَّ معصيةَ صهيبٍ منتفيةٌ من جهتِي المخافَةِ والإجلال (فَلَا تَعْرِضْنَ) بفتح التاء وكسر الراء وسكون الضاد، كيضربْنَ (عَلَيَّ بَنَاتِكُنَّ وَلَا أَخَوَاتِكُنَّ).
(وَقَالَ اللَّيْثُ) بن سعد الإمامُ: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) أي: ابنُ عروة، بالإسناد المذكورِ، فسمَّى بنت أبي سلمة فقال: هي (دُرَّةُ) بضم الدال المهملة وفتح الراء المشددة (بِنْتُ أَبِي سَلَمَةَ) ولأبي ذرٍّ: «أمُّ سلمَةَ» فوهم من سمَّاهَا زينب.
(٢٦) هذا (بابٌ) بالتنوين في قوله تعالى: (﴿وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾) في موضعِ رفع عطفًا على المحرَّمات، أي: وحرَّمَ عليكُم الجمعَ بين الأختينِ لما فيه من قطيعةِ الرَّحمِ، وإن رضيتْ بذلك، فإنَّ الطبعَ يتغيَّرُ، وإليه أشارَ ﷺ بقوله: «إنَّكُم إذا فعلتُم ذلكَ قطَّعتُم أَرحامهنَّ» كما زاده (١) ابن حبَّان والطَّبرانيُّ وغيرهما، سواءٌ كانتا من الأبوينِ، أو من أحدِهما، من النَّسبِ أو الرَّضاعِ، وسواءٌ النِّكاح وملك اليمينِ، ولو اشتَرى زوجتهُ بأن كانتْ أمةً فلهُ أن يتزوَّجَ أُختها وأربعًا سِواها لأنَّ ذلك الفراش قد انقطعَ، ولو اشتَرى أختين صحَّ الشِّراءُ إجماعًا لأنَّه لا يتعيَّنُ الوطءُ، فلو وطئَ إحداهما -ولو في الدُّبرِ- حَرُمَتِ الأُخرى للجمعِ المنهيِّ عنه (﴿إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٣]) من الجمعِ بينهما، فمعفوٌّ عنه.