«كُنْتُ غُلَامًا فِي حَجْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَكَانَتْ يَدِي تَطِيشُ فِي…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٥٣٧٦

الحديث رقم ٥٣٧٦ من كتاب «كتاب الأطعمة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب التسمية على الطعام والأكل باليمين.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٥٣٧٦ في صحيح البخاري

«كُنْتُ غُلَامًا فِي حَجْرِ رَسُولِ اللهِ وَكَانَتْ يَدِي تَطِيشُ فِي الصَّحْفَةِ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ : يَا غُلَامُ، سَمِّ اللهَ، وَكُلْ بِيَمِينِكَ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ. فَمَا زَالَتْ تِلْكَ طِعْمَتِي بَعْدُ.»

الأَكْلُ مِمَّا يَلِيهِ وَقَالَ أَنَسٌ قَالَ النَّبِيُّ اذْكُرُوا اسْمَ اللهِ وَلْيَأْكُلْ كُلُّ رَجُلٍ مِمَّا يَلِيهِ

إسناد حديث رقم ٥٣٧٦ من صحيح البخاري

٥٣٧٦ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ قَالَ الْوَلِيدُ بْنُ كَثِيرٍ: أَخْبَرَنِي أَنَّهُ سَمِعَ وَهْبَ بْنَ كَيْسَانَ: أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ يَقُولُ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٥٣٧٦: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

٢ - بَاب التَّسْمِيَةِ عَلَى الطَّعَامِ وَالْأَكْلِ بِالْيَمِينِ

٥٣٧٦ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ قَالَ: الْوَلِيدُ بْنُ كَثِيرٍ أَخْبَرَنِي، أَنَّهُ سَمِعَ وَهْبَ بْنَ كَيْسَانَ، أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ يَقُولُ: كُنْتُ غُلَامًا فِي حَجْرِ رَسُولِ اللَّهِ ، وَكَانَتْ يَدِي تَطِيشُ فِي الصَّحْفَةِ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ : يَا غُلَامُ، سَمِّ اللَّهَ، وَكُلْ بِيَمِينِكَ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ، فَمَا زَالَتْ تِلْكَ طِعْمَتِي بَعْدُ.

[الحديث ٥٣٧٦ - طرفاه في: ٥٣٧٧، ٥٣٧٨]

قَوْلُهُ: (بَابُ التَّسْمِيَةِ عَلَى الطَّعَامِ، وَالْأَكْلُ بِالْيَمِينِ) الْمُرَادُ بِالتَّسْمِيَةِ عَلَى الطَّعَامِ، قَوْلُ: بِسْمِ اللَّهِ، فِي ابْتِدَاءِ الْأَكْلِ، وَأَصْرَحُ مَا وَرَدَ فِي صِفَةِ التَّسْمِيَةِ مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ أُمِّ كُلْثُومٍ عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا: إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ طَعَامًا، فَلْيَقُلْ: بِسْمِ اللَّهِ، فَإِنْ نَسِيَ فِي أَوَّلِهِ فَلْيَقُلْ: بِسْمِ اللَّهِ فِي أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ أُمَيَّةَ بْنِ مَخْشِيٍّ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيِّ، وَأَمَّا قَوْلُ النَّوَوِيِّ فِي أَدَبِ الْأَكْلِ مِنْ الْأَذْكَارِ: صِفَةُ التَّسْمِيَةِ مِنْ أَهَمِّ مَا يَنْبَغِي مَعْرِفَتُهُ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَقُولَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فَإِنْ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ، كَفَاهُ وَحَصَلَتِ السُّنَّةُ. فَلَمْ أَرَ لِمَا ادَّعَاهُ مِنَ الْأَفْضَلِيَّةِ دَلِيلًا خَاصًّا، وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ الْغَزَالِيُّ فِي آدَابِ الْأَكْلِ مِنَ الْإِحْيَاءِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ فِي كُلِّ لُقْمَةٍ بِسْمِ اللَّهِ كَانَ حَسَنًا، وَأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ مَعَ الْأُولَى: بِسْمِ اللَّهِ، وَمَعَ الثَّانِيَةِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ، وَمَعَ الثَّالِثَةِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فَلَمْ أَرَ لِاسْتِحْبَابِ ذَلِكَ دَلِيلًا، وَالتَّكْرَارُ قَدْ بَيَّنَ هُوَ وَجْهَهُ بِقَوْلِهِ: حَتَّى لَا يَشْغَلَهُ الْأَكْلُ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَالْأَكْلُ بِالْيَمِينِ فَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ، وَهُوَ يَتَنَاوَلُ مَنْ يَتَعَاطَى ذَلِكَ بِنَفْسِهِ، وَكَذَا بِغَيْرِهِ بِأَنْ يَحْتَاجَ إِلَى أَنْ يُلْقِمَهُ غَيْرُهُ، وَلَكِنَّهُ بِيَمِينِهِ لَا بِشِمَالِهِ.

قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ قَالَ: الْوَلِيدُ بْنُ كَثِيرٍ أَخْبَرَنِي) كَذَا وَقَعَ هُنَا وَهُوَ مِنْ تَأْخِيرِ الصِّيغَةِ عَنِ الرَّاوِي، وَهُوَ جَائِزٌ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْحُمَيْدِيُّ فِي مُسْنَدِهِ وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ طَرِيقِهِ عَنْ سُفْيَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ كَثِيرٍ وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ خَلَّادٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الْوَلِيدِ بِالْعَنْعَنَةِ، ثُمَّ قَالَ آخِرَهُ: فَسَأَلُوهُ عَنْ إِسْنَادِهِ، فَقَالَ: حَدَّثَنِي الْوَلِيدُ بْنُ كَثِيرٍ وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ السِّرُّ فِي سِيَاقِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ لَهُ عَلَى هَذِهِ الْكَيْفِيَّةِ، وَلِسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ سَنَدٌ آخَرُ، أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَنْصُورٍ، وَابْنُ مَاجَهْ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ؛ كِلَاهُمَا عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، وَقَدِ اخْتُلِفَ عَلَى هِشَامٍ فِي سَنَدِهِ، فَكَأَنَّ الْبُخَارِيَّ عَرَّجَ عَنْ هَذِهِ الطَّرِيقِ لِذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (عُمَرُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ) أَيِ: ابْنُ عَبْدِ الْأَسَدِ بْنِ هِلَالِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ، وَاسْمُ أَبِي سَلَمَةَ عَبْدُ اللَّهِ، وَأُمُّ عُمَرَ الْمَذْكُورِ هِيَ أُمُّ سَلَمَة زَوْجُ النَّبِيِّ ، وَلِذَلِكَ جَاءَ فِي آخِرِ الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ وَصْفُهُ بِأَنَّهُ رَبِيبُ النَّبِيِّ .

قَوْلُهُ: (كُنْتُ غُلَامًا) أَيْ: دُونَ الْبُلُوغِ، يُقَالُ لِلصَّبِيِّ مِنْ حِينِ يُولَدُ إِلَى أَنْ يَبْلُغَ الْحُلُمَ: غُلَامٌ، وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّهُ وُلِدَ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ، وَتَبِعَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، وَفِيهِ نَظَرٌ، بَلِ الصَّوَابُ أَنَّهُ وُلِدَ قَبْلَ ذَلِكَ، فَقَدْ صَحَّ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَعُمَرُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ مَعَ النِّسْوَةِ يَوْمَ الْخَنْدَقِ، وَكَانَ أَكْبَرَ مِنِّي بِسَنَتَيْنِ انْتَهَى. وَمَوْلِدُ ابْنِ الزُّبَيْرِ فِي السَّنَةِ الْأُولَى عَلَى الصَّحِيحِ، فَيَكُونُ مَوْلِدُ عُمَرَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِسَنَتَيْنِ.

قَوْلُهُ (: فِي حَجْرِ رَسُولِ اللَّهِ بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْجِيمِ، أَيْ: فِي تَرْبِيَتِهِ، وَتَحْتَ نَظَرِهِ، وَأَنَّهُ يُرَبِّيهِ فِي حِضْنِهِ تَرْبِيَةَ الْوَلَدِ، قَالَ عِيَاضٌ: الْحَجْرُ يُطْلَقُ عَلَى الْحِضْنِ وَعَلَى الثَّوْبِ فَيَجُوزُ فِيهِ الْفَتْحُ وَالْكَسْرُ، وَإِذَا أُرِيدَ بِهِ مَعْنَى الْحَضَانَةِ فَبِالْفَتْحِ لَا غَيْرِ، فَإِنْ أُرِيدَ بِهِ الْمَنْعُ مِنَ التَّصَرُّفِ فَبِالْفَتْحِ فِي الْمَصْدَرِ

وَبِالْكَسْرِ فِي الِاسْمِ لَا غَيْرُ.

قَوْلُهُ: (وَكَانَتْ يَدِي تَطِيشُ فِي الصَّحْفَةِ) أَيْ: عِنْدَ الْأَكْلِ، وَمَعْنَى تَطِيشُ - وَهُوَ بِالطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ بِوَزْنِ تَطِيرُ - تَتَحَرَّكُ، فَتَمِيلُ إِلَى نَوَاحِيَ الْقَصْعَةِ وَلَا تَقْتَصِرُ عَلَى مَوْضِعٍ وَاحِدٍ، قَالَهُ الطِّيبِيُّ: قَالَ: وَالْأَصْلُ أَطِيشُ بِيَدَيْ فَأَسْنَدَ الطَّيْشَ إِلَى يَدِهِ مُبَالَغَةً، وَقَالَ غَيْرُهُ: مَعْنَى تَطِيشُ: تَخِفُّ وَتُسْرِعُ، وَسَيَأْتِي فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ بِلَفْظِ: أَكَلْتُ مَعَ النَّبِيِّ طَعَامًا، فَجَعَلْتُ آكُلُ مِنْ نَوَاحِيَ الصَّحْفَةِ وَهُوَ يُفَسِّرُ الْمُرَادَ، وَالصَّحْفَةُ مَا تُشْبِعُ خَمْسَةً وَنَحْوَهَا، وَهِيَ أَكْبَرُ مِنَ الْقَصْعَةِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيقِ عُرْوَةَ: عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ وَعِنْدَهُ طَعَامٌ، فَقَالَ: ادْنُ يَا بُنَيَّ، وَيَأْتِي فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي فِي آخِرِ الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ: أَتَى النَّبِيُّ بِطَعَامٍ وَعِنْدَهُ رَبِيبُهُ وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَنَّ مَجِيءَ الطَّعَامِ وَافَقَ دُخُولَهُ.

قَوْلُهُ: (يَا غُلَامُ، سَمِّ اللَّهِ) قَالَ النَّوَوِيُّ: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى اسْتِحْبَابِ التَّسْمِيَةِ عَلَى الطَّعَامِ فِي أَوَّلِهِ، وَفِي نَقْلِ الْإِجْمَاعِ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ نَظَرٌ، إِلَّا إِنْ أُرِيدَ بِالِاسْتِحْبَابِ أَنَّهُ رَاجِحُ الْفِعْلِ، وَإِلَّا فَقَدْ ذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى وُجُوبِ ذَلِكَ، وَهُوَ قَضِيَّةُ الْقَوْلِ بِإِيجَابِ الْأَكْلِ بِالْيَمِينِ؛ لِأَنَّ صِيغَةَ الْأَمْرِ بِالْجَمِيعِ وَاحِدَةٌ.

قَوْلُهُ: (وَكُلْ بِيَمِينِكَ، وَمِمَّا يَلِيكَ) قَالَ شَيْخُنَا فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ: حَمَلَهُ أَكْثَرُ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى النَّدْبِ، وَبِهِ جَزَمَ الْغَزَالِيُّ ثُمَّ النَّوَوِيُّ، لَكِنْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ فِي الرِّسَالَةِ وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ الْأُمِّ عَلَى الْوُجُوبِ. قُلْتُ: وَكَذَا ذَكَرَهُ عَنْهُ الصَّيْرَفِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ وَنَقَلَ الْبُوَيْطِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ أَنَّ الْأَكْلَ مِنْ رَأْسِ الثَّرِيدِ وَالتَّعْرِيسَ عَلَى الطَّرِيقِ وَالْقِرَانَ فِي التَّمْرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا وَرَدَ الْأَمْرُ بِضِدِّهِ حَرَامٌ، وَمَثَّلَ الْبَيْضَاوِيُّ فِي مِنْهَاجِهِ لِلنَّدَبِ بِقَوْلِهِ : كُلْ مِمَّا يَلِيكَ وَتَعَقَّبَهُ تَاجُ الدِّينِ السُّبْكِيُّ فِي شَرْحِهِ بِأَنَّ الشَّافِعِيَّ نَصَّ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ عَلَى أَنَّ مَنْ أَكَلَ مِمَّا لَا يَلِيهِ عَالِمًا بِالنَّهْيِ كَانَ عَاصِيًا آثِمًا. قَالَ: وَقَدْ جَمَعَ وَالِدِي نَظَائِرَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي كِتَابٍ لَهُ سَمَّاهُ كَشْفُ اللَّبْسِ عَنِ الْمَسَائِلِ الْخَمْسِ وَنَصَرَ الْقَوْلَ بِأَنَّ الْأَمْرَ فِيهَا لِلْوُجُوبِ. قُلْتُ: وَيَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الْأَكْلِ بِالْيَمِينِ وُرُودُ الْوَعِيدِ فِي الْأَكْلِ بِالشِّمَالِ فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ أَنَّ النَّبِيَّ رَأَى رَجُلًا يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ، فَقَالَ: كُلْ بِيَمِينِكَ، قَالَ: لَا أَسْتَطِيعُ. قَالَ: لَا اسْتَطَعْتَ.

فَمَا رَفَعَهَا إِلَى فِيهِ بَعْدُ، وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ سُبَيْعَةَ الْأَسْلَمِيَّةِ مِنْ حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ رَأَى سُبَيْعَةَ الْأَسْلَمِيَّةَ تَأْكُلُ بِشِمَالِهَا، فَقَالَ: أَخَذَهَا دَاءُ غَزَّةَ، فَقَالَ: إِنَّ بِهَا قُرْحَةً، قَالَ: وَإِنْ، فَمَرَّتْ بِغَزَّةَ، فَأَصَابَهَا طَاعُونٌ فَمَاتَتْ، وَأَخْرَجَ مُحَمَّدُ بْنُ الرَّبِيعِ الْجِيزِيُّ فِي مُسْنَدِ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ نَزَلُوا مِصْرَ وَسَنَدُهُ حَسَنٌ وَثَبَتَ النَّهْيُ عَنِ الْأَكْلِ بِالشِّمَالِ، وَأَنَّهُ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَمِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَعِنْدَ أَحْمَدَ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَائِشَةَ رَفَعَتْهُ: مَنْ أَكَلَ بِشِمَالِهِ أَكَلَ مَعَهُ الشَّيْطَانُ الْحَدِيثَ. وَنَقَلَ الطِّيبِيُّ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: إِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ أَيْ: يَحْمِلُ أَوْلِيَاءَهُ مِنَ الْإِنْسِ عَلَى ذَلِكَ؛ لِيُضَادَّ بِهِ عِبَادَ اللَّهِ الصَّالِحِينَ قَالَ الطِّيبِيُّ: وَتَحْرِيرُهُ لَا تَأْكُلُوا بِالشِّمَالِ، فَإِنْ فَعَلْتُمْ كُنْتُمْ مِنْ أَوْلِيَاءِ الشَّيْطَانِ؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَحْمِلُ أَوْلِيَاءَهُ عَلَى ذَلِكَ. انْتَهَى. وَفِيهِ عُدُولٌ عَنِ الظَّاهِرِ، وَالْأَوْلَى حَمْلُ الْخَبَرِ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَأَنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّ الْعَقْلَ لَا يُحِيلُ ذَلِكَ، وَقَدْ ثَبَتَ الْخَبَرُ بِهِ، فَلَا يُحْتَاجُ إِلَى تَأْوِيلِهِ، وَحَكَى الْقُرْطُبِيُّ فِي ذَلِكَ احْتِمَالَيْنِ ثُمَّ قَالَ: وَالْقُدْرَةُ صَالِحَةٌ. ثُمَّ ذَكَرَ مِنْ عِنْدِ مُسْلِمٍ أَنَّ الشَّيْطَانَ يَسْتَحِلُّ الطَّعَامَ إِذَا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، قَالَ: وَهَذَا عِبَارَةٌ عَنْ تَنَاوُلِهِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ اسْتِحْسَانُهُ رَفْعَ الْبَرَكَةِ مِنْ ذَلِكَ الطَّعَامِ إِذَا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ.

قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَقَوْلُهُ : فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ ظَاهِرُهُ أَنَّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ تَشَبَّهَ بِالشَّيْطَانِ، وَأَبْعَدَ وَتَعَسَّفَ مَنْ أَعَادَ الضَّمِيرَ فِي شِمَالِهِ عَلَى الْآكِلِ.

قَالَ النَّوَوِيُّ: فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ اسْتِحْبَابُ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ بِالْيَمِينِ، وَكَرَاهَةُ ذَلِكَ بِالشِّمَالِ، وَكَذَلِكَ كُلُّ أَخْذٍ وَعَطَاءٍ كَمَا وَقَعَ فِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ،

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

والجملة في موضع نصب مفعول «تولَّى الله» (وَاللهِ لَقَدِ اسْتَقْرَأْتُكَ الآيَةَ وَلأَنَا) مبتدأ مؤكَّد باللام، وخبره قوله: (أَقْرَأُ لَهَا مِنْكَ. قَالَ عُمَرُ: وَاللهِ لأَنْ أَكُونَ أَدْخَلْتُكَ) داري، وأضفتُك (أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِي مِثْلُ حُمْرِ النَّعَمِ) عبر بذلك لأنَّ الإبلَ كانت أشرف أموالهم.

(٢) (بابُ) استحبابِ (التَّسْمِيَةِ عَلَى الطَّعَامِ) عند ابتداءِ الأكل ولو من جنبٍ وحائضٍ (وَ) استحباب (الأَكْلِ بِاليَمِينِ) وهذه الجملةُ مشطوبٌ عليها بالحمرةِ (١) في الفرع كأصله.

٥٣٧٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة قال: (قَالَ الوَلِيدُ بْنُ كَثِيرٍ) بالمثلَّثة، المخزوميُّ القرشيُّ المدنيُّ: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد، وهو من تأخيرِ الصِّيغة عن الرَّاوي.

وعند أبي نُعيمٍ في «مستخرجه» والحميدي في «مسنده» عن سفيان، قال: حدَّثنا الوليد بن كثيرٍ (أَنَّهُ سَمِعَ وَهْبَ بْنَ كَيْسَانَ) بفتح الكاف (أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ) بضم العين، ابن عبد الأسد، واسم أبي سلمة: عبد الله (يَقُولُ: كُنْتُ غُلَامًا) دون البلوغ (فِي حَجْرِ رَسُولِ اللهِ ) بفتح الحاء وسكون الجيم في تربيته وتحت نظرهِ.

وقال في «القاموس»: الحَُِجر -مثلَّثة-: المنعُ، وحضنُ الإنسانِ، ونشأ في حِجْرهِ وحَجْره (٢)، أي: في حفظهِ وستره.

وقد كان عمرُ هذا ابن أمِّ سلمة زوج النَّبيِّ (وَكَانَتْ يَدِي تَطِيشُ) بالطاء المهملة

والشين المعجمة، أي: تتحرَّك وتمتدُّ (فِي) نواحي (الصَّحْفَةِ) ولا تقتصرُ على موضعٍ واحدٍ، وكان الظَّاهر -كما قال في «شرح المشكاة» - أن يقال: كنتُ أطيشُ بيدِي في الصَّحفة، فأسندَ الطَّيش إلى اليدِ (١) مبالغةً، وأنَّه لم يكنْ يراعِي أدبَ الأكل (فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ : يَا غُلَامُ سَمِّ اللهَ) ندبًا طردًا للشَّيطان ومنعًا له من الأكلِ، وهو سنَّة كفايةٍ إذا أَتى به البعضُ سَقطَ عن الباقين كردِّ السَّلام وتشميتِ العاطسِ لأنَّ المقصودَ من منعِ الشَّيطان من الأكلِ يحصل بواحدٍ. نعم، مع ذلك يستحبُّ لكلِّ واحدٍ، بناءً على ما عليه الجمهورُ من أنَّ سنَّة الكفايةِ كفرضها مطلوبةٌ من الكلِّ لا من البعضِ فقط.

ويقاسُ بالأكلِ الشُّرب وأقلُّه -كما قال (٢) النَّوويُّ-: بسم الله، وأفضلُه بسم الله الرحمن الرحيم، لكن قال في «الفتح»: إنَّه لم ير لما ادَّعاه من الأفضليَّة دليلًا خاصًّا. انتهى. فإن تركَه ولو عمدًا في أوَّله قال في أثنائه: بسم الله أوَّله وآخره كما في الوضوء، ولو سمَّى مع كلِّ لقمةٍ فهو أحسنُ حتَّى لا يشغله الشَّره عن ذكرِ الله، فتسميةُ الله تعالى في أوَّله وآخرهِ ترياقٌ وبركةٌ لطعامه. وقال في «الإحياء»: إنَّه يستحبُّ أن يقولَ مع الأولى بسم الله، ومع الثَّانية بسم الله الرحمن، ومع الثالثة بسم الله الرحمن الرحيم، وتعقَّبه في «الفتح» بأنَّه لم ير لاستحبابِ ذلك دليلًا. انتهى.

(وَكُلْ) ندبًا (بِيَمِينِكَ) لأنَّ الشَّيطان يأكل بالشِّمال، ولشرفِ اليمين (٣)، ولأنَّه (٤) أقوى في الغالب وأمكن، وهي مشتقَّة من اليمن، فهي وما نسبَ إليها وما اشتقَّ منها محمودٌ لغةً وشرعًا ودينًا ويقاسُ عليه الشُّرب. ونصَّ الشَّافعيُّ في «الرِّسالة» و «الأم» على الوجوبِ لورود الوعيدِ في الأكلِ بالشِّمال، ففي «صحيح مسلم» من حديث سلمة ابنِ الأكوع: أنَّ النَّبيَّ رأى رجلًا يأكلُ بشمالهِ فقال: «كلْ بيمينِكَ» قال: لا أستطيعُ، فقال: «لا استطعتَ» فما رفعَها إلى فيهِ بعدُ.

(وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ) لأنَّ أكلَه من موضعِ يد صاحبهِ سوءُ عِشْرة وترك مودَّة لتقذُّرِ (٥) النَّفس لا سيَّما

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

٢ - بَاب التَّسْمِيَةِ عَلَى الطَّعَامِ وَالْأَكْلِ بِالْيَمِينِ

٥٣٧٦ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ قَالَ: الْوَلِيدُ بْنُ كَثِيرٍ أَخْبَرَنِي، أَنَّهُ سَمِعَ وَهْبَ بْنَ كَيْسَانَ، أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ يَقُولُ: كُنْتُ غُلَامًا فِي حَجْرِ رَسُولِ اللَّهِ ، وَكَانَتْ يَدِي تَطِيشُ فِي الصَّحْفَةِ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ : يَا غُلَامُ، سَمِّ اللَّهَ، وَكُلْ بِيَمِينِكَ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ، فَمَا زَالَتْ تِلْكَ طِعْمَتِي بَعْدُ.

[الحديث ٥٣٧٦ - طرفاه في: ٥٣٧٧، ٥٣٧٨]

قَوْلُهُ: (بَابُ التَّسْمِيَةِ عَلَى الطَّعَامِ، وَالْأَكْلُ بِالْيَمِينِ) الْمُرَادُ بِالتَّسْمِيَةِ عَلَى الطَّعَامِ، قَوْلُ: بِسْمِ اللَّهِ، فِي ابْتِدَاءِ الْأَكْلِ، وَأَصْرَحُ مَا وَرَدَ فِي صِفَةِ التَّسْمِيَةِ مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ أُمِّ كُلْثُومٍ عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا: إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ طَعَامًا، فَلْيَقُلْ: بِسْمِ اللَّهِ، فَإِنْ نَسِيَ فِي أَوَّلِهِ فَلْيَقُلْ: بِسْمِ اللَّهِ فِي أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ أُمَيَّةَ بْنِ مَخْشِيٍّ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيِّ، وَأَمَّا قَوْلُ النَّوَوِيِّ فِي أَدَبِ الْأَكْلِ مِنْ الْأَذْكَارِ: صِفَةُ التَّسْمِيَةِ مِنْ أَهَمِّ مَا يَنْبَغِي مَعْرِفَتُهُ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَقُولَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فَإِنْ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ، كَفَاهُ وَحَصَلَتِ السُّنَّةُ. فَلَمْ أَرَ لِمَا ادَّعَاهُ مِنَ الْأَفْضَلِيَّةِ دَلِيلًا خَاصًّا، وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ الْغَزَالِيُّ فِي آدَابِ الْأَكْلِ مِنَ الْإِحْيَاءِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ فِي كُلِّ لُقْمَةٍ بِسْمِ اللَّهِ كَانَ حَسَنًا، وَأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ مَعَ الْأُولَى: بِسْمِ اللَّهِ، وَمَعَ الثَّانِيَةِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ، وَمَعَ الثَّالِثَةِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فَلَمْ أَرَ لِاسْتِحْبَابِ ذَلِكَ دَلِيلًا، وَالتَّكْرَارُ قَدْ بَيَّنَ هُوَ وَجْهَهُ بِقَوْلِهِ: حَتَّى لَا يَشْغَلَهُ الْأَكْلُ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَالْأَكْلُ بِالْيَمِينِ فَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ، وَهُوَ يَتَنَاوَلُ مَنْ يَتَعَاطَى ذَلِكَ بِنَفْسِهِ، وَكَذَا بِغَيْرِهِ بِأَنْ يَحْتَاجَ إِلَى أَنْ يُلْقِمَهُ غَيْرُهُ، وَلَكِنَّهُ بِيَمِينِهِ لَا بِشِمَالِهِ.

قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ قَالَ: الْوَلِيدُ بْنُ كَثِيرٍ أَخْبَرَنِي) كَذَا وَقَعَ هُنَا وَهُوَ مِنْ تَأْخِيرِ الصِّيغَةِ عَنِ الرَّاوِي، وَهُوَ جَائِزٌ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْحُمَيْدِيُّ فِي مُسْنَدِهِ وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ طَرِيقِهِ عَنْ سُفْيَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ كَثِيرٍ وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ خَلَّادٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الْوَلِيدِ بِالْعَنْعَنَةِ، ثُمَّ قَالَ آخِرَهُ: فَسَأَلُوهُ عَنْ إِسْنَادِهِ، فَقَالَ: حَدَّثَنِي الْوَلِيدُ بْنُ كَثِيرٍ وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ السِّرُّ فِي سِيَاقِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ لَهُ عَلَى هَذِهِ الْكَيْفِيَّةِ، وَلِسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ سَنَدٌ آخَرُ، أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَنْصُورٍ، وَابْنُ مَاجَهْ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ؛ كِلَاهُمَا عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، وَقَدِ اخْتُلِفَ عَلَى هِشَامٍ فِي سَنَدِهِ، فَكَأَنَّ الْبُخَارِيَّ عَرَّجَ عَنْ هَذِهِ الطَّرِيقِ لِذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (عُمَرُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ) أَيِ: ابْنُ عَبْدِ الْأَسَدِ بْنِ هِلَالِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ، وَاسْمُ أَبِي سَلَمَةَ عَبْدُ اللَّهِ، وَأُمُّ عُمَرَ الْمَذْكُورِ هِيَ أُمُّ سَلَمَة زَوْجُ النَّبِيِّ ، وَلِذَلِكَ جَاءَ فِي آخِرِ الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ وَصْفُهُ بِأَنَّهُ رَبِيبُ النَّبِيِّ .

قَوْلُهُ: (كُنْتُ غُلَامًا) أَيْ: دُونَ الْبُلُوغِ، يُقَالُ لِلصَّبِيِّ مِنْ حِينِ يُولَدُ إِلَى أَنْ يَبْلُغَ الْحُلُمَ: غُلَامٌ، وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّهُ وُلِدَ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ، وَتَبِعَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، وَفِيهِ نَظَرٌ، بَلِ الصَّوَابُ أَنَّهُ وُلِدَ قَبْلَ ذَلِكَ، فَقَدْ صَحَّ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَعُمَرُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ مَعَ النِّسْوَةِ يَوْمَ الْخَنْدَقِ، وَكَانَ أَكْبَرَ مِنِّي بِسَنَتَيْنِ انْتَهَى. وَمَوْلِدُ ابْنِ الزُّبَيْرِ فِي السَّنَةِ الْأُولَى عَلَى الصَّحِيحِ، فَيَكُونُ مَوْلِدُ عُمَرَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِسَنَتَيْنِ.

قَوْلُهُ (: فِي حَجْرِ رَسُولِ اللَّهِ بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْجِيمِ، أَيْ: فِي تَرْبِيَتِهِ، وَتَحْتَ نَظَرِهِ، وَأَنَّهُ يُرَبِّيهِ فِي حِضْنِهِ تَرْبِيَةَ الْوَلَدِ، قَالَ عِيَاضٌ: الْحَجْرُ يُطْلَقُ عَلَى الْحِضْنِ وَعَلَى الثَّوْبِ فَيَجُوزُ فِيهِ الْفَتْحُ وَالْكَسْرُ، وَإِذَا أُرِيدَ بِهِ مَعْنَى الْحَضَانَةِ فَبِالْفَتْحِ لَا غَيْرِ، فَإِنْ أُرِيدَ بِهِ الْمَنْعُ مِنَ التَّصَرُّفِ فَبِالْفَتْحِ فِي الْمَصْدَرِ

وَبِالْكَسْرِ فِي الِاسْمِ لَا غَيْرُ.

قَوْلُهُ: (وَكَانَتْ يَدِي تَطِيشُ فِي الصَّحْفَةِ) أَيْ: عِنْدَ الْأَكْلِ، وَمَعْنَى تَطِيشُ - وَهُوَ بِالطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ بِوَزْنِ تَطِيرُ - تَتَحَرَّكُ، فَتَمِيلُ إِلَى نَوَاحِيَ الْقَصْعَةِ وَلَا تَقْتَصِرُ عَلَى مَوْضِعٍ وَاحِدٍ، قَالَهُ الطِّيبِيُّ: قَالَ: وَالْأَصْلُ أَطِيشُ بِيَدَيْ فَأَسْنَدَ الطَّيْشَ إِلَى يَدِهِ مُبَالَغَةً، وَقَالَ غَيْرُهُ: مَعْنَى تَطِيشُ: تَخِفُّ وَتُسْرِعُ، وَسَيَأْتِي فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ بِلَفْظِ: أَكَلْتُ مَعَ النَّبِيِّ طَعَامًا، فَجَعَلْتُ آكُلُ مِنْ نَوَاحِيَ الصَّحْفَةِ وَهُوَ يُفَسِّرُ الْمُرَادَ، وَالصَّحْفَةُ مَا تُشْبِعُ خَمْسَةً وَنَحْوَهَا، وَهِيَ أَكْبَرُ مِنَ الْقَصْعَةِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيقِ عُرْوَةَ: عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ وَعِنْدَهُ طَعَامٌ، فَقَالَ: ادْنُ يَا بُنَيَّ، وَيَأْتِي فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي فِي آخِرِ الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ: أَتَى النَّبِيُّ بِطَعَامٍ وَعِنْدَهُ رَبِيبُهُ وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَنَّ مَجِيءَ الطَّعَامِ وَافَقَ دُخُولَهُ.

قَوْلُهُ: (يَا غُلَامُ، سَمِّ اللَّهِ) قَالَ النَّوَوِيُّ: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى اسْتِحْبَابِ التَّسْمِيَةِ عَلَى الطَّعَامِ فِي أَوَّلِهِ، وَفِي نَقْلِ الْإِجْمَاعِ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ نَظَرٌ، إِلَّا إِنْ أُرِيدَ بِالِاسْتِحْبَابِ أَنَّهُ رَاجِحُ الْفِعْلِ، وَإِلَّا فَقَدْ ذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى وُجُوبِ ذَلِكَ، وَهُوَ قَضِيَّةُ الْقَوْلِ بِإِيجَابِ الْأَكْلِ بِالْيَمِينِ؛ لِأَنَّ صِيغَةَ الْأَمْرِ بِالْجَمِيعِ وَاحِدَةٌ.

قَوْلُهُ: (وَكُلْ بِيَمِينِكَ، وَمِمَّا يَلِيكَ) قَالَ شَيْخُنَا فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ: حَمَلَهُ أَكْثَرُ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى النَّدْبِ، وَبِهِ جَزَمَ الْغَزَالِيُّ ثُمَّ النَّوَوِيُّ، لَكِنْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ فِي الرِّسَالَةِ وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ الْأُمِّ عَلَى الْوُجُوبِ. قُلْتُ: وَكَذَا ذَكَرَهُ عَنْهُ الصَّيْرَفِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ وَنَقَلَ الْبُوَيْطِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ أَنَّ الْأَكْلَ مِنْ رَأْسِ الثَّرِيدِ وَالتَّعْرِيسَ عَلَى الطَّرِيقِ وَالْقِرَانَ فِي التَّمْرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا وَرَدَ الْأَمْرُ بِضِدِّهِ حَرَامٌ، وَمَثَّلَ الْبَيْضَاوِيُّ فِي مِنْهَاجِهِ لِلنَّدَبِ بِقَوْلِهِ : كُلْ مِمَّا يَلِيكَ وَتَعَقَّبَهُ تَاجُ الدِّينِ السُّبْكِيُّ فِي شَرْحِهِ بِأَنَّ الشَّافِعِيَّ نَصَّ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ عَلَى أَنَّ مَنْ أَكَلَ مِمَّا لَا يَلِيهِ عَالِمًا بِالنَّهْيِ كَانَ عَاصِيًا آثِمًا. قَالَ: وَقَدْ جَمَعَ وَالِدِي نَظَائِرَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي كِتَابٍ لَهُ سَمَّاهُ كَشْفُ اللَّبْسِ عَنِ الْمَسَائِلِ الْخَمْسِ وَنَصَرَ الْقَوْلَ بِأَنَّ الْأَمْرَ فِيهَا لِلْوُجُوبِ. قُلْتُ: وَيَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الْأَكْلِ بِالْيَمِينِ وُرُودُ الْوَعِيدِ فِي الْأَكْلِ بِالشِّمَالِ فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ أَنَّ النَّبِيَّ رَأَى رَجُلًا يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ، فَقَالَ: كُلْ بِيَمِينِكَ، قَالَ: لَا أَسْتَطِيعُ. قَالَ: لَا اسْتَطَعْتَ.

فَمَا رَفَعَهَا إِلَى فِيهِ بَعْدُ، وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ سُبَيْعَةَ الْأَسْلَمِيَّةِ مِنْ حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ رَأَى سُبَيْعَةَ الْأَسْلَمِيَّةَ تَأْكُلُ بِشِمَالِهَا، فَقَالَ: أَخَذَهَا دَاءُ غَزَّةَ، فَقَالَ: إِنَّ بِهَا قُرْحَةً، قَالَ: وَإِنْ، فَمَرَّتْ بِغَزَّةَ، فَأَصَابَهَا طَاعُونٌ فَمَاتَتْ، وَأَخْرَجَ مُحَمَّدُ بْنُ الرَّبِيعِ الْجِيزِيُّ فِي مُسْنَدِ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ نَزَلُوا مِصْرَ وَسَنَدُهُ حَسَنٌ وَثَبَتَ النَّهْيُ عَنِ الْأَكْلِ بِالشِّمَالِ، وَأَنَّهُ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَمِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَعِنْدَ أَحْمَدَ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَائِشَةَ رَفَعَتْهُ: مَنْ أَكَلَ بِشِمَالِهِ أَكَلَ مَعَهُ الشَّيْطَانُ الْحَدِيثَ. وَنَقَلَ الطِّيبِيُّ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: إِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ أَيْ: يَحْمِلُ أَوْلِيَاءَهُ مِنَ الْإِنْسِ عَلَى ذَلِكَ؛ لِيُضَادَّ بِهِ عِبَادَ اللَّهِ الصَّالِحِينَ قَالَ الطِّيبِيُّ: وَتَحْرِيرُهُ لَا تَأْكُلُوا بِالشِّمَالِ، فَإِنْ فَعَلْتُمْ كُنْتُمْ مِنْ أَوْلِيَاءِ الشَّيْطَانِ؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَحْمِلُ أَوْلِيَاءَهُ عَلَى ذَلِكَ. انْتَهَى. وَفِيهِ عُدُولٌ عَنِ الظَّاهِرِ، وَالْأَوْلَى حَمْلُ الْخَبَرِ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَأَنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّ الْعَقْلَ لَا يُحِيلُ ذَلِكَ، وَقَدْ ثَبَتَ الْخَبَرُ بِهِ، فَلَا يُحْتَاجُ إِلَى تَأْوِيلِهِ، وَحَكَى الْقُرْطُبِيُّ فِي ذَلِكَ احْتِمَالَيْنِ ثُمَّ قَالَ: وَالْقُدْرَةُ صَالِحَةٌ. ثُمَّ ذَكَرَ مِنْ عِنْدِ مُسْلِمٍ أَنَّ الشَّيْطَانَ يَسْتَحِلُّ الطَّعَامَ إِذَا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، قَالَ: وَهَذَا عِبَارَةٌ عَنْ تَنَاوُلِهِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ اسْتِحْسَانُهُ رَفْعَ الْبَرَكَةِ مِنْ ذَلِكَ الطَّعَامِ إِذَا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ.

قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَقَوْلُهُ : فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ ظَاهِرُهُ أَنَّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ تَشَبَّهَ بِالشَّيْطَانِ، وَأَبْعَدَ وَتَعَسَّفَ مَنْ أَعَادَ الضَّمِيرَ فِي شِمَالِهِ عَلَى الْآكِلِ.

قَالَ النَّوَوِيُّ: فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ اسْتِحْبَابُ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ بِالْيَمِينِ، وَكَرَاهَةُ ذَلِكَ بِالشِّمَالِ، وَكَذَلِكَ كُلُّ أَخْذٍ وَعَطَاءٍ كَمَا وَقَعَ فِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ،

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

والجملة في موضع نصب مفعول «تولَّى الله» (وَاللهِ لَقَدِ اسْتَقْرَأْتُكَ الآيَةَ وَلأَنَا) مبتدأ مؤكَّد باللام، وخبره قوله: (أَقْرَأُ لَهَا مِنْكَ. قَالَ عُمَرُ: وَاللهِ لأَنْ أَكُونَ أَدْخَلْتُكَ) داري، وأضفتُك (أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِي مِثْلُ حُمْرِ النَّعَمِ) عبر بذلك لأنَّ الإبلَ كانت أشرف أموالهم.

(٢) (بابُ) استحبابِ (التَّسْمِيَةِ عَلَى الطَّعَامِ) عند ابتداءِ الأكل ولو من جنبٍ وحائضٍ (وَ) استحباب (الأَكْلِ بِاليَمِينِ) وهذه الجملةُ مشطوبٌ عليها بالحمرةِ (١) في الفرع كأصله.

٥٣٧٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة قال: (قَالَ الوَلِيدُ بْنُ كَثِيرٍ) بالمثلَّثة، المخزوميُّ القرشيُّ المدنيُّ: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد، وهو من تأخيرِ الصِّيغة عن الرَّاوي.

وعند أبي نُعيمٍ في «مستخرجه» والحميدي في «مسنده» عن سفيان، قال: حدَّثنا الوليد بن كثيرٍ (أَنَّهُ سَمِعَ وَهْبَ بْنَ كَيْسَانَ) بفتح الكاف (أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ) بضم العين، ابن عبد الأسد، واسم أبي سلمة: عبد الله (يَقُولُ: كُنْتُ غُلَامًا) دون البلوغ (فِي حَجْرِ رَسُولِ اللهِ ) بفتح الحاء وسكون الجيم في تربيته وتحت نظرهِ.

وقال في «القاموس»: الحَُِجر -مثلَّثة-: المنعُ، وحضنُ الإنسانِ، ونشأ في حِجْرهِ وحَجْره (٢)، أي: في حفظهِ وستره.

وقد كان عمرُ هذا ابن أمِّ سلمة زوج النَّبيِّ (وَكَانَتْ يَدِي تَطِيشُ) بالطاء المهملة

والشين المعجمة، أي: تتحرَّك وتمتدُّ (فِي) نواحي (الصَّحْفَةِ) ولا تقتصرُ على موضعٍ واحدٍ، وكان الظَّاهر -كما قال في «شرح المشكاة» - أن يقال: كنتُ أطيشُ بيدِي في الصَّحفة، فأسندَ الطَّيش إلى اليدِ (١) مبالغةً، وأنَّه لم يكنْ يراعِي أدبَ الأكل (فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ : يَا غُلَامُ سَمِّ اللهَ) ندبًا طردًا للشَّيطان ومنعًا له من الأكلِ، وهو سنَّة كفايةٍ إذا أَتى به البعضُ سَقطَ عن الباقين كردِّ السَّلام وتشميتِ العاطسِ لأنَّ المقصودَ من منعِ الشَّيطان من الأكلِ يحصل بواحدٍ. نعم، مع ذلك يستحبُّ لكلِّ واحدٍ، بناءً على ما عليه الجمهورُ من أنَّ سنَّة الكفايةِ كفرضها مطلوبةٌ من الكلِّ لا من البعضِ فقط.

ويقاسُ بالأكلِ الشُّرب وأقلُّه -كما قال (٢) النَّوويُّ-: بسم الله، وأفضلُه بسم الله الرحمن الرحيم، لكن قال في «الفتح»: إنَّه لم ير لما ادَّعاه من الأفضليَّة دليلًا خاصًّا. انتهى. فإن تركَه ولو عمدًا في أوَّله قال في أثنائه: بسم الله أوَّله وآخره كما في الوضوء، ولو سمَّى مع كلِّ لقمةٍ فهو أحسنُ حتَّى لا يشغله الشَّره عن ذكرِ الله، فتسميةُ الله تعالى في أوَّله وآخرهِ ترياقٌ وبركةٌ لطعامه. وقال في «الإحياء»: إنَّه يستحبُّ أن يقولَ مع الأولى بسم الله، ومع الثَّانية بسم الله الرحمن، ومع الثالثة بسم الله الرحمن الرحيم، وتعقَّبه في «الفتح» بأنَّه لم ير لاستحبابِ ذلك دليلًا. انتهى.

(وَكُلْ) ندبًا (بِيَمِينِكَ) لأنَّ الشَّيطان يأكل بالشِّمال، ولشرفِ اليمين (٣)، ولأنَّه (٤) أقوى في الغالب وأمكن، وهي مشتقَّة من اليمن، فهي وما نسبَ إليها وما اشتقَّ منها محمودٌ لغةً وشرعًا ودينًا ويقاسُ عليه الشُّرب. ونصَّ الشَّافعيُّ في «الرِّسالة» و «الأم» على الوجوبِ لورود الوعيدِ في الأكلِ بالشِّمال، ففي «صحيح مسلم» من حديث سلمة ابنِ الأكوع: أنَّ النَّبيَّ رأى رجلًا يأكلُ بشمالهِ فقال: «كلْ بيمينِكَ» قال: لا أستطيعُ، فقال: «لا استطعتَ» فما رفعَها إلى فيهِ بعدُ.

(وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ) لأنَّ أكلَه من موضعِ يد صاحبهِ سوءُ عِشْرة وترك مودَّة لتقذُّرِ (٥) النَّفس لا سيَّما

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.9 / 29.5
الإضاءة 9%
البدر بعد 12 يوم
سبحان الله