الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٥٥٦١
الحديث رقم ٥٥٦١ من كتاب «كتاب الأضاحي» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب من ذبح قبل الصلاة أعاد.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
٥٥٦١ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
وَعِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ الْبَرَاءِ عَنْ أَبِيهِ وَلَنْ تَفِيَ بِغَيْرِ وَاوٍ وَلَا شَكَّ، يُقَالُ وَفَّى إِذَا أَنْجَزَ فَهُوَ بِمَعْنَى تَجْزِي بِفَتْحِ أَوَّلِهِ.
١٢ - بَاب مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ أَعَادَ
٥٥٦١ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَنَسٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَلْيُعِدْ، فَقَالَ رَجُلٌ: هَذَا يَوْمٌ يُشْتَهَى فِيهِ اللَّحْمُ - وَذَكَرَ هَنَةً مِنْ جِيرَانِهِ فَكَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَذَرَهُ - وَعِنْدِي جَذَعَةٌ خَيْرٌ مِنْ شَاتَيْنِ، فَرَخَّصَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَلَا أَدْرِي بَلَغَتْ الرُّخْصَةُ أَمْ لَا؟ ثُمَّ انْكَفَأَ إِلَى كَبْشَيْنِ - يَعْنِي فَذَبَحَهُمَا - ثُمَّ انْكَفَأَ النَّاسُ إِلَى غُنَيْمَةٍ فَذَبَحُوهَا.
٥٥٦٢ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا الْأَسْوَدُ بْنُ قَيْسٍ سَمِعْتُ جُنْدَبَ بْنَ سُفْيَانَ الْبَجَلِيَّ قَالَ: شَهِدْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَوْمَ النَّحْرِ قَالَ: مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ فَلْيُعِدْ مَكَانَهَا أُخْرَى، وَمَنْ لَمْ يَذْبَحْ فَلْيَذْبَحْ.
٥٥٦٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ فِرَاسٍ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ الْبَرَاءِ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَ: مَنْ صَلَّى صَلَاتَنَا وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا، فَلَا يَذْبَحْ حَتَّى يَنْصَرِفَ، فَقَامَ أَبُو بُرْدَةَ بْنُ نِيَارٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَعَلْتُ. فَقَالَ: هُوَ شَيْءٌ عَجَّلْتَهُ، قَالَ: فَإِنَّ عِنْدِي جَذَعَةً هِيَ خَيْرٌ مِنْ مُسِنَّتَيْنِ آذْبَحُهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، ثُمَّ لَا تَجْزِي عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ، قَالَ عَامِرٌ: هِيَ خَيْرُ نَسِيكَتَيْهِ.
قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ أَعَادَ) أَيْ أَعَادَ الذَّبْحَ ذَكَرَ فِيهِ ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ: الْأَوَّلُ حَدِيثُ أَنَسٍ.
قَوْلُهُ فِيهِ: (وَذَكَرَ هَنَةً) بِفَتْحِ الْهَاءِ وَالنُّونِ الْخَفِيفَةِ بَعْدَهَا هَاءُ تَأْنِيثٍ أَيْ حَاجَةً مِنْ جِيرَانِهِ إِلَى اللَّحْمِ.
قَوْلُهُ: (فَكَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَذَرَهُ) بِتَخْفِيفِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ مِنَ الْعُذْرِ أَيْ قَبِلَ عُذْرَهُ، وَلَكِنْ لَمْ يَجْعَلْ مَا فَعَلَهُ كَافِيًا وَلِذَلِكَ أَمَرَهُ بِالْإِعَادَةِ. قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَأْمُورَاتِ إِذَا وَقَعَتْ عَلَى خِلَافِ مُقْتَضَى الْأَمْرِ لَمْ يُعْذَرْ فِيهَا بِالْجَهْلُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَأْمُورَاتِ وَالْمَنْهِيَّاتِ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْمَأْمُورَاتِ إِقَامَةُ مَصَالِحِهَا، وَذَلِكَ لَا يَحْصُلُ إِلَّا بِالْفِعْلِ. وَالْمَقْصُودُ مِنَ الْمَنْهِيَّاتِ الْكَفُّ عَنْهَا بِسَبَبِ مَفَاسِدِهَا، وَمَعَ الْجَهْلِ وَالنِّسْيَانِ لَمْ يَقْصِدِ الْمُكَلَّفُ فِعْلَهَا فَيُعْذَرُ.
قَوْلُهُ: (وَعِنْدِي جَذَعَةٌ) هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى كَلَامِ الرَّجُلِ الَّذِي كَنَّى عَنْهُ الرَّاوِي بِقَوْلِهِ: وَذَكَرَ هَنَةً مِنْ جِيرَانِهِ تَقْدِيرُهُ هَذَا يَوْمٌ يُشْتَهَى فِيهِ اللَّحْمُ وَلِجِيرَانِي حَاجَةٌ فَذَبَحْتُ قَبْلَ الصَّلَاةِ، وَعِنْدِي جَذَعَةٌ. وَقَدْ تَقَدَّمَتْ مَبَاحِثُهُ قَبْلَ ثَلَاثَةِ أَبْوَابٍ.
الثَّانِي حَدِيثُ جُنْدَبِ بْنِ سُفْيَانَ أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا، وَتَقَدَّمَ فِي الذَّبَائِحِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَوَانَةَ عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ أَتَمُّ مِنْهُ وَأَوَّلُهُ: ضَحَّيْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَضْحَاةً، فَإِذَا نَاسٌ ذَبَحُوا ضَحَايَاهُمْ قَبْلَ الصَّلَاةِ. الْحَدِيثَ.
قَوْلُهُ: (وَمَنْ لَمْ يَذْبَحْ فَلْيَذْبَحْ) فِي رِوَايَةِ أَبِي عَوَانَةَ: وَمَنْ كَانَ لَمْ يَذْبَحْ حَتَّى صَلَّيْنَا فَلْيَذْبَحْ عَلَى اسْمِ اللَّهِ، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: فَلْيَذْبَحْ بِسْمِ اللَّهِ أَيْ فَلْيَذْبَحْ قَائِلًا بِسْمِ اللَّهِ أَوْ مُسَمِّيًا، وَالْمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ، وَهُوَ حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي قَوْلِهِ: فَلْيَذْبَحْ وَهَذَا أَوْلَى مَا حُمِلَ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ وَصَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ: وَسَمَّى وَكَبَّرَ، وَقَالَ عِيَاضٌ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ فَلْيَذْبَحْ
لِلَّهِ، وَالْبَاءُ تَجِيءُ بِمَعْنَى اللَّامِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ بِتَسْمِيَةِ اللَّهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ مُتَبَرِّكًا بِاسْمِهِ كَمَا يُقَالُ سِرْ عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ فَلْيَذْبَحْ بِسُنَّةِ اللَّهِ. قَالَ: وَأَمَّا كَرَاهَةُ بَعْضِهِمُ افْعَلْ كَذَا عَلَى اسْمِ اللَّهِ لِأَنَّهُ اسْمُهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ فَضَعِيفٌ.
قُلْتُ: وَيَحْتَمِلُ وَجْهًا خَامِسًا أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ بِسْمِ اللَّهِ مُطْلَقُ الْإِذْنِ فِي الذَّبِيحَةِ حِينَئِذٍ، لِأَنَّ السِّيَاقَ يَقْتَضِي الْمَنْعَ قَبْلَ ذَلِكَ وَالْإِذْنَ بَعْدَ ذَلِكَ، كَمَا يُقَالُ لِلْمُسْتَأْذِنِ بِسْمِ اللَّهِ أَيِ ادْخُلْ، وَقَدِ اسْتَدَلَّ بِهَذَا الْأَمْرِ فِي قَوْلِهِ فَلْيَذْبَحْ مَكَانَهَا أُخْرَى مَنْ قَالَ بِوُجُوبِ الْأُضْحِيَّةِ، قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: صِيغَةُ مَنْ فِي قَوْلِهِ مَنْ ذَبَحَ صِيغَةُ عُمُومٍ فِي حَقِّ كُلِّ مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ، وَقَدْ جَاءَتْ لِتَأْسِيسِ قَاعِدَةٍ، وَتَنْزِيلِ صِيغَةِ الْعُمُومِ إِذَا وَرَدَتْ لِذَلِكَ عَلَى الصُّورَةِ النَّادِرَةِ يُسْتَنْكَرُ، فَإِذَا بَعُدَ تَخْصِيصُهُ بِمَنْ نَذَرَ أُضْحِيَّةً مُعَيَّنَةً بَقِيَ التَّرَدُّدُ هَلِ الْأَوْلَى حَمْلُهُ عَلَى مَنْ سَبَقَتْ لَهُ أُضْحِيَّةٌ مُعَيَّنَةٌ أَوْ حَمْلُهُ عَلَى ابْتِدَاءِ أُضْحِيَّةٍ مِنْ غَيْرِ سَبْقِ تَعْيِينٍ؟ فَعَلَى الْأَوَّلِ يَكُونُ حُجَّةً لِمَنْ قَالَ بِالْوُجُوبِ عَلَى مَنِ اشْتَرَى الْأُضْحِيَّةَ كَالْمَالِكِيَّةِ، فَإِنَّ الْأُضْحِيَّةَ عِنْدَهُمْ تَجِبُ بِالْتِزَامِ اللِّسَانِ وَبِنِيَّةِ الشِّرَاءِ وَبِنِيَّةِ الذَّبْحِ، وَعَلَى الثَّانِي يَكُونُ لَا حُجَّةَ لِمَنْ أَوْجَبَ الضَّحِيَّةَ مُطْلَقًا، لَكِنْ حَصَلَ الِانْفِصَالُ مِمَّنْ لَمْ يَقُلْ بِالْوُجُوبِ بِالْأَدِلَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ فَيَكُونُ الْأَمْرُ لِلنَّدَبِ. وَاسْتَدَلَّ بِهِ مَنِ اشْتَرَطَ تَقَدُّمَ الذَّبْحِ مِنَ الْإِمَامِ بَعْدَ صَلَاتِهِ وَخُطْبَتِهِ، لِأَنَّ قَوْلَهُ: مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ فَلْيَذْبَحْ مَكَانَهَا أُخْرَى، إِنَّمَا صَدَرَ مِنْهُ بَعْدَ صَلَاتِهِ وَخُطْبَتِهِ وَذَبْحِهِ فَكَأَنَّهُ قَالَ: مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ فِعْلِ هَذِهِ الْأُمُورِ فَلْيُعِدْ، أَيْ فَلَا يُعْتَدُّ بِمَا ذَبَحَهُ.
قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: وَهَذَا اسْتِدْلَالٌ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ، لِمُخَالَفَتِهِ التَّقْيِيدَ بِلَفْظِ الصَّلَاةِ وَالتَّعْقِيبِ بِالْفَاءِ.
الْحَدِيثُ الثالث حَدِيثُ الْبَرَاءِ، أَوْرَدَهُ مِنْ طَرِيقِ فِرَاسِ بْنِ يَحْيَى عَنِ الشَّعْبِيِّ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ مَبَاحِثُهُ قَرِيبًا.
قَوْلُهُ: (مَنْ صَلَّى صَلَاتَنَا وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا) الْمُرَادُ مَنْ كَانَ عَلَى دِينِ الْإِسْلَامِ.
قَوْلُهُ: (فَلَا يَذْبَحْ) أَيِ الْأُضْحِيَّةَ (حَتَّى يَنْصَرِفَ) تَمَسَّكَ بِهِ الشَّافِعِيَّةُ فِي أَنَّ أَوَّلَ وَقْتِ الْأُضْحِيَّة قَدْرُ فَرَاغِ الصَّلَاةِ وَالْخُطْبَةِ، وَإِنَّمَا شَرَطُوا فَرَاغَ الْخَطِيبِ لِأَنَّ الْخُطْبَتَيْنِ مَقْصُودَتَانِ مَعَ الصَّلَاةِ فِي هَذِهِ الْعِبَادَةِ، فَيُعْتَبَرُ مِقْدَارُ الصَّلَاةِ وَالْخُطْبَتَيْنِ عَلَى أَخَفِّ مَا يَجْزِي بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، فَإِذَا ذَبَحَ بَعْدَ ذَلِكَ أَجْزَأَهُ الذَّبْحُ عَنِ الْأُضْحِيَّةِ، سَوَاءٌ صَلَّى الْعِيدَ أَمْ لَا، وَسَوَاءٌ ذَبَحَ الْإِمَامُ أُضْحِيَّتَهُ أَمْ لَا، وَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ أَهْلُ الْمِصْرِ وَالْحَاضِرِ وَالْبَادِ وَنَقَلَ الطَّحَاوِيُّ، عَنْ مَالِكٍ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ: لَا تَجُوزُ أُضْحِيَّةٌ قَبْلَ أَنْ يَذْبَحَ الْإِمَامُ، وَهُوَ مَعْرُوفٌ عَنْ مَالِكٍ، وَالْأَوْزَاعِيِّ لَا الشَّافِعِيِّ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: ظَوَاهِرُ الْأَحَادِيثِ تَدُلُّ عَلَى تَعْلِيقِ الذَّبْحِ بِالصَّلَاةِ، لَكِنْ لَمَّا رَأَى الشَّافِعِيُّ أَنَّ مَنْ لَا صَلَاةَ عِيدٍ عَلَيْهِ مُخَاطَبٌ بِالتَّضْحِيَةِ حَمَلَ الصَّلَاةَ عَلَى وَقْتِهَا. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَاللَّيْثُ: لَا ذَبْحَ قَبْلِ الصَّلَاةِ، وَيَجُوزُ بَعْدَهَا وَلَوْ لَمْ يَذْبَحِ الْإِمَامُ، وَهُوَ خَاصٌ بِأَهْلِ الْمِصْرِ، فَأَمَّا أَهْلُ الْقُرَى وَالْبَوَادِي فَيَدْخُلُ وَقْتُ الْأُضْحِيَّةِ فِي حَقِّهِمْ إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ الثَّانِي. وَقَالَ مَالِكٌ: يَذْبَحُونَ إِذَا نَحَرَ أَقْرَبُ أَئِمَّةِ الْقُرَى إِلَيْهِمْ، فَإِنْ نَحَرُوا قَبْلُ أَجْزَأَهُمْ. وَقَالَ عَطَاءٌ، وَرَبِيعَةُ: يَذْبَحُ أَهْلُ الْقُرَى بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ.
وَقَالَ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ: إِذَا فَرَغَ الْإِمَامُ مِنَ الصَّلَاةِ جَازَتِ الْأُضْحِيَّةُ، وَهُوَ وَجْهٌ لِلشَّافِعِيَّةِ قَوِيٌّ مِنْ حَيْثُ الدَّلِيلِ وَإِنْ ضَعَّفَهُ بَعْضُهُمْ، وَمِثْلُهُ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ: يَجُوزُ بَعْدَ صَلَاةِ الْإِمَامِ قَبْلَ خُطْبَتِهِ وَفِي أَثْنَائِهَا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: حَتَّى يَنْصَرِفَ أَيْ مِنَ الصَّلَاةِ، كَمَا فِي الرِّوَايَاتِ الْأُخَرِ. وَأَصْرَحُ مِنْ ذَلِكَ مَا وَقَعَ عِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ الْبَرَاءِ عَنْ أَبِيهِ رَفَعَهُ إِنَّمَا الذَّبْحُ بَعْدَ الصَّلَاةِ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ جُنْدَبٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ: مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ فَلْيَذْبَحْ مَكَانَهَا أُخْرَى، قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: هَذَا اللَّفْظُ أَظْهَرُ فِي اعْتِبَارِ فِعْلِ الصَّلَاةِ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ، أَيْ حَيْثُ جَاءَ فِيهِ: مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ، قَالَ: لَكِنْ إِنْ أَجْرَيْنَاهُ عَلَى ظَاهِرِهِ اقْتَضَى أَنْ لَا تُجْزِئَ الْأُضْحِيَّةُ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يُصَلِّ الْعِيدَ، فَإِنْ ذَهَبَ إِلَيْهِ أَحَدٌ فَهُوَ أَسْعَدُ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
نرجعُ فننحر … » إلى آخره، وقوله في الرِّواية السَّابقة: «من ذبحَ بعد (١) الصلاة» وهو أعمُّ من صلاة الإمام وغيره، ولا يشترطُ فعل الصَّلاة اتِّفاقًا لصحَّة التَّضحية، فدلَّ على أنَّ المرادَ بها وقتُها. وعند الحنفيَّة: وقتها في حقِّ أهل الأمصارِ بعد صلاة الإمام وخطبتهِ، وفي حقِّ غيرهم بعد طلوع الفجر. وعند المالكيَّة: بعد فراغ الإمام من الصَّلاة والخطبة والذَّبح. وعند الحنابلة: لا يجوزُ قبل صلاة الإمام، ويجوزُ بعدها قبل ذبحهِ.
(١٢) (بابُ مَنْ ذَبَحَ) أضحيتَهُ (قَبْلَ الصَّلَاةِ أَعَادَ) الذَّبح.
٥٥٦١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن عليَّة، نسبةً إلى أمِّه الأسديُّ البصريُّ (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (عَنْ مُحَمَّدٍ) هو ابنُ سيرين (عَنْ أَنَسٍ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) أنَّه (قَالَ: مَنْ ذَبَحَ) أضحيتَهُ (قَبْلَ الصَّلَاةِ فَلْيُعِدْ (٢)) أي: الذَّبح (فَقَالَ رَجُلٌ) هو أبو بردة: يا رسول الله (هَذَا يَوْمٌ يُشْتَهَى فِيهِ اللَّحْمُ) لما جرت العادة فيه من كثرةِ الذَّبح، فتتشوَّف النَّفس له وتلتذُّ بأكله (-وَذَكَرَ هَنَةً) بفتح الهاء والنون المخففة، حاجةً (مِنْ جِيرَانِهِ) لجيرانه إلى اللَّحم وفقرِهم، وثبت قوله: «هنة» لابن عَساكرَ وأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ (فَكَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ) بتشديد النون (عَذَرَهُ-) بتخفيف الذال المعجمة، أي: قَبِلَ عذرَه، لكنَّه لم يجعل ذلك كافيًا في مشروعيَّة الأضحية، ولذا أمرهُ بالإعادة (وَعِنْدِي جَذَعَةٌ) من المعز، عطف (٣) على قول أبي
بردة (١) الَّذي ذكر الرَّاوي عنه أنَّه ذكر هَنَة من جيرانه، والتَّقدير: هذا يوم يُشتهى فيه اللَّحم ولجيرانِي حاجةٌ، فذبحتُ قبل الصَّلاة، وعندي جذعةٌ (خَيْرٌ مِنْ شَاتَيْنِ) لطيبها سِمنًا ونفاسة.
فإن قلت: كيف تكون واحدة (٢) خيرًا من أضحيتين بل العكسُ أولى، كما (٣) في صورة الإعتاق، فإن إعتاق الرَّقبتين خيرٌ من إعتاق واحدةٍ ولو كانت أنفسَ منهما (٤)؟ أُجيب بأنَّ المقصود من (٥) الضَّحايا طيب اللَّحم وكثرته، فشاةٌ سمينةٌ أفضل من هزيلتين، وأمَّا العتق فالمقصود منه التَّقرُّب إلى الله تعالى بفكِّ الرَّقبة فيكون عتق (٦) الاثنتين أفضل من عتقِ الواحدة. نعم، إن عرضَ للواحد وصفٌ يقتضي رفعته على غيره -كالعلم وأنواع الفضل المتعدِّي- فذهب بعض المحقِّقين إلى أنَّه أفضلُ لعموم نفعهِ للمسلمين.
(فَرَخَّصَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ) في الأضحية بجذعةِ المعز، وسقط قوله: «النَّبيُّ … » إلى آخره لأبي ذرٍّ، وقال أنس: (فَلَا أَدْرِي بَلَغَتِ (٧) الرُّخْصَةُ) أي: مَنْ سواه من النَّاس، ولأبي ذرٍّ: «أبلغت الرُّخصة (٨)» (أَمْ لَا، ثُمَّ انْكَفَأَ) بالهمز، أي: رجع ﷺ (إِلَى كَبْشَيْنِ، يَعْنِي: فَذَبَحَهُمَا) بيده الكريمة (ثُمَّ انْكَفَأَ) رجعَ (النَّاسُ إِلَى غُنَيْمَةٍ) بضم الغين المعجمة وفتح النون (فَذَبَحُوهَا).
وهذا الحديثُ سبق في «باب ما يشتهى من اللَّحم» [خ¦٥٥٤٩].
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
وَعِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ الْبَرَاءِ عَنْ أَبِيهِ وَلَنْ تَفِيَ بِغَيْرِ وَاوٍ وَلَا شَكَّ، يُقَالُ وَفَّى إِذَا أَنْجَزَ فَهُوَ بِمَعْنَى تَجْزِي بِفَتْحِ أَوَّلِهِ.
١٢ - بَاب مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ أَعَادَ
٥٥٦١ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَنَسٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَلْيُعِدْ، فَقَالَ رَجُلٌ: هَذَا يَوْمٌ يُشْتَهَى فِيهِ اللَّحْمُ - وَذَكَرَ هَنَةً مِنْ جِيرَانِهِ فَكَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَذَرَهُ - وَعِنْدِي جَذَعَةٌ خَيْرٌ مِنْ شَاتَيْنِ، فَرَخَّصَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَلَا أَدْرِي بَلَغَتْ الرُّخْصَةُ أَمْ لَا؟ ثُمَّ انْكَفَأَ إِلَى كَبْشَيْنِ - يَعْنِي فَذَبَحَهُمَا - ثُمَّ انْكَفَأَ النَّاسُ إِلَى غُنَيْمَةٍ فَذَبَحُوهَا.
٥٥٦٢ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا الْأَسْوَدُ بْنُ قَيْسٍ سَمِعْتُ جُنْدَبَ بْنَ سُفْيَانَ الْبَجَلِيَّ قَالَ: شَهِدْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَوْمَ النَّحْرِ قَالَ: مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ فَلْيُعِدْ مَكَانَهَا أُخْرَى، وَمَنْ لَمْ يَذْبَحْ فَلْيَذْبَحْ.
٥٥٦٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ فِرَاسٍ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ الْبَرَاءِ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَ: مَنْ صَلَّى صَلَاتَنَا وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا، فَلَا يَذْبَحْ حَتَّى يَنْصَرِفَ، فَقَامَ أَبُو بُرْدَةَ بْنُ نِيَارٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَعَلْتُ. فَقَالَ: هُوَ شَيْءٌ عَجَّلْتَهُ، قَالَ: فَإِنَّ عِنْدِي جَذَعَةً هِيَ خَيْرٌ مِنْ مُسِنَّتَيْنِ آذْبَحُهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، ثُمَّ لَا تَجْزِي عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ، قَالَ عَامِرٌ: هِيَ خَيْرُ نَسِيكَتَيْهِ.
قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ أَعَادَ) أَيْ أَعَادَ الذَّبْحَ ذَكَرَ فِيهِ ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ: الْأَوَّلُ حَدِيثُ أَنَسٍ.
قَوْلُهُ فِيهِ: (وَذَكَرَ هَنَةً) بِفَتْحِ الْهَاءِ وَالنُّونِ الْخَفِيفَةِ بَعْدَهَا هَاءُ تَأْنِيثٍ أَيْ حَاجَةً مِنْ جِيرَانِهِ إِلَى اللَّحْمِ.
قَوْلُهُ: (فَكَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَذَرَهُ) بِتَخْفِيفِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ مِنَ الْعُذْرِ أَيْ قَبِلَ عُذْرَهُ، وَلَكِنْ لَمْ يَجْعَلْ مَا فَعَلَهُ كَافِيًا وَلِذَلِكَ أَمَرَهُ بِالْإِعَادَةِ. قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَأْمُورَاتِ إِذَا وَقَعَتْ عَلَى خِلَافِ مُقْتَضَى الْأَمْرِ لَمْ يُعْذَرْ فِيهَا بِالْجَهْلُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَأْمُورَاتِ وَالْمَنْهِيَّاتِ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْمَأْمُورَاتِ إِقَامَةُ مَصَالِحِهَا، وَذَلِكَ لَا يَحْصُلُ إِلَّا بِالْفِعْلِ. وَالْمَقْصُودُ مِنَ الْمَنْهِيَّاتِ الْكَفُّ عَنْهَا بِسَبَبِ مَفَاسِدِهَا، وَمَعَ الْجَهْلِ وَالنِّسْيَانِ لَمْ يَقْصِدِ الْمُكَلَّفُ فِعْلَهَا فَيُعْذَرُ.
قَوْلُهُ: (وَعِنْدِي جَذَعَةٌ) هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى كَلَامِ الرَّجُلِ الَّذِي كَنَّى عَنْهُ الرَّاوِي بِقَوْلِهِ: وَذَكَرَ هَنَةً مِنْ جِيرَانِهِ تَقْدِيرُهُ هَذَا يَوْمٌ يُشْتَهَى فِيهِ اللَّحْمُ وَلِجِيرَانِي حَاجَةٌ فَذَبَحْتُ قَبْلَ الصَّلَاةِ، وَعِنْدِي جَذَعَةٌ. وَقَدْ تَقَدَّمَتْ مَبَاحِثُهُ قَبْلَ ثَلَاثَةِ أَبْوَابٍ.
الثَّانِي حَدِيثُ جُنْدَبِ بْنِ سُفْيَانَ أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا، وَتَقَدَّمَ فِي الذَّبَائِحِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَوَانَةَ عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ أَتَمُّ مِنْهُ وَأَوَّلُهُ: ضَحَّيْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَضْحَاةً، فَإِذَا نَاسٌ ذَبَحُوا ضَحَايَاهُمْ قَبْلَ الصَّلَاةِ. الْحَدِيثَ.
قَوْلُهُ: (وَمَنْ لَمْ يَذْبَحْ فَلْيَذْبَحْ) فِي رِوَايَةِ أَبِي عَوَانَةَ: وَمَنْ كَانَ لَمْ يَذْبَحْ حَتَّى صَلَّيْنَا فَلْيَذْبَحْ عَلَى اسْمِ اللَّهِ، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: فَلْيَذْبَحْ بِسْمِ اللَّهِ أَيْ فَلْيَذْبَحْ قَائِلًا بِسْمِ اللَّهِ أَوْ مُسَمِّيًا، وَالْمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ، وَهُوَ حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي قَوْلِهِ: فَلْيَذْبَحْ وَهَذَا أَوْلَى مَا حُمِلَ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ وَصَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ: وَسَمَّى وَكَبَّرَ، وَقَالَ عِيَاضٌ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ فَلْيَذْبَحْ
لِلَّهِ، وَالْبَاءُ تَجِيءُ بِمَعْنَى اللَّامِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ بِتَسْمِيَةِ اللَّهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ مُتَبَرِّكًا بِاسْمِهِ كَمَا يُقَالُ سِرْ عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ فَلْيَذْبَحْ بِسُنَّةِ اللَّهِ. قَالَ: وَأَمَّا كَرَاهَةُ بَعْضِهِمُ افْعَلْ كَذَا عَلَى اسْمِ اللَّهِ لِأَنَّهُ اسْمُهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ فَضَعِيفٌ.
قُلْتُ: وَيَحْتَمِلُ وَجْهًا خَامِسًا أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ بِسْمِ اللَّهِ مُطْلَقُ الْإِذْنِ فِي الذَّبِيحَةِ حِينَئِذٍ، لِأَنَّ السِّيَاقَ يَقْتَضِي الْمَنْعَ قَبْلَ ذَلِكَ وَالْإِذْنَ بَعْدَ ذَلِكَ، كَمَا يُقَالُ لِلْمُسْتَأْذِنِ بِسْمِ اللَّهِ أَيِ ادْخُلْ، وَقَدِ اسْتَدَلَّ بِهَذَا الْأَمْرِ فِي قَوْلِهِ فَلْيَذْبَحْ مَكَانَهَا أُخْرَى مَنْ قَالَ بِوُجُوبِ الْأُضْحِيَّةِ، قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: صِيغَةُ مَنْ فِي قَوْلِهِ مَنْ ذَبَحَ صِيغَةُ عُمُومٍ فِي حَقِّ كُلِّ مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ، وَقَدْ جَاءَتْ لِتَأْسِيسِ قَاعِدَةٍ، وَتَنْزِيلِ صِيغَةِ الْعُمُومِ إِذَا وَرَدَتْ لِذَلِكَ عَلَى الصُّورَةِ النَّادِرَةِ يُسْتَنْكَرُ، فَإِذَا بَعُدَ تَخْصِيصُهُ بِمَنْ نَذَرَ أُضْحِيَّةً مُعَيَّنَةً بَقِيَ التَّرَدُّدُ هَلِ الْأَوْلَى حَمْلُهُ عَلَى مَنْ سَبَقَتْ لَهُ أُضْحِيَّةٌ مُعَيَّنَةٌ أَوْ حَمْلُهُ عَلَى ابْتِدَاءِ أُضْحِيَّةٍ مِنْ غَيْرِ سَبْقِ تَعْيِينٍ؟ فَعَلَى الْأَوَّلِ يَكُونُ حُجَّةً لِمَنْ قَالَ بِالْوُجُوبِ عَلَى مَنِ اشْتَرَى الْأُضْحِيَّةَ كَالْمَالِكِيَّةِ، فَإِنَّ الْأُضْحِيَّةَ عِنْدَهُمْ تَجِبُ بِالْتِزَامِ اللِّسَانِ وَبِنِيَّةِ الشِّرَاءِ وَبِنِيَّةِ الذَّبْحِ، وَعَلَى الثَّانِي يَكُونُ لَا حُجَّةَ لِمَنْ أَوْجَبَ الضَّحِيَّةَ مُطْلَقًا، لَكِنْ حَصَلَ الِانْفِصَالُ مِمَّنْ لَمْ يَقُلْ بِالْوُجُوبِ بِالْأَدِلَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ فَيَكُونُ الْأَمْرُ لِلنَّدَبِ. وَاسْتَدَلَّ بِهِ مَنِ اشْتَرَطَ تَقَدُّمَ الذَّبْحِ مِنَ الْإِمَامِ بَعْدَ صَلَاتِهِ وَخُطْبَتِهِ، لِأَنَّ قَوْلَهُ: مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ فَلْيَذْبَحْ مَكَانَهَا أُخْرَى، إِنَّمَا صَدَرَ مِنْهُ بَعْدَ صَلَاتِهِ وَخُطْبَتِهِ وَذَبْحِهِ فَكَأَنَّهُ قَالَ: مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ فِعْلِ هَذِهِ الْأُمُورِ فَلْيُعِدْ، أَيْ فَلَا يُعْتَدُّ بِمَا ذَبَحَهُ.
قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: وَهَذَا اسْتِدْلَالٌ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ، لِمُخَالَفَتِهِ التَّقْيِيدَ بِلَفْظِ الصَّلَاةِ وَالتَّعْقِيبِ بِالْفَاءِ.
الْحَدِيثُ الثالث حَدِيثُ الْبَرَاءِ، أَوْرَدَهُ مِنْ طَرِيقِ فِرَاسِ بْنِ يَحْيَى عَنِ الشَّعْبِيِّ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ مَبَاحِثُهُ قَرِيبًا.
قَوْلُهُ: (مَنْ صَلَّى صَلَاتَنَا وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا) الْمُرَادُ مَنْ كَانَ عَلَى دِينِ الْإِسْلَامِ.
قَوْلُهُ: (فَلَا يَذْبَحْ) أَيِ الْأُضْحِيَّةَ (حَتَّى يَنْصَرِفَ) تَمَسَّكَ بِهِ الشَّافِعِيَّةُ فِي أَنَّ أَوَّلَ وَقْتِ الْأُضْحِيَّة قَدْرُ فَرَاغِ الصَّلَاةِ وَالْخُطْبَةِ، وَإِنَّمَا شَرَطُوا فَرَاغَ الْخَطِيبِ لِأَنَّ الْخُطْبَتَيْنِ مَقْصُودَتَانِ مَعَ الصَّلَاةِ فِي هَذِهِ الْعِبَادَةِ، فَيُعْتَبَرُ مِقْدَارُ الصَّلَاةِ وَالْخُطْبَتَيْنِ عَلَى أَخَفِّ مَا يَجْزِي بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، فَإِذَا ذَبَحَ بَعْدَ ذَلِكَ أَجْزَأَهُ الذَّبْحُ عَنِ الْأُضْحِيَّةِ، سَوَاءٌ صَلَّى الْعِيدَ أَمْ لَا، وَسَوَاءٌ ذَبَحَ الْإِمَامُ أُضْحِيَّتَهُ أَمْ لَا، وَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ أَهْلُ الْمِصْرِ وَالْحَاضِرِ وَالْبَادِ وَنَقَلَ الطَّحَاوِيُّ، عَنْ مَالِكٍ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ: لَا تَجُوزُ أُضْحِيَّةٌ قَبْلَ أَنْ يَذْبَحَ الْإِمَامُ، وَهُوَ مَعْرُوفٌ عَنْ مَالِكٍ، وَالْأَوْزَاعِيِّ لَا الشَّافِعِيِّ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: ظَوَاهِرُ الْأَحَادِيثِ تَدُلُّ عَلَى تَعْلِيقِ الذَّبْحِ بِالصَّلَاةِ، لَكِنْ لَمَّا رَأَى الشَّافِعِيُّ أَنَّ مَنْ لَا صَلَاةَ عِيدٍ عَلَيْهِ مُخَاطَبٌ بِالتَّضْحِيَةِ حَمَلَ الصَّلَاةَ عَلَى وَقْتِهَا. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَاللَّيْثُ: لَا ذَبْحَ قَبْلِ الصَّلَاةِ، وَيَجُوزُ بَعْدَهَا وَلَوْ لَمْ يَذْبَحِ الْإِمَامُ، وَهُوَ خَاصٌ بِأَهْلِ الْمِصْرِ، فَأَمَّا أَهْلُ الْقُرَى وَالْبَوَادِي فَيَدْخُلُ وَقْتُ الْأُضْحِيَّةِ فِي حَقِّهِمْ إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ الثَّانِي. وَقَالَ مَالِكٌ: يَذْبَحُونَ إِذَا نَحَرَ أَقْرَبُ أَئِمَّةِ الْقُرَى إِلَيْهِمْ، فَإِنْ نَحَرُوا قَبْلُ أَجْزَأَهُمْ. وَقَالَ عَطَاءٌ، وَرَبِيعَةُ: يَذْبَحُ أَهْلُ الْقُرَى بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ.
وَقَالَ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ: إِذَا فَرَغَ الْإِمَامُ مِنَ الصَّلَاةِ جَازَتِ الْأُضْحِيَّةُ، وَهُوَ وَجْهٌ لِلشَّافِعِيَّةِ قَوِيٌّ مِنْ حَيْثُ الدَّلِيلِ وَإِنْ ضَعَّفَهُ بَعْضُهُمْ، وَمِثْلُهُ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ: يَجُوزُ بَعْدَ صَلَاةِ الْإِمَامِ قَبْلَ خُطْبَتِهِ وَفِي أَثْنَائِهَا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: حَتَّى يَنْصَرِفَ أَيْ مِنَ الصَّلَاةِ، كَمَا فِي الرِّوَايَاتِ الْأُخَرِ. وَأَصْرَحُ مِنْ ذَلِكَ مَا وَقَعَ عِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ الْبَرَاءِ عَنْ أَبِيهِ رَفَعَهُ إِنَّمَا الذَّبْحُ بَعْدَ الصَّلَاةِ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ جُنْدَبٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ: مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ فَلْيَذْبَحْ مَكَانَهَا أُخْرَى، قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: هَذَا اللَّفْظُ أَظْهَرُ فِي اعْتِبَارِ فِعْلِ الصَّلَاةِ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ، أَيْ حَيْثُ جَاءَ فِيهِ: مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ، قَالَ: لَكِنْ إِنْ أَجْرَيْنَاهُ عَلَى ظَاهِرِهِ اقْتَضَى أَنْ لَا تُجْزِئَ الْأُضْحِيَّةُ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يُصَلِّ الْعِيدَ، فَإِنْ ذَهَبَ إِلَيْهِ أَحَدٌ فَهُوَ أَسْعَدُ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
نرجعُ فننحر … » إلى آخره، وقوله في الرِّواية السَّابقة: «من ذبحَ بعد (١) الصلاة» وهو أعمُّ من صلاة الإمام وغيره، ولا يشترطُ فعل الصَّلاة اتِّفاقًا لصحَّة التَّضحية، فدلَّ على أنَّ المرادَ بها وقتُها. وعند الحنفيَّة: وقتها في حقِّ أهل الأمصارِ بعد صلاة الإمام وخطبتهِ، وفي حقِّ غيرهم بعد طلوع الفجر. وعند المالكيَّة: بعد فراغ الإمام من الصَّلاة والخطبة والذَّبح. وعند الحنابلة: لا يجوزُ قبل صلاة الإمام، ويجوزُ بعدها قبل ذبحهِ.
(١٢) (بابُ مَنْ ذَبَحَ) أضحيتَهُ (قَبْلَ الصَّلَاةِ أَعَادَ) الذَّبح.
٥٥٦١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن عليَّة، نسبةً إلى أمِّه الأسديُّ البصريُّ (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (عَنْ مُحَمَّدٍ) هو ابنُ سيرين (عَنْ أَنَسٍ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) أنَّه (قَالَ: مَنْ ذَبَحَ) أضحيتَهُ (قَبْلَ الصَّلَاةِ فَلْيُعِدْ (٢)) أي: الذَّبح (فَقَالَ رَجُلٌ) هو أبو بردة: يا رسول الله (هَذَا يَوْمٌ يُشْتَهَى فِيهِ اللَّحْمُ) لما جرت العادة فيه من كثرةِ الذَّبح، فتتشوَّف النَّفس له وتلتذُّ بأكله (-وَذَكَرَ هَنَةً) بفتح الهاء والنون المخففة، حاجةً (مِنْ جِيرَانِهِ) لجيرانه إلى اللَّحم وفقرِهم، وثبت قوله: «هنة» لابن عَساكرَ وأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ (فَكَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ) بتشديد النون (عَذَرَهُ-) بتخفيف الذال المعجمة، أي: قَبِلَ عذرَه، لكنَّه لم يجعل ذلك كافيًا في مشروعيَّة الأضحية، ولذا أمرهُ بالإعادة (وَعِنْدِي جَذَعَةٌ) من المعز، عطف (٣) على قول أبي
بردة (١) الَّذي ذكر الرَّاوي عنه أنَّه ذكر هَنَة من جيرانه، والتَّقدير: هذا يوم يُشتهى فيه اللَّحم ولجيرانِي حاجةٌ، فذبحتُ قبل الصَّلاة، وعندي جذعةٌ (خَيْرٌ مِنْ شَاتَيْنِ) لطيبها سِمنًا ونفاسة.
فإن قلت: كيف تكون واحدة (٢) خيرًا من أضحيتين بل العكسُ أولى، كما (٣) في صورة الإعتاق، فإن إعتاق الرَّقبتين خيرٌ من إعتاق واحدةٍ ولو كانت أنفسَ منهما (٤)؟ أُجيب بأنَّ المقصود من (٥) الضَّحايا طيب اللَّحم وكثرته، فشاةٌ سمينةٌ أفضل من هزيلتين، وأمَّا العتق فالمقصود منه التَّقرُّب إلى الله تعالى بفكِّ الرَّقبة فيكون عتق (٦) الاثنتين أفضل من عتقِ الواحدة. نعم، إن عرضَ للواحد وصفٌ يقتضي رفعته على غيره -كالعلم وأنواع الفضل المتعدِّي- فذهب بعض المحقِّقين إلى أنَّه أفضلُ لعموم نفعهِ للمسلمين.
(فَرَخَّصَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ) في الأضحية بجذعةِ المعز، وسقط قوله: «النَّبيُّ … » إلى آخره لأبي ذرٍّ، وقال أنس: (فَلَا أَدْرِي بَلَغَتِ (٧) الرُّخْصَةُ) أي: مَنْ سواه من النَّاس، ولأبي ذرٍّ: «أبلغت الرُّخصة (٨)» (أَمْ لَا، ثُمَّ انْكَفَأَ) بالهمز، أي: رجع ﷺ (إِلَى كَبْشَيْنِ، يَعْنِي: فَذَبَحَهُمَا) بيده الكريمة (ثُمَّ انْكَفَأَ) رجعَ (النَّاسُ إِلَى غُنَيْمَةٍ) بضم الغين المعجمة وفتح النون (فَذَبَحُوهَا).
وهذا الحديثُ سبق في «باب ما يشتهى من اللَّحم» [خ¦٥٥٤٩].