«مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ لَمْ يَتُبْ مِنْهَا، حُرِمَهَا فِي…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٥٥٧٥

الحديث رقم ٥٥٧٥ من كتاب «كتاب الأشربة» في صحيح البخاري، تحت باب: كتاب الأشربة.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٥٥٧٥ في صحيح البخاري

«مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ لَمْ يَتُبْ مِنْهَا، حُرِمَهَا فِي الْآخِرَةِ.»

إسناد حديث رقم ٥٥٧٥ من صحيح البخاري

٥٥٧٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٥٥٧٥: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

أَصْلَ الْحَدِيثِ عِنْدَ مُسْلِمٍ سِوَى قَوْلِهِ سَمِينَيْنِ. وَفِيهِ مِنَ الْآثَارِ عَنِ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ سَبْعَةُ آثَارٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٧٤ - كِتَاب الْأَشْرِبَةِ

١ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾

٥٥٧٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ لَمْ يَتُبْ مِنْهَا حُرِمَهَا فِي الْآخِرَةِ.

٥٥٧٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ أُتِيَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ بِإِيلِيَاءَ بِقَدَحَيْنِ مِنْ خَمْرٍ وَلَبَنٍ فَنَظَرَ إِلَيْهِمَا ثُمَّ أَخَذَ اللَّبَنَ فَقَالَ جِبْرِيلُ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَاكَ لِلْفِطْرَةِ وَلَوْ أَخَذْتَ الْخَمْرَ غَوَتْ أُمَّتُكَ".

تَابَعَهُ مَعْمَرٌ وَابْنُ الْهَادِ وَعُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ وَالزُّبَيْدِيُّ عَنْ الزُّهْرِيِّ

٥٥٧٧ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: "سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ حَدِيثاً لَا يُحَدِّثُكُمْ بِهِ غَيْرِي قَالَ: مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يَظْهَرَ الْجَهْلُ وَيَقِلَّ الْعِلْمُ وَيَظْهَرَ الزِّنَا وَتُشْرَبَ الْخَمْرُ وَيَقِلَّ الرِّجَالُ وَيَكْثُرَ النِّسَاءُ حَتَّى يَكُونَ لِخَمْسِينَ امْرَأَةً قَيِّمُهُنَّ رَجُلٌ وَاحِدٌ".

٥٥٧٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَابْنَ الْمُسَيَّبِ يَقُولَانِ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ إِنَّ النَّبِيَّ قَالَ: "لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ. وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ. وَلَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ". قَالَ ابْنُ شِهَابٍ وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ يُحَدِّثُهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ثُمَّ يَقُولُ كَانَ أَبُو بَكْرٍ يُلْحِقُ مَعَهُنَّ: "وَلَا يَنْتَهِبُ نُهْبَةً ذَاتَ شَرَفٍ يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ أَبْصَارَهُمْ فِيهَا حِينَ يَنْتَهِبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ".

قَوْلُه: (كِتَابُ الْأَشْرِبَةِ) وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ﴾، الْآيَةَ، كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَسَاقَ الْبَاقُونَ إِلَى الْمُفْلِحُونَ كَذَا ذَكَرَ الْآيَةَ وَأَرْبَعَةَ أَحَادِيثَ تَتَعَلَّقُ بِتَحْرِيمِ الْخَمْرِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْأَشْرِبَةَ مِنْهَا

مَا يَحِلُّ وَمَا يَحْرُمُ فَيُنْظَرُ فِي حُكْمِ كُلٍّ مِنْهُمَا ثُمَّ فِي الْآدَابِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالشُّرْبِ، فَبَدَأَ بِتَبْيِينِ الْمُحَرَّمِ مِنْهَا لَقِلَّتِهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْحَلَالِ، فَإِذَا عُرِفَ مَا يَحْرُمُ كَانَ مَا عَدَاهُ حَلَالًا، وَقَدْ بَيَّنْتُ فِي تَفْسِيرِ الْمَائِدَةِ الْوَقْتَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ الْآيَةُ الْمَذْكُورَةُ وَأَنَّهُ كَانَ فِي عَامِ الْفَتْحِ قَبْلَ الْفَتْحِ، ثُمَّ رَأَيْتُ الدِّمْيَاطِيَّ فِي سِيرَتِهِ جَزَمَ بِأَنَّ تَحْرِيمَ الْخَمْرِ كَانَ سَنَةَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَالْحُدَيْبِيَةُ كَانَتْ سَنَةَ سِتٍّ.

وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ أَنَّهُ كَانَ فِي وَاقِعَةِ بَنِي النَّضِيرِ، وَهِيَ بَعْدَ وَقْعَةِ أُحُدٍ وَذَلِكَ سَنَةَ أَرْبَعٍ عَلَى الرَّاجِحِ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ أَنَسًا كَمَا سَيَأْتِي فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ كَانَ السَّاقِيَ يَوْمَ حُرِّمَتْ، وَأَنَّهُ لَمَّا سَمِعَ الْمُنَادِيَ بِتَحْرِيمِهَا بَادَرَ فَأَرَاقَهَا، فَلَوْ كَانَ ذَلِكَ سَنَةَ أَرْبَعٍ لَكَانَ أَنَسٌ يَصْغُرُ عَنْ ذَلِكَ، وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفُ لَمَّحَ بِذِكْرِ الْآيَةِ إِلَى بَيَانِ السَّبَبِ فِي نُزُولِهَا، وَقَدْ مَضَى بَيَانُهُ فِي تَفْسِيرِ الْمَائِدَةِ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَغَيْرِهِمَا، وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَ تَحْرِيمَ الْخَمْرِ فِي قَبِيلَتَيْنِ مِنَ الْأَنْصَارِ شَرِبُوا، فَلَمَّا ثَمِلَ الْقَوْمُ عَبِثَ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ، فَلَمَّا أَنْ صَحَوْا جَعَلَ الرَّجُلُ يَرَى فِي وَجْهِهِ وَرَأْسِهِ الْأَثَرَ فَيَقُولُ: صَنَعَ هَذَا أَخِي فُلَانٌ، وَكَانُوا إِخْوَةً لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ضَغَائِنُ، فَيَقُولُ: وَاللَّهِ لَوْ كَانَ بِي رَحِيمًا مَا صَنَعَ بِي هَذَا، حَتَّى وَقَعَتْ فِي قُلُوبِهِمُ الضَّغَائِنُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ - إِلَى - ﴿مُنْتَهُونَ﴾ قَالَ فَقَالَ نَاسٌ مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ: هِيَ رِجْسٌ، وَهِيَ فِي بَطْنِ فُلَانٍ وَقَدْ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ - تَعَالَى -: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ - إِلَى - ﴿الْمُحْسِنِينَ﴾، وَوَقَعَتْ هَذِهِ الزِّيَادَةُ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ فِي الْبُخَارِيِّ كَمَا مَضَى فِي الْمَائِدَةِ، وَوَقَعَتْ أَيْضًا فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ وَصَحَّحَهُ، وَمِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ أَحْمَدَ: لَمَّا حُرِّمَتِ الْخَمْرُ قَالَ نَاسٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ،

أَصْحَابُنَا الَّذِينَ مَاتُوا وَهُمْ يَشْرَبُونَهَا وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ. وَعِنْدَ الْبَزَّارِ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّ الَّذِي سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ الْيَهُودُ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي ذَكَرْتُهُ فِي تَفْسِيرِ الْمَائِدَةِ نَحْوَ الْأَوَّلِ، وَزَادَ فِي آخِرِهِ: قَالَ النَّبِيُّ : لَوْ حُرِّمَ عَلَيْهِمْ لَتَرَكُوهُ كَمَا تَرَكْتُمْ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيُّ فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ: يُسْتَفَادُ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ مِنْ تَسْمِيَتِهَا رِجْسًا. وَقَدْ سُمِّيَ بِهِ مَا أُجْمِعَ عَلَى تَحْرِيمِهِ وَهُوَ لَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمِنْ قَوْلُهُ: ﴿مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾؛ لِأَنَّ مَهْمَا كَانَ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ حَرُمَ تَنَاوُلُهُ، وَمِنَ الْأَمْرِ بِالِاجْتِنَابِ وَهُوَ لِلْوُجُوبِ وَمَا وَجَبَ اجْتِنَابُهُ حَرُمَ تَنَاوُلُهُ، وَمِنَ الْفَلَاحِ الْمُرَتَّبِ عَلَى الِاجْتِنَابِ، وَمِنْ كَوْنِ الشُّرْبِ سَبَبًا لِلْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَتَعَاطِي مَا يُوقِعُ ذَلِكَ حَرَامٌ، وَمِنْ كَوْنِهَا تَصُدُّ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ، وَمِنْ خِتَامِ الْآيَةِ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾؟ فَإِنَّهُ اسْتِفْهَامٌ مَعْنَاهُ الرَّدْعُ وَالزَّجْرُ، وَلِهَذَا قَالَ عُمَرُ لَمَّا سَمِعَهَا: انْتَهَيْنَا انْتَهَيْنَا. وَسَبَقَهُ إِلَى نَحْوِ ذَلِكَ الطَّبَرِيُّ.

وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ مَشَى أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ فَقَالُوا: حُرِّمَتِ الْخَمْرُ وَجُعِلَتْ عِدْلًا لِلشِّرْكِ قِيلَ: يُشِيرُ إِلَى قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ﴾ الْآيَةَ، فَإِنَّ الْأَنْصَابَ وَالْأَزْلَامَ مِنْ عَمَلِ الْمُشْرِكِينَ بِتَزْيِينِ الشَّيْطَانِ، فَنُسِبَ الْعَمَلُ إِلَيْهِ. قَالَ أَبُو اللَّيْثِ السَّمَرْقَنْدِيُّ: الْمَعْنَى أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَ فِيهَا أَنَّهَا رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ وَأَمَرَ بِاجْتِنَابِهَا عَادَلَتْ قَوْلَهُ - تَعَالَى -: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ﴾ وَذَكَرَ أَبُو جَعْفَرٍ النَّحَّاسُ أَنَّ بَعْضَهُمُ اسْتَدَلَّ لِتَحْرِيمِ الْخَمْرِ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ وَقَدْ قَالَ - تَعَالَى - فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ: ﴿فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ فَلَمَّا أَخْبَرَ أَنَّ فِي الْخَمْرِ إِثْمًا كَبِيرًا ثُمَّ صَرَّحَ بِتَحْرِيمِ الْإِثْمِ ثَبَتَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ بِذَلِكَ، قَالَ: وَقَوْلُ مَنْ قَالَ إِنَّ الْخَمْرَ تُسَمَّى الْإِثْمُ لَمْ نَجِدُ لَهُ أَصْلًا فِي الْحَدِيثِ وَلَا فِي اللُّغَةِ، وَلَا دَلَالَةَ أَيْضًا فِي قَوْلِ الشَّاعِرِ:

شَرِبْتُ الْإِثْمَ حَتَّى ضَلَّ عَقْلِي … كَذَاكَ الْإِثْمُ يَذْهَبُ بِالْعُقُولِ

فَإِنَّهُ أَطْلَقَ الْإِثْمَ عَلَى الْخَمْرِ مَجَازًا بِمَعْنَى أَنَّهُ يَنْشَأُ عَنْهَا الْإِثْمُ. وَاللُّغَةُ الْفُصْحَى تَأْنِيثُ الْخَمْرِ، وَأَثْبَتَ أَبُو حَاتِمٍ السِّجِسْتَانِيُّ، وَابْنُ قُتَيْبَةَ وَغَيْرُهُمَا جَوَازَ التَّذْكِيرِ، وَيُقَالُ لَهَا الْخَمْرَةُ أَثْبَتَهُ فِيهَا جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ مِنْهُمُ الْجَوْهَرِيُّ، وَقَالَ ابْنُ مَالِكٍ فِي الْمُثَلَّثِ: الْخَمْرَةُ هِيَ الْخَمْرُ فِي اللُّغَةِ، وَقِيلَ: سُمِّيَتِ الْخَمْرُ لِأَنَّهَا تُغَطِّي الْعَقْلَ وَتُخَامِرُهُ أَيْ تُخَالِطُهُ، أَوْ لِأَنَّهَا هِيَ تُخَمَّرُ أَيْ تُغَطَّى حَتَّى تَغْلِي، أَوْ لِأَنَّهَا تَخْتَمِرُ أَيْ تُدْرِكُ كَمَا يُقَالُ لِلْعَجِينِ اخْتَمَرَ، أَقْوَالٌ سَيَأْتِي بَسْطُهَا عِنْدَ شَرْحِ قَوْلِ عُمَرَ : وَالْخَمْرُ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى -. الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ حَدِيثٌ ابْنِ عُمَرَ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ عَنْهُ وَهُوَ مِنْ أَصَحِّ الْأَسَانِيدِ

قَوْلُهُ: (مَنْ شَرِبَ الْخَمْرُ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ لَمْ يَتُبْ مِنْهَا حُرِمَهَا فِي الْآخِرَةِ) حُرِمَهَا بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ الْخَفِيفَةِ مِنَ الْحِرْمَانِ، زَادَ مُسْلِمٌ، عَنِ الْقَعْنَبِيِّ، عَنْ مَالِكٍ فِي آخِرِهِ: لَمْ يُسْقَهَا، وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ بِلَفْظِ: فَمَاتَ وَهُوَ مُدْمِنُهَا لَمْ يَشْرَبْهَا فِي الْآخِرَةِ، وَزَادَ مُسْلِمٌ فِي أَوَّلِ الْحَدِيثِ مَرْفُوعًا: كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، وَأَوْرَدَ هَذِهِ الزِّيَادَةَ مُسْتَقِلَّةً أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ كِلَاهُمَا عَنْ نَافِعٍ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهَا فِي بَابِ الْخَمْرِ مِنَ الْعَسَلِ وَيَأْتِي كَلَامُ ابْنِ بَطَّالٍ فِيهَا فِي آخِرِ هَذَا الْبَابِ. وَقَوْلُهُ: ثُمَّ لَمْ يَتُبْ مِنْهَا، أَيْ مِنْ شُرْبِهَا، فَحُذِفَ الْمُضَافُ وَأُقِيمَ الْمُضَافُ إِلَيْهِ مَقَامَهُ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ، وَالْبَغْوِيُّ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: مَعْنَى الْحَدِيثِ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ، لِأَنَّ الْخَمْرَ شَرَابُ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَإِذَا حُرِّمَ شُرْبُهَا دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هَذَا وَعِيدٌ شَدِيدٌ يَدُلُّ عَلَى حِرْمَانِ دُخُولِ الْجَنَّةِ، لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - أَخْبَرَ أَنَّ فِي الْجَنَّةِ أَنْهَارَ الْخَمْرِ لَذَّةٌ لِلشَّارِبِينَ، وَأَنَّهُمْ لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ.

فَلَوْ دخَلَهَا - وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ فِيهَا خَمْرًا أَوْ أَنَّهُ حُرِمَهَا عُقُوبَةً لَهُ - لَزِمَ وُقُوعُ الْهَمِّ وَالْحُزْنِ فِي الْجَنَّةِ، وَلَا هَمَّ فِيهَا وَلَا حُزْنَ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِوُجُودِهَا فِي الْجَنَّةِ وَلَا أَنَّهُ حُرِمَهَا عُقُوبَةً لَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فِي فَقْدِهَا أَلَمٌ، فَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ مَنْ تَقَدَّمَ: إِنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ أَصْلًا، قَالَ: وَهُوَ مَذْهَبٌ غَيْرُ مَرْضِيٍّ، قَالَ: وَيُحْمَلُ الْحَدِيثُ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَدْخُلُهَا وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ فِيهَا إِلَّا إِنْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ كَمَا فِي بَقِيَّةِ الْكَبَائِرِ وَهُوَ فِي الْمَشِيئَةِ، فَعَلَى هَذَا فَمَعْنَى الْحَدِيثِ: جَزَاؤُهُ فِي الْآخِرَةِ أَنْ يُحْرَمَهَا لِحِرْمَانِهِ دُخُولَ الْجَنَّةِ إِلَّا إِنْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ. قَالَ: وَجَائِزٌ أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ بِالْعَفْوِ ثُمَّ لَا يَشْرَبُ فِيهَا خَمْرًا وَلَا تَشْتَهِيهَا نَفْسُهُ وَإِنْ عَلِمَ بِوُجُودِهَا فِيهَا، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا: مَنْ لَبِسَ الْحَرِيرَ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الْآخِرَةِ، وَإِنْ دَخَلَ الْجَنَّةَ لَبِسَهُ أَهْلُ الْجَنَّةِ وَلَمْ يَلْبَسهُ هُوَ، قُلْتُ: أَخْرَجَهُ الطَّيَالِسِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. وَقَرِيبٌ مِنْهُ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَفَعَهُ: مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي وَهُوَ يَشْرَبُ الْخَمْرَ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ شُرْبَهَا فِي الْجَنَّةِ، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ بِسَنَدٍ حَسَنٍ، وَقَدْ لَخَّصَ عِيَاضٌ كَلَامَ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ وَزَادَ احْتِمَالًا آخَرَ وَهُوَ أَنَّ الْمُرَادَ بِحِرْمَانِهِ شُرْبَهَا أَنَّهُ يُحْبَسُ عَنِ الْجَنَّةِ مُدَّةً إِذَا أَرَادَ اللَّهُ عُقُوبَتَهُ، وَمِثْلُهُ الْحَدِيثُ الْآخَرُ: لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ.

قَالَ: وَمَنْ قَالَ لَا يَشْرَبُهَا فِي الْجَنَّةِ بِأَنْ يَنْسَاهَا أَوْ لَا يَشْتَهِيهَا يَقُولُ لَيْسَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ حَسْرَةٌ وَلَا يَكُونُ تَرْكُ شَهْوَتِهِ إِيَّاهَا عُقُوبَةً فِي حَقِّهِ، بَلْ هُوَ نَقْصُ نَعِيمٍ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ هُوَ أَتَمُّ نَعِيمًا مِنْهُ كَمَا تَخْتَلِفُ دَرَجَاتُهُمْ، وَلَا يُلْحَقُ مَنْ هُوَ أُنْقَصُ دَرَجَةً حِينَئِذٍ بِمَنْ هُوَ أَعْلَى دَرَجَةً مِنْهُ اسْتِغْنَاءً بِمَا أُعْطِيَ وَاغْتِبَاطًا لَهُ. وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: ظَاهِرُ الْحَدِيثَيْنِ أَنَّهُ لَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ فِي الْجَنَّةِ وَلَا يَلْبَسُ الْحَرِيرَ فِيهَا، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ اسْتَعْجَلَ مَا أُمِرَ بِتَأْخِيرِهِ وَوُعِدَ بِهِ فَحُرِمَهُ عِنْدَ مِيقَاتِهِ، كَالْوَارِثِ فَإِنَّهُ إِذَا قَتَلَ مُوَرِّثَهُ فَإِنَّهُ يُحْرَمُ مِيرَاثُهُ لِاسْتِعْجَالِهِ. وَبِهَذَا قَالَ نَفَرٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَمِنَ الْعُلَمَاءِ، وَهُوَ مَوْضِعُ احْتِمَالٍ وَمَوْقِفُ إِشْكَالٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ كَيْفَ يَكُونُ الْحَالُ. وَفَصَلَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ بَيْنَ مَنْ يَشْرَبُهَا مُسْتَحِلًّا

فَهُوَ الَّذِي لَا يَشْرَبُهَا أَصْلًا لِأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ أَصْلًا، وَعَدَمُ الدُّخُولِ يَسْتَلْزِمُ حِرْمَانَهَا، وَبَيْنَ مَنْ يَشْرَبُهَا عَالِمًا بِتَحْرِيمِهَا فَهُوَ مَحَلُّ الْخِلَافِ، وَهُوَ الَّذِي يُحْرَمُ شُرْبَهَا مُدَّةً وَلَوْ فِي حَالِ تَعْذِيبِهِ إِنْ عُذِّبَ، أَوِ الْمَعْنَى أَنَّ ذَلِكَ جَزَاؤُهُ إِنْ جُوزِيَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ التَّوْبَةَ تُكَفِّرُ الْمَعَاصِيَ الْكَبَائِرَ، وَهُوَ فِي التَّوْبَةِ مِنَ الْكُفْرِ قَطْعِيٌّ وَفِي غَيْرِهِ مِنَ الذُّنُوبِ خِلَافٌ بَيْنَ أَهْلِ السُّنَّةِ هَلْ هُوَ قَطْعِيٌّ أَوْ ظَنِّيٌّ. قَالَ النَّوَوِيُّ: الْأَقْوَى أَنَّهُ ظَنِّيٌّ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: مَنِ اسْتَقْرَأَ الشَّرِيعَةَ عَلِمَ أَنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ الصَّادِقِينَ قَطْعًا.

وَلِلتَّوْبَةِ الصَّادِقَةِ شُرُوطٌ سَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهَا فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ الْبَابِ عَلَى صِحَّةِ التَّوْبَةِ مِنْ بَعْضِ الذُّنُوبِ دُونَ بَعْضٍ، وَسَيَأْتِي تَحْقِيقُ ذَلِكَ. وَفِيهِ أَنَّ الْوَعِيدَ يَتَنَاوَلُ مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ وَإِنْ لَمْ يَحْصُلُ لَهُ السُّكْرُ، لِأَنَّهُ رَتَّبَ الْوَعِيدَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى مُجَرَّدِ الشُّرْبِ مِنْ غَيْرِ قَيْدٍ، وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ فِي الْخَمْرِ الْمُتَّخَذِ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ وَكَذَا فِيمَا يُسْكِرُ مِنْ غَيْرِهَا، وَأَمَّا مَا لَا يُسْكِرُ مِنْ غَيْرِهَا فَالْأَمْرُ فِيهِ كَذَلِكَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ، وَيُؤْخَذُ مِنْ قَوْلُهُ: ثُمَّ لَمْ يَتُبْ مِنْهَا أَنَّ التَّوْبَةَ مَشْرُوعَةٌ فِي جَمِيعِ الْعُمُرِ مَا لَمْ يَصِلْ إِلَى الْغَرْغَرَةِ، لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ ثُمَّ مِنَ التَّرَاخِي، وَلَيْسَ الْمُبَادَرَةُ إِلَى التَّوْبَةِ شَرْطًا فِي قَبُولِهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

الْحَدِيثُ الثَانِي حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ.

قَوْلُهُ: (بِإِيلِيَاءَ) بِكَسْرِ الْهَمْزِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ وَكَسْرِ اللَّامِ وَفَتْحِ التَّحْتَانِيَّةِ الْخَفِيفَةِ مَعَ الْمَدِّ: هِيَ مَدِينَةُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ عَرْضَ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَقَعَ وَهُوَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ، لَكِنْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ اللَّيْثِ الَّتِي تَأْتِي الْإِشَارَةُ إِلَيْهَا إِلَى إِيلِيَاءَ وَلَيْسَتْ صَرِيحَةً فِي ذَلِكَ، لِجَوَازِ أَنْ يُرِيدَ تَعْيِينَ لَيْلَةِ الْإِيتَاءِ لَا مَحَلَّهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ مَعَ بَقِيَّةِ شَرْحِهِ فِي أَوَاخِرِ الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ قَبْلَ الْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ. وَقَوْلُهُ فِيهِ: وَلَوْ أَخَذْتُ الْخَمْرَ غَوَتْ أُمَّتُكَ هُوَ مَحَلُّ التَّرْجَمَةِ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ (١): يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ نَفَرَ مِنَ الْخَمْرِ لِأَنَّهُ تَفَرَّسَ أَنَّهَا سَتُحَرَّمُ لِأَنَّهَا كَانَتْ حِينَئِذٍ مُبَاحَةً، وَلَا مَانِعَ مِنَ افْتِرَاقِ مُبَاحَيْنِ مُشْتَرِكَيْنِ فِي أَصْلِ الْإِبَاحَةِ فِي أَنَّ أَحَدَهُمَا سَيُحَرَّمُ وَالْآخَرُ تَسْتَمِرُّ إِبَاحَتُهُ. قُلْتُ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ نَفَرَ مِنْهَا لِكَوْنِهِ لَمْ يَعْتَدْ شُرْبَهَا فَوَافَقَ بِطَبْعِهِ مَا سَيَقَعُ مِنْ تَحْرِيمِهَا بَعْدُ، حِفْظًا مِنَ اللَّهِ - تَعَالَى - لَهُ وَرِعَايَةً، وَاخْتَارَ اللَّبَنَ لِكَوْنِهِ مَأْلُوفًا لَهُ، سَهْلًا طَيِّبًا طَاهِرًا، سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ، سَلِيمَ الْعَاقِبَةِ، بِخِلَافِ الْخَمْرِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ. وَالْمُرَادُ بِالْفِطْرَةِ هُنَا الِاسْتِقَامَةُ عَلَى الدِّينِ الْحَقِّ. وَفِي الْحَدِيثِ مَشْرُوعِيَّةُ الْحَمْدِ عِنْدِ حُصُولِ مَا يُحْمَدُ وَدَفْعِ مَا يُحْذَرِ. وَقَوْلُهُ: غَوَتْ أُمَّتُكَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَخَذَهُ مِنْ طَرِيقِ الْفَأْلِ، أَوْ تَقَدَّمَ عِنْدَهُ عِلْمٌ بِتَرَتُّبِ كُلٍّ مِنَ الْأَمْرَيْنِ وَهُوَ أَظْهَرُ.

قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ مَعْمَرٌ، وَابْنُ الْهَادِ، وَعُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ) يَعْنِي بِسَنَدِهِ. وَوَقَعَ فِي غَيْرِ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ زِيَادَةُ الزُّبَيْدِيِّ مَعَ الْمَذْكُورِينَ بَعْدَ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ، فَأَمَّا مُتَابَعَةُ مَعْمَرَ فَوَصَلَهَا الْمُؤَلِّفُ فِي قِصَّةِ مُوسَى مِنْ أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ، وَأَوَّلُ الْحَدِيثِ ذِكْرُ مُوسَى وَعِيسَى وَصِفَتُهُمَا، وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ إِيلِيَاءَ، وَفِيهِ: اشْرَبْ أَيَّهُمَا شِئْتَ، فَأَخَذْتُ اللَّبَنَ فَشَرِبْتُهُ. وَأَمَّا رِوَايَةُ ابْنِ الْهَادِ - وَهُوَ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُسَامةَ بْنِ الْهَادِ اللَّيْثِيُّ يُنْسَبُ لِجَدِّ أَبِيهِ - فَوَصَلَهَا النَّسَائِيُّ، وَأَبُو عَوَانَةَ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ عَنْهُ عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ بُخْتٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ وَهُوَ الزُّهْرِيُّ، قَالَ الطَّبَرَانِيُّ: تَفَرَّدَ بِهِ يَزِيدُ بْنُ الْهَادِ، عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ، فَعَلَى هَذَا فَقَدْ سَقَطَ ذِكْرُ عَبْدِ الْوَهَّابِ مِنَ الْأَصْلِ بَيْنَ ابْنِ الْهَادِ، وَابْنِ شِهَابٍ، عَلَى أَنَّ ابْنَ الْهَادِ قَدْ رَوَى عَنِ الزُّهْرِيِّ أَحَادِيثَ غَيْرَ هَذَا بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ، مِنْهَا مَا تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ الْمَائِدَةِ قَالَ الْبُخَارِيُّ فِيهِ: وَقَالَ يَزِيدُ بْنُ الْهَادِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فَذَكَرَهُ، وَوَصَلَهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْهَادِ، عَنِ

الزُّهْرِيِّ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ. وَأَمَّا رِوَايَةُ الزُّبَيْدِيِّ فَوَصَلَهَا النَّسَائِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي مُسْنَدِ الشَّامِيِّينَ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ حَرْبٍ عَنْهُ لَكِنْ لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ إِيلِيَاءَ أَيْضًا. وَأَمَّا رِوَايَةُ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ فَوَصَلَهَا تَمَّامٌ الرَّازِيُّ فِي فَوَائِدِهِ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُنْذِرِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهِ.

وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ عَنِ الْحَاكِمِ أَنَّهُ قَالَ: أَرَادَ الْبُخَارِيُّ بِقَوْلِهِ: تَابَعَهُ ابْنُ الْهَادِ، وَعُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ حَدِيثَ ابْنِ الْهَادِ، عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ وَحَدِيثَ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ بْنِ فَارِسٍ، عَنْ يُونُسَ كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ. قُلْتُ: وَلَيْسَ كَمَا زَعَمَ الْحَاكِمُ وَأَقَرَّهُ الْمِزِّيُّ فِي عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ، فَإِنَّهُ ظَنَّ أَنَّهُ عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ بْنِ فَارِسٍ الرَّاوِي عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ، وَلَيْسَ بِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ بْنِ مُوسَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ التَّيْمِيُّ، وَلَيْسَ لِعُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ بْنِ فَارِسٍ وَلَدٌ اسْمُهُ عُمَرُ يَرْوِي عَنْهُ، وَإِنَّمَا هُوَ وَلَدُ التَّيْمِيِّ كَمَا ذَكَرْتُهُ مِنْ فَوَائِدِ تَمَّامٍ وَهُوَ مَدَنِيٌّ، وَقَدْ ذَكَرَ عُثْمَانُ الدَّارِمِيُّ أَنَّهُ سَأَلَ يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ الْمَدَنِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الزُّهْرِيِّ فَقَالَ: لَا أَعْرِفُهُ وَلَا أَعْرِفُ أَبَاهُ. قُلْتُ: وَقَدْ عَرَفَهُمَا غَيْرُهُ، وَذَكَرَه الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ فِي النَّسَبِ عَنْ عُثْمَانَ الْمَذْكُورِ فَقَالَ: إِنَّهُ وَلِيَ قَضَاءَ الْمَدِينَةِ فِي زَمَنِ مَرْوَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ، ثُمَّ وَلِيَ الْقَضَاءَ لِلْمَنْصُورِ وَمَاتَ مَعَهُ بِالْعِرَاقِ وَذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ، وَأَكْثَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ ذِكْرِهِ فِي الْعِلَلِ عِنْدَ ذِكْرِهِ لِلْأَحَادِيثِ الَّتِي تَخْتَلِفُ رُوَاتُهَا عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَكَثِيرًا مَا تُرَجَّحُ رِوَايَتُهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

الْحَدِيثُ الثَّالِثُ حَدِيثُ أَنَسٍ.

قَوْلُهُ: (هِشَامٌ) هُوَ الدَّسْتُوَائِيُّ.

قَوْلُهُ: (لَا يُحَدِّثُكُمْ بِهِ غَيْرِي) كَأَنَّ أَنَسًا حَدَّثَ بِهِ فِي أَوَاخِرِ عُمْرِهِ فَأَطْلَقَ ذَلِكَ، أَوْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنَ النَّبِيِّ إِلَّا مَنْ كَانَ قَدْ مَاتَ.

قَوْلُهُ: (وَتَشْرَبُ الْخَمْرَ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَشُرْبُ الْخَمْرِ بِالْإِضَافَةِ، وَرِوَايَةُ الْجَمَاعَةِ أَوْلَى لِلْمُشَاكَلَةِ.

قَوْلُهُ (حَتَّى يَكُونَ لِخَمْسِينَ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: حَتَّى يَكُونَ خَمْسُونَ امْرَأَةً قَيِّمُهُنَّ رَجُلٌ وَاحِدٌ، وَسَبَقَ شَرْحُ الْحَدِيثِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْعِلْمِ، وَالْمُرَادُ أَنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ كَثْرَةَ شُرْبِ الْخَمْرِ كَسَائِرِ مَا ذُكِرَ فِي الْحَدِيثِ.

الْحَدِيثُ الرَّابِعُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَقَعَ فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ هُنَا: لَا يَزْنِي حِينَ يَزْنِي بِحَذْفِ الْفَاعِلِ، فَقَدَّرَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ الرَّجُلَ أَوِ الْمُؤْمِنْ أَوِ الزَّانِيَ، وَقَدْ بَيَّنَتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ تَعْيِينَ الِاحْتِمَالِ الثَّالِثِ.

قَوْلُهُ: (وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ) قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: هَذَا أَشَدُّ مَا وَرَدَ فِي شُرْبِ الْخَمْرِ، وَبِهِ تَعَلَّقَ الْخَوَارِجُ فَكَفَّرُوا مُرْتَكِبَ الْكَبِيرَةِ عَامِدًا عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ، وَحَمَلَ أَهْلُ السُّنَّةِ الْإِيمَانَ هُنَا عَلَى الْكَامِلِ، لِأَنَّ الْعَاصِيَ يَصِيرُ أَنْقَصَ حَالًا فِي الْإِيمَانِ مِمَّنْ لَا يَعْصِي، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّ فَاعِلَ ذَلِكَ يَئُولُ أَمْرُهُ إِلَى ذَهَابِ الْإِيمَانِ، كَمَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ عُثْمَانَ الَّذِي أَوَّلُهُ: اجْتَنِبُوا الْخَمْرَ فَإِنَّهَا أُمُّ الْخَبَائِثِ - وَفِيهِ - وَإِنَّهَا لَا تَجْتَمِعُ هِيَ وَالْإِيمَانُ إِلَّا وَأَوْشَكَ أَحَدُهُمَا أَنْ يُخْرِجَ صَاحِبَهُ، أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ مَرْفُوعًا. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: وَإِنَّمَا أَدْخَلَ الْبُخَارِيُّ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ الْمُشْتَمِلَةَ عَلَى الْوَعِيدِ الشَّدِيدِ فِي هَذَا الْبَابِ لِيَكُونَ عِوَضًا عَنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، وَإِنَّمَا لَمْ يَذْكُرْهُ فِي هَذَا الْبَابِ لِكَوْنِهِ رُوِيَ مَوْقُوفًا، كَذَا قَالَ، وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ فِي الْوَعِيدِ قَدْرًا زَائِدًا عَلَى مُطْلَقِ التَّحْرِيمِ، وَقَدْ ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ مَا يُؤَدِّي مَعْنَى حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا.

قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) هُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ.

قَوْلُهُ: (إِنَّ أَبَا بَكْرٍ أَخْبَرَهُ) هُوَ وَالِدُ عَبْدِ الْمَلِكِ شَيْخُ ابْنِ شِهَابٍ فِيهِ.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ يَقُولُ كَانَ أَبُو بَكْرٍ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَذْكُورُ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ كَانَ يَزِيدُ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَقَدْ مَضَى بَيَانُ ذَلِكَ عِنْدَ ذِكْرِ شَرْحِ الْحَدِيثِ فِي كِتَابِ الْمَظَالِمِ، وَيَأْتِي مَزِيدٌ لِذَلِكَ فِي كِتَابِ الْحُدُودِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى -.

٢ - بَاب الْخَمْرُ مِنْ الْعِنَبِ وغيره

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

أكَّد تحريم الخمرِ والميسر من وجوهٍ حيثُ صدَّر الجملة بـ ﴿إِنَّمَا﴾ وقرنها بعبادةِ الأصنام، ومنه الحديث: «شاربُ الخمرِ كعابدِ الوثن» وجعلهمَا رجسًا من عملِ الشَّيطان، ولا يأتي منه إلا الشَّر البحت، وأمر بالاجتنابِ، وجعل الاجتناب من الفلاحِ، وإذا كان الاجتنابُ فلاحًا كان الارتكابُ خسارًا، والأمر بالاجتنابِ للوجوب، وما وجبَ اجتنابُه حرم تناوله، وسقط لأبي ذرٍّ قوله: «﴿مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ … » إلى آخره، وقال بعد قولهِ: ﴿رِجْسٌ﴾: «الآيةَ».

٥٥٧٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ) سقط لأبي ذرٍّ «عبد الله» (أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: مَنْ شَرِبَ الخَمْرَ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ لَمْ يَتُبْ مِنْهَا) من شربها (حُرِمَهَا) (١) بضم الحاء المهملة وكسر الراء مخففة، من الحرمان؛ أي: حرمَ شربها (٢) (فِي الآخِرَةِ) ولمسلم من طريق أيُّوب، عن نافعٍ: «فماتَ وهو مدمنها لم يشربْها في الآخرةِ». وظاهرُه: عدمُ دخوله الجنَّة ضرورةَ أنَّ الخمرَ شرابُ أهلها، فإذا حرم شربها دلَّ على أنَّه لا يدخلها، ولأنَّه إن حرمها عقوبةً له لزم وقوعُ الهمِّ والحزن له، والجنَّة لا همَّ فيها ولا حزن. وحملهُ ابنُ عبد البرِّ: على أنَّه (٣) لا يدخلها ولا يشربُ الخمر فيها إلَّا إن عفا الله عنه، كما في بقيَّة الكبائرِ وهو في المشيئةِ، فالمعنى: جزاؤه في الآخرةِ أن يحرمها لحرمانهِ دخول الجنَّة إلا إن عفا الله عنه، وجائزٌ أن يدخلَ الجنَّة بالعفوِ ثمَّ لا يشربُ فيها خمرًا، ولا تشتهيها نفسُه وإن علمَ بوجودهِ فيها، ويدلُّ له حديثُ أبي سعيدٍ المرويُّ عند الطَّيالسيِّ وصحَّحه ابن حبَّان مرفوعًا: «مَن لبسَ الحريرَ في الدُّنيا لم يلبسْه في الآخرةِ، وإن دخلَ الجنَّة لبسَه أهل الجنَّة ولم يلبسْه هو». وفرَّق بعضُهم بين من يشربها مستحلًّا لها ومن يشربها عالمًا بتحريمها، فالأوَّل: لا يشربُهَا أبدًا لأنَّه لا يدخل الجنَّة، والثَّاني: هو الَّذي اختلف فيه فقيل (٤): إنَّه يحرمُ شربها مدَّة ولو في حالِ تعذيبه إن عذب، أو المعنى: إنَّ ذاك

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

أَصْلَ الْحَدِيثِ عِنْدَ مُسْلِمٍ سِوَى قَوْلِهِ سَمِينَيْنِ. وَفِيهِ مِنَ الْآثَارِ عَنِ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ سَبْعَةُ آثَارٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٧٤ - كِتَاب الْأَشْرِبَةِ

١ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾

٥٥٧٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ لَمْ يَتُبْ مِنْهَا حُرِمَهَا فِي الْآخِرَةِ.

٥٥٧٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ أُتِيَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ بِإِيلِيَاءَ بِقَدَحَيْنِ مِنْ خَمْرٍ وَلَبَنٍ فَنَظَرَ إِلَيْهِمَا ثُمَّ أَخَذَ اللَّبَنَ فَقَالَ جِبْرِيلُ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَاكَ لِلْفِطْرَةِ وَلَوْ أَخَذْتَ الْخَمْرَ غَوَتْ أُمَّتُكَ".

تَابَعَهُ مَعْمَرٌ وَابْنُ الْهَادِ وَعُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ وَالزُّبَيْدِيُّ عَنْ الزُّهْرِيِّ

٥٥٧٧ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: "سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ حَدِيثاً لَا يُحَدِّثُكُمْ بِهِ غَيْرِي قَالَ: مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يَظْهَرَ الْجَهْلُ وَيَقِلَّ الْعِلْمُ وَيَظْهَرَ الزِّنَا وَتُشْرَبَ الْخَمْرُ وَيَقِلَّ الرِّجَالُ وَيَكْثُرَ النِّسَاءُ حَتَّى يَكُونَ لِخَمْسِينَ امْرَأَةً قَيِّمُهُنَّ رَجُلٌ وَاحِدٌ".

٥٥٧٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَابْنَ الْمُسَيَّبِ يَقُولَانِ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ إِنَّ النَّبِيَّ قَالَ: "لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ. وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ. وَلَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ". قَالَ ابْنُ شِهَابٍ وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ يُحَدِّثُهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ثُمَّ يَقُولُ كَانَ أَبُو بَكْرٍ يُلْحِقُ مَعَهُنَّ: "وَلَا يَنْتَهِبُ نُهْبَةً ذَاتَ شَرَفٍ يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ أَبْصَارَهُمْ فِيهَا حِينَ يَنْتَهِبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ".

قَوْلُه: (كِتَابُ الْأَشْرِبَةِ) وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ﴾، الْآيَةَ، كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَسَاقَ الْبَاقُونَ إِلَى الْمُفْلِحُونَ كَذَا ذَكَرَ الْآيَةَ وَأَرْبَعَةَ أَحَادِيثَ تَتَعَلَّقُ بِتَحْرِيمِ الْخَمْرِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْأَشْرِبَةَ مِنْهَا

مَا يَحِلُّ وَمَا يَحْرُمُ فَيُنْظَرُ فِي حُكْمِ كُلٍّ مِنْهُمَا ثُمَّ فِي الْآدَابِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالشُّرْبِ، فَبَدَأَ بِتَبْيِينِ الْمُحَرَّمِ مِنْهَا لَقِلَّتِهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْحَلَالِ، فَإِذَا عُرِفَ مَا يَحْرُمُ كَانَ مَا عَدَاهُ حَلَالًا، وَقَدْ بَيَّنْتُ فِي تَفْسِيرِ الْمَائِدَةِ الْوَقْتَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ الْآيَةُ الْمَذْكُورَةُ وَأَنَّهُ كَانَ فِي عَامِ الْفَتْحِ قَبْلَ الْفَتْحِ، ثُمَّ رَأَيْتُ الدِّمْيَاطِيَّ فِي سِيرَتِهِ جَزَمَ بِأَنَّ تَحْرِيمَ الْخَمْرِ كَانَ سَنَةَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَالْحُدَيْبِيَةُ كَانَتْ سَنَةَ سِتٍّ.

وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ أَنَّهُ كَانَ فِي وَاقِعَةِ بَنِي النَّضِيرِ، وَهِيَ بَعْدَ وَقْعَةِ أُحُدٍ وَذَلِكَ سَنَةَ أَرْبَعٍ عَلَى الرَّاجِحِ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ أَنَسًا كَمَا سَيَأْتِي فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ كَانَ السَّاقِيَ يَوْمَ حُرِّمَتْ، وَأَنَّهُ لَمَّا سَمِعَ الْمُنَادِيَ بِتَحْرِيمِهَا بَادَرَ فَأَرَاقَهَا، فَلَوْ كَانَ ذَلِكَ سَنَةَ أَرْبَعٍ لَكَانَ أَنَسٌ يَصْغُرُ عَنْ ذَلِكَ، وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفُ لَمَّحَ بِذِكْرِ الْآيَةِ إِلَى بَيَانِ السَّبَبِ فِي نُزُولِهَا، وَقَدْ مَضَى بَيَانُهُ فِي تَفْسِيرِ الْمَائِدَةِ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَغَيْرِهِمَا، وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَ تَحْرِيمَ الْخَمْرِ فِي قَبِيلَتَيْنِ مِنَ الْأَنْصَارِ شَرِبُوا، فَلَمَّا ثَمِلَ الْقَوْمُ عَبِثَ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ، فَلَمَّا أَنْ صَحَوْا جَعَلَ الرَّجُلُ يَرَى فِي وَجْهِهِ وَرَأْسِهِ الْأَثَرَ فَيَقُولُ: صَنَعَ هَذَا أَخِي فُلَانٌ، وَكَانُوا إِخْوَةً لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ضَغَائِنُ، فَيَقُولُ: وَاللَّهِ لَوْ كَانَ بِي رَحِيمًا مَا صَنَعَ بِي هَذَا، حَتَّى وَقَعَتْ فِي قُلُوبِهِمُ الضَّغَائِنُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ - إِلَى - ﴿مُنْتَهُونَ﴾ قَالَ فَقَالَ نَاسٌ مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ: هِيَ رِجْسٌ، وَهِيَ فِي بَطْنِ فُلَانٍ وَقَدْ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ - تَعَالَى -: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ - إِلَى - ﴿الْمُحْسِنِينَ﴾، وَوَقَعَتْ هَذِهِ الزِّيَادَةُ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ فِي الْبُخَارِيِّ كَمَا مَضَى فِي الْمَائِدَةِ، وَوَقَعَتْ أَيْضًا فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ وَصَحَّحَهُ، وَمِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ أَحْمَدَ: لَمَّا حُرِّمَتِ الْخَمْرُ قَالَ نَاسٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ،

أَصْحَابُنَا الَّذِينَ مَاتُوا وَهُمْ يَشْرَبُونَهَا وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ. وَعِنْدَ الْبَزَّارِ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّ الَّذِي سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ الْيَهُودُ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي ذَكَرْتُهُ فِي تَفْسِيرِ الْمَائِدَةِ نَحْوَ الْأَوَّلِ، وَزَادَ فِي آخِرِهِ: قَالَ النَّبِيُّ : لَوْ حُرِّمَ عَلَيْهِمْ لَتَرَكُوهُ كَمَا تَرَكْتُمْ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيُّ فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ: يُسْتَفَادُ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ مِنْ تَسْمِيَتِهَا رِجْسًا. وَقَدْ سُمِّيَ بِهِ مَا أُجْمِعَ عَلَى تَحْرِيمِهِ وَهُوَ لَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمِنْ قَوْلُهُ: ﴿مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾؛ لِأَنَّ مَهْمَا كَانَ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ حَرُمَ تَنَاوُلُهُ، وَمِنَ الْأَمْرِ بِالِاجْتِنَابِ وَهُوَ لِلْوُجُوبِ وَمَا وَجَبَ اجْتِنَابُهُ حَرُمَ تَنَاوُلُهُ، وَمِنَ الْفَلَاحِ الْمُرَتَّبِ عَلَى الِاجْتِنَابِ، وَمِنْ كَوْنِ الشُّرْبِ سَبَبًا لِلْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَتَعَاطِي مَا يُوقِعُ ذَلِكَ حَرَامٌ، وَمِنْ كَوْنِهَا تَصُدُّ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ، وَمِنْ خِتَامِ الْآيَةِ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾؟ فَإِنَّهُ اسْتِفْهَامٌ مَعْنَاهُ الرَّدْعُ وَالزَّجْرُ، وَلِهَذَا قَالَ عُمَرُ لَمَّا سَمِعَهَا: انْتَهَيْنَا انْتَهَيْنَا. وَسَبَقَهُ إِلَى نَحْوِ ذَلِكَ الطَّبَرِيُّ.

وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ مَشَى أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ فَقَالُوا: حُرِّمَتِ الْخَمْرُ وَجُعِلَتْ عِدْلًا لِلشِّرْكِ قِيلَ: يُشِيرُ إِلَى قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ﴾ الْآيَةَ، فَإِنَّ الْأَنْصَابَ وَالْأَزْلَامَ مِنْ عَمَلِ الْمُشْرِكِينَ بِتَزْيِينِ الشَّيْطَانِ، فَنُسِبَ الْعَمَلُ إِلَيْهِ. قَالَ أَبُو اللَّيْثِ السَّمَرْقَنْدِيُّ: الْمَعْنَى أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَ فِيهَا أَنَّهَا رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ وَأَمَرَ بِاجْتِنَابِهَا عَادَلَتْ قَوْلَهُ - تَعَالَى -: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ﴾ وَذَكَرَ أَبُو جَعْفَرٍ النَّحَّاسُ أَنَّ بَعْضَهُمُ اسْتَدَلَّ لِتَحْرِيمِ الْخَمْرِ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ وَقَدْ قَالَ - تَعَالَى - فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ: ﴿فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ فَلَمَّا أَخْبَرَ أَنَّ فِي الْخَمْرِ إِثْمًا كَبِيرًا ثُمَّ صَرَّحَ بِتَحْرِيمِ الْإِثْمِ ثَبَتَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ بِذَلِكَ، قَالَ: وَقَوْلُ مَنْ قَالَ إِنَّ الْخَمْرَ تُسَمَّى الْإِثْمُ لَمْ نَجِدُ لَهُ أَصْلًا فِي الْحَدِيثِ وَلَا فِي اللُّغَةِ، وَلَا دَلَالَةَ أَيْضًا فِي قَوْلِ الشَّاعِرِ:

شَرِبْتُ الْإِثْمَ حَتَّى ضَلَّ عَقْلِي … كَذَاكَ الْإِثْمُ يَذْهَبُ بِالْعُقُولِ

فَإِنَّهُ أَطْلَقَ الْإِثْمَ عَلَى الْخَمْرِ مَجَازًا بِمَعْنَى أَنَّهُ يَنْشَأُ عَنْهَا الْإِثْمُ. وَاللُّغَةُ الْفُصْحَى تَأْنِيثُ الْخَمْرِ، وَأَثْبَتَ أَبُو حَاتِمٍ السِّجِسْتَانِيُّ، وَابْنُ قُتَيْبَةَ وَغَيْرُهُمَا جَوَازَ التَّذْكِيرِ، وَيُقَالُ لَهَا الْخَمْرَةُ أَثْبَتَهُ فِيهَا جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ مِنْهُمُ الْجَوْهَرِيُّ، وَقَالَ ابْنُ مَالِكٍ فِي الْمُثَلَّثِ: الْخَمْرَةُ هِيَ الْخَمْرُ فِي اللُّغَةِ، وَقِيلَ: سُمِّيَتِ الْخَمْرُ لِأَنَّهَا تُغَطِّي الْعَقْلَ وَتُخَامِرُهُ أَيْ تُخَالِطُهُ، أَوْ لِأَنَّهَا هِيَ تُخَمَّرُ أَيْ تُغَطَّى حَتَّى تَغْلِي، أَوْ لِأَنَّهَا تَخْتَمِرُ أَيْ تُدْرِكُ كَمَا يُقَالُ لِلْعَجِينِ اخْتَمَرَ، أَقْوَالٌ سَيَأْتِي بَسْطُهَا عِنْدَ شَرْحِ قَوْلِ عُمَرَ : وَالْخَمْرُ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى -. الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ حَدِيثٌ ابْنِ عُمَرَ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ عَنْهُ وَهُوَ مِنْ أَصَحِّ الْأَسَانِيدِ

قَوْلُهُ: (مَنْ شَرِبَ الْخَمْرُ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ لَمْ يَتُبْ مِنْهَا حُرِمَهَا فِي الْآخِرَةِ) حُرِمَهَا بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ الْخَفِيفَةِ مِنَ الْحِرْمَانِ، زَادَ مُسْلِمٌ، عَنِ الْقَعْنَبِيِّ، عَنْ مَالِكٍ فِي آخِرِهِ: لَمْ يُسْقَهَا، وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ بِلَفْظِ: فَمَاتَ وَهُوَ مُدْمِنُهَا لَمْ يَشْرَبْهَا فِي الْآخِرَةِ، وَزَادَ مُسْلِمٌ فِي أَوَّلِ الْحَدِيثِ مَرْفُوعًا: كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، وَأَوْرَدَ هَذِهِ الزِّيَادَةَ مُسْتَقِلَّةً أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ كِلَاهُمَا عَنْ نَافِعٍ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهَا فِي بَابِ الْخَمْرِ مِنَ الْعَسَلِ وَيَأْتِي كَلَامُ ابْنِ بَطَّالٍ فِيهَا فِي آخِرِ هَذَا الْبَابِ. وَقَوْلُهُ: ثُمَّ لَمْ يَتُبْ مِنْهَا، أَيْ مِنْ شُرْبِهَا، فَحُذِفَ الْمُضَافُ وَأُقِيمَ الْمُضَافُ إِلَيْهِ مَقَامَهُ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ، وَالْبَغْوِيُّ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: مَعْنَى الْحَدِيثِ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ، لِأَنَّ الْخَمْرَ شَرَابُ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَإِذَا حُرِّمَ شُرْبُهَا دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هَذَا وَعِيدٌ شَدِيدٌ يَدُلُّ عَلَى حِرْمَانِ دُخُولِ الْجَنَّةِ، لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - أَخْبَرَ أَنَّ فِي الْجَنَّةِ أَنْهَارَ الْخَمْرِ لَذَّةٌ لِلشَّارِبِينَ، وَأَنَّهُمْ لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ.

فَلَوْ دخَلَهَا - وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ فِيهَا خَمْرًا أَوْ أَنَّهُ حُرِمَهَا عُقُوبَةً لَهُ - لَزِمَ وُقُوعُ الْهَمِّ وَالْحُزْنِ فِي الْجَنَّةِ، وَلَا هَمَّ فِيهَا وَلَا حُزْنَ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِوُجُودِهَا فِي الْجَنَّةِ وَلَا أَنَّهُ حُرِمَهَا عُقُوبَةً لَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فِي فَقْدِهَا أَلَمٌ، فَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ مَنْ تَقَدَّمَ: إِنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ أَصْلًا، قَالَ: وَهُوَ مَذْهَبٌ غَيْرُ مَرْضِيٍّ، قَالَ: وَيُحْمَلُ الْحَدِيثُ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَدْخُلُهَا وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ فِيهَا إِلَّا إِنْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ كَمَا فِي بَقِيَّةِ الْكَبَائِرِ وَهُوَ فِي الْمَشِيئَةِ، فَعَلَى هَذَا فَمَعْنَى الْحَدِيثِ: جَزَاؤُهُ فِي الْآخِرَةِ أَنْ يُحْرَمَهَا لِحِرْمَانِهِ دُخُولَ الْجَنَّةِ إِلَّا إِنْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ. قَالَ: وَجَائِزٌ أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ بِالْعَفْوِ ثُمَّ لَا يَشْرَبُ فِيهَا خَمْرًا وَلَا تَشْتَهِيهَا نَفْسُهُ وَإِنْ عَلِمَ بِوُجُودِهَا فِيهَا، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا: مَنْ لَبِسَ الْحَرِيرَ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الْآخِرَةِ، وَإِنْ دَخَلَ الْجَنَّةَ لَبِسَهُ أَهْلُ الْجَنَّةِ وَلَمْ يَلْبَسهُ هُوَ، قُلْتُ: أَخْرَجَهُ الطَّيَالِسِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. وَقَرِيبٌ مِنْهُ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَفَعَهُ: مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي وَهُوَ يَشْرَبُ الْخَمْرَ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ شُرْبَهَا فِي الْجَنَّةِ، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ بِسَنَدٍ حَسَنٍ، وَقَدْ لَخَّصَ عِيَاضٌ كَلَامَ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ وَزَادَ احْتِمَالًا آخَرَ وَهُوَ أَنَّ الْمُرَادَ بِحِرْمَانِهِ شُرْبَهَا أَنَّهُ يُحْبَسُ عَنِ الْجَنَّةِ مُدَّةً إِذَا أَرَادَ اللَّهُ عُقُوبَتَهُ، وَمِثْلُهُ الْحَدِيثُ الْآخَرُ: لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ.

قَالَ: وَمَنْ قَالَ لَا يَشْرَبُهَا فِي الْجَنَّةِ بِأَنْ يَنْسَاهَا أَوْ لَا يَشْتَهِيهَا يَقُولُ لَيْسَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ حَسْرَةٌ وَلَا يَكُونُ تَرْكُ شَهْوَتِهِ إِيَّاهَا عُقُوبَةً فِي حَقِّهِ، بَلْ هُوَ نَقْصُ نَعِيمٍ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ هُوَ أَتَمُّ نَعِيمًا مِنْهُ كَمَا تَخْتَلِفُ دَرَجَاتُهُمْ، وَلَا يُلْحَقُ مَنْ هُوَ أُنْقَصُ دَرَجَةً حِينَئِذٍ بِمَنْ هُوَ أَعْلَى دَرَجَةً مِنْهُ اسْتِغْنَاءً بِمَا أُعْطِيَ وَاغْتِبَاطًا لَهُ. وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: ظَاهِرُ الْحَدِيثَيْنِ أَنَّهُ لَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ فِي الْجَنَّةِ وَلَا يَلْبَسُ الْحَرِيرَ فِيهَا، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ اسْتَعْجَلَ مَا أُمِرَ بِتَأْخِيرِهِ وَوُعِدَ بِهِ فَحُرِمَهُ عِنْدَ مِيقَاتِهِ، كَالْوَارِثِ فَإِنَّهُ إِذَا قَتَلَ مُوَرِّثَهُ فَإِنَّهُ يُحْرَمُ مِيرَاثُهُ لِاسْتِعْجَالِهِ. وَبِهَذَا قَالَ نَفَرٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَمِنَ الْعُلَمَاءِ، وَهُوَ مَوْضِعُ احْتِمَالٍ وَمَوْقِفُ إِشْكَالٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ كَيْفَ يَكُونُ الْحَالُ. وَفَصَلَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ بَيْنَ مَنْ يَشْرَبُهَا مُسْتَحِلًّا

فَهُوَ الَّذِي لَا يَشْرَبُهَا أَصْلًا لِأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ أَصْلًا، وَعَدَمُ الدُّخُولِ يَسْتَلْزِمُ حِرْمَانَهَا، وَبَيْنَ مَنْ يَشْرَبُهَا عَالِمًا بِتَحْرِيمِهَا فَهُوَ مَحَلُّ الْخِلَافِ، وَهُوَ الَّذِي يُحْرَمُ شُرْبَهَا مُدَّةً وَلَوْ فِي حَالِ تَعْذِيبِهِ إِنْ عُذِّبَ، أَوِ الْمَعْنَى أَنَّ ذَلِكَ جَزَاؤُهُ إِنْ جُوزِيَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ التَّوْبَةَ تُكَفِّرُ الْمَعَاصِيَ الْكَبَائِرَ، وَهُوَ فِي التَّوْبَةِ مِنَ الْكُفْرِ قَطْعِيٌّ وَفِي غَيْرِهِ مِنَ الذُّنُوبِ خِلَافٌ بَيْنَ أَهْلِ السُّنَّةِ هَلْ هُوَ قَطْعِيٌّ أَوْ ظَنِّيٌّ. قَالَ النَّوَوِيُّ: الْأَقْوَى أَنَّهُ ظَنِّيٌّ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: مَنِ اسْتَقْرَأَ الشَّرِيعَةَ عَلِمَ أَنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ الصَّادِقِينَ قَطْعًا.

وَلِلتَّوْبَةِ الصَّادِقَةِ شُرُوطٌ سَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهَا فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ الْبَابِ عَلَى صِحَّةِ التَّوْبَةِ مِنْ بَعْضِ الذُّنُوبِ دُونَ بَعْضٍ، وَسَيَأْتِي تَحْقِيقُ ذَلِكَ. وَفِيهِ أَنَّ الْوَعِيدَ يَتَنَاوَلُ مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ وَإِنْ لَمْ يَحْصُلُ لَهُ السُّكْرُ، لِأَنَّهُ رَتَّبَ الْوَعِيدَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى مُجَرَّدِ الشُّرْبِ مِنْ غَيْرِ قَيْدٍ، وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ فِي الْخَمْرِ الْمُتَّخَذِ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ وَكَذَا فِيمَا يُسْكِرُ مِنْ غَيْرِهَا، وَأَمَّا مَا لَا يُسْكِرُ مِنْ غَيْرِهَا فَالْأَمْرُ فِيهِ كَذَلِكَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ، وَيُؤْخَذُ مِنْ قَوْلُهُ: ثُمَّ لَمْ يَتُبْ مِنْهَا أَنَّ التَّوْبَةَ مَشْرُوعَةٌ فِي جَمِيعِ الْعُمُرِ مَا لَمْ يَصِلْ إِلَى الْغَرْغَرَةِ، لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ ثُمَّ مِنَ التَّرَاخِي، وَلَيْسَ الْمُبَادَرَةُ إِلَى التَّوْبَةِ شَرْطًا فِي قَبُولِهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

الْحَدِيثُ الثَانِي حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ.

قَوْلُهُ: (بِإِيلِيَاءَ) بِكَسْرِ الْهَمْزِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ وَكَسْرِ اللَّامِ وَفَتْحِ التَّحْتَانِيَّةِ الْخَفِيفَةِ مَعَ الْمَدِّ: هِيَ مَدِينَةُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ عَرْضَ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَقَعَ وَهُوَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ، لَكِنْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ اللَّيْثِ الَّتِي تَأْتِي الْإِشَارَةُ إِلَيْهَا إِلَى إِيلِيَاءَ وَلَيْسَتْ صَرِيحَةً فِي ذَلِكَ، لِجَوَازِ أَنْ يُرِيدَ تَعْيِينَ لَيْلَةِ الْإِيتَاءِ لَا مَحَلَّهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ مَعَ بَقِيَّةِ شَرْحِهِ فِي أَوَاخِرِ الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ قَبْلَ الْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ. وَقَوْلُهُ فِيهِ: وَلَوْ أَخَذْتُ الْخَمْرَ غَوَتْ أُمَّتُكَ هُوَ مَحَلُّ التَّرْجَمَةِ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ (١): يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ نَفَرَ مِنَ الْخَمْرِ لِأَنَّهُ تَفَرَّسَ أَنَّهَا سَتُحَرَّمُ لِأَنَّهَا كَانَتْ حِينَئِذٍ مُبَاحَةً، وَلَا مَانِعَ مِنَ افْتِرَاقِ مُبَاحَيْنِ مُشْتَرِكَيْنِ فِي أَصْلِ الْإِبَاحَةِ فِي أَنَّ أَحَدَهُمَا سَيُحَرَّمُ وَالْآخَرُ تَسْتَمِرُّ إِبَاحَتُهُ. قُلْتُ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ نَفَرَ مِنْهَا لِكَوْنِهِ لَمْ يَعْتَدْ شُرْبَهَا فَوَافَقَ بِطَبْعِهِ مَا سَيَقَعُ مِنْ تَحْرِيمِهَا بَعْدُ، حِفْظًا مِنَ اللَّهِ - تَعَالَى - لَهُ وَرِعَايَةً، وَاخْتَارَ اللَّبَنَ لِكَوْنِهِ مَأْلُوفًا لَهُ، سَهْلًا طَيِّبًا طَاهِرًا، سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ، سَلِيمَ الْعَاقِبَةِ، بِخِلَافِ الْخَمْرِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ. وَالْمُرَادُ بِالْفِطْرَةِ هُنَا الِاسْتِقَامَةُ عَلَى الدِّينِ الْحَقِّ. وَفِي الْحَدِيثِ مَشْرُوعِيَّةُ الْحَمْدِ عِنْدِ حُصُولِ مَا يُحْمَدُ وَدَفْعِ مَا يُحْذَرِ. وَقَوْلُهُ: غَوَتْ أُمَّتُكَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَخَذَهُ مِنْ طَرِيقِ الْفَأْلِ، أَوْ تَقَدَّمَ عِنْدَهُ عِلْمٌ بِتَرَتُّبِ كُلٍّ مِنَ الْأَمْرَيْنِ وَهُوَ أَظْهَرُ.

قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ مَعْمَرٌ، وَابْنُ الْهَادِ، وَعُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ) يَعْنِي بِسَنَدِهِ. وَوَقَعَ فِي غَيْرِ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ زِيَادَةُ الزُّبَيْدِيِّ مَعَ الْمَذْكُورِينَ بَعْدَ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ، فَأَمَّا مُتَابَعَةُ مَعْمَرَ فَوَصَلَهَا الْمُؤَلِّفُ فِي قِصَّةِ مُوسَى مِنْ أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ، وَأَوَّلُ الْحَدِيثِ ذِكْرُ مُوسَى وَعِيسَى وَصِفَتُهُمَا، وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ إِيلِيَاءَ، وَفِيهِ: اشْرَبْ أَيَّهُمَا شِئْتَ، فَأَخَذْتُ اللَّبَنَ فَشَرِبْتُهُ. وَأَمَّا رِوَايَةُ ابْنِ الْهَادِ - وَهُوَ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُسَامةَ بْنِ الْهَادِ اللَّيْثِيُّ يُنْسَبُ لِجَدِّ أَبِيهِ - فَوَصَلَهَا النَّسَائِيُّ، وَأَبُو عَوَانَةَ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ عَنْهُ عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ بُخْتٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ وَهُوَ الزُّهْرِيُّ، قَالَ الطَّبَرَانِيُّ: تَفَرَّدَ بِهِ يَزِيدُ بْنُ الْهَادِ، عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ، فَعَلَى هَذَا فَقَدْ سَقَطَ ذِكْرُ عَبْدِ الْوَهَّابِ مِنَ الْأَصْلِ بَيْنَ ابْنِ الْهَادِ، وَابْنِ شِهَابٍ، عَلَى أَنَّ ابْنَ الْهَادِ قَدْ رَوَى عَنِ الزُّهْرِيِّ أَحَادِيثَ غَيْرَ هَذَا بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ، مِنْهَا مَا تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ الْمَائِدَةِ قَالَ الْبُخَارِيُّ فِيهِ: وَقَالَ يَزِيدُ بْنُ الْهَادِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فَذَكَرَهُ، وَوَصَلَهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْهَادِ، عَنِ

الزُّهْرِيِّ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ. وَأَمَّا رِوَايَةُ الزُّبَيْدِيِّ فَوَصَلَهَا النَّسَائِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي مُسْنَدِ الشَّامِيِّينَ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ حَرْبٍ عَنْهُ لَكِنْ لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ إِيلِيَاءَ أَيْضًا. وَأَمَّا رِوَايَةُ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ فَوَصَلَهَا تَمَّامٌ الرَّازِيُّ فِي فَوَائِدِهِ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُنْذِرِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهِ.

وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ عَنِ الْحَاكِمِ أَنَّهُ قَالَ: أَرَادَ الْبُخَارِيُّ بِقَوْلِهِ: تَابَعَهُ ابْنُ الْهَادِ، وَعُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ حَدِيثَ ابْنِ الْهَادِ، عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ وَحَدِيثَ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ بْنِ فَارِسٍ، عَنْ يُونُسَ كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ. قُلْتُ: وَلَيْسَ كَمَا زَعَمَ الْحَاكِمُ وَأَقَرَّهُ الْمِزِّيُّ فِي عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ، فَإِنَّهُ ظَنَّ أَنَّهُ عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ بْنِ فَارِسٍ الرَّاوِي عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ، وَلَيْسَ بِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ بْنِ مُوسَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ التَّيْمِيُّ، وَلَيْسَ لِعُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ بْنِ فَارِسٍ وَلَدٌ اسْمُهُ عُمَرُ يَرْوِي عَنْهُ، وَإِنَّمَا هُوَ وَلَدُ التَّيْمِيِّ كَمَا ذَكَرْتُهُ مِنْ فَوَائِدِ تَمَّامٍ وَهُوَ مَدَنِيٌّ، وَقَدْ ذَكَرَ عُثْمَانُ الدَّارِمِيُّ أَنَّهُ سَأَلَ يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ الْمَدَنِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الزُّهْرِيِّ فَقَالَ: لَا أَعْرِفُهُ وَلَا أَعْرِفُ أَبَاهُ. قُلْتُ: وَقَدْ عَرَفَهُمَا غَيْرُهُ، وَذَكَرَه الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ فِي النَّسَبِ عَنْ عُثْمَانَ الْمَذْكُورِ فَقَالَ: إِنَّهُ وَلِيَ قَضَاءَ الْمَدِينَةِ فِي زَمَنِ مَرْوَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ، ثُمَّ وَلِيَ الْقَضَاءَ لِلْمَنْصُورِ وَمَاتَ مَعَهُ بِالْعِرَاقِ وَذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ، وَأَكْثَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ ذِكْرِهِ فِي الْعِلَلِ عِنْدَ ذِكْرِهِ لِلْأَحَادِيثِ الَّتِي تَخْتَلِفُ رُوَاتُهَا عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَكَثِيرًا مَا تُرَجَّحُ رِوَايَتُهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

الْحَدِيثُ الثَّالِثُ حَدِيثُ أَنَسٍ.

قَوْلُهُ: (هِشَامٌ) هُوَ الدَّسْتُوَائِيُّ.

قَوْلُهُ: (لَا يُحَدِّثُكُمْ بِهِ غَيْرِي) كَأَنَّ أَنَسًا حَدَّثَ بِهِ فِي أَوَاخِرِ عُمْرِهِ فَأَطْلَقَ ذَلِكَ، أَوْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنَ النَّبِيِّ إِلَّا مَنْ كَانَ قَدْ مَاتَ.

قَوْلُهُ: (وَتَشْرَبُ الْخَمْرَ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَشُرْبُ الْخَمْرِ بِالْإِضَافَةِ، وَرِوَايَةُ الْجَمَاعَةِ أَوْلَى لِلْمُشَاكَلَةِ.

قَوْلُهُ (حَتَّى يَكُونَ لِخَمْسِينَ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: حَتَّى يَكُونَ خَمْسُونَ امْرَأَةً قَيِّمُهُنَّ رَجُلٌ وَاحِدٌ، وَسَبَقَ شَرْحُ الْحَدِيثِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْعِلْمِ، وَالْمُرَادُ أَنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ كَثْرَةَ شُرْبِ الْخَمْرِ كَسَائِرِ مَا ذُكِرَ فِي الْحَدِيثِ.

الْحَدِيثُ الرَّابِعُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَقَعَ فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ هُنَا: لَا يَزْنِي حِينَ يَزْنِي بِحَذْفِ الْفَاعِلِ، فَقَدَّرَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ الرَّجُلَ أَوِ الْمُؤْمِنْ أَوِ الزَّانِيَ، وَقَدْ بَيَّنَتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ تَعْيِينَ الِاحْتِمَالِ الثَّالِثِ.

قَوْلُهُ: (وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ) قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: هَذَا أَشَدُّ مَا وَرَدَ فِي شُرْبِ الْخَمْرِ، وَبِهِ تَعَلَّقَ الْخَوَارِجُ فَكَفَّرُوا مُرْتَكِبَ الْكَبِيرَةِ عَامِدًا عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ، وَحَمَلَ أَهْلُ السُّنَّةِ الْإِيمَانَ هُنَا عَلَى الْكَامِلِ، لِأَنَّ الْعَاصِيَ يَصِيرُ أَنْقَصَ حَالًا فِي الْإِيمَانِ مِمَّنْ لَا يَعْصِي، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّ فَاعِلَ ذَلِكَ يَئُولُ أَمْرُهُ إِلَى ذَهَابِ الْإِيمَانِ، كَمَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ عُثْمَانَ الَّذِي أَوَّلُهُ: اجْتَنِبُوا الْخَمْرَ فَإِنَّهَا أُمُّ الْخَبَائِثِ - وَفِيهِ - وَإِنَّهَا لَا تَجْتَمِعُ هِيَ وَالْإِيمَانُ إِلَّا وَأَوْشَكَ أَحَدُهُمَا أَنْ يُخْرِجَ صَاحِبَهُ، أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ مَرْفُوعًا. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: وَإِنَّمَا أَدْخَلَ الْبُخَارِيُّ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ الْمُشْتَمِلَةَ عَلَى الْوَعِيدِ الشَّدِيدِ فِي هَذَا الْبَابِ لِيَكُونَ عِوَضًا عَنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، وَإِنَّمَا لَمْ يَذْكُرْهُ فِي هَذَا الْبَابِ لِكَوْنِهِ رُوِيَ مَوْقُوفًا، كَذَا قَالَ، وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ فِي الْوَعِيدِ قَدْرًا زَائِدًا عَلَى مُطْلَقِ التَّحْرِيمِ، وَقَدْ ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ مَا يُؤَدِّي مَعْنَى حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا.

قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) هُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ.

قَوْلُهُ: (إِنَّ أَبَا بَكْرٍ أَخْبَرَهُ) هُوَ وَالِدُ عَبْدِ الْمَلِكِ شَيْخُ ابْنِ شِهَابٍ فِيهِ.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ يَقُولُ كَانَ أَبُو بَكْرٍ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَذْكُورُ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ كَانَ يَزِيدُ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَقَدْ مَضَى بَيَانُ ذَلِكَ عِنْدَ ذِكْرِ شَرْحِ الْحَدِيثِ فِي كِتَابِ الْمَظَالِمِ، وَيَأْتِي مَزِيدٌ لِذَلِكَ فِي كِتَابِ الْحُدُودِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى -.

٢ - بَاب الْخَمْرُ مِنْ الْعِنَبِ وغيره

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

أكَّد تحريم الخمرِ والميسر من وجوهٍ حيثُ صدَّر الجملة بـ ﴿إِنَّمَا﴾ وقرنها بعبادةِ الأصنام، ومنه الحديث: «شاربُ الخمرِ كعابدِ الوثن» وجعلهمَا رجسًا من عملِ الشَّيطان، ولا يأتي منه إلا الشَّر البحت، وأمر بالاجتنابِ، وجعل الاجتناب من الفلاحِ، وإذا كان الاجتنابُ فلاحًا كان الارتكابُ خسارًا، والأمر بالاجتنابِ للوجوب، وما وجبَ اجتنابُه حرم تناوله، وسقط لأبي ذرٍّ قوله: «﴿مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ … » إلى آخره، وقال بعد قولهِ: ﴿رِجْسٌ﴾: «الآيةَ».

٥٥٧٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ) سقط لأبي ذرٍّ «عبد الله» (أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: مَنْ شَرِبَ الخَمْرَ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ لَمْ يَتُبْ مِنْهَا) من شربها (حُرِمَهَا) (١) بضم الحاء المهملة وكسر الراء مخففة، من الحرمان؛ أي: حرمَ شربها (٢) (فِي الآخِرَةِ) ولمسلم من طريق أيُّوب، عن نافعٍ: «فماتَ وهو مدمنها لم يشربْها في الآخرةِ». وظاهرُه: عدمُ دخوله الجنَّة ضرورةَ أنَّ الخمرَ شرابُ أهلها، فإذا حرم شربها دلَّ على أنَّه لا يدخلها، ولأنَّه إن حرمها عقوبةً له لزم وقوعُ الهمِّ والحزن له، والجنَّة لا همَّ فيها ولا حزن. وحملهُ ابنُ عبد البرِّ: على أنَّه (٣) لا يدخلها ولا يشربُ الخمر فيها إلَّا إن عفا الله عنه، كما في بقيَّة الكبائرِ وهو في المشيئةِ، فالمعنى: جزاؤه في الآخرةِ أن يحرمها لحرمانهِ دخول الجنَّة إلا إن عفا الله عنه، وجائزٌ أن يدخلَ الجنَّة بالعفوِ ثمَّ لا يشربُ فيها خمرًا، ولا تشتهيها نفسُه وإن علمَ بوجودهِ فيها، ويدلُّ له حديثُ أبي سعيدٍ المرويُّ عند الطَّيالسيِّ وصحَّحه ابن حبَّان مرفوعًا: «مَن لبسَ الحريرَ في الدُّنيا لم يلبسْه في الآخرةِ، وإن دخلَ الجنَّة لبسَه أهل الجنَّة ولم يلبسْه هو». وفرَّق بعضُهم بين من يشربها مستحلًّا لها ومن يشربها عالمًا بتحريمها، فالأوَّل: لا يشربُهَا أبدًا لأنَّه لا يدخل الجنَّة، والثَّاني: هو الَّذي اختلف فيه فقيل (٤): إنَّه يحرمُ شربها مدَّة ولو في حالِ تعذيبه إن عذب، أو المعنى: إنَّ ذاك

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 2 صفر
هلال متزايد اليوم 3.7 / 29.5
الإضاءة 15%
البدر بعد 11 يوم
لا إله إلا الله