«خَطَبَ عُمَرُ عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: إِنَّهُ قَدْ نَزَلَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٥٥٨٨

الحديث رقم ٥٥٨٨ من كتاب «كتاب الأشربة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب ما جاء في أن الخمر ما خامر العقل من الشراب.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٥٥٨٨ في صحيح البخاري

«خَطَبَ عُمَرُ عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللهِ فَقَالَ: إِنَّهُ قَدْ نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ وَهِيَ مِنْ خَمْسَةِ أَشْيَاءَ: الْعِنَبِ، وَالتَّمْرِ، وَالْحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ، وَالْعَسَلِ. وَالْخَمْرُ: مَا خَامَرَ الْعَقْلَ، وَثَلَاثٌ وَدِدْتُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ لَمْ يُفَارِقْنَا حَتَّى يَعْهَدَ إِلَيْنَا عَهْدًا: الْجَدُّ، وَالْكَلَالَةُ، وَأَبْوَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الرِّبَا». قَالَ قُلْتُ: يَا أَبَا عَمْرٍو فَشَيْءٌ يُصْنَعُ بِالسِّنْدِ مِنَ الرُّزِّ؟ (١) قَالَ: ذَاكَ لَمْ يَكُنْ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ، أَوْ قَالَ: عَلَى عَهْدِ عُمَرَ وَقَالَ حَجَّاجٌ عَنْ حَمَّادٍ عَنْ أَبِي حَيَّانَ: مَكَانَ الْعِنَبِ الزَّبِيبَ.

إسناد حديث رقم ٥٥٨٨ من صحيح البخاري

٥٥٨٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي رَجَاءٍ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ أَبِي حَيَّانَ التَّيْمِيِّ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٥٥٨٨: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الْمُخْتَارَ بْنَ فُلْفُلٍ يَقُولُ: سَأَلْتُ أَنَسًا فَقَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ عَنِ الْمُزَفَّتِ وَقَالَ: كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ. قَالَ فَقُلْتُ لَهُ: صَدَقْتَ الْمُسْكِرُ حَرَامٌ، فَالشَّرْبَةُ وَالشَّرْبَتَانِ عَلَى الطَّعَامِ؟ فَقَالَ: مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ، وَهَذَا سَنَدٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ وَالصَّحَابِيُّ أَعْرَفُ بِالْمُرَادِ مِمَّنْ تَأَخَّرَ بَعْدَهُ، وَلِهَذَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ مَا قَالَ، وَاسْتُدِلَّ بِمُطْلَقِ قَوْلِهِ: كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ عَلَى تَحْرِيمِ مَا يُسْكِرُ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ شَرَابًا، فَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الْحَشِيشَةُ وَغَيْرُهَا، وَقَدْ جَزَمَ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ بِأَنَّهَا مُسْكِرَةٌ، وَجَزَمَ آخَرُونَ بِأَنَّهَا مُخَدِّرَةٌ، وَهُوَ مُكَابَرَةٌ لِأَنَّهَا تُحْدِثُ بِالْمُشَاهَدَةِ مَا يُحْدِثُ الْخَمْرُ مِنَ الطَّرَبِ وَالنَّشْأَةِ وَالْمُدَاوَمَةِ عَلَيْهَا وَالِانْهِمَاكِ فِيهَا، وَعَلَى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِمُسْكِرَةٍ فَقَدْ ثَبَتَ فِي أَبِي دَاوُدَ النَّهْيُ عَنْ كُلِّ مُسْكِرٍ وَمُفَتِّرٍ وَهُوَ بِالْفَاءِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (وَعَنِ الزُّهْرِيِّ) هُوَ مِنْ رِوَايَةِ شُعَيْبٍ أَيْضًا عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَهُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُسْنَدِ الشَّامِيِّينَ وَأَفْرَدَهُ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ الدِّمَشْقِيِّ، عَنْ أَبِي الْيَمَانِ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ بِهِ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ عَنِ الطَّبَرَانِيِّ.

قَوْلُهُ: (وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُلْحِقُ مَعَهُمَا الْحَنْتَمَ وَالنَّقِيرَ) الْقَائِلُ هَذَا هُوَ الزُّهْرِيُّ، وَقَعَ ذَلِكَ عِنْدَ شُعَيْبٍ عَنْهُ مُرْسَلًا، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: لَا تَنْبِذُوا فِي الدُّبَّاءِ وَلَا فِي الْمُزَفَّتِ ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَاجْتَنِبُوا الْحَنَاتِمَ، وَرَفَعَهُ كُلَّهُ مِنْ طَرِيقِ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: نَهَى عَنِ الْمُزَفَّتِ وَالْحَنْتَمِ وَالنَّقِيرِ، وَمِثْلُهُ لِابْنِ سَعْدٍ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَزَادَ فِيهِ وَالدُّبَّاءُ وَقَدْ تَقَدَّمَ ضَبْطُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ فِي شَرْحِ حَدِيثِ وَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ فِي أَوَائِلِ الصَّحِيحِ مِنْ كِتَابِ الْإِيمَانِ.

وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ زَاذَانَ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ عَنِ الْأَوْعِيَةِ فَقُلْتُ: أُخْبِرْنَاهُ بِلُغَتِكُمْ وَفَسِّرْهُ لَنَا بِلُغَتِنَا، فَقَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ عَنِ الْحَنْتَمَةِ وَهِيَ الْجَرَّةُ، وَعَنِ الدُّبَّاءِ وَهِيَ الْقَرْعَةِ، وَعَنِ النَّقِيرِ وَهِيَ أَصْلُ النَّخْلَةِ تُنْقَى نَقْرًا، وَعَنِ الْمُزَفَّتِ وَهُوَ الْمُقَيَّرُ، وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ وَابْنُ أَبِي عَاصِمٍ، وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: نُهِينَا عَنْ الدُّبَّاءِ وَالنَّقِيرِ وَالْحَنْتَمِ وَالْمُزَفَّتِ، فَأَمَّا الدُّبَّاءُ فَإِنَّا مَعْشَرُ ثَقِيفٍ بِالطَّائِفِ كُنَّا نَأْخُذُ الدُّبَّاءَ فَنَخْرُطُ فِيهَا عَنَاقِيدَ الْعِنَبِ ثُمَّ نَدْفِنُهَا ثُمَّ نَتْرُكُهَا حَتَّى تُهْدَرَ ثُمَّ تَمُوتُ، وَأَمَّا النَّقِيرُ فَإِنَّ أَهْلَ الْيَمَامَةِ كَانُوا يَنْقُرُونَ أَصْلَ النَّخْلَةِ فَيَشْدَخُونَ فِيهِ الرُّطَبَ وَالْبُسْرَ ثُمَّ يَدْعُونَهُ حَتَّى يُهْدَرَ ثُمَّ يَمُوتُ، وَأَمَّا الْحَنْتَمُ فَجِرَارٌ جَاءَتْ تُحْمَلُ إِلَيْنَا فِيهَا الْخَمْرُ، وَأَمَّا الْمُزَفَّتُ فَهِيَ هَذِهِ الْأَوْعِيَةُ الَّتِي فِيهَا هَذَا الزِّفْتُ. وَسَيَأْتِي بَيَانُ نَسْخِ النَّهْيِ عَنِ الْأَوْعِيَةِ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَبْوَابٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى -.

(تَنْبِيهٌ):

قَالَ الْمُهَلَّبُ: وَجْهُ إِدْخَالِ حَدِيثِ أَنَسٍ فِي النَّهْيِ فِي الِانْتِبَاذِ فِي الْأَوْعِيَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي تَرْجَمَةِ الْخَمْرِ مِنَ الْعَسَلِ أَنَّ الْعَسَلَ لَا يَكُونُ مُسْكِرًا إِلَّا بَعْدَ الِانْتِبَاذِ، وَالْعَسَلُ قَبْلَ الِانْتِبَاذِ مُبَاحٌ، فَأَشَارَ إِلَى اجْتِنَابِ بَعْضِ مَا يُنْتَبَذُ فِيهِ لِكَوْنِهِ يُسْرِعُ إِلَيْهِ الْإِسْكَارُ.

٥ - بَاب مَا جَاءَ فِي أَنَّ الْخَمْرَ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ مِنْ الشَّرَابِ

٥٥٨٨ - حَدَّثَني أَحْمَدُ بْنُ أَبِي رَجَاءٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ أَبِي حَيَّانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ الشَّعْبِيِّ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: خَطَبَ عُمَرُ عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ فَقَالَ: إِنَّهُ قَدْ نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ وَهِيَ مِنْ خَمْسَةِ أَشْيَاءَ: الْعِنَبِ وَالتَّمْرِ وَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالْعَسَلِ. وَالْخَمْرُ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ. وَثَلَاثٌ وَدِدْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ لَمْ يُفَارِقْنَا حَتَّى يَعْهَدَ إِلَيْنَا عَهْدًا: الْجَدُّ، وَالْكَلَالَةُ، وَأَبْوَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الرِّياء. قَالَ قُلْتُ: يَا أَبَا عَمْرٍو، فَشَيْءٌ يُصْنَعُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(وَعَنِ الزُّهْرِيِّ) محمد بن مسلم ابنِ شهابٍ، بالإسناد السَّابق، أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) ، وسقط «ابن مالك» لأبي ذرٍّ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: لَا تَنْتَبِذُوا فِي الدُّبَّاءِ، وَلَا فِي المُزَفَّتِ) قال الزُّهريُّ: (وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُلْحِقُ مَعَهُمَا الحَنْتَمَ) بالحاء المهملة والمثناة الفوقية (وَالنَّقِيرَ) وعند مسلمٍ من طريق زاذان قال: سألتُ ابنَ عمر عن الأوعيةِ، فقلتُ: أخبرناهُ بلغتكُم، وفسِّره لنا بلغتنَا فقال: «نهى رسولُ الله عن الحنتمةِ، وهي الجرَّة، وعن الدُّبَّاء وهي القرعة، وعن النَّقِير وهي (١) أصل النَّخْلة تنقر، وعن المزفَّتِ وهو المقيَّر»، وليس المراد أنَّ أبا هريرة يلحق الحنتَمَ والنَّقير من قبل نفسهِ وأنَّه رأيٌ رآه، بل المراد أنَّه يلحقهما في روايته عن النَّبيِّ فهو مرفوعٌ.

(٥) (بابُ مَا جَاءَ فِي أَنَّ الخَمْرَ مَا خَامَرَ العَقْلَ مِنَ الشَّرَابِ).

٥٥٨٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذرٍّ: «حدّثني» (٢) (أَحْمَدُ بْنُ أَبِي رَجَاءٍ) بالجيم (٣)، عبد الله بن أيُّوب، أبو الوليد الحنفيُّ الهرويُّ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان (عَنْ أَبِي حَيَّانَ) بفتح الحاء المهملة وتشديد التحتية، يحيى بنُ سعيد (التَّيْمِيِّ، عَنِ الشَّعْبِيِّ) عامر بنِ شَرَاحيل (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ) أنَّه (قَالَ: خَطَبَ عُمَرُ عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللهِ ) بحضرةِ أكابر الصَّحابة (فَقَالَ) في خطبتهِ: (إِنَّهُ قَدْ نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ) في قولهِ في آية المائدةِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ

إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ الاية [المائدة: ٩٠] (وَهْيَ) أي: نزلَ تحريمُ الخمر، والحال أنَّها تُصْنَعُ (مِنْ خَمْسَةِ أَشْيَاءَ: العِنَبِ، وَالتَّمْرِ، وَالحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ، وَالعَسَلِ) ولم ينكرْ أحدٌ عليه فله حكم الرَّفع لأنَّه خبر صحابيٍّ شهد التَّنزيل، وقد أخرج أصحاب «السنن الأربعة» وصحَّحه ابن حبَّان من وجهين عن الشَّعبيِّ: أنَّ النُّعمان بن بشير قال: سمعتُ رسول الله يقول: «إنَّ الخمرَ من العصيرِ والزَّبيب والتَّمر والحنطة والشَّعير والذُّرة» فهذا صريحٌ في الرفع، وقوله: (وَالخَمْرُ) الَّذي حرَّمه الشَّارع هو (مَا خَامَرَ العَقْلَ) أي: سترهُ، وكلُّ ما يستره حرمَ تناولُه لما يلزم عليه من فسادِ العبادةِ المطلوبةِ من العبدِ، والجملةُ مستأنفةٌ لا محلَّ لها، وما موصولةٌ مرفوعةٌ على الخبر (وَثَلَاثٌ) من المسائل (وَدِدْتُ) بكسر المهملة (١) الأولى وسكون الثانية، تمنَّيت (أَنَّ رَسُولَ اللهِ لَمْ يُفَارِقْنَا) من الدُّنيا (حَتَّى يَعْهَدَ إِلَيْنَا عَهْدًا) يبيِّن لنا حكمها لأنَّه أبعدُ من محذورِ الاجتهاد ولو كان مأجورًا عليه (الجَدُّ) هل يحجب الأخ، أو (٢) يحجب به أو يُقاسمه، فاختلفوا فيه اختلافًا كثيرًا، وقد روي أنَّ عمر قضى فيه بقضايا مختلفة، كما سيأتي -إن شاء الله تعالى- في «الفرائض» بعون الله تعالى (وَالكَلَالَةُ) بفتح الكاف واللام المخففة، مَن لا ولدَ له، ولا والدَ (٣) أو بنو العم الأباعد أو غير ذلك (وَأَبْوَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الرِّبَا) أي: ربا الفضلِ، إنَّ ربا النَّسيئة متَّفق عليه بينهم ، ورفع الجدِّ وتالييهِ بتقدير مبتدأ، أي: هي الجد.

(قَالَ) أبو حيَّان التَّيميُّ: (قُلْتُ: يَا أَبَا عَمْرٍو) بفتح العين؛ يعني: عامر الشَّعبي، ناداه بكنيتهِ (فَشَيْءٌ يُصْنَعُ بِالسِّنْدِ) بكسر السين المهملة وسكون النون، بلادٌ قرب الهند (مِنَ الرُّزِّ) ولأبي ذرٍّ: «من الأُرْز» بهمزة مضمومة وسكون الراء، وقوله: «فشيءٌ» مبتدأ لأنَّه تخصَّص (٤) بالصِّفة وهي قوله: يُصنع، وخبره محذوفٌ تقديره: ما حكمه، وثلاثٌ فاعلٌ بفعلٍ محذوفٍ، أي: همني (٥) ثلاث خصالٍ، وسقطَتْ العلامة في العددِ لأنَّه عدد مؤنَّث، ويجوز النَّصب على المفعولِ، أي: اذكر ثلاثًا (قَالَ) الشَّعبي: (ذَاكَ) الخمر المتَّخذ من الأرز (لَمْ يَكُنْ عَلَى عَهْدِ

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الْمُخْتَارَ بْنَ فُلْفُلٍ يَقُولُ: سَأَلْتُ أَنَسًا فَقَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ عَنِ الْمُزَفَّتِ وَقَالَ: كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ. قَالَ فَقُلْتُ لَهُ: صَدَقْتَ الْمُسْكِرُ حَرَامٌ، فَالشَّرْبَةُ وَالشَّرْبَتَانِ عَلَى الطَّعَامِ؟ فَقَالَ: مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ، وَهَذَا سَنَدٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ وَالصَّحَابِيُّ أَعْرَفُ بِالْمُرَادِ مِمَّنْ تَأَخَّرَ بَعْدَهُ، وَلِهَذَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ مَا قَالَ، وَاسْتُدِلَّ بِمُطْلَقِ قَوْلِهِ: كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ عَلَى تَحْرِيمِ مَا يُسْكِرُ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ شَرَابًا، فَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الْحَشِيشَةُ وَغَيْرُهَا، وَقَدْ جَزَمَ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ بِأَنَّهَا مُسْكِرَةٌ، وَجَزَمَ آخَرُونَ بِأَنَّهَا مُخَدِّرَةٌ، وَهُوَ مُكَابَرَةٌ لِأَنَّهَا تُحْدِثُ بِالْمُشَاهَدَةِ مَا يُحْدِثُ الْخَمْرُ مِنَ الطَّرَبِ وَالنَّشْأَةِ وَالْمُدَاوَمَةِ عَلَيْهَا وَالِانْهِمَاكِ فِيهَا، وَعَلَى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِمُسْكِرَةٍ فَقَدْ ثَبَتَ فِي أَبِي دَاوُدَ النَّهْيُ عَنْ كُلِّ مُسْكِرٍ وَمُفَتِّرٍ وَهُوَ بِالْفَاءِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (وَعَنِ الزُّهْرِيِّ) هُوَ مِنْ رِوَايَةِ شُعَيْبٍ أَيْضًا عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَهُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُسْنَدِ الشَّامِيِّينَ وَأَفْرَدَهُ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ الدِّمَشْقِيِّ، عَنْ أَبِي الْيَمَانِ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ بِهِ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ عَنِ الطَّبَرَانِيِّ.

قَوْلُهُ: (وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُلْحِقُ مَعَهُمَا الْحَنْتَمَ وَالنَّقِيرَ) الْقَائِلُ هَذَا هُوَ الزُّهْرِيُّ، وَقَعَ ذَلِكَ عِنْدَ شُعَيْبٍ عَنْهُ مُرْسَلًا، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: لَا تَنْبِذُوا فِي الدُّبَّاءِ وَلَا فِي الْمُزَفَّتِ ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَاجْتَنِبُوا الْحَنَاتِمَ، وَرَفَعَهُ كُلَّهُ مِنْ طَرِيقِ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: نَهَى عَنِ الْمُزَفَّتِ وَالْحَنْتَمِ وَالنَّقِيرِ، وَمِثْلُهُ لِابْنِ سَعْدٍ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَزَادَ فِيهِ وَالدُّبَّاءُ وَقَدْ تَقَدَّمَ ضَبْطُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ فِي شَرْحِ حَدِيثِ وَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ فِي أَوَائِلِ الصَّحِيحِ مِنْ كِتَابِ الْإِيمَانِ.

وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ زَاذَانَ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ عَنِ الْأَوْعِيَةِ فَقُلْتُ: أُخْبِرْنَاهُ بِلُغَتِكُمْ وَفَسِّرْهُ لَنَا بِلُغَتِنَا، فَقَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ عَنِ الْحَنْتَمَةِ وَهِيَ الْجَرَّةُ، وَعَنِ الدُّبَّاءِ وَهِيَ الْقَرْعَةِ، وَعَنِ النَّقِيرِ وَهِيَ أَصْلُ النَّخْلَةِ تُنْقَى نَقْرًا، وَعَنِ الْمُزَفَّتِ وَهُوَ الْمُقَيَّرُ، وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ وَابْنُ أَبِي عَاصِمٍ، وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: نُهِينَا عَنْ الدُّبَّاءِ وَالنَّقِيرِ وَالْحَنْتَمِ وَالْمُزَفَّتِ، فَأَمَّا الدُّبَّاءُ فَإِنَّا مَعْشَرُ ثَقِيفٍ بِالطَّائِفِ كُنَّا نَأْخُذُ الدُّبَّاءَ فَنَخْرُطُ فِيهَا عَنَاقِيدَ الْعِنَبِ ثُمَّ نَدْفِنُهَا ثُمَّ نَتْرُكُهَا حَتَّى تُهْدَرَ ثُمَّ تَمُوتُ، وَأَمَّا النَّقِيرُ فَإِنَّ أَهْلَ الْيَمَامَةِ كَانُوا يَنْقُرُونَ أَصْلَ النَّخْلَةِ فَيَشْدَخُونَ فِيهِ الرُّطَبَ وَالْبُسْرَ ثُمَّ يَدْعُونَهُ حَتَّى يُهْدَرَ ثُمَّ يَمُوتُ، وَأَمَّا الْحَنْتَمُ فَجِرَارٌ جَاءَتْ تُحْمَلُ إِلَيْنَا فِيهَا الْخَمْرُ، وَأَمَّا الْمُزَفَّتُ فَهِيَ هَذِهِ الْأَوْعِيَةُ الَّتِي فِيهَا هَذَا الزِّفْتُ. وَسَيَأْتِي بَيَانُ نَسْخِ النَّهْيِ عَنِ الْأَوْعِيَةِ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَبْوَابٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى -.

(تَنْبِيهٌ):

قَالَ الْمُهَلَّبُ: وَجْهُ إِدْخَالِ حَدِيثِ أَنَسٍ فِي النَّهْيِ فِي الِانْتِبَاذِ فِي الْأَوْعِيَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي تَرْجَمَةِ الْخَمْرِ مِنَ الْعَسَلِ أَنَّ الْعَسَلَ لَا يَكُونُ مُسْكِرًا إِلَّا بَعْدَ الِانْتِبَاذِ، وَالْعَسَلُ قَبْلَ الِانْتِبَاذِ مُبَاحٌ، فَأَشَارَ إِلَى اجْتِنَابِ بَعْضِ مَا يُنْتَبَذُ فِيهِ لِكَوْنِهِ يُسْرِعُ إِلَيْهِ الْإِسْكَارُ.

٥ - بَاب مَا جَاءَ فِي أَنَّ الْخَمْرَ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ مِنْ الشَّرَابِ

٥٥٨٨ - حَدَّثَني أَحْمَدُ بْنُ أَبِي رَجَاءٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ أَبِي حَيَّانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ الشَّعْبِيِّ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: خَطَبَ عُمَرُ عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ فَقَالَ: إِنَّهُ قَدْ نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ وَهِيَ مِنْ خَمْسَةِ أَشْيَاءَ: الْعِنَبِ وَالتَّمْرِ وَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالْعَسَلِ. وَالْخَمْرُ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ. وَثَلَاثٌ وَدِدْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ لَمْ يُفَارِقْنَا حَتَّى يَعْهَدَ إِلَيْنَا عَهْدًا: الْجَدُّ، وَالْكَلَالَةُ، وَأَبْوَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الرِّياء. قَالَ قُلْتُ: يَا أَبَا عَمْرٍو، فَشَيْءٌ يُصْنَعُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(وَعَنِ الزُّهْرِيِّ) محمد بن مسلم ابنِ شهابٍ، بالإسناد السَّابق، أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) ، وسقط «ابن مالك» لأبي ذرٍّ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: لَا تَنْتَبِذُوا فِي الدُّبَّاءِ، وَلَا فِي المُزَفَّتِ) قال الزُّهريُّ: (وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُلْحِقُ مَعَهُمَا الحَنْتَمَ) بالحاء المهملة والمثناة الفوقية (وَالنَّقِيرَ) وعند مسلمٍ من طريق زاذان قال: سألتُ ابنَ عمر عن الأوعيةِ، فقلتُ: أخبرناهُ بلغتكُم، وفسِّره لنا بلغتنَا فقال: «نهى رسولُ الله عن الحنتمةِ، وهي الجرَّة، وعن الدُّبَّاء وهي القرعة، وعن النَّقِير وهي (١) أصل النَّخْلة تنقر، وعن المزفَّتِ وهو المقيَّر»، وليس المراد أنَّ أبا هريرة يلحق الحنتَمَ والنَّقير من قبل نفسهِ وأنَّه رأيٌ رآه، بل المراد أنَّه يلحقهما في روايته عن النَّبيِّ فهو مرفوعٌ.

(٥) (بابُ مَا جَاءَ فِي أَنَّ الخَمْرَ مَا خَامَرَ العَقْلَ مِنَ الشَّرَابِ).

٥٥٨٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذرٍّ: «حدّثني» (٢) (أَحْمَدُ بْنُ أَبِي رَجَاءٍ) بالجيم (٣)، عبد الله بن أيُّوب، أبو الوليد الحنفيُّ الهرويُّ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان (عَنْ أَبِي حَيَّانَ) بفتح الحاء المهملة وتشديد التحتية، يحيى بنُ سعيد (التَّيْمِيِّ، عَنِ الشَّعْبِيِّ) عامر بنِ شَرَاحيل (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ) أنَّه (قَالَ: خَطَبَ عُمَرُ عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللهِ ) بحضرةِ أكابر الصَّحابة (فَقَالَ) في خطبتهِ: (إِنَّهُ قَدْ نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ) في قولهِ في آية المائدةِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ

إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ الاية [المائدة: ٩٠] (وَهْيَ) أي: نزلَ تحريمُ الخمر، والحال أنَّها تُصْنَعُ (مِنْ خَمْسَةِ أَشْيَاءَ: العِنَبِ، وَالتَّمْرِ، وَالحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ، وَالعَسَلِ) ولم ينكرْ أحدٌ عليه فله حكم الرَّفع لأنَّه خبر صحابيٍّ شهد التَّنزيل، وقد أخرج أصحاب «السنن الأربعة» وصحَّحه ابن حبَّان من وجهين عن الشَّعبيِّ: أنَّ النُّعمان بن بشير قال: سمعتُ رسول الله يقول: «إنَّ الخمرَ من العصيرِ والزَّبيب والتَّمر والحنطة والشَّعير والذُّرة» فهذا صريحٌ في الرفع، وقوله: (وَالخَمْرُ) الَّذي حرَّمه الشَّارع هو (مَا خَامَرَ العَقْلَ) أي: سترهُ، وكلُّ ما يستره حرمَ تناولُه لما يلزم عليه من فسادِ العبادةِ المطلوبةِ من العبدِ، والجملةُ مستأنفةٌ لا محلَّ لها، وما موصولةٌ مرفوعةٌ على الخبر (وَثَلَاثٌ) من المسائل (وَدِدْتُ) بكسر المهملة (١) الأولى وسكون الثانية، تمنَّيت (أَنَّ رَسُولَ اللهِ لَمْ يُفَارِقْنَا) من الدُّنيا (حَتَّى يَعْهَدَ إِلَيْنَا عَهْدًا) يبيِّن لنا حكمها لأنَّه أبعدُ من محذورِ الاجتهاد ولو كان مأجورًا عليه (الجَدُّ) هل يحجب الأخ، أو (٢) يحجب به أو يُقاسمه، فاختلفوا فيه اختلافًا كثيرًا، وقد روي أنَّ عمر قضى فيه بقضايا مختلفة، كما سيأتي -إن شاء الله تعالى- في «الفرائض» بعون الله تعالى (وَالكَلَالَةُ) بفتح الكاف واللام المخففة، مَن لا ولدَ له، ولا والدَ (٣) أو بنو العم الأباعد أو غير ذلك (وَأَبْوَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الرِّبَا) أي: ربا الفضلِ، إنَّ ربا النَّسيئة متَّفق عليه بينهم ، ورفع الجدِّ وتالييهِ بتقدير مبتدأ، أي: هي الجد.

(قَالَ) أبو حيَّان التَّيميُّ: (قُلْتُ: يَا أَبَا عَمْرٍو) بفتح العين؛ يعني: عامر الشَّعبي، ناداه بكنيتهِ (فَشَيْءٌ يُصْنَعُ بِالسِّنْدِ) بكسر السين المهملة وسكون النون، بلادٌ قرب الهند (مِنَ الرُّزِّ) ولأبي ذرٍّ: «من الأُرْز» بهمزة مضمومة وسكون الراء، وقوله: «فشيءٌ» مبتدأ لأنَّه تخصَّص (٤) بالصِّفة وهي قوله: يُصنع، وخبره محذوفٌ تقديره: ما حكمه، وثلاثٌ فاعلٌ بفعلٍ محذوفٍ، أي: همني (٥) ثلاث خصالٍ، وسقطَتْ العلامة في العددِ لأنَّه عدد مؤنَّث، ويجوز النَّصب على المفعولِ، أي: اذكر ثلاثًا (قَالَ) الشَّعبي: (ذَاكَ) الخمر المتَّخذ من الأرز (لَمْ يَكُنْ عَلَى عَهْدِ

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.9 / 29.5
الإضاءة 9%
البدر بعد 12 يوم
الله أكبر