«نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الزَّبِيبِ وَالتَّمْرِ وَالْبُسْرِ وَالرُّطَبِ.»

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٥٦٠١

الحديث رقم ٥٦٠١ من كتاب «كتاب الأشربة» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب من رأى أن لا يخلط البسر والتمر إذا كان مسكرا وأن لا يجعل إدامين في إدام.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٥٦٠١ في صحيح البخاري

«نَهَى النَّبِيُّ عَنِ الزَّبِيبِ وَالتَّمْرِ وَالْبُسْرِ وَالرُّطَبِ.»

إسناد حديث البخاري رقم ٥٦٠١

٥٦٠١ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ: أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا يَقُولُ:

شرح حديث ٥٦٠١: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَأَبَا دُجَانَةَ، وَسُهَيْلَ بْنَ الْبَيْضَاءِ خَلِيطَ بُسْرٍ وَتَمْرٍ إِذْ حُرِّمَتْ الْخَمْرُ، فَقَذَفْتُهَا وَأَنَا سَاقِيهِمْ وَأَصْغَرُهُمْ، وَإِنَّا نَعُدُّهَا يَوْمَئِذٍ الْخَمْرَ. وَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ سَمِعَ أَنَسًا.

٥٦٠١ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِراً يَقُولُ: "نَهَى النَّبِيُّ عَنْ الزَّبِيبِ وَالتَّمْرِ وَالْبُسْرِ وَالرُّطَبِ".

٥٦٠٢ - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ حَدَّثَنَا هِشَامٌ أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: "نَهَى النَّبِيُّ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ التَّمْرِ وَالزَّهْوِ وَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ وَلْيُنْبَذْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى حِدَةٍ".

قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ رَأَى أَنْ لَا يُخْلَطَ الْبُسْرُ وَالتَّمْرُ إِذَا كَانَ مُسْكِرًا) قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: قَوْلُهُ إِذَا كَانَ مُسْكِرًا خَطَأٌ، لِأَنَّ النَّهْيَ عَنِ الْخَلِيطَيْنِ عَامٌّ وَإِنْ لَمْ يُسْكِرْ كَثِيرُهُمَا، لِسُرْعَةِ سَرَيَانِ الْإِسْكَارِ إِلَيْهِمَا مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُ صَاحِبُهُ بِهِ، فَلَيْسَ النَّهْيُ عَنِ الْخَلِيطَيْنِ لِأَنَّهُمَا يُسْكِرَانِ حَالًا، بَلْ لِأَنَّهُمَا يُسْكِرَانِ مَآلًا؛ فَإِنَّهُمَا إِذَا كَانَا مُسْكِرَيْنِ فِي الْحَالِ لَا خِلَافَ فِي النَّهْيِ عَنْهُمَا. قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: فَعَلَى هَذَا فَلَيْسَ هُوَ خَطَأٌ، بَلْ يَكُونُ أطلق ذلك عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ، وَهُوَ اسْتِعْمَالُ مَشْهُورٌ. وَأَجَابَ ابْنُ الْمُنِيرِ بِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَرُدُّ عَلَى الْبُخَارِيِّ، إِمَّا لِأَنَّهُ يَرَى جَوَازَ الْخَلِيطَيْنِ قَبْلَ الْإِسْكَارِ، وَإِمَّا لِأَنَّهُ تَرْجَمَ عَلَى مَا يُطَابِقُ الْحَدِيثَ الْأَوَّلَ وَهُوَ حَدِيثُ أَنَسٍ، فَإِنَّهُ لَا شَكَّ أَنَّ الَّذِي كَانَ يَسْقِيهِ الْقَوْمَ حِينَئِذٍ كَانَ مُسْكِرًا، وَلِهَذَا دَخَلَ عِنْدَهُمْ فِي عُمُومِ النَّهْيِ عَنِ الْخَمْرِ، حَتَّى قَالَ أَنَسٌ: وَإِنَّا لَنَعُدُّهَا يَوْمئِذٍ الْخَمْرَ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مُسْكِرًا. قَالَ: وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَأَنْ لَا يَجْعَلَ إدَامَيْنِ فِي إِدَامٍ فَيُطَابِقُ حَدِيثَ جَابِرٍ، وَأَبِي قَتَادَةَ، وَيَكُونُ النَّهْيُ مُعَلَّلًا بِعِلَلٍ مُسْتَقِلَّةٍ، إِمَّا تَحْقِيقُ إِسْكَارِ الْكَثِيرِ وَإِمَّا تَوَقُّعُ الْإِسْكَارِ بِالْخَلْطِ سَرِيعًا وَإِمَّا الْإِسْرَافُ وَالشَّرَهُ، وَالتَّعْلِيلُ بِالْإِسْرَافِ مُبَيَّنٌ فِي حَدِيثِ النَّهْيِ عَنْ قِرَانِ التَّمْرِ.

قُلْتُ: وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ مُرَادَ الْبُخَارِيِّ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ الرَّدُّ عَلَى مَنْ أَوَّلَ النَّهْيَ عَنِ الْخَلِيطَيْنِ بِأَحَدِ تَأْوِيلَيْنِ: أَحَدُهُمَا حَمْلُ الْخَلِيطِ عَلَى الْمَخْلُوطِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ نَبِيذُ تَمْرٍ وَحْدَهُ مَثَلًا قَدِ اشْتَدَّ، وَنَبِيذُ زَبِيبٍ وَحْدَهُ مَثَلًا قَدِ اشْتَدَّ، فَيُخْلَطَانِ لِيَصِيرَا خَلًّا، فَيَكُونُ النَّهْيُ مِنْ أَجْلِ تَعَمُّدِ التَّخْلِيلِ، وَهَذَا مُطَابِقٌ لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ غَيْرِ تَكَلُّفٍ. ثَانِيهُمَا أَنْ يَكُونَ عِلَّةُ النَّهْيِ عَنِ الْخَلْطِ الْإِسْرَافُ، فَيَكُونُ كَالنَّهْيِ عَنِ الْجَمْعِ بَيْنَ إدَامَيْنِ. وَيُؤَيِّدُ الثَّانِي قَوْلُهُ فِي التَّرْجَمَةِ: وَأَنْ لَا يَجْعَلُ إدَامَيْنِ فِي إِدَامٍ وَقَدْ حَكَى أَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ عَنْ قَوْمٍ أَنَّهُمْ ح مَلُوا النَّهْيَ عَنِ الْخَلِيطَيْنِ عَلَى الثَّانِي، وَجَعَلُوهُ نَظِيرَ النَّهْيِ عَنِ الْقِرَانِ بَيْنَ التَّمْرِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْأَطْعِمَةِ، قَالُوا: فَإِذَا وَرَدَ النَّهْيُ عَنِ الْقِرَانِ بَيْنَ التَّمْرَتيْنِ وَهُمَا مِنْ نَوْعٍ وَاحِدٍ فَكَيْفَ إِذَا وَقَعَ الْقِرَانُ بَيْنَ نَوْعَيْنِ؟ وَلِهَذَا عَبَّرَ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ مَنْ رَأَى وَلَمْ يَجْزِمْ بِالْحُكْمِ. وَقَدْ نَصَرَ الطَّحَاوِيُّ مَنْ حَمَلَ النَّهْيَ عَنِ الْخَلِيطَيْنِ عَلَى مَنْعِ السَّرَفِ فَقَالَ: كَانَ ذَلِكَ لِمَا كَانُوا فِيهِ مِنْ ضِيقِ الْعَيْشِ. وَسَاقَ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ فِي النَّهْيِ عَنِ الْقِرَانِ بَيْنَ التَّمْرَتَيْنِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَحَدُ مَنْ رَوَى النَّهْيَ عَنِ الْخَلِيطَيْنِ وَكَانَ يَنْبِذُ الْبُسْرَ، فَإِذَا نَظَرَ إِلَى بُسْرَةٍ فِي بَعْضِهَا تَرْطِيبٌ قَطَعَهُ كَرَاهَةَ أَنْ يَقَعَ فِي النَّهْيِ، وَهَذَا عَلَى قَاعِدَتِهِمْ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ لَوْ فَهِمَ أَنَّ النَّهْيَ عَنِ الْخَلِيطَيْنِ كَالنَّهْيِ عَنِ الْقِرَانِ لِمَا خَالَفَهُ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ عِنْدَهُ عَلَى غَيْرِهِ.

ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ أَنَسٍ الَّذِي تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي أَوَّلِ الْبَابِ، وَفِيهِ أَنَّهُ سَقَاهُ خَلِيطَ بُسْرٍ وَتَمْرٍ، فَدَلَّ عَلَى: أَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّهْيِ عَنِ الْخَلِيطَيْنِ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَهُ قَبْلَ ذَلِكَ مِنْ خَلْطِ الْبُسْرِ بِالتَّمْرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، لِأَنَّ ذَلِكَ عَادَةً يَقْتَضِي إِسْرَاعَ الْإِسْكَارِ

بِخِلَافِ الْمُنْفَرِدَيْنِ، وَلَا يُمْكِنُ حَمْلُ حَدِيثِ أَنَسٍ هَذَا فِي الْخَلِيطَيْنِ عَلَى مَا ادَّعَاهُ صَاحِبُ التَّأْوِيلِ الْأَوَّلِ، وَحَمْلُ عِلَّةِ النَّهْيِ لِخَوْفِ الْإِسْرَاعِ أَظْهَرُ مِنْ حَمْلِهَا عَلَى الْإِسْرَافِ، لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ نِصْفِ رِطْلٍ مِنْ تَمْرٍ وَنِصْفِ رِطْلٍ مِنْ بُسْرٍ إِذَا خُلِطَا مَثَلًا، وَبَيْنَ رِطْلٍ مِنْ زَبِيبٍ صِرْفٍ، بَلْ هُوَ أَوْلَى لِقِلَّةِ الزَّبِيبِ عِنْدَهُمْ إِذْ ذَاكَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى التَّمْرِ وَالرُّطَبِ، وَقَدْ وَقَعَ الْإِذْنُ بِأَنْ يُنْبَذَ كُلُّ وَاحِدٍ عَلَى حِدَةٍ، وَلَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ، فَلَوْ كَانَتِ الْعِلَّةُ الْإِسْرَافَ لَمَا أَطْلَقَ ذَلِكَ. وَحَكَى الطَّحَاوِيُّ فِي اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ عَنِ اللَّيْثِ قَالَ: لَا أَرَى بَأْسًا أَنْ يُخْلَطَ نَبِيذُ التَّمْرِ وَنَبِيذُ الزَّبِيبِ ثُمَّ يُشْرَبَانِ جَمِيعًا، وَإِنَّمَا جَاءَ النَّهْيُ أَنْ يُنْبَذَا جَمِيعًا ثُمَّ يُشْرَبَا لِأَنَّ أَحَدَهُمَا يَشْتَدُّ بِهِ صَاحِبُهُ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ سَمِعَ أَنَسًا) أَرَادَ بِهَذَا التَّعْلِيقِ بَيَانَ سَمَاعِ قَتَادَةَ، لِأَنَّهُ وَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي سَاقَهَا قَبْلَ مُعَنْعَنًا، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ وَلَفْظُهُ نَهَى أَنْ يُخْلَطَ التَّمْرُ وَالزَّهْوُ ثُمَّ يُشْرَبُ، وَأَنَّ ذَلِكَ كَانَ عَامَّةَ خَمْرِهِمْ يَوْمئِذٍ، وَهَذَا السِّيَاقُ أَظْهَرُ فِي الْمُرَادِ الَّذِي حُمِلَتْ عَلَيْهِ لَفْظُ التَّرْجَمَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَوْلُهُ فِي الْإِسْنَادِ الْأَوَّلِ حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَهِشَامٌ هُوَ الدَّسْتُوَائِيُّ.

الْحَدِيثُ الثَّانِي حَدِيثُ جَابِرٍ، وأَوْرَدَهُ بِلَفْظِ: نَهَى عَنِ الزَّبِيبِ وَالتَّمْرِ وَالْبُسْرِ وَالرُّطَبِ، وَلَيْسَ صَرِيحًا فِي النَّهْيِ عَنِ الْخَلِيطِ، وَقَدْ بَيَّنَهُ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَتِهِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، وَيَحْيَى الْقَطَّانِ جَمِيعًا عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ بِلَفْظِ: لَا تَجْمَعُوا بَيْنَ الرُّطَبِ والْبُسْرِ وَبَيْنَ الزَّبِيبِ وَالتَّمْرِ نَبِيذًا وَأَخْرَجَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ، عَنْ عَطَاءٍ نُهِيَ أَنْ يُنْبَذَ التَّمْرُ والزبيب جَمِيعًا وَالرُّطَبُ وَالْبُسْرُ جَمِيعًا.

الْحَدِيثُ الثَّالِثُ حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ:

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ) هُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ أَيْضًا، وَهِشَامٌ هُوَ الدَّسْتُوَائِيُّ أَيْضًا.

قَوْلُهُ: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ) هُوَ الْأَنْصَاريُّ الْمَشْهُورُ.

قَوْلُهُ: (نَهَى) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ ابْنِ عُلَيَّةَ، عَنْ هِشَامٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ: لَا تَنْبِذُوا الزَّهْوَ وَالرُّطَبَ جَمِيعًا الْحَدِيثَ.

قَوْلُهُ: (وَلْيُنْبَذْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا) أَيْ مِنْ كُلِّ اثْنَيْنِ مِنْهُمَا، فَيَكُونُ الْجَمْعُ بَيْنَ أَكْثَرَ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى.

قَوْلُهُ: (عَلَى حِدَةٍ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الدَّالِ بَعْدَهَا هَاءُ تَأْنِيثٍ أَيْ وَحْدَهُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ عَلَى حِدَتِهِ وَهَذَا مِمَّا يُؤَيِّدُ رَدَّ التَّأْوِيلِ الْمَذْكُورِ أَوَّلًا كَمَا بَيَّنْتُهُ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ: مَنْ شَرِبَ مِنْكُمُ النَّبِيذَ فَلْيَشْرَبْهُ زَبِيبًا فَرْدًا أَوْ تَمْرًا فَرْدًا أَوْ بُسْرًا فَرْدًا، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ سَبَبَ النَّهْيِ مِنْ طَرِيقِ الْحَرَّانِيِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: أُتِيَ النَّبِيُّ بِسَكْرَانَ فَضَرَبَهُ، ثُمَّ سَأَلَهُ عَنْ شربِهِ، فَقَالَ: شَرِبْتُ نَبِيذَ تَمْرٍ وزبيب، فَقَالَ النَّبِيُّ : لَا تَخْلِطُوهُمَا، فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَكْفِي وَحْدَهُ. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَذَهَبَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ سَبَبَ النَّهْيِ عَنِ الْخَلِيطِ أَنَّ الْإِسْكَارَ يَسْرُعُ إِلَيْهِ بِسَبَبِ الْخَلْطِ قَبْلَ أَنْ يَشْتَدَّ فَيَظُنُّ الشَّارِبُ أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْ حَدَّ الْإِسْكَارِ، وَيَكُونُ قَدْ بَلَغَهُ. قَالَ: وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ أَنَّ النَّهْيَ، فِي ذَلِكَ لِلتَّنْزِيهِ. وَإِنَّمَا يَمْتَنِعُ إِذَا صَارَ مُسْكِرًا، وَلَا تَخْفَى عَلَامَتُهُ. وَقَالَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ: هُوَ لِلتَّحْرِيمِ. وَاخْتُلِفَ فِي خَلْطِ نَبِيذِ الْبُسْرِ الَّذِي لَمْ يَشْتَدَّ مَعَ نَبِيذِ التَّمْرِ الَّذِي لَمْ يَشْتَدَّ عِنْدَ الشُّرْبِ هَلْ يَمْتَنِعُ أَوْ يَخْتَصُّ النَّهْيُ عَنِ الْخَلْطِ عِنْدَ الِانْتِبَاذِ؟ فَقَالَ الْجُمْهُورُ: لَا فَرْقَ. وَقَالَ اللَّيْثُ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ عِنْدَ الشُّرْبِ. وَنَقَلَ ابْنُ التِّينِ، عَنِ الدَّاوُدِيِّ أَنَّ سَبَبَ النَّهْيِ أَنَّ النَّبِيذَ يَكُونُ حُلْوًا، فَإِذَا أُضِيفَ إِلَيْهِ الْآخَرُ أَسْرَعَتِ إِلَيْهِ الشِّدَّةُ.

وَهَذِهِ صُورَةٌ أُخْرَى، كَأَنَّهُ يَخُصُّ النَّهْيَ بِمَا إِذَا نُبِذَ أَحَدُهُمَا ثُمَّ أُضِيفَ إِلَيْهِ الْآخَرُ، لَا مَا إِذَا نُبِذَا مَعًا. وَاخْتُلِفَ فِي الْخَلِيطَيْنِ مِنَ الْأَشْرِبَةِ غَيْرِ النَّبِيذِ، فَحَكَى ابْنُ التِّينِ عَنْ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يُخْلَطَ لِلْمَرِيضِ شَرَابَيْنِ، وَرَدَّهُ بِأَنَّهُمَا لَا يَسْرُعُ إِلَيْهِمَا الْإِسْكَارُ اجْتِمَاعًا وَانْفِرَادًا، وَتُعُقِّبَ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ قَائِلُ ذَلِكَ يَرَى أَنَّ الْعِلَّةَ الْإِسْرَافُ كَمَا تَقَدَّمَ، لَكِنْ يُقَيَّدُ كَلَامُ هَذَا فِي مَسْأَلَةِ الْمَرِيضِ بِمَا إِذَا كَانَ الْمُفْرَدُ كَافِيًا فِي دَوَاءِ ذَلِكَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

الخَمْرُ) حرَّمها الله تعالى بما أنزلَ على رسولهِ (فَقَذَفْتُهَا) بالذال المعجمة (وَأَنَا سَاقِيهِمْ وَأَصْغَرُهُمْ، وَإِنَّا) بكسر الهمزة وتشديد النون (نَعُدُّهَا يَوْمَئِذٍ الخَمْرَ).

وهذا الحديثُ سبق قريبًا.

(وَقَالَ عَمْرُو بْنُ الحَارِثِ) بفتح العين المهملة: (حَدَّثَنَا قَتَادَةُ) بن دِعامة أنَّه (سَمِعَ أَنَسًا) ، وهذا وصله مسلمٌ والبيهقيُّ، وفائدته: بيانُ سماع (١) قتادةَ لأنَّ الرِّواية المتقدِّمة بالعنعنةِ.

٥٦٠١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ) الضَّحَّاك بن مخلدٍ النَّبيل (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز أنَّه قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَطَاءٌ) هو ابنُ أبي رباح (أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا) الأنصاريَّ ( يَقُولُ: نَهَى النَّبِيُّ ) نهي تنزيهٍ، وعن بعضِ المالكيَّة: نهيَ تحريم (عَنِ) الجمع بين (الزَّبِيبِ وَالتَّمْرِ وَ) عن الجمع بين (البُسْرِ وَالرُّطَبِ) تنبيذًا لأنَّ الإسكارَ يسرعُ إليه بسبب الخلطِ قبل أن يشتدَّ، فيظن الشَّارب أنَّه لم يبلغْ حدَّ الإسكارِ ويكون قد بلغَه.

وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «الأشربةِ»، والنَّسائيُّ فيه وفي «الوليمة».

٥٦٠٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ) هو ابنُ إبراهيم قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) الدَّستوائيُّ قال: (أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) بالمثلثة (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ) أبي قتادة الحارثِ بنِ رِبْعيِّ الأنصاريِّ أنَّه (قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ التَّمْرِ) بالفوقية وسكون الميم (وَالزَّهْوِ) وهو البُسْرُ الملون (وَ) بين (التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ) لأنَّ أحدهما يشتد به الآخر فيُسرع الإسكار (وَلْيُنْبَذْ) بسكون اللام وفتح الموحدة مبنيًّا للمفعول (كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا) أي: من كلِّ اثنين منهما، فيكون الجمعُ بين الأكثر بطريقِ الأولى (عَلَى حِدَةٍ) بكسر الحاء وفتح الدال المخففة المهملتين بعدها

هاء، أي: وحدَه، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «على حدته»، وفي حديث أبي سعيدٍ عند مسلم: «مَن شربَ منكمْ النَّبيذ فليشربْه زبيبًا فردًا، أو تمرًا فردًا، أو بسرًا فردًا» وهل إذا خلط نبيذ البسر الَّذي لم يشتدَّ مع نبيذ التَّمر الَّذي لم يشتد يمتنعُ، أو يختصُّ النَّهي عن الخلطِ عند الانتباذ (١)؟ فقال الجمهورُ: لا فرقَ ولو لم يسكرْ، وقال الكوفيون بالحلِّ، ولا خلاف أنَّ العسلَ باللَّبن ليس بخليطين لأنَّ اللَّبن لا ينبذ. واختُلف في الخليطينِ للتَّخليل.

وهذا الحديث أخرجهُ مسلمٌ في «الأشربةِ»، وكذا أبو داود، وأخرجَه النَّسائيُّ في «الوليمةِ»، وابن ماجه في «الأشربةِ».

(١٢) (بابُ) جوازِ (شُرْبِ اللَّبَنِ) وهو بمفردهِ غير مسكر. نعم، قد يقع نادرًا بصفة تحدث فيه وحينئذٍ فيحرم شربه إن علمَ ذهابَ عقلهِ به. وفي حديثِ ابنِ سيرين عند سعيدِ بن منصورٍ «أنَّه سمعَ ابن عمر يسألُ عن الأشربةِ، فقال: إنَّ أهلَ كذا يتخذونَ من كذا وكذا خمرًا حتى عدَّ خمسةَ أشربةٍ لم أحفظْ منها إلَّا العسلَ والشَّعير واللَّبن. قال: فكنت أهابُ أن أحدِّث باللَّبن حتَّى أنبئت أنَّه بأرمينيَّة يُصْنَعُ شرابٌ من اللَّبن لا يلبثُ صاحبُه أن يُصرَع»، قاله في «الفتح».

(وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) ولأبي ذرٍّ: «﷿» (٢): (﴿مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا﴾) أي: يخلق اللَّبن وسطًا بين الفرثِ والدَّم يكتنفانهِ وبينه وبينهما برزخٌ لا يَبْغِي أحدهما عليه بلونٍ ولا طعمٍ ولا رائحةٍ، بل هو خالصٌ من ذلك كلِّه. قيل: إذا أكلت البهيمة العلف فاستقرَّ في كرشِهَا طبخته فكان أسفلُه فرثًا وأوسطُه لبنًا وأعلاهُ دمًا، والكبدُ مُسلَّطة على هذه الأصنافِ الثَّلاثة تقسمها فتجرِي الدَّم في العروقِ واللَّبن في الضُّروع ويبقى الفرثُ في الكرشِ ثمَّ ينحدرُ، وفي ذلك عبرةٌ لمن اعتبرَ. وسئل شقيقٌ عن الإخلاصِ فقال: الإخلاصُ: تمييز العملِ من العيوبِ كتمييزِ اللَّبن من بينِ فرثٍ ودمٍ (﴿سَآئِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾ [النحل: ٦٦]) سهل المرور في الحلقِ، ويقال: لم يغص

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَأَبَا دُجَانَةَ، وَسُهَيْلَ بْنَ الْبَيْضَاءِ خَلِيطَ بُسْرٍ وَتَمْرٍ إِذْ حُرِّمَتْ الْخَمْرُ، فَقَذَفْتُهَا وَأَنَا سَاقِيهِمْ وَأَصْغَرُهُمْ، وَإِنَّا نَعُدُّهَا يَوْمَئِذٍ الْخَمْرَ. وَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ سَمِعَ أَنَسًا.

٥٦٠١ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِراً يَقُولُ: "نَهَى النَّبِيُّ عَنْ الزَّبِيبِ وَالتَّمْرِ وَالْبُسْرِ وَالرُّطَبِ".

٥٦٠٢ - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ حَدَّثَنَا هِشَامٌ أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: "نَهَى النَّبِيُّ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ التَّمْرِ وَالزَّهْوِ وَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ وَلْيُنْبَذْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى حِدَةٍ".

قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ رَأَى أَنْ لَا يُخْلَطَ الْبُسْرُ وَالتَّمْرُ إِذَا كَانَ مُسْكِرًا) قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: قَوْلُهُ إِذَا كَانَ مُسْكِرًا خَطَأٌ، لِأَنَّ النَّهْيَ عَنِ الْخَلِيطَيْنِ عَامٌّ وَإِنْ لَمْ يُسْكِرْ كَثِيرُهُمَا، لِسُرْعَةِ سَرَيَانِ الْإِسْكَارِ إِلَيْهِمَا مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُ صَاحِبُهُ بِهِ، فَلَيْسَ النَّهْيُ عَنِ الْخَلِيطَيْنِ لِأَنَّهُمَا يُسْكِرَانِ حَالًا، بَلْ لِأَنَّهُمَا يُسْكِرَانِ مَآلًا؛ فَإِنَّهُمَا إِذَا كَانَا مُسْكِرَيْنِ فِي الْحَالِ لَا خِلَافَ فِي النَّهْيِ عَنْهُمَا. قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: فَعَلَى هَذَا فَلَيْسَ هُوَ خَطَأٌ، بَلْ يَكُونُ أطلق ذلك عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ، وَهُوَ اسْتِعْمَالُ مَشْهُورٌ. وَأَجَابَ ابْنُ الْمُنِيرِ بِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَرُدُّ عَلَى الْبُخَارِيِّ، إِمَّا لِأَنَّهُ يَرَى جَوَازَ الْخَلِيطَيْنِ قَبْلَ الْإِسْكَارِ، وَإِمَّا لِأَنَّهُ تَرْجَمَ عَلَى مَا يُطَابِقُ الْحَدِيثَ الْأَوَّلَ وَهُوَ حَدِيثُ أَنَسٍ، فَإِنَّهُ لَا شَكَّ أَنَّ الَّذِي كَانَ يَسْقِيهِ الْقَوْمَ حِينَئِذٍ كَانَ مُسْكِرًا، وَلِهَذَا دَخَلَ عِنْدَهُمْ فِي عُمُومِ النَّهْيِ عَنِ الْخَمْرِ، حَتَّى قَالَ أَنَسٌ: وَإِنَّا لَنَعُدُّهَا يَوْمئِذٍ الْخَمْرَ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مُسْكِرًا. قَالَ: وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَأَنْ لَا يَجْعَلَ إدَامَيْنِ فِي إِدَامٍ فَيُطَابِقُ حَدِيثَ جَابِرٍ، وَأَبِي قَتَادَةَ، وَيَكُونُ النَّهْيُ مُعَلَّلًا بِعِلَلٍ مُسْتَقِلَّةٍ، إِمَّا تَحْقِيقُ إِسْكَارِ الْكَثِيرِ وَإِمَّا تَوَقُّعُ الْإِسْكَارِ بِالْخَلْطِ سَرِيعًا وَإِمَّا الْإِسْرَافُ وَالشَّرَهُ، وَالتَّعْلِيلُ بِالْإِسْرَافِ مُبَيَّنٌ فِي حَدِيثِ النَّهْيِ عَنْ قِرَانِ التَّمْرِ.

قُلْتُ: وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ مُرَادَ الْبُخَارِيِّ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ الرَّدُّ عَلَى مَنْ أَوَّلَ النَّهْيَ عَنِ الْخَلِيطَيْنِ بِأَحَدِ تَأْوِيلَيْنِ: أَحَدُهُمَا حَمْلُ الْخَلِيطِ عَلَى الْمَخْلُوطِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ نَبِيذُ تَمْرٍ وَحْدَهُ مَثَلًا قَدِ اشْتَدَّ، وَنَبِيذُ زَبِيبٍ وَحْدَهُ مَثَلًا قَدِ اشْتَدَّ، فَيُخْلَطَانِ لِيَصِيرَا خَلًّا، فَيَكُونُ النَّهْيُ مِنْ أَجْلِ تَعَمُّدِ التَّخْلِيلِ، وَهَذَا مُطَابِقٌ لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ غَيْرِ تَكَلُّفٍ. ثَانِيهُمَا أَنْ يَكُونَ عِلَّةُ النَّهْيِ عَنِ الْخَلْطِ الْإِسْرَافُ، فَيَكُونُ كَالنَّهْيِ عَنِ الْجَمْعِ بَيْنَ إدَامَيْنِ. وَيُؤَيِّدُ الثَّانِي قَوْلُهُ فِي التَّرْجَمَةِ: وَأَنْ لَا يَجْعَلُ إدَامَيْنِ فِي إِدَامٍ وَقَدْ حَكَى أَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ عَنْ قَوْمٍ أَنَّهُمْ ح مَلُوا النَّهْيَ عَنِ الْخَلِيطَيْنِ عَلَى الثَّانِي، وَجَعَلُوهُ نَظِيرَ النَّهْيِ عَنِ الْقِرَانِ بَيْنَ التَّمْرِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْأَطْعِمَةِ، قَالُوا: فَإِذَا وَرَدَ النَّهْيُ عَنِ الْقِرَانِ بَيْنَ التَّمْرَتيْنِ وَهُمَا مِنْ نَوْعٍ وَاحِدٍ فَكَيْفَ إِذَا وَقَعَ الْقِرَانُ بَيْنَ نَوْعَيْنِ؟ وَلِهَذَا عَبَّرَ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ مَنْ رَأَى وَلَمْ يَجْزِمْ بِالْحُكْمِ. وَقَدْ نَصَرَ الطَّحَاوِيُّ مَنْ حَمَلَ النَّهْيَ عَنِ الْخَلِيطَيْنِ عَلَى مَنْعِ السَّرَفِ فَقَالَ: كَانَ ذَلِكَ لِمَا كَانُوا فِيهِ مِنْ ضِيقِ الْعَيْشِ. وَسَاقَ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ فِي النَّهْيِ عَنِ الْقِرَانِ بَيْنَ التَّمْرَتَيْنِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَحَدُ مَنْ رَوَى النَّهْيَ عَنِ الْخَلِيطَيْنِ وَكَانَ يَنْبِذُ الْبُسْرَ، فَإِذَا نَظَرَ إِلَى بُسْرَةٍ فِي بَعْضِهَا تَرْطِيبٌ قَطَعَهُ كَرَاهَةَ أَنْ يَقَعَ فِي النَّهْيِ، وَهَذَا عَلَى قَاعِدَتِهِمْ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ لَوْ فَهِمَ أَنَّ النَّهْيَ عَنِ الْخَلِيطَيْنِ كَالنَّهْيِ عَنِ الْقِرَانِ لِمَا خَالَفَهُ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ عِنْدَهُ عَلَى غَيْرِهِ.

ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ أَنَسٍ الَّذِي تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي أَوَّلِ الْبَابِ، وَفِيهِ أَنَّهُ سَقَاهُ خَلِيطَ بُسْرٍ وَتَمْرٍ، فَدَلَّ عَلَى: أَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّهْيِ عَنِ الْخَلِيطَيْنِ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَهُ قَبْلَ ذَلِكَ مِنْ خَلْطِ الْبُسْرِ بِالتَّمْرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، لِأَنَّ ذَلِكَ عَادَةً يَقْتَضِي إِسْرَاعَ الْإِسْكَارِ

بِخِلَافِ الْمُنْفَرِدَيْنِ، وَلَا يُمْكِنُ حَمْلُ حَدِيثِ أَنَسٍ هَذَا فِي الْخَلِيطَيْنِ عَلَى مَا ادَّعَاهُ صَاحِبُ التَّأْوِيلِ الْأَوَّلِ، وَحَمْلُ عِلَّةِ النَّهْيِ لِخَوْفِ الْإِسْرَاعِ أَظْهَرُ مِنْ حَمْلِهَا عَلَى الْإِسْرَافِ، لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ نِصْفِ رِطْلٍ مِنْ تَمْرٍ وَنِصْفِ رِطْلٍ مِنْ بُسْرٍ إِذَا خُلِطَا مَثَلًا، وَبَيْنَ رِطْلٍ مِنْ زَبِيبٍ صِرْفٍ، بَلْ هُوَ أَوْلَى لِقِلَّةِ الزَّبِيبِ عِنْدَهُمْ إِذْ ذَاكَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى التَّمْرِ وَالرُّطَبِ، وَقَدْ وَقَعَ الْإِذْنُ بِأَنْ يُنْبَذَ كُلُّ وَاحِدٍ عَلَى حِدَةٍ، وَلَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ، فَلَوْ كَانَتِ الْعِلَّةُ الْإِسْرَافَ لَمَا أَطْلَقَ ذَلِكَ. وَحَكَى الطَّحَاوِيُّ فِي اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ عَنِ اللَّيْثِ قَالَ: لَا أَرَى بَأْسًا أَنْ يُخْلَطَ نَبِيذُ التَّمْرِ وَنَبِيذُ الزَّبِيبِ ثُمَّ يُشْرَبَانِ جَمِيعًا، وَإِنَّمَا جَاءَ النَّهْيُ أَنْ يُنْبَذَا جَمِيعًا ثُمَّ يُشْرَبَا لِأَنَّ أَحَدَهُمَا يَشْتَدُّ بِهِ صَاحِبُهُ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ سَمِعَ أَنَسًا) أَرَادَ بِهَذَا التَّعْلِيقِ بَيَانَ سَمَاعِ قَتَادَةَ، لِأَنَّهُ وَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي سَاقَهَا قَبْلَ مُعَنْعَنًا، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ وَلَفْظُهُ نَهَى أَنْ يُخْلَطَ التَّمْرُ وَالزَّهْوُ ثُمَّ يُشْرَبُ، وَأَنَّ ذَلِكَ كَانَ عَامَّةَ خَمْرِهِمْ يَوْمئِذٍ، وَهَذَا السِّيَاقُ أَظْهَرُ فِي الْمُرَادِ الَّذِي حُمِلَتْ عَلَيْهِ لَفْظُ التَّرْجَمَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَوْلُهُ فِي الْإِسْنَادِ الْأَوَّلِ حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَهِشَامٌ هُوَ الدَّسْتُوَائِيُّ.

الْحَدِيثُ الثَّانِي حَدِيثُ جَابِرٍ، وأَوْرَدَهُ بِلَفْظِ: نَهَى عَنِ الزَّبِيبِ وَالتَّمْرِ وَالْبُسْرِ وَالرُّطَبِ، وَلَيْسَ صَرِيحًا فِي النَّهْيِ عَنِ الْخَلِيطِ، وَقَدْ بَيَّنَهُ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَتِهِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، وَيَحْيَى الْقَطَّانِ جَمِيعًا عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ بِلَفْظِ: لَا تَجْمَعُوا بَيْنَ الرُّطَبِ والْبُسْرِ وَبَيْنَ الزَّبِيبِ وَالتَّمْرِ نَبِيذًا وَأَخْرَجَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ، عَنْ عَطَاءٍ نُهِيَ أَنْ يُنْبَذَ التَّمْرُ والزبيب جَمِيعًا وَالرُّطَبُ وَالْبُسْرُ جَمِيعًا.

الْحَدِيثُ الثَّالِثُ حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ:

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ) هُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ أَيْضًا، وَهِشَامٌ هُوَ الدَّسْتُوَائِيُّ أَيْضًا.

قَوْلُهُ: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ) هُوَ الْأَنْصَاريُّ الْمَشْهُورُ.

قَوْلُهُ: (نَهَى) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ ابْنِ عُلَيَّةَ، عَنْ هِشَامٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ: لَا تَنْبِذُوا الزَّهْوَ وَالرُّطَبَ جَمِيعًا الْحَدِيثَ.

قَوْلُهُ: (وَلْيُنْبَذْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا) أَيْ مِنْ كُلِّ اثْنَيْنِ مِنْهُمَا، فَيَكُونُ الْجَمْعُ بَيْنَ أَكْثَرَ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى.

قَوْلُهُ: (عَلَى حِدَةٍ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الدَّالِ بَعْدَهَا هَاءُ تَأْنِيثٍ أَيْ وَحْدَهُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ عَلَى حِدَتِهِ وَهَذَا مِمَّا يُؤَيِّدُ رَدَّ التَّأْوِيلِ الْمَذْكُورِ أَوَّلًا كَمَا بَيَّنْتُهُ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ: مَنْ شَرِبَ مِنْكُمُ النَّبِيذَ فَلْيَشْرَبْهُ زَبِيبًا فَرْدًا أَوْ تَمْرًا فَرْدًا أَوْ بُسْرًا فَرْدًا، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ سَبَبَ النَّهْيِ مِنْ طَرِيقِ الْحَرَّانِيِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: أُتِيَ النَّبِيُّ بِسَكْرَانَ فَضَرَبَهُ، ثُمَّ سَأَلَهُ عَنْ شربِهِ، فَقَالَ: شَرِبْتُ نَبِيذَ تَمْرٍ وزبيب، فَقَالَ النَّبِيُّ : لَا تَخْلِطُوهُمَا، فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَكْفِي وَحْدَهُ. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَذَهَبَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ سَبَبَ النَّهْيِ عَنِ الْخَلِيطِ أَنَّ الْإِسْكَارَ يَسْرُعُ إِلَيْهِ بِسَبَبِ الْخَلْطِ قَبْلَ أَنْ يَشْتَدَّ فَيَظُنُّ الشَّارِبُ أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْ حَدَّ الْإِسْكَارِ، وَيَكُونُ قَدْ بَلَغَهُ. قَالَ: وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ أَنَّ النَّهْيَ، فِي ذَلِكَ لِلتَّنْزِيهِ. وَإِنَّمَا يَمْتَنِعُ إِذَا صَارَ مُسْكِرًا، وَلَا تَخْفَى عَلَامَتُهُ. وَقَالَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ: هُوَ لِلتَّحْرِيمِ. وَاخْتُلِفَ فِي خَلْطِ نَبِيذِ الْبُسْرِ الَّذِي لَمْ يَشْتَدَّ مَعَ نَبِيذِ التَّمْرِ الَّذِي لَمْ يَشْتَدَّ عِنْدَ الشُّرْبِ هَلْ يَمْتَنِعُ أَوْ يَخْتَصُّ النَّهْيُ عَنِ الْخَلْطِ عِنْدَ الِانْتِبَاذِ؟ فَقَالَ الْجُمْهُورُ: لَا فَرْقَ. وَقَالَ اللَّيْثُ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ عِنْدَ الشُّرْبِ. وَنَقَلَ ابْنُ التِّينِ، عَنِ الدَّاوُدِيِّ أَنَّ سَبَبَ النَّهْيِ أَنَّ النَّبِيذَ يَكُونُ حُلْوًا، فَإِذَا أُضِيفَ إِلَيْهِ الْآخَرُ أَسْرَعَتِ إِلَيْهِ الشِّدَّةُ.

وَهَذِهِ صُورَةٌ أُخْرَى، كَأَنَّهُ يَخُصُّ النَّهْيَ بِمَا إِذَا نُبِذَ أَحَدُهُمَا ثُمَّ أُضِيفَ إِلَيْهِ الْآخَرُ، لَا مَا إِذَا نُبِذَا مَعًا. وَاخْتُلِفَ فِي الْخَلِيطَيْنِ مِنَ الْأَشْرِبَةِ غَيْرِ النَّبِيذِ، فَحَكَى ابْنُ التِّينِ عَنْ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يُخْلَطَ لِلْمَرِيضِ شَرَابَيْنِ، وَرَدَّهُ بِأَنَّهُمَا لَا يَسْرُعُ إِلَيْهِمَا الْإِسْكَارُ اجْتِمَاعًا وَانْفِرَادًا، وَتُعُقِّبَ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ قَائِلُ ذَلِكَ يَرَى أَنَّ الْعِلَّةَ الْإِسْرَافُ كَمَا تَقَدَّمَ، لَكِنْ يُقَيَّدُ كَلَامُ هَذَا فِي مَسْأَلَةِ الْمَرِيضِ بِمَا إِذَا كَانَ الْمُفْرَدُ كَافِيًا فِي دَوَاءِ ذَلِكَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

الخَمْرُ) حرَّمها الله تعالى بما أنزلَ على رسولهِ (فَقَذَفْتُهَا) بالذال المعجمة (وَأَنَا سَاقِيهِمْ وَأَصْغَرُهُمْ، وَإِنَّا) بكسر الهمزة وتشديد النون (نَعُدُّهَا يَوْمَئِذٍ الخَمْرَ).

وهذا الحديثُ سبق قريبًا.

(وَقَالَ عَمْرُو بْنُ الحَارِثِ) بفتح العين المهملة: (حَدَّثَنَا قَتَادَةُ) بن دِعامة أنَّه (سَمِعَ أَنَسًا) ، وهذا وصله مسلمٌ والبيهقيُّ، وفائدته: بيانُ سماع (١) قتادةَ لأنَّ الرِّواية المتقدِّمة بالعنعنةِ.

٥٦٠١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ) الضَّحَّاك بن مخلدٍ النَّبيل (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز أنَّه قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَطَاءٌ) هو ابنُ أبي رباح (أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا) الأنصاريَّ ( يَقُولُ: نَهَى النَّبِيُّ ) نهي تنزيهٍ، وعن بعضِ المالكيَّة: نهيَ تحريم (عَنِ) الجمع بين (الزَّبِيبِ وَالتَّمْرِ وَ) عن الجمع بين (البُسْرِ وَالرُّطَبِ) تنبيذًا لأنَّ الإسكارَ يسرعُ إليه بسبب الخلطِ قبل أن يشتدَّ، فيظن الشَّارب أنَّه لم يبلغْ حدَّ الإسكارِ ويكون قد بلغَه.

وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «الأشربةِ»، والنَّسائيُّ فيه وفي «الوليمة».

٥٦٠٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ) هو ابنُ إبراهيم قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) الدَّستوائيُّ قال: (أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) بالمثلثة (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ) أبي قتادة الحارثِ بنِ رِبْعيِّ الأنصاريِّ أنَّه (قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ التَّمْرِ) بالفوقية وسكون الميم (وَالزَّهْوِ) وهو البُسْرُ الملون (وَ) بين (التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ) لأنَّ أحدهما يشتد به الآخر فيُسرع الإسكار (وَلْيُنْبَذْ) بسكون اللام وفتح الموحدة مبنيًّا للمفعول (كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا) أي: من كلِّ اثنين منهما، فيكون الجمعُ بين الأكثر بطريقِ الأولى (عَلَى حِدَةٍ) بكسر الحاء وفتح الدال المخففة المهملتين بعدها

هاء، أي: وحدَه، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «على حدته»، وفي حديث أبي سعيدٍ عند مسلم: «مَن شربَ منكمْ النَّبيذ فليشربْه زبيبًا فردًا، أو تمرًا فردًا، أو بسرًا فردًا» وهل إذا خلط نبيذ البسر الَّذي لم يشتدَّ مع نبيذ التَّمر الَّذي لم يشتد يمتنعُ، أو يختصُّ النَّهي عن الخلطِ عند الانتباذ (١)؟ فقال الجمهورُ: لا فرقَ ولو لم يسكرْ، وقال الكوفيون بالحلِّ، ولا خلاف أنَّ العسلَ باللَّبن ليس بخليطين لأنَّ اللَّبن لا ينبذ. واختُلف في الخليطينِ للتَّخليل.

وهذا الحديث أخرجهُ مسلمٌ في «الأشربةِ»، وكذا أبو داود، وأخرجَه النَّسائيُّ في «الوليمةِ»، وابن ماجه في «الأشربةِ».

(١٢) (بابُ) جوازِ (شُرْبِ اللَّبَنِ) وهو بمفردهِ غير مسكر. نعم، قد يقع نادرًا بصفة تحدث فيه وحينئذٍ فيحرم شربه إن علمَ ذهابَ عقلهِ به. وفي حديثِ ابنِ سيرين عند سعيدِ بن منصورٍ «أنَّه سمعَ ابن عمر يسألُ عن الأشربةِ، فقال: إنَّ أهلَ كذا يتخذونَ من كذا وكذا خمرًا حتى عدَّ خمسةَ أشربةٍ لم أحفظْ منها إلَّا العسلَ والشَّعير واللَّبن. قال: فكنت أهابُ أن أحدِّث باللَّبن حتَّى أنبئت أنَّه بأرمينيَّة يُصْنَعُ شرابٌ من اللَّبن لا يلبثُ صاحبُه أن يُصرَع»، قاله في «الفتح».

(وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) ولأبي ذرٍّ: «﷿» (٢): (﴿مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا﴾) أي: يخلق اللَّبن وسطًا بين الفرثِ والدَّم يكتنفانهِ وبينه وبينهما برزخٌ لا يَبْغِي أحدهما عليه بلونٍ ولا طعمٍ ولا رائحةٍ، بل هو خالصٌ من ذلك كلِّه. قيل: إذا أكلت البهيمة العلف فاستقرَّ في كرشِهَا طبخته فكان أسفلُه فرثًا وأوسطُه لبنًا وأعلاهُ دمًا، والكبدُ مُسلَّطة على هذه الأصنافِ الثَّلاثة تقسمها فتجرِي الدَّم في العروقِ واللَّبن في الضُّروع ويبقى الفرثُ في الكرشِ ثمَّ ينحدرُ، وفي ذلك عبرةٌ لمن اعتبرَ. وسئل شقيقٌ عن الإخلاصِ فقال: الإخلاصُ: تمييز العملِ من العيوبِ كتمييزِ اللَّبن من بينِ فرثٍ ودمٍ (﴿سَآئِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾ [النحل: ٦٦]) سهل المرور في الحلقِ، ويقال: لم يغص

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.7 / 29.5
الإضاءة 8%
البدر بعد 12 يوم
الله أكبر