«كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَكْثَرَ أَنْصَارِيٍّ بِالْمَدِينَةِ مَالًا مِنْ نَخْلٍ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٥٦١١

الحديث رقم ٥٦١١ من كتاب «كتاب الأشربة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب استعذاب الماء.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نصّ: «كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَكْثَرَ أَنْصَارِيٍّ بِالْمَدِينَةِ…

«كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَكْثَرَ أَنْصَارِيٍّ بِالْمَدِينَةِ مَالًا مِنْ نَخْلٍ، وَكَانَ أَحَبُّ مَالِهِ إِلَيْهِ بَيْرَُحَاءٍَ، وَكَانَتْ مُسْتَقْبِلَ الْمَسْجِدِ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ يَدْخُلُهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ، قَالَ أَنَسٌ: فَلَمَّا نَزَلَتْ ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ قَامَ أَبُو طَلْحَةَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ اللهَ يَقُولُ: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ وَإِنَّ أَحَبَّ مَالِي إِلَيَّ بَيْرَُحَاءٍَ، وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ لِلهِ أَرْجُو بِرَّهَا وَذُخْرَهَا عِنْدَ اللهِ، فَضَعْهَا يَا رَسُولَ اللهِ حَيْثُ أَرَاكَ اللهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ : بَخٍْ، ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ أَوْ رَايِحٌ شَكَّ عَبْدُ اللهِ وَقَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الْأَقْرَبِينَ، فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبِهِ وَفِي بَنِي عَمِّهِ» وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ وَيَحْيَى بْنُ يَحْيَى: رَايِحٌ.

بَابُ شَوْبِ اللَّبَنِ بِالْمَاءِ

إسناد: «كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَكْثَرَ أَنْصَارِيٍّ بِالْمَدِينَةِ…

٥٦١١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ: أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ:

رواة الحديث: «كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَكْثَرَ أَنْصَارِيٍّ…

شرح: «كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَكْثَرَ أَنْصَارِيٍّ بِالْمَدِينَةِ…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

مُنَافَاةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْوَرَعِ بِوَجْهٍ. وَالْعَسَلُ وَإِنْ كَانَ حَلَالًا، لَكِنَّهُ مِنَ الْمُسْتَلَذَّاتِ الَّتِي قَدْ يُخْشَى عَلَى صَاحِبِهَا أَنْ يَنْدَرِجَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ﴾ قُلْتُ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ السِّرُّ فِيهِ مَا وَقَعَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْإِسْرَاءِ أَنَّهُ عَطِشَ - كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ مُبَيَّنًا هُنَاكَ - فَأُتِيَ بِالْأَقْدَاحِ، فَآثَرَ اللَّبَنَ دُونَ غَيْرِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ حُصُولِ حَاجَتِهِ دُونَ الْخَمْرِ وَالْعَسَلِ، فَهَذَا هُوَ السَّبَبُ الْأَصْلِيُّ فِي إِيثَارِ اللَّبَنِ، وَصَادَفَ مَعَ ذَلِكَ رُجْحَانَهُ عَلَيْهِمَا مِنْ عِدَّةِ جِهَاتٍ. وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْ هَذَا فِي شَرْحِ حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ.

قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: وَلَا يُعَكِّرُ عَلَى مَا ذَكَرْتُهُ مَا سَيَأْتِي قَرِيبًا أَنَّهُ كَانَ يُحِبُّ الْحَلْوَى وَالْعَسَلَ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا كَانَ يُحِبُّهُ مُقْتَصِدًا فِي تَنَاوُلِهِ لَا فِي جَعْلِهِ دَيْدَنًا وَلَا تَنَطُّعًا. وَيُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِ جِبْرِيلَ فِي الْخَمْرِ: غَوَتْ أُمَّتُكَ أَنَّ الْخَمْرَ يَنْشَأُ عَنْهَا الْغَيُّ، وَلَا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِقَدْرٍ مُعَيَّنٍ. وَيُؤْخَذُ مِنْ عَرْضِ الْآنِيَةِ عَلَيْهِ إِرَادَةُ إِظْهَارِ التَّيْسِيرِ عَلَيْهِ، وَإِشَارَةٌ إِلَى تَفْوِيضِ الْأُمُورِ إِلَيْهِ.

١٣ - بَاب اسْتِعْذَابِ الْمَاءِ

٥٦١١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَكْثَرَ أَنْصَارِيٍّ بِالْمَدِينَةِ مَالًا مِنْ نَخْلٍ، وَكَانَ أَحَبُّ مَالِهِ إِلَيْهِ بَيْرُحَاءَ، وَكَانَتْ مُسْتَقْبِلَ الْمَسْجِدِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَدْخُلُهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ. قَالَ أَنَسٌ: فَلَمَّا نَزَلَتْ: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ قَامَ أَبُو طَلْحَةَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ وَإِنَّ أَحَبَّ مَالِي إِلَيَّ بَيْرُحَاءَ، وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ لِلَّهِ، أَرْجُو بِرَّهَا وَذُخْرَهَا عِنْدَ اللَّهِ، فَضَعْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ حَيْثُ أَرَاكَ اللَّهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : بَخٍ! ذَلِكَ مَالٌ رَايحٌ - أَوْ رَابحٌ - شَكَّ عَبْدُ اللَّهِ. وَقَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الْأَقْرَبِينَ. فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبِهِ وَفِي بَنِي عَمِّهِ.

وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ وَيَحْيَى بْنُ يَحْيَى: رَايِحٌ.

قَوْلُهُ: (بَابُ اسْتِعْذَابِ الْمَاءِ) بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ طَلَبِ الْمَاءِ الْعَذْبِ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْحُلْوُ.

ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ أَنَسٍ فِي صَدَقَةِ أَبِي طَلْحَةَ لِقَوْلِهِ فِيهِ: وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ وَقَدْ وَرَدَ فِي خُصُوصِ هَذَا اللَّفْظِ - وَهُوَ اسْتِعْذَابُ الْمَاءِ - حَدِيثُ عَائِشَةَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يُسْتَعْذَبُ لَهُ الْمَاءُ مِنْ بُيُوتِ السُّقْيَا وَالسُّقْيَا بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ، وَبِالْقَافِ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ قَالَ قُتَيْبَةُ: هِيَ عَيْنٌ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ يَوْمَانِ، هَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْهُ بَعْدَ سِيَاقِ الْحَدِيثِ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ، وَفِي قِصَّةِ أَبِي الْهَيْثَمِ بْنِ التَّيِّهَانِ أَنَّ امْرَأَتَهُ قَالَتْ لِلنَّبِيِّ لَمَّا جَاءَهُمْ يَسْأَلُ عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ ذَهَبَ يَسْتَعْذِبُ لَنَا مِنَ الْمَاءِ وَهُوَ عِنْدَ مُسْلِمٍ كَمَا سَأُبَيِّنُهُ بَعْدُ، وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ مِنْ حَدِيثِ سَلْمَى امْرَأَةِ أَبِي رَافِعٍ: كَانَ أَبُو أَيُّوبَ حِينَ نَزَلَ عِنْدَهُ النَّبِيُّ يُسْتَعْذَبُ لَهُ الْمَاءُ مِنْ بِئْرِ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ وَالِدِ أَنَسٍ ثُمَّ كَانَ أَنَسٌ وَهِنْدٌ وَحَارِثَةُ أَبْنَاءُ أَسْمَاءَ يَحْمِلُونَ الْمَاءَ إِلَى بُيُوتِ نِسَائِهِ مِنْ بُيُوتِ السُّقْيَا، وَكَانَ رَبَاحٌ الْأَسْوَدُ عَبْدُهُ يَسْتَقِي لَهُ مِنْ بِئْرِ عُرُسٍ مَرَّةً وَمِنْ بُيُوتِ السُّقْيَا مَرَّةً.

قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: اسْتِعْذَابُ الْمَاءِ لَا يُنَافِي الزُّهْدَ وَلَا يَدْخُلُ فِي التَّرَفُّهِ الْمَذْمُومِ، بِخِلَافِ تَطْيِيبِ الْمَاءِ بِالْمِسْكِ وَنَحْوِهِ، فَقَدْ كَرِهَهُ مَالِكٌ لِمَا فِيهِ مِنَ السَّرَفِ، وَأَمَّا شُرْبُ الْمَاءِ الْحُلْوِ وَطَلَبِهِ فَمُبَاحٌ، فَقَدْ فَعَلَهُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(١٣) هذا (١) (بابُ اسْتِعْذَابِ المَاءِ) أي: طلبُ الماء الحلو.

٥٦١١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) بن قعنبٍ القعنبيُّ الحارثيُّ، أحدُ الأعلام (عَنْ مَالِكٍ) إمام الأئمة (عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ) بن أبي طلحةَ (أَنَّهُ سَمِعَ) عمَّه (أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ) (يَقُولُ: كَانَ أَبُو طَلْحَةَ) زيد الأنصاريُّ (أَكْثَرَ أَنْصَارِيٍّ بِالمَدِينَةِ مَالًا) نصبٌ على التَّمييز (مِنْ نَخْلٍ) الجار للبيان (وَكَانَ أَحَبَّ مَالِهِ إِلَيْهِ بَيْرُحَاءَ) برفع الراء اسمُ كان، وأحبَّ نصب خبرها، أو أحبُّ اسمها وبيرَ خبرها، وحاء بالهمز والمد، ولأبي ذرٍّ بالقصر، واختلف في فتح الموحدة وكسرها، وهل بعدها همزة ساكنة، أو تحتية، أو (٢) غير ذلك ممَّا سبق في «الزَّكاة» [خ¦١٤٦١] فارجع إليه إن أردتَه ففيه ما يكفي ويشفي، وفي «الفائق» أنَّها فَيْعَلا (٣) مِنَ البَرَاح، وهي الأرض الظَّاهرة (٤) (وَكَانَتْ مُسْتَقْبِلَ المَسْجِدِ) وفي رواية أبي ذرٍّ -كـ «الزكاة» -: «مستقبلة المسجد» (وَكَانَ رَسُولُ اللهِ يَدْخُلُهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ) بالجرِّ صفة للمجرورِ (قَالَ أَنَسٌ) : (فَلَمَّا نَزَلَتْ: ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] قَامَ أَبُو طَلْحَةَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ اللهَ) ﷿ (يَقُولُ: ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ﴾) أي: لن (٥) تكونوا أبرارًا محسنين، فكأنَّه (٦) جعلَ البر شيئًا متناولًا مبالغة (﴿حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ وَإِنَّ أَحَبَّ مَالِي) بالإفراد (إِلَيَّ بَيْرُحَاءَ) ولأبي ذرٍّ:

«بيرحا» بالقصرِ (وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ للهِ أَرْجُو بِرَّهَا) خيرَها (وَذُخْرَهَا) بضم الذال وسكون الخاء المعجمتين، أي: أقدمها فأدَّخرها لأجدها (١) (عِنْدَ اللهِ، فَضَعْهَا يَا رَسُولَ اللهِ حَيْثُ أَرَاكَ اللهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ : بَخٍ) فيه لغتان: إسكان الخاء، وكسرها منوَّنة، كلمة يقولها المتعجِّب من الشَّيء، وعند المدح والرِّضا بالشَّيء، وقد تكرَّر للمبالغةِ، فيقال: بخٍ بخٍ (ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ) بالموحدة، ذو ربح (-أَوْ) قال: (رَايِحٌ) بالتحتية بدل الموحدة مِنَ الرَّواح، نقيض الغُدُو، أي: قريب الفائدة يصل نفعه إلى صاحبهِ (شَكَّ عَبْدُ اللهِ-) بن مسلمةَ (وَقَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الأَقْرَبِينَ) فإنَّ أفضلَ البرِّ ما أولي إلى الأقرباء (فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: أَفْعَلُ) برفع اللَّام ذلك (يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبِهِ، وَفِي بَنِي عَمِّهِ) من باب (٢) عطف الخاصِّ على العامِّ (وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ) بنُ أبي أويس ممَّا وصله في «التَّفسير» [خ¦٤٥٥٤] (وَ (٣) يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) أبو زكريا التَّميميُّ الحنظليُّ ممَّا وصلَه في «الوصايا» [خ¦٢٧٦٩] كلاهما عن مالك: (رَايِحٌ) بالمثنَّاة التَّحتية من الرَّواح.

ومطابقةُ الحديث للترجمةِ في قولهِ: «ويشربُ مِن ماءٍ فيها طيِّب». وفي حديث عائشة عندَ أبي داود: «كان رسولُ الله يُستعذبُ له الماءُ من بيوتِ السُّقيا» -بضم السين المهملة وبالقاف والتحتية- عين بينها وبين المدينة يومان، فاستعذابُ الماءِ لا يُنافي الزُّهد، ولا يدخلُ في التَّرفه المذموم. نعم، كرهَ مالكٌ تطييب الماء بنحو المسكِ لما فيه من السَّرف.

وهذا الحديث سبق في «الزَّكاة» [خ¦١٤٦١] و «الوصايا» [خ¦٢٧٦٩] و «الوكالة» [خ¦٢٣١٨] و «التَّفسير» [خ¦٤٥٥٤].

(١٤) (بابُ شَوبِ اللَّبَنِ بِالمَاءِ) بفتح المعجمة وسكون الواو، أي: خلط اللَّبن بالماء، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «شُرْب» بضم الشين والراء (٤) السَّاكنة، بدل: الواو، أي: شرب اللَّبن ممزوجًا بالماءِ البارد كسرًا لحرارته عقب حَلْبِه مع شدَّة حرِّ القُطْر.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

مُنَافَاةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْوَرَعِ بِوَجْهٍ. وَالْعَسَلُ وَإِنْ كَانَ حَلَالًا، لَكِنَّهُ مِنَ الْمُسْتَلَذَّاتِ الَّتِي قَدْ يُخْشَى عَلَى صَاحِبِهَا أَنْ يَنْدَرِجَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ﴾ قُلْتُ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ السِّرُّ فِيهِ مَا وَقَعَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْإِسْرَاءِ أَنَّهُ عَطِشَ - كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ مُبَيَّنًا هُنَاكَ - فَأُتِيَ بِالْأَقْدَاحِ، فَآثَرَ اللَّبَنَ دُونَ غَيْرِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ حُصُولِ حَاجَتِهِ دُونَ الْخَمْرِ وَالْعَسَلِ، فَهَذَا هُوَ السَّبَبُ الْأَصْلِيُّ فِي إِيثَارِ اللَّبَنِ، وَصَادَفَ مَعَ ذَلِكَ رُجْحَانَهُ عَلَيْهِمَا مِنْ عِدَّةِ جِهَاتٍ. وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْ هَذَا فِي شَرْحِ حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ.

قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: وَلَا يُعَكِّرُ عَلَى مَا ذَكَرْتُهُ مَا سَيَأْتِي قَرِيبًا أَنَّهُ كَانَ يُحِبُّ الْحَلْوَى وَالْعَسَلَ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا كَانَ يُحِبُّهُ مُقْتَصِدًا فِي تَنَاوُلِهِ لَا فِي جَعْلِهِ دَيْدَنًا وَلَا تَنَطُّعًا. وَيُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِ جِبْرِيلَ فِي الْخَمْرِ: غَوَتْ أُمَّتُكَ أَنَّ الْخَمْرَ يَنْشَأُ عَنْهَا الْغَيُّ، وَلَا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِقَدْرٍ مُعَيَّنٍ. وَيُؤْخَذُ مِنْ عَرْضِ الْآنِيَةِ عَلَيْهِ إِرَادَةُ إِظْهَارِ التَّيْسِيرِ عَلَيْهِ، وَإِشَارَةٌ إِلَى تَفْوِيضِ الْأُمُورِ إِلَيْهِ.

١٣ - بَاب اسْتِعْذَابِ الْمَاءِ

٥٦١١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَكْثَرَ أَنْصَارِيٍّ بِالْمَدِينَةِ مَالًا مِنْ نَخْلٍ، وَكَانَ أَحَبُّ مَالِهِ إِلَيْهِ بَيْرُحَاءَ، وَكَانَتْ مُسْتَقْبِلَ الْمَسْجِدِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَدْخُلُهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ. قَالَ أَنَسٌ: فَلَمَّا نَزَلَتْ: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ قَامَ أَبُو طَلْحَةَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ وَإِنَّ أَحَبَّ مَالِي إِلَيَّ بَيْرُحَاءَ، وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ لِلَّهِ، أَرْجُو بِرَّهَا وَذُخْرَهَا عِنْدَ اللَّهِ، فَضَعْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ حَيْثُ أَرَاكَ اللَّهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : بَخٍ! ذَلِكَ مَالٌ رَايحٌ - أَوْ رَابحٌ - شَكَّ عَبْدُ اللَّهِ. وَقَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الْأَقْرَبِينَ. فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبِهِ وَفِي بَنِي عَمِّهِ.

وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ وَيَحْيَى بْنُ يَحْيَى: رَايِحٌ.

قَوْلُهُ: (بَابُ اسْتِعْذَابِ الْمَاءِ) بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ طَلَبِ الْمَاءِ الْعَذْبِ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْحُلْوُ.

ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ أَنَسٍ فِي صَدَقَةِ أَبِي طَلْحَةَ لِقَوْلِهِ فِيهِ: وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ وَقَدْ وَرَدَ فِي خُصُوصِ هَذَا اللَّفْظِ - وَهُوَ اسْتِعْذَابُ الْمَاءِ - حَدِيثُ عَائِشَةَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يُسْتَعْذَبُ لَهُ الْمَاءُ مِنْ بُيُوتِ السُّقْيَا وَالسُّقْيَا بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ، وَبِالْقَافِ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ قَالَ قُتَيْبَةُ: هِيَ عَيْنٌ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ يَوْمَانِ، هَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْهُ بَعْدَ سِيَاقِ الْحَدِيثِ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ، وَفِي قِصَّةِ أَبِي الْهَيْثَمِ بْنِ التَّيِّهَانِ أَنَّ امْرَأَتَهُ قَالَتْ لِلنَّبِيِّ لَمَّا جَاءَهُمْ يَسْأَلُ عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ ذَهَبَ يَسْتَعْذِبُ لَنَا مِنَ الْمَاءِ وَهُوَ عِنْدَ مُسْلِمٍ كَمَا سَأُبَيِّنُهُ بَعْدُ، وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ مِنْ حَدِيثِ سَلْمَى امْرَأَةِ أَبِي رَافِعٍ: كَانَ أَبُو أَيُّوبَ حِينَ نَزَلَ عِنْدَهُ النَّبِيُّ يُسْتَعْذَبُ لَهُ الْمَاءُ مِنْ بِئْرِ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ وَالِدِ أَنَسٍ ثُمَّ كَانَ أَنَسٌ وَهِنْدٌ وَحَارِثَةُ أَبْنَاءُ أَسْمَاءَ يَحْمِلُونَ الْمَاءَ إِلَى بُيُوتِ نِسَائِهِ مِنْ بُيُوتِ السُّقْيَا، وَكَانَ رَبَاحٌ الْأَسْوَدُ عَبْدُهُ يَسْتَقِي لَهُ مِنْ بِئْرِ عُرُسٍ مَرَّةً وَمِنْ بُيُوتِ السُّقْيَا مَرَّةً.

قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: اسْتِعْذَابُ الْمَاءِ لَا يُنَافِي الزُّهْدَ وَلَا يَدْخُلُ فِي التَّرَفُّهِ الْمَذْمُومِ، بِخِلَافِ تَطْيِيبِ الْمَاءِ بِالْمِسْكِ وَنَحْوِهِ، فَقَدْ كَرِهَهُ مَالِكٌ لِمَا فِيهِ مِنَ السَّرَفِ، وَأَمَّا شُرْبُ الْمَاءِ الْحُلْوِ وَطَلَبِهِ فَمُبَاحٌ، فَقَدْ فَعَلَهُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(١٣) هذا (١) (بابُ اسْتِعْذَابِ المَاءِ) أي: طلبُ الماء الحلو.

٥٦١١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) بن قعنبٍ القعنبيُّ الحارثيُّ، أحدُ الأعلام (عَنْ مَالِكٍ) إمام الأئمة (عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ) بن أبي طلحةَ (أَنَّهُ سَمِعَ) عمَّه (أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ) (يَقُولُ: كَانَ أَبُو طَلْحَةَ) زيد الأنصاريُّ (أَكْثَرَ أَنْصَارِيٍّ بِالمَدِينَةِ مَالًا) نصبٌ على التَّمييز (مِنْ نَخْلٍ) الجار للبيان (وَكَانَ أَحَبَّ مَالِهِ إِلَيْهِ بَيْرُحَاءَ) برفع الراء اسمُ كان، وأحبَّ نصب خبرها، أو أحبُّ اسمها وبيرَ خبرها، وحاء بالهمز والمد، ولأبي ذرٍّ بالقصر، واختلف في فتح الموحدة وكسرها، وهل بعدها همزة ساكنة، أو تحتية، أو (٢) غير ذلك ممَّا سبق في «الزَّكاة» [خ¦١٤٦١] فارجع إليه إن أردتَه ففيه ما يكفي ويشفي، وفي «الفائق» أنَّها فَيْعَلا (٣) مِنَ البَرَاح، وهي الأرض الظَّاهرة (٤) (وَكَانَتْ مُسْتَقْبِلَ المَسْجِدِ) وفي رواية أبي ذرٍّ -كـ «الزكاة» -: «مستقبلة المسجد» (وَكَانَ رَسُولُ اللهِ يَدْخُلُهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ) بالجرِّ صفة للمجرورِ (قَالَ أَنَسٌ) : (فَلَمَّا نَزَلَتْ: ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] قَامَ أَبُو طَلْحَةَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ اللهَ) ﷿ (يَقُولُ: ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ﴾) أي: لن (٥) تكونوا أبرارًا محسنين، فكأنَّه (٦) جعلَ البر شيئًا متناولًا مبالغة (﴿حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ وَإِنَّ أَحَبَّ مَالِي) بالإفراد (إِلَيَّ بَيْرُحَاءَ) ولأبي ذرٍّ:

«بيرحا» بالقصرِ (وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ للهِ أَرْجُو بِرَّهَا) خيرَها (وَذُخْرَهَا) بضم الذال وسكون الخاء المعجمتين، أي: أقدمها فأدَّخرها لأجدها (١) (عِنْدَ اللهِ، فَضَعْهَا يَا رَسُولَ اللهِ حَيْثُ أَرَاكَ اللهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ : بَخٍ) فيه لغتان: إسكان الخاء، وكسرها منوَّنة، كلمة يقولها المتعجِّب من الشَّيء، وعند المدح والرِّضا بالشَّيء، وقد تكرَّر للمبالغةِ، فيقال: بخٍ بخٍ (ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ) بالموحدة، ذو ربح (-أَوْ) قال: (رَايِحٌ) بالتحتية بدل الموحدة مِنَ الرَّواح، نقيض الغُدُو، أي: قريب الفائدة يصل نفعه إلى صاحبهِ (شَكَّ عَبْدُ اللهِ-) بن مسلمةَ (وَقَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الأَقْرَبِينَ) فإنَّ أفضلَ البرِّ ما أولي إلى الأقرباء (فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: أَفْعَلُ) برفع اللَّام ذلك (يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبِهِ، وَفِي بَنِي عَمِّهِ) من باب (٢) عطف الخاصِّ على العامِّ (وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ) بنُ أبي أويس ممَّا وصله في «التَّفسير» [خ¦٤٥٥٤] (وَ (٣) يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) أبو زكريا التَّميميُّ الحنظليُّ ممَّا وصلَه في «الوصايا» [خ¦٢٧٦٩] كلاهما عن مالك: (رَايِحٌ) بالمثنَّاة التَّحتية من الرَّواح.

ومطابقةُ الحديث للترجمةِ في قولهِ: «ويشربُ مِن ماءٍ فيها طيِّب». وفي حديث عائشة عندَ أبي داود: «كان رسولُ الله يُستعذبُ له الماءُ من بيوتِ السُّقيا» -بضم السين المهملة وبالقاف والتحتية- عين بينها وبين المدينة يومان، فاستعذابُ الماءِ لا يُنافي الزُّهد، ولا يدخلُ في التَّرفه المذموم. نعم، كرهَ مالكٌ تطييب الماء بنحو المسكِ لما فيه من السَّرف.

وهذا الحديث سبق في «الزَّكاة» [خ¦١٤٦١] و «الوصايا» [خ¦٢٧٦٩] و «الوكالة» [خ¦٢٣١٨] و «التَّفسير» [خ¦٤٥٥٤].

(١٤) (بابُ شَوبِ اللَّبَنِ بِالمَاءِ) بفتح المعجمة وسكون الواو، أي: خلط اللَّبن بالماء، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «شُرْب» بضم الشين والراء (٤) السَّاكنة، بدل: الواو، أي: شرب اللَّبن ممزوجًا بالماءِ البارد كسرًا لحرارته عقب حَلْبِه مع شدَّة حرِّ القُطْر.

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 2 صفر
هلال متزايد اليوم 3.9 / 29.5
الإضاءة 16%
البدر بعد 11 يوم
اللهم صل على محمد