«كَانَ حُذَيْفَةُ بِالْمَدَايِنِ فَاسْتَسْقَى فَأَتَاهُ دُِهْقَانٌ بِقَدَحِ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٥٦٣٢

الحديث رقم ٥٦٣٢ من كتاب «كتاب الأشربة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الشرب في آنية الذهب.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٥٦٣٢ في صحيح البخاري

«كَانَ حُذَيْفَةُ بِالْمَدَايِنِ فَاسْتَسْقَى فَأَتَاهُ دُِهْقَانٌ بِقَدَحِ فِضَّةٍ فَرَمَاهُ بِهِ، فَقَالَ: إِنِّي لَمْ أَرْمِهِ إِلَّا أَنِّي نَهَيْتُهُ، فَلَمْ يَنْتَهِ، وَإِنَّ النَّبِيَّ نَهَانَا عَنِ الْحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ وَالشُّرْبِ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَقَالَ: هُنَّ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا

⦗١١٣⦘

وَهِيَ لَكُمْ فِي الْآخِرَةِ.»

بَابُ آنِيَةِ الْفِضَّةِ

إسناد حديث رقم ٥٦٣٢ من صحيح البخاري

٥٦٣٢ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٥٦٣٢: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

كَسْرُهَا صَارَ مَرِيًّا، وَأَبْرَأُ بِالْهَمْزِ مِنَ الْبَرَاءَةِ أَوْ مِنَ الْبُرْءِ أَيْ يُبْرِئُ مِنَ الْأَذَى وَالْعَطَشِ. وَأَهْنَأُ بِالْهَمْزِ مِنَ الْهَنْءِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يَصِيرُ هَنِيئًا مَرِيًّا بَرِيًّا أَيْ سَالِمًا أَوْ مُبْرِيًا مِنْ مَرَضٍ أَوْ عَطَشٍ أَوْ أَذًى. وَيُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ أَقْمَعُ لِلْعَطَشِ وَأَقْوَى عَلَى الْهَضْمِ وَأَقَلُّ أَثَرًا فِي ضَعْفِ الْأَعْضَاءِ وَبَرْدِ الْمَعِدَةِ. وَاسْتِعْمَالُ أَفْعَلِ التَّفْضِيلِ فِي هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِلْمَرَّتَيْنِ فِي ذَلِكَ مَدْخَلًا فِي الْفَضْلِ الْمَذْكُورِ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ النَّهْيَ عَنِ الشُّرْبِ فِي نَفَسٍ وَاحِدٍ لِلتَّنْزِيهِ، قَالَ الْمُهَلَّبُ: النَّهْيُ عَنِ التَّنَفُّسِ فِي الشُّرْبِ كَالنَّهْيِ عَنْ النَّفْخِ فِي الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ قَدْ يَقَعُ فِيهِ شَيْءٌ مِنَ الرِّيقِ فَيَعَافُهُ الشَّارِبُ وَيَتَقَذَّرُهُ. إِذْ كَانَ التَّقَذُّرُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ عَادَةً غَالِبَةً عَلَى طِبَاعِ أَكْثَرِ النَّاسِ، وَمَحَلُّ هَذَا إِذَا أَكَلَ وَشَرِبَ مَعَ غَيْرِهِ، وَأَمَّا لَوْ أَكَلَ وَحْدَهُ أَوْ مَعَ أَهْلِهِ أَوْ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَتَقَذَّرُ شَيْئًا مِمَّا يَتَنَاوَلُهُ فَلَا بَأْسَ.

قُلْتُ: وَالْأَوْلَى تَعْمِيمُ الْمَنْعِ، لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ مَعَ ذَلِكَ أَنْ تَفْضُلَ فَضْلَةٌ أَوْ يَحْصُلَ التَّقَذُّرُ مِنَ الْإِنَاءِ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ. وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: قَالَ عُلَمَاؤُنَا هُوَ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، وَلَكِنْ يحَرَّمٌ عَلَى الرَّجُلِ أَنْ يُنَاوِلَ أَخَاهُ مَا يَتَقَذَّرُهُ، فَإِنْ فَعَلَهُ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ ثُمَّ جَاءَ غَيْرُهُ فَنَاوَلَهُ إِيَّاهُ فَلْيُعْلِمْهُ، فَإِنْ لَمْ يُعْلِمْهُ فَهُوَ غِشٌّ، وَالْغِشُّ حَرَامٌ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: مَعْنَى النَّهْيِ عَنِ التَّنَفُّسِ فِي الْإِنَاءِ لِئَلَّا يُتَقَذَّرَ بِهِ مِنْ بُزَاقٍ أَوْ رَائِحَةٍ كَرِيهَةٍ تَتَعَلَّقُ بِالْمَاءِ، وَعَلَى هَذَا إِذَا لَمْ يَتَنَفَّسْ يَجُوزُ الشُّرْبُ بِنَفَسٍ وَاحِدٍ، وَقِيلَ: يُمْنَعُ مُطْلَقًا لِأَنَّهُ شُرْبُ الشَّيْطَانِ، قَالَ: وَقَوْلُ أَنَسٍ كان يَتَنَفَّسُ فِي الشُّرْبِ ثَلَاثًا قَدْ جَعَلَهُ بَعْضُهُمْ مُعَارِضًا لِلنَّهْيِ، وَحُمِلَ عَلَى بَيَانِ الْجَوَازِ، وَمِنْهُمْ مَنْ أوْمَأَ إِلَى أَنَّهُ مِنْ خَصَائِصِهِ لِأَنَّهُ كَانَ لَا يَتَقَذَّرُ مِنْهُ شَيْءٌ.

(تَكْمِلَةٌ): أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ كَانَ يَشْرَبُ فِي ثَلَاثَةِ أَنْفَاسٍ، إِذَا أَدْنَى الْإِنَاءَ إِلَى فِيهِ يُسَمِّي اللَّهَ، فَإِذَا أَخَّرَهُ حَمِدَ اللَّهَ، يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلَاثًا وَأَصْلُهُ فِي ابْنِ مَاجَهْ، وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ الْبَزَّارِ، وَالطَّبَرَانِيِّ، وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمُشَارِ إِلَيْهِ قَبْلَ: وَسَمُّوا إِذَا أَنْتُمْ شَرِبْتُمْ، وَاحْمَدُوا إِذَا أَنْتُمْ رَفَعْتُمْ وَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ شَاهِدًا لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَذْكُورِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ فِي الِابْتِدَاءِ وَالِانْتِهَاءِ فَقَطْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٢٧ - بَاب الشُّرْبِ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ

٥٦٣٢ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ الْحَكَمِ، عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: كَانَ حُذَيْفَةُ بِالْمَدَائنِ، فَاسْتَسْقَى، فَأَتَاهُ دِهْقَانٌ بِقَدَحِ فِضَّةٍ، فَرَمَاهُ بِهِ فَقَالَ: إِنِّي لَمْ أَرْمِهِ إِلَّا أَنِّي نَهَيْتُهُ فَلَمْ يَنْتَهِ، وَإِنَّ النَّبِيَّ نَهَانَا عَنْ الْحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ وَالشُّرْبِ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَقَالَ: هُنَّ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا، وهن لَكُمْ فِي الْآخِرَةِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ الشُّرْبِ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ) كَذَا أَطْلَقَ التَّرْجَمَةَ، وَكَأَنَّهُ اسْتَغْنَى عَنْ ذِكْرِ الْحُكْمِ بِمَا صَرَّحَ بِهِ بَعْدُ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ أَنَّ نَهْيَ النَّبِيِّ عَلَى التَّحْرِيمِ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلُ الْإِبَاحَةِ. وَقَدْ وَقَعَ التَّصْرِيحُ فِي حَدِيثِ الْبَابِ بِالنَّهْيِ وَالْإِشَارَةِ إِلَى الْوَعِيدِ عَلَى ذَلِكَ، وَنَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ الْإِجْمَاعَ عَلَى تَحْرِيمِ الشُّرْبِ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ إِلَّا عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ أَحَدِ التَّابِعِينَ فَكَأَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ النَّهْيُ، وَعَنِ الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ وَنَقَلَ عَنْ نَصِّهِ فِي حَرْمَلَةَ أَنَّ النَّهْيَ فِيهِ لِلتَّنْزِيهِ لِأَنَّ عِلَّتَهُ مَا فِيهِ مِنَ التَّشَبُّهِ بِالْأَعَاجِمِ، وَنَصَّ فِي الْجَدِيدِ عَلَى التَّحْرِيمِ، وَمِنَ أَصْحَابِهِ مَنْ قَطَعَ بِهِ عَنْهُ، وَهَذَا اللَّائِقُ بِهِ لِثُبُوتِ الْوَعِيدِ عَلَيْهِ بِالنَّارِ كَمَا سَيَأْتِي فِي الَّذِي يَلِيهِ. وَإِذَا ثَبَتَ مَا نُقِلَ عَنْهُ فَلَعَلَّهُ كَانَ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَهُ الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ،

وَيُؤَيِّدُ وَهْمَ النَّقْلِ أَيْضًا عَنْ نَصِّهِ فِي حَرْمَلَةَ أَنَّ صَاحِبَ التَّقْرِيبِ نَقَلَ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ عَنْ نَصِّهِ فِي حَرْمَلَةَ تَحْرِيمَ اتِّخَاذِ الْإِنَاءِ مِنَ الذَّهَبِ أَوِ الْفِضَّةِ، وَإِذَا حُرِّمَ الِاتِّخَاذُ فَتَحْرِيمُ الِاسْتِعْمَالِ أَوْلَى، وَالْعِلَّةُ الْمُشَارُ إِلَيْهَا لَيْسَتْ مُتَّفَقًا عَلَيْهَا، بَلْ ذَكَرُوا لِلنَّهْيِ عِدَّةَ عِلَلٍ: مِنْهَا مَا فِيهِ مِنْ كَسْرِ قُلُوبِ الْفُقَرَاءِ، أَوْ مِنَ الْخُيَلَاءِ وَالسَّرَفِ، وَمِنْ تَضْيِيقِ النَّقْدَيْنِ.

قَوْلُهُ: (عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى) هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَفِي رِوَايَةِ غُنْدَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الْحَكَمِ سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي لَيْلَى أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ.

قَوْلُهُ: (كَانَ حُذَيْفَةُ بِالْمَدَائِنِ) عِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى كُنْتُ مَعَ حُذَيْفَةَ بِالْمَدَائِنِ وَالْمَدَائِنُ اسْمٌ بِلَفْظٍ جَمْعُ مَدِينَةٍ، وَهُوَ بَلَدٌ عَظِيمٌ عَلَى دِجْلَةَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ بَغْدَادَ سَبْعَةُ فَرَاسِخَ كَانَتْ مَسْكَنَ مُلُوكِ الْفُرْسِ، وَبِهَا إِيوَانُ كِسْرَى الْمَشْهُورُ، وَكَانَ فَتْحُهَا عَلَى يَدِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ سَنَةَ سِتَّ عَشْرَةَ وَقِيلَ: قَبْلَ ذَلِكَ، وَكَانَ حُذَيْفَةُ عَامِلًا عَلَيْهَا فِي خِلَافَةِ عُمَرَ ثُمَّ عُثْمَانَ إِلَى أَنْ مَاتَ بَعْدَ قَتْلِ عُثْمَانَ.

قَوْلُهُ: (فَاسْتَسْقَى فَأَتَاهُ دِهْقَانٌ) بِكَسْرِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَيَجُوزُ ضَمُّهَا بَعْدَهَا هَاءٌ سَاكِنَةٌ ثُمَّ قَافٌ، هُوَ كَبِيرُ الْقَرْيَةِ بِالْفَارِسِيَّةِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ، عَنْ وَكِيعٍ، عَنْ شُعْبَةَ اسْتَسْقَى حُذَيْفَةُ مِنْ دِهْقَانٍ أَوْ عِلْجٍ وَتَقَدَّمَ فِي الْأَطْعِمَةِ مِنْ طَرِيقِ سَيْفٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى أَنَّهُمْ كَانُوا عِنْدَ حُذَيْفَةَ، فَاسْتَسْقَى، فَسَقَاهُ مَجُوسِيٌّ وَلَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ بَعْدَ الْبَحْثِ.

قَوْلُهُ: (بِقَدَحٍ فِضَّةٍ) فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ، عَنْ حَفْصٍ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ بِإِنَاءٍ مِنْ فِضَّةٍ وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُكَيْمٍ كُنَّا عِنْدَ حُذَيْفَةَ فَجَاءَهُ دِهْقَانٌ بِشَرَابٍ فِي إِنَاءٍ مِنْ فِضَّةٍ وَيَأْتِي فِي اللِّبَاسِ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ شُعْبَةَ بِلَفْظِ بِمَاءٍ فِي إِنَاءٍ.

قَوْلُهُ: (فَرَمَاهُ بِهِ) فِي رِوَايَةِ وَكِيعٍ فَحَذَفَهُ بِهِ وَيَأْتِي فِي الَّذِي يَلِيهِ بِلَفْظِ فَرَمَى بِهِ فِي وَجْهِهِ وَلِأَحْمَدَ مِنْ رِوَايَةِ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى مَا يَأْلُوا أَنْ يُصِيبَ بِهِ وَجْهَهُ زَادَ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ وَأَصْلُهُ عِنْدَ مُسْلِمٍ: فَرَمَاهُ بِهِ فَكَسَرَهُ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ: إِنِّي لَمْ أَرْمِهِ إِلَّا أَنِّي نَهَيْتُهُ فَلَمْ يَنْتَهِ) فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ الْمَذْكُورَةِ لَمْ أَكْسِرْهُ إِلَّا أَنِّي نَهَيْتُهُ فَلَمْ يَقْبَلْ وَفِي رِوَايَةِ وَكِيعٍ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى الْقَوْمِ فَاعْتَذَرَ وَفِي رِوَايَةِ يَزِيدَ لَوْلَا أَنِّي تَقَدَّمْتُ إِلَيْهِ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ لَمْ أَفْعَلْ بِهِ هَذَا وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُكَيْمٍ إِنِّي أَمَرْتُهُ أَنْ لَا يَسْقِيَنِي فِيهِ وَيَأْتِي فِي الَّذِي بَعْدَهُ مَزِيدٌ فِيهِ.

قَوْلُهُ: (وَإِنَّ النَّبِيَّ نَهَانَا عَنِ الْحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ) سَيَأْتِي فِي اللِّبَاسِ التَّصْرِيحُ بِبَيَانِ النَّهْيِ عَنْ لُبْسِهِمَا، وَفِيهِ بَيَانُ الدِّيبَاجِ مَا هُوَ.

قَوْلُهُ: (وَالشُّرْبُ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ) وَقَعَ فِي الَّذِي يَلِيهِ بِلَفْظِ: لَا تَشْرَبُوا وَلَا تَلْبَسُوا وَكَذَا عِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الْحَكَمِ، كَذَا وَقَعَ فِي مُعْظَمِ الرِّوَايَاتِ عَنْ حُذَيْفَةَ الِاقْتِصَارُ عَلَى الشُّرْبِ وَوَقَعَ عِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى بِلَفْظِ نَهَى أَنْ يُشْرَبَ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَأَنْ يُؤْكَلَ فِيهَا وَيَأْتِي نَحْوُهُ فِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ: هُنَّ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَهُنَّ لَكُمْ فِي الْآخِرَةِ) كَذَا فِيهِ بِلَفْظِ هُنَّ بِضَمِّ الْهَاءِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ. وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عُمَرَ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ بِلَفْظِ هِيَ بِكَسْرِ الْهَاءِ ثُمَّ التَّحْتَانِيَّةِ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ غُنْدَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، وَوَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ وَأَصْلُهُ فِي مُسْلِمٍ هُوَ أَيْ جَمِيعُ مَا ذَكَرَ. قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: لَيْسَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: فِي الدُّنْيَا إِبَاحَةَ اسْتِعْمَالِهِمْ إِيَّاهُ وَإِنَّمَا الْمَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ لَهُمْ أَيْ هُمُ الَّذِينَ يَسْتَعْمِلُونَهُ مُخَالَفَةً لِزِيِّ الْمُسْلِمِينَ. وَكَذَا قَوْلُهُ وَلَكُمْ فِي الْآخِرَةِ أَيْ تَسْتَعْمِلُونَهُ مُكَافَأَةً لَكُمْ عَلَى تَرْكِهِ فِي الدُّنْيَا، وَيَمْنَعُهُ أُولَئِكَ جَزَاءً لَهُمْ عَلَى مَعْصِيَتِهِمْ بِاسْتِعْمَالِهِ. قُلْتُ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الَّذِي يَتَعَاطَى ذَلِكَ فِي الدُّنْيَا لَا يَتَعَاطَاهُ فِي الْآخِرَةِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي شُرْبِ الْخَمْرِ، وَيَأْتِي مِثْلُهُ فِي لِبَاسِ الْحَرِيرِ، بَلْ وَقَعَ فِي هَذَا بِخُصُوصِهِ مَا سَأُبَيِّنُهُ فِي الَّذِي قَبْلَهُ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(٢٧) (بابُ) حكمِ (الشُّرْبِ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ).

٥٦٣٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ) الحَوْضيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنِ الحَكَمِ) بفتحتين، ابن عُتَيبة -بضم العين وفتح الفوقية- مصغَّرًا (عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى) عبد الرَّحمن أنَّه (قَالَ: كَانَ حُذَيْفَةُ) بن اليمان (بِالمَدَائنِ) مدينة عظيمةٌ على دجلة بينها وبين بغداد سبعة فراسخ بها إيوانُ كسرى (فَاسْتَسْقَى) طلبَ ماءً ليشربَ (فَأَتَاهُ دِهْقَانٌ) بكسر الدال المهملة وسكون الهاء وفتح القاف وبعد الألف نون، كبيرُ القرية بالفارسيَّة، ولم أقفْ على اسمه (بِقَدَحِ فِضَّةٍ) بالإضافةِ (فَرَمَاهُ بِهِ) فكسره (فَقَالَ) مُعتذرًا لمن حضرَه: (إِنِّي لَمْ أَرْمِهِ إِلَّا أَنِّي نَهَيْتُهُ) أن يَسْقيني فيه (فَلَمْ يَنْتَهِ، وَإِنَّ النَّبِيَّ نَهَانَا) نهيَ تحريم (عَنِ) استعمالِ (الحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ) في اللُّبس (١)، والدِّيباجُ: ثيابٌ مُتَّخذةٌ من إبريسم، فارسيٌّ معرَّب (وَ) عن (الشُّرْبِ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ) وعند أحمدَ من طريق مجاهدٍ عن ابنِ أبي ليلى: «نهى أنْ يُشرَبَ في آنيةِ الذَّهب والفضَّة، وأنْ يُؤكلَ فيها» (وَقَالَ) : (هُنَّ) بنون مشددة، ولأبي داود: «هي»، ولمسلم: «هو» أي: ما ذكر (لَهُمْ) أي: للكفَّار كما يدلُّ عليه السِّياق (فِي الدُّنْيَا) يستعملونها مخالفة للمسلمين (وَهْيَ (٢) لَكُمْ) معاشرَ المؤمنين تستعملونها (فِي الآخِرَةِ) مكافأةً لكم على تركِهَا في الدُّنيا، ويمنعها أولئك جزاءً لهم على معصيتهِم باستعمالها، كذا قرَّره الإسماعيليُّ.

وهذا الحديث مرَّ في «باب الأكلِ في إناءٍ مفضضٍ» من «كتاب الأطعمة» [خ¦٥٤٢٦].

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

كَسْرُهَا صَارَ مَرِيًّا، وَأَبْرَأُ بِالْهَمْزِ مِنَ الْبَرَاءَةِ أَوْ مِنَ الْبُرْءِ أَيْ يُبْرِئُ مِنَ الْأَذَى وَالْعَطَشِ. وَأَهْنَأُ بِالْهَمْزِ مِنَ الْهَنْءِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يَصِيرُ هَنِيئًا مَرِيًّا بَرِيًّا أَيْ سَالِمًا أَوْ مُبْرِيًا مِنْ مَرَضٍ أَوْ عَطَشٍ أَوْ أَذًى. وَيُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ أَقْمَعُ لِلْعَطَشِ وَأَقْوَى عَلَى الْهَضْمِ وَأَقَلُّ أَثَرًا فِي ضَعْفِ الْأَعْضَاءِ وَبَرْدِ الْمَعِدَةِ. وَاسْتِعْمَالُ أَفْعَلِ التَّفْضِيلِ فِي هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِلْمَرَّتَيْنِ فِي ذَلِكَ مَدْخَلًا فِي الْفَضْلِ الْمَذْكُورِ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ النَّهْيَ عَنِ الشُّرْبِ فِي نَفَسٍ وَاحِدٍ لِلتَّنْزِيهِ، قَالَ الْمُهَلَّبُ: النَّهْيُ عَنِ التَّنَفُّسِ فِي الشُّرْبِ كَالنَّهْيِ عَنْ النَّفْخِ فِي الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ قَدْ يَقَعُ فِيهِ شَيْءٌ مِنَ الرِّيقِ فَيَعَافُهُ الشَّارِبُ وَيَتَقَذَّرُهُ. إِذْ كَانَ التَّقَذُّرُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ عَادَةً غَالِبَةً عَلَى طِبَاعِ أَكْثَرِ النَّاسِ، وَمَحَلُّ هَذَا إِذَا أَكَلَ وَشَرِبَ مَعَ غَيْرِهِ، وَأَمَّا لَوْ أَكَلَ وَحْدَهُ أَوْ مَعَ أَهْلِهِ أَوْ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَتَقَذَّرُ شَيْئًا مِمَّا يَتَنَاوَلُهُ فَلَا بَأْسَ.

قُلْتُ: وَالْأَوْلَى تَعْمِيمُ الْمَنْعِ، لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ مَعَ ذَلِكَ أَنْ تَفْضُلَ فَضْلَةٌ أَوْ يَحْصُلَ التَّقَذُّرُ مِنَ الْإِنَاءِ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ. وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: قَالَ عُلَمَاؤُنَا هُوَ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، وَلَكِنْ يحَرَّمٌ عَلَى الرَّجُلِ أَنْ يُنَاوِلَ أَخَاهُ مَا يَتَقَذَّرُهُ، فَإِنْ فَعَلَهُ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ ثُمَّ جَاءَ غَيْرُهُ فَنَاوَلَهُ إِيَّاهُ فَلْيُعْلِمْهُ، فَإِنْ لَمْ يُعْلِمْهُ فَهُوَ غِشٌّ، وَالْغِشُّ حَرَامٌ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: مَعْنَى النَّهْيِ عَنِ التَّنَفُّسِ فِي الْإِنَاءِ لِئَلَّا يُتَقَذَّرَ بِهِ مِنْ بُزَاقٍ أَوْ رَائِحَةٍ كَرِيهَةٍ تَتَعَلَّقُ بِالْمَاءِ، وَعَلَى هَذَا إِذَا لَمْ يَتَنَفَّسْ يَجُوزُ الشُّرْبُ بِنَفَسٍ وَاحِدٍ، وَقِيلَ: يُمْنَعُ مُطْلَقًا لِأَنَّهُ شُرْبُ الشَّيْطَانِ، قَالَ: وَقَوْلُ أَنَسٍ كان يَتَنَفَّسُ فِي الشُّرْبِ ثَلَاثًا قَدْ جَعَلَهُ بَعْضُهُمْ مُعَارِضًا لِلنَّهْيِ، وَحُمِلَ عَلَى بَيَانِ الْجَوَازِ، وَمِنْهُمْ مَنْ أوْمَأَ إِلَى أَنَّهُ مِنْ خَصَائِصِهِ لِأَنَّهُ كَانَ لَا يَتَقَذَّرُ مِنْهُ شَيْءٌ.

(تَكْمِلَةٌ): أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ كَانَ يَشْرَبُ فِي ثَلَاثَةِ أَنْفَاسٍ، إِذَا أَدْنَى الْإِنَاءَ إِلَى فِيهِ يُسَمِّي اللَّهَ، فَإِذَا أَخَّرَهُ حَمِدَ اللَّهَ، يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلَاثًا وَأَصْلُهُ فِي ابْنِ مَاجَهْ، وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ الْبَزَّارِ، وَالطَّبَرَانِيِّ، وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمُشَارِ إِلَيْهِ قَبْلَ: وَسَمُّوا إِذَا أَنْتُمْ شَرِبْتُمْ، وَاحْمَدُوا إِذَا أَنْتُمْ رَفَعْتُمْ وَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ شَاهِدًا لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَذْكُورِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ فِي الِابْتِدَاءِ وَالِانْتِهَاءِ فَقَطْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٢٧ - بَاب الشُّرْبِ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ

٥٦٣٢ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ الْحَكَمِ، عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: كَانَ حُذَيْفَةُ بِالْمَدَائنِ، فَاسْتَسْقَى، فَأَتَاهُ دِهْقَانٌ بِقَدَحِ فِضَّةٍ، فَرَمَاهُ بِهِ فَقَالَ: إِنِّي لَمْ أَرْمِهِ إِلَّا أَنِّي نَهَيْتُهُ فَلَمْ يَنْتَهِ، وَإِنَّ النَّبِيَّ نَهَانَا عَنْ الْحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ وَالشُّرْبِ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَقَالَ: هُنَّ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا، وهن لَكُمْ فِي الْآخِرَةِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ الشُّرْبِ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ) كَذَا أَطْلَقَ التَّرْجَمَةَ، وَكَأَنَّهُ اسْتَغْنَى عَنْ ذِكْرِ الْحُكْمِ بِمَا صَرَّحَ بِهِ بَعْدُ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ أَنَّ نَهْيَ النَّبِيِّ عَلَى التَّحْرِيمِ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلُ الْإِبَاحَةِ. وَقَدْ وَقَعَ التَّصْرِيحُ فِي حَدِيثِ الْبَابِ بِالنَّهْيِ وَالْإِشَارَةِ إِلَى الْوَعِيدِ عَلَى ذَلِكَ، وَنَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ الْإِجْمَاعَ عَلَى تَحْرِيمِ الشُّرْبِ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ إِلَّا عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ أَحَدِ التَّابِعِينَ فَكَأَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ النَّهْيُ، وَعَنِ الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ وَنَقَلَ عَنْ نَصِّهِ فِي حَرْمَلَةَ أَنَّ النَّهْيَ فِيهِ لِلتَّنْزِيهِ لِأَنَّ عِلَّتَهُ مَا فِيهِ مِنَ التَّشَبُّهِ بِالْأَعَاجِمِ، وَنَصَّ فِي الْجَدِيدِ عَلَى التَّحْرِيمِ، وَمِنَ أَصْحَابِهِ مَنْ قَطَعَ بِهِ عَنْهُ، وَهَذَا اللَّائِقُ بِهِ لِثُبُوتِ الْوَعِيدِ عَلَيْهِ بِالنَّارِ كَمَا سَيَأْتِي فِي الَّذِي يَلِيهِ. وَإِذَا ثَبَتَ مَا نُقِلَ عَنْهُ فَلَعَلَّهُ كَانَ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَهُ الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ،

وَيُؤَيِّدُ وَهْمَ النَّقْلِ أَيْضًا عَنْ نَصِّهِ فِي حَرْمَلَةَ أَنَّ صَاحِبَ التَّقْرِيبِ نَقَلَ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ عَنْ نَصِّهِ فِي حَرْمَلَةَ تَحْرِيمَ اتِّخَاذِ الْإِنَاءِ مِنَ الذَّهَبِ أَوِ الْفِضَّةِ، وَإِذَا حُرِّمَ الِاتِّخَاذُ فَتَحْرِيمُ الِاسْتِعْمَالِ أَوْلَى، وَالْعِلَّةُ الْمُشَارُ إِلَيْهَا لَيْسَتْ مُتَّفَقًا عَلَيْهَا، بَلْ ذَكَرُوا لِلنَّهْيِ عِدَّةَ عِلَلٍ: مِنْهَا مَا فِيهِ مِنْ كَسْرِ قُلُوبِ الْفُقَرَاءِ، أَوْ مِنَ الْخُيَلَاءِ وَالسَّرَفِ، وَمِنْ تَضْيِيقِ النَّقْدَيْنِ.

قَوْلُهُ: (عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى) هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَفِي رِوَايَةِ غُنْدَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الْحَكَمِ سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي لَيْلَى أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ.

قَوْلُهُ: (كَانَ حُذَيْفَةُ بِالْمَدَائِنِ) عِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى كُنْتُ مَعَ حُذَيْفَةَ بِالْمَدَائِنِ وَالْمَدَائِنُ اسْمٌ بِلَفْظٍ جَمْعُ مَدِينَةٍ، وَهُوَ بَلَدٌ عَظِيمٌ عَلَى دِجْلَةَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ بَغْدَادَ سَبْعَةُ فَرَاسِخَ كَانَتْ مَسْكَنَ مُلُوكِ الْفُرْسِ، وَبِهَا إِيوَانُ كِسْرَى الْمَشْهُورُ، وَكَانَ فَتْحُهَا عَلَى يَدِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ سَنَةَ سِتَّ عَشْرَةَ وَقِيلَ: قَبْلَ ذَلِكَ، وَكَانَ حُذَيْفَةُ عَامِلًا عَلَيْهَا فِي خِلَافَةِ عُمَرَ ثُمَّ عُثْمَانَ إِلَى أَنْ مَاتَ بَعْدَ قَتْلِ عُثْمَانَ.

قَوْلُهُ: (فَاسْتَسْقَى فَأَتَاهُ دِهْقَانٌ) بِكَسْرِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَيَجُوزُ ضَمُّهَا بَعْدَهَا هَاءٌ سَاكِنَةٌ ثُمَّ قَافٌ، هُوَ كَبِيرُ الْقَرْيَةِ بِالْفَارِسِيَّةِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ، عَنْ وَكِيعٍ، عَنْ شُعْبَةَ اسْتَسْقَى حُذَيْفَةُ مِنْ دِهْقَانٍ أَوْ عِلْجٍ وَتَقَدَّمَ فِي الْأَطْعِمَةِ مِنْ طَرِيقِ سَيْفٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى أَنَّهُمْ كَانُوا عِنْدَ حُذَيْفَةَ، فَاسْتَسْقَى، فَسَقَاهُ مَجُوسِيٌّ وَلَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ بَعْدَ الْبَحْثِ.

قَوْلُهُ: (بِقَدَحٍ فِضَّةٍ) فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ، عَنْ حَفْصٍ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ بِإِنَاءٍ مِنْ فِضَّةٍ وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُكَيْمٍ كُنَّا عِنْدَ حُذَيْفَةَ فَجَاءَهُ دِهْقَانٌ بِشَرَابٍ فِي إِنَاءٍ مِنْ فِضَّةٍ وَيَأْتِي فِي اللِّبَاسِ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ شُعْبَةَ بِلَفْظِ بِمَاءٍ فِي إِنَاءٍ.

قَوْلُهُ: (فَرَمَاهُ بِهِ) فِي رِوَايَةِ وَكِيعٍ فَحَذَفَهُ بِهِ وَيَأْتِي فِي الَّذِي يَلِيهِ بِلَفْظِ فَرَمَى بِهِ فِي وَجْهِهِ وَلِأَحْمَدَ مِنْ رِوَايَةِ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى مَا يَأْلُوا أَنْ يُصِيبَ بِهِ وَجْهَهُ زَادَ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ وَأَصْلُهُ عِنْدَ مُسْلِمٍ: فَرَمَاهُ بِهِ فَكَسَرَهُ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ: إِنِّي لَمْ أَرْمِهِ إِلَّا أَنِّي نَهَيْتُهُ فَلَمْ يَنْتَهِ) فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ الْمَذْكُورَةِ لَمْ أَكْسِرْهُ إِلَّا أَنِّي نَهَيْتُهُ فَلَمْ يَقْبَلْ وَفِي رِوَايَةِ وَكِيعٍ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى الْقَوْمِ فَاعْتَذَرَ وَفِي رِوَايَةِ يَزِيدَ لَوْلَا أَنِّي تَقَدَّمْتُ إِلَيْهِ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ لَمْ أَفْعَلْ بِهِ هَذَا وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُكَيْمٍ إِنِّي أَمَرْتُهُ أَنْ لَا يَسْقِيَنِي فِيهِ وَيَأْتِي فِي الَّذِي بَعْدَهُ مَزِيدٌ فِيهِ.

قَوْلُهُ: (وَإِنَّ النَّبِيَّ نَهَانَا عَنِ الْحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ) سَيَأْتِي فِي اللِّبَاسِ التَّصْرِيحُ بِبَيَانِ النَّهْيِ عَنْ لُبْسِهِمَا، وَفِيهِ بَيَانُ الدِّيبَاجِ مَا هُوَ.

قَوْلُهُ: (وَالشُّرْبُ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ) وَقَعَ فِي الَّذِي يَلِيهِ بِلَفْظِ: لَا تَشْرَبُوا وَلَا تَلْبَسُوا وَكَذَا عِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الْحَكَمِ، كَذَا وَقَعَ فِي مُعْظَمِ الرِّوَايَاتِ عَنْ حُذَيْفَةَ الِاقْتِصَارُ عَلَى الشُّرْبِ وَوَقَعَ عِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى بِلَفْظِ نَهَى أَنْ يُشْرَبَ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَأَنْ يُؤْكَلَ فِيهَا وَيَأْتِي نَحْوُهُ فِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ: هُنَّ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَهُنَّ لَكُمْ فِي الْآخِرَةِ) كَذَا فِيهِ بِلَفْظِ هُنَّ بِضَمِّ الْهَاءِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ. وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عُمَرَ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ بِلَفْظِ هِيَ بِكَسْرِ الْهَاءِ ثُمَّ التَّحْتَانِيَّةِ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ غُنْدَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، وَوَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ وَأَصْلُهُ فِي مُسْلِمٍ هُوَ أَيْ جَمِيعُ مَا ذَكَرَ. قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: لَيْسَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: فِي الدُّنْيَا إِبَاحَةَ اسْتِعْمَالِهِمْ إِيَّاهُ وَإِنَّمَا الْمَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ لَهُمْ أَيْ هُمُ الَّذِينَ يَسْتَعْمِلُونَهُ مُخَالَفَةً لِزِيِّ الْمُسْلِمِينَ. وَكَذَا قَوْلُهُ وَلَكُمْ فِي الْآخِرَةِ أَيْ تَسْتَعْمِلُونَهُ مُكَافَأَةً لَكُمْ عَلَى تَرْكِهِ فِي الدُّنْيَا، وَيَمْنَعُهُ أُولَئِكَ جَزَاءً لَهُمْ عَلَى مَعْصِيَتِهِمْ بِاسْتِعْمَالِهِ. قُلْتُ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الَّذِي يَتَعَاطَى ذَلِكَ فِي الدُّنْيَا لَا يَتَعَاطَاهُ فِي الْآخِرَةِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي شُرْبِ الْخَمْرِ، وَيَأْتِي مِثْلُهُ فِي لِبَاسِ الْحَرِيرِ، بَلْ وَقَعَ فِي هَذَا بِخُصُوصِهِ مَا سَأُبَيِّنُهُ فِي الَّذِي قَبْلَهُ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(٢٧) (بابُ) حكمِ (الشُّرْبِ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ).

٥٦٣٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ) الحَوْضيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنِ الحَكَمِ) بفتحتين، ابن عُتَيبة -بضم العين وفتح الفوقية- مصغَّرًا (عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى) عبد الرَّحمن أنَّه (قَالَ: كَانَ حُذَيْفَةُ) بن اليمان (بِالمَدَائنِ) مدينة عظيمةٌ على دجلة بينها وبين بغداد سبعة فراسخ بها إيوانُ كسرى (فَاسْتَسْقَى) طلبَ ماءً ليشربَ (فَأَتَاهُ دِهْقَانٌ) بكسر الدال المهملة وسكون الهاء وفتح القاف وبعد الألف نون، كبيرُ القرية بالفارسيَّة، ولم أقفْ على اسمه (بِقَدَحِ فِضَّةٍ) بالإضافةِ (فَرَمَاهُ بِهِ) فكسره (فَقَالَ) مُعتذرًا لمن حضرَه: (إِنِّي لَمْ أَرْمِهِ إِلَّا أَنِّي نَهَيْتُهُ) أن يَسْقيني فيه (فَلَمْ يَنْتَهِ، وَإِنَّ النَّبِيَّ نَهَانَا) نهيَ تحريم (عَنِ) استعمالِ (الحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ) في اللُّبس (١)، والدِّيباجُ: ثيابٌ مُتَّخذةٌ من إبريسم، فارسيٌّ معرَّب (وَ) عن (الشُّرْبِ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ) وعند أحمدَ من طريق مجاهدٍ عن ابنِ أبي ليلى: «نهى أنْ يُشرَبَ في آنيةِ الذَّهب والفضَّة، وأنْ يُؤكلَ فيها» (وَقَالَ) : (هُنَّ) بنون مشددة، ولأبي داود: «هي»، ولمسلم: «هو» أي: ما ذكر (لَهُمْ) أي: للكفَّار كما يدلُّ عليه السِّياق (فِي الدُّنْيَا) يستعملونها مخالفة للمسلمين (وَهْيَ (٢) لَكُمْ) معاشرَ المؤمنين تستعملونها (فِي الآخِرَةِ) مكافأةً لكم على تركِهَا في الدُّنيا، ويمنعها أولئك جزاءً لهم على معصيتهِم باستعمالها، كذا قرَّره الإسماعيليُّ.

وهذا الحديث مرَّ في «باب الأكلِ في إناءٍ مفضضٍ» من «كتاب الأطعمة» [خ¦٥٤٢٦].

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.9 / 29.5
الإضاءة 10%
البدر بعد 12 يوم
اللهم صل على محمد