«قَدْ رَأَيْتُنِي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَقَدْ حَضَرَتِ الْعَصْرُ، وَلَيْسَ مَعَنَا…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٥٦٣٩

الحديث رقم ٥٦٣٩ من كتاب «كتاب الأشربة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب شرب البركة والماء المبارك.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٥٦٣٩ في صحيح البخاري

«قَدْ رَأَيْتُنِي مَعَ النَّبِيِّ وَقَدْ حَضَرَتِ الْعَصْرُ، وَلَيْسَ مَعَنَا مَاءٌ غَيْرَُ فَضْلَةٍ، فَجُعِلَ فِي إِنَاءٍ فَأُتِيَ النَّبِيُّ بِهِ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهِ وَفَرَّجَ أَصَابِعَهُ، ثُمَّ قَالَ: حَيَّ عَلَى أَهْلِ الْوَضُوءِ، الْبَرَكَةُ مِنَ اللهِ، فَلَقَدْ رَأَيْتُ الْمَاءَ يَتَفَجَّرُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ فَتَوَضَّأَ النَّاسُ وَشَرِبُوا، فَجَعَلْتُ لَا آلُوا مَا جَعَلْتُ فِي بَطْنِي مِنْهُ، فَعَلِمْتُ أَنَّهُ بَرَكَةٌ، قُلْتُ لِجَابِرٍ: كَمْ كُنْتُمْ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: أَلْفًا وَأَرْبَعَمِائَةٍ» تَابَعَهُ عَمْرٌو عَنْ جَابِرٍ وَقَالَ حُصَيْنٌ وَعَمْرُو بْنُ مُرَّةَ عَنْ سَالِمٍ عَنْ جَابِرٍ: خَمْسَ عَشْرَةَ مِائَةً، وَتَابَعَهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ عَنْ جَابِرٍ.

كِتَابُ الطِّبِّ

مَا جَاءَ فِي كَفَّارَةِ الْمَرَضِ وَقَوْلُِ اللهِ تَعَالَى ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾

إسناد حديث رقم ٥٦٣٩ من صحيح البخاري

٥٦٣٩ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ قَالَ: حَدَّثَنِي سَالِمُ بْنُ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ هَذَا الْحَدِيثَ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٥٦٣٩: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

أَنَسٍ.

قَوْلُهُ: (لَا تُغَيِّرَنَّ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالتَّوْكِيدِ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ لَا تُغَيِّرْ بِصِيغَةِ النَّهْيِ بِغَيْرِ تَأْكِيدٍ، وَكَلَامُ أَبِي طَلْحَةَ هَذَا إِنْ كَانَ ابْنُ سِيرِينَ سَمِعَهُ مِنْ أَنَسٍ وَإِلَّا فَيَكُونُ أَرْسَلَهُ عَنْ أَبِي طَلْحَةَ لِأَنَّهُ لَمْ يَلْقَهُ، وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ اتِّخَاذِ ضَبَّةَ الْفِضَّةِ وَكَذَلِكَ السِّلْسِلَةِ وَالْحَلْقَةِ، وَهُوَ أَيْضًا مِمَّا اخْتُلِفَ فِيهِ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: مَنَعَهُ مُطْلَقًا جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَاللَّيْثِ. وَعَنْ مَالِكٍ: يَجُوزُ مِنَ الْفِضَّةِ إِنْ كَانَ يَسِيرًا. وَكَرِهَهُ الشَّافِعِيُّ قَالَ: لِئَلَّا يَكُونَ شَارِبًا عَلَى فِضَّةٍ، فَأَخَذَ بَعْضُهُمْ مِنْهُ أَنَّ الْكَرَاهَةَ تَخْتَصُّ بِمَا إِذَا كَانَتِ الْفِضَّةُ فِي مَوْضِعِ الشُّرْبِ، وَبِذَلِكَ صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ. وَقَالَ بِهِ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ تَبَعًا لِأَبِي عُبَيْدٍ: الْمُفَضَّضُ لَيْسَ هُوَ إِنَاءُ فِضَّةٍ. وَالَّذِي تَقَرَّرَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الضَّبَّةَ إِنْ كَانَتْ مِنَ الْفِضَّةِ وَهِيَ كَبِيرَةٌ لِلزِّينَةِ تَحْرُمُ، أَوْ لِلْحَاجَةِ فَتَجُوزُ مُطْلَقًا، وَتَحْرُمُ ضَبَّةُ الذَّهَبِ مُطْلَقًا. وَمِنْهُمْ مَنْ سَوَّى بَيْنَ ضَبَّتَيِ الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ.

وَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَالْحَاكِمُ، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ زَكَرِيَّا بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُطِيعٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِنَحْوِ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ، وَزَادَ فِيهِ أَوْ فِي إِنَاءٍ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ مَعْلُولٌ بِجَهَالَةِ حَالِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُطِيعٍ وَوَلَدِهِ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: الصَّوَابُ مَا رَوَاهُ عُبَيْدُ اللَّهِ الْعُمَرِيُّ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَوْقُوفًا أَنَّهُ كَانَ لَا يَشْرَبُ فِي قَدَحٍ فِيهِ ضَبَّةُ فِضَّةٍ وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ عَطِيَّةَ أَنَّ النَّبِيَّ نَهَى عَنْ لُبْسِ الذَّهَبِ وَتَفْضِيضِ الْأَقْدَاحِ، ثُمَّ رَخَّصَ فِي تَفْضِيضِ الْأَقْدَاحِ وَهَذَا لَوْ ثَبَتَ لَكَانَ حُجَّةً فِي الْجَوَازِ، لَكِنْ فِي سَنَدِهِ مَنْ لَا يُعْرَفُ. وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ أَوْ إِنَاءٍ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ عَلَى تَحْرِيمِ الْإِنَاءِ مِنَ النُّحَاسِ أَوِ الْحَدِيدِ الْمَطْلِيِّ بِالذَّهَبِ أَوِ الْفِضَّةِ، وَالصَّحِيحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ إِنْ كَانَ يَحْصُلُ مِنْهُ بِالْعَرْضِ عَلَى النَّارِ حُرِّمَ، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا لَا، وَفِي الْعَكْسِ وَجْهَانِ كَذَلِكَ، وَلَوْ غُلِّفَ إِنَاءُ الذَّهَبِ أَوِ الْفِضَّةِ بِالنُّحَاسِ مَثَلًا ظَاهِرًا وَبَاطِنًا فَكَذَلِكَ. وَجَزَمَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ كَحَشْوِ الْجُبَّةِ الَّتِي مِنَ الْقُطْنِ مَثَلًا بِالْحَرِيرِ، وَاسْتُدِلَّ بِجَوَازِ اتِّخَاذِ السَّلْسَلَةِ وَالْحَلْقَةِ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُتَّخَذَ لِلْإِنَاءِ رَأْسٌ مُنْفَصِلٌ عَنْهُ، وَهَذَا مَا نَقَلَهُ الْمُتَوَلِّي، وَالْبَغَوِيُّ، وَالْخُوَارِزْمِيُّ، وَقَالَ الرَّافِعِيُّ: فِيهِ نَظَرٌ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: يَنْبَغِي أَنْ يُجْعَلَ كَالتَّضْبِيبِ وَيَجْرِي فِيهِ الْخِلَافُ وَالتَّفْصِيلُ.

وَاخْتَلَفُوا فِي ضَابِطِ الصِّغَرِ فِي ذَلِكَ فَقِيلَ: الْعُرْفُ وَهُوَ الْأَصَحُّ، وَقِيلَ: مَا يَلْمَعُ عَلَى بُعْدٍ كَبِيرٍ وَمَا لَا فَصَغِيرٌ، وَقِيلَ: مَا اسْتَوْعَبَ جُزْءًا مِنَ الْإِنَاءِ كَأَسْفَلِهِ أَوْ عُرْوَتِهِ أَوْ شَفَتِهِ كَبِيرًا، وَمَا لَا فَلَا. وَمَتَى شَكَّ فَالْأَصْلُ الْإِبَاحَةُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٣١ - شُرْبِ الْبَرَكَةِ وَالْمَاءِ الْمُبَارَكِ

٥٦٣٩ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ الْأَعْمَشِ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَالِمُ بْنُ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ هَذَا الْحَدِيثَ قَالَ: رَأَيْتُنِي مَعَ النَّبِيِّ ، وَقَدْ حَضَرَتْ الْعَصْرُ، وَلَيْسَ مَعَنَا مَاءٌ غَيْرَ فَضْلَةٍ، فَجُعِلَ فِي إِنَاءٍ، فَأُتِيَ النَّبِيُّ بِهِ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهِ وَفَرَّجَ أَصَابِعَهُ، ثُمَّ قَالَ: حَيَّ عَلَى أَهْلِ الْوُضُوءِ، الْبَرَكَةُ مِنْ اللَّهِ، فَلَقَدْ رَأَيْتُ الْمَاءَ يَتَفَجَّرُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ. فَتَوَضَّأَ النَّاسُ وَشَرِبُوا، فَجَعَلْتُ لَا آلُو مَا جَعَلْتُ فِي بَطْنِي مِنْهُ، فَعَلِمْتُ أَنَّهُ بَرَكَةٌ. قُلْتُ لِجَابِرٍ: كَمْ كُنْتُمْ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: أَلْفًا وَأَرْبَعَمِائَةٍ. تَابَعَهُ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ عَنْ جَابِرٍ، وَقَالَ حُصَيْنٌ وَعَمْرُو بْنُ مُرَّةَ عَنْ سَالِمٍ عَنْ جَابِرٍ خَمْسَ عَشْرَةَ مِائَةً. وَتَابَعَهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ عَنْ جَابِرٍ.

قَوْلُهُ: (بَابُ شُرْبِ الْبَرَكَةِ، وَالْمَاءُ الْمُبَارَكُ) قَالَ الْمُهَلَّبُ: سُمِّيَ الْمَاءُ بَرَكَةً؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ إِذَا كَانَ مُبَارَكًا فِيهِ يُسَمَّى بَرَكَةً.

قَوْلُهُ: (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) فِي رِوَايَةِ حُصَيْنٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ سَمِعْتُ جَابِرًا وَقَدْ تَقَدَّمَتْ فِي الْمَغَازِي.

قَوْلُهُ: (قَدْ رَأَيْتُنِي) بِضَمِّ التَّاءِ، وَفِيهِ نَوْعُ تَجْرِيدٍ.

قَوْلُهُ: (وَحَضَرَتِ الْعَصْرُ) أَيْ وَقْتَ صَلَاتِهَا، وَالْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ قَالَ: حَيَّ عَلَى أَهْلِ الْوُضُوءِ) كَذَا وَقَعَ لِلْأَكْثَرِ، وَفِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ حَيَّ عَلَى الْوُضُوءِ بِإِسْقَاطِ لَفْظِ أَهْلٍ وَهِيَ أَصْوَبُ، وَقَدْ وُجِّهَتْ عَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهَا بِأَنْ يَكُونَ أَهْلُ بِالنَّصْبِ عَلَى النِّدَاءِ بِحَذْفِ حَرْفِ النِّدَاءِ كَأَنَّهُ قَالَ: حَيَّ عَلَى الْوُضُوءِ الْمُبَارَكِ يَا أَهْلَ الْوُضُوءِ، كَذَا قَالَ عِيَاضٌ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْمَجْرُورَ بِعَلَى غَيْرُ مَذْكُورٍ، وَقَالَ غَيْرُهُ: الصَّوَابُ حَيَّ هَلًا عَلَى الْوُضُوءِ الْمُبَارَكِ، فَتَحَرَّفَ لَفْظُ هَلًا فَصَارَتْ أَهْلُ وَحُوِّلَتْ عَنْ مَكَانِهَا، وَحَيَّ اسْمُ فِعْلٍ لِلْأَمْرِ بِالْإِسْرَاعِ، وَتُفْتَحُ لِسُكُونِ مَا قَبْلَهَا مِثْلَ لَيْتَ وَهَلًا بِتَخْفِيفِ اللَّامِ وَالتَّنْوِينِ كَلِمَةُ اسْتِعْجَالٍ.

قَوْلُهُ: (فَجَعَلْتُ لَا آلُو) بِالْمَدِّ وَتَخْفِيفِ اللَّامِ الْمَضْمُومَةِ أَيْ لَا أُقَصِّرُ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ جَعَلَ يَسْتَكْثِرُ مِنْ شُرْبِهِ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ لِأَجْلِ الْبَرَكَةِ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا سَرَفَ وَلَا شَرَهَ فِي الطَّعَامِ أَوِ الشَّرَابِ الَّذِي تَظْهَرُ فِيهِ الْبَرَكَةُ بِالْمُعْجِزَةِ، بَلْ يُسْتَحَبُّ الِاسْتِكْثَارُ مِنْهُ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: فِي تَرْجَمَةِ الْبُخَارِيِّ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ يُغْتَفَرُ فِي الشُّرْبِ مِنْهُ الْإِكْثَارُ دُونَ الْمُعْتَادِ الَّذِي وَرَدَ بِاسْتِحْبَابِ جَعْلِ الثُّلُثِ لَهُ، وَلِئَلَّا يُظَنُّ أَنَّ الشُّرْبَ مِنْ غَيْرِ عَطَشٍ مَمْنُوعٌ، فَإِنَّ فِعْلَ جَابِرٍ مَا ذَكَرَ دَالٌ عَلَى أَنَّ الْحَاجَةَ إِلَى الْبَرَكَةِ أَكْثَرُ مِنَ الْحَاجَةِ إِلَى الرِّيِّ، وَالظَّاهِرُ اطِّلَاعُ النَّبِيِّ عَلَى ذَلِكَ وَلَوْ كَانَ مَمْنُوعًا لَنَهَاهُ.

قَوْلُهُ: (فَقُلْتُ لِجَابِرٍ) الْقَائِلُ هُوَ سَالِمُ بْنُ أَبِي الْجَعْدِ رَاوِيهِ عَنْهُ.

قَوْلُهُ: (كَمْ كُنْتُمْ يَوْمئِذٍ؟ قَالَ: أَلْفٌ وَأَرْبَعُمِائَةٍ) كَذَا لَهُمْ بِالرَّفْعِ، وَالتَّقْدِيرُ نَحْنُ يَوْمئِذٍ أَلْفٌ وَأَرْبَعُمِائَةٍ، وَيَجُوزُ النَّصْبُ عَلَى خَبَرِ كَانَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ الِاخْتِلَافِ عَلَى جَابِرٍ فِي عَدَدِهِمْ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ فِي بَابِ غَزْوَةِ الْحُدَيْبِيَةِ مِنَ الْمَغَازِي، وَبَيَّنْتُ هُنَاكَ أَنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ كَانَتْ هُنَاكَ، وَتَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْ شَرْحِ الْمَتْنِ فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ.

قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرٍ) وَصَلَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْفَتْحِ مُخْتَصَرًا كُنَّا يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ أَلْفًا وَأَرْبَعَمِائَةٍ وَهَذَا الْقَدْرُ هُوَ مَقْصُودُهُ بِالْمُتَابَعَةِ الْمَذْكُورَةِ لَا جَمِيعُ سِيَاقِ الْحَدِيثِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ حُصَيْنٌ، وَعَمْرُو بْنُ مُرَّةَ، عَنْ سَالِمٍ) هُوَ ابْنُ أَبِي الْجَعْدِ (خَمْسَ عَشْرَةَ مِائَةٍ) أَمَّا رِوَايَةُ حُصَيْنٍ فَوَصَلَهَا الْمُؤَلِّفُ فِي الْمَغَازِي، وَأَمَّا رِوَايَةُ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ فَوَصَلَهَا مُسْلِمٌ، وَأَحْمَدُ بِلَفْظِ أَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ هَذَا الِاخْتِلَافِ عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُمْ كَانُوا زِيَادَةً عَلَى أَلْفٍ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، فَمَنِ اقْتَصَرَ عَلَيْهَا أَلْغَى الْكَسْرَ، وَمَنْ قَالَ أَلْفٌ وَخَمْسُمِائَةٍ جَبَرَهُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ بَسْطُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْمَغَازِي، وَبَيَانُ تَوْجِيهِ مَنْ قَالَ أَلْفٌ وَثَلَثُمِائَةٍ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. (خَاتِمَةٌ)

اشْتَمَلَ كِتَابُ الْأَشْرِبَةِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ عَلَى أَحَدٍ وَتِسْعِينَ حَدِيثًا، الْمُعَلَّقِ مِنْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ طَرِيقًا وَالْبَاقِي مَوْصُولٌ، الْمُكَرَّرُ مِنْهَا فِيهِ وَفِيمَا مَضَى سَبْعُونَ طَرِيقًا وَالْبَاقِي خَالِصٌ، وَافَقَهُ مُسْلِمٌ عَلَى تَخْرِيجِهَا سِوَى حَدِيثِ أَبِي مَالِكٍ، وَأَبِي عَامِرٍ فِي الْمَعَازِفِ، وَحَدِيثِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى فِي الْجَرِّ الْأَخْضَرِ، وَحَدِيثِ أَنَسٍ فِي الْأَقْدَاحِ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ وَهُوَ مُعَلَّقٌ، وَحَدِيثِ جَابِرٍ فِي الْكَرْعِ، وَحَدِيثِ عَلِيٍّ فِي الشُّرْبِ قَائِمًا، وَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي النَّهْيِ عَنِ الشُّرْبِ مِنْ فَمِ السِّقَاءِ، وَحَدِيثِ أَبِي طَلْحَةَ فِي قَدَحِ النَّبِيِّ . وَفِيهِ مِنَ الْآثَارِ عَنِ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ أَرْبَعَةَ عَشَرَ أَثَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

الكبيرةُ ما تستوعب جانبًا من الإناء كشفةٍ وأذن، والصَّغيرة دون ذلك، فإن شكَّ في الكُبْرِ فالأصل الإباحةُ، قاله في «شرح المهذب». والمراد بالحاجةِ: غرضُ الإصلاح دون التَّزيين، ولا يُعتبر العجز عن غير الذَّهب والفضَّة لأنَّ العجز عن غيرهما يبيحُ استعمالَ الإناء الَّذي كله ذهب أو فضة فضلًا عن المضبَّب.

وهذا الحديث قد سبقَ منه قطعة (١) في «باب ما جاء في درع النَّبيِّ » مِنْ «كتاب الجهاد» [خ¦٣١٠٩].

(٣١) (بابُ شُرْبِ البَرَكَةِ وَالمَاءِ المُبَارَكِ) قال العينيُّ: أراد بالبركةِ: الماء. وقال المهلَّبُ فيما نقلَه عنه في «فتح الباري»: سُمِّي الماء بركة لأنَّ الشَّيء إذا (٢) كان مباركًا فيه يُسمَّى بركةً. وزاد الكِرمانيُّ فقال: كما قال أيُّوب: لا غِنى لي عن بركتكَ، فسمَّى الذَّهب بركة.

٥٦٣٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) البلخيُّ قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) هو ابنُ عبد الحميد (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بنِ مهران (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (سَالِمُ بْنُ أَبِي الجَعْدِ) الأشجعيُّ مَولاهم، الكوفيُّ (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ هَذَا الحَدِيثَ) قال الكِرمانيُّ: أشارَ إلى الَّذي بعدَه

(قَالَ: قَدْ رَأَيْتُنِي) أي: رأيتُ نفسِي (مَعَ النَّبِيِّ وَقَدْ) أي: والحال أن (١) قد (حَضَرَتِ العَصْرُ) أي: صَلاتها (وَلَيْسَ مَعَنَا مَاءٌ غَيْرَ فَضْلَةٍ فَجُعِلَ) ما فضل (فِي إِنَاءٍ فَأُتِيَ النَّبِيُّ بِهِ) بضم همزة فأُتِي وكسر الفوقية (فَأَدْخَلَ يَدَهُ) الكريمة (فِيهِ وَفَرَّجَ أَصَابِعَهُ، ثُمَّ قَالَ: حَيَّ عَلَى أَهْلِ الوَضُوءِ) بفتح الواو (البَرَكَةُ مِنَ اللهِ) أي: هذا الَّذي ترونه من زيادةِ الماء إنَّما هو من فضلِ الله وبركتهِ (٢) ليسَ مني، وهو الموجدُ للأشياءِ لا غيره، وللنَّسفيِّ: «على الوضوء» بإسقاط لفظ: «أهل» قال في «الفتح» و «العمدة» و «التنقيح»: وهو أصوبُ، كما في الحديث الآخر: «حيَّ على الطَّهور المبارك». وتعقَّبه في «المصابيح» فقال: كلٌّ صواب فإنَّ (٣) حيَّ بمعنى: أقبل، فإن كان المخاطبُ المأمور بالإقبالِ هو الَّذي يريدُ به الطَّهور كان سقوطُ «أهل» صوابًا، أي: أَقْبِلْ أيُّها المريد للتَّطهر (٤) على الماء الطَّهور، وإن جعلنا المخاطب هو الماء الَّذي أراد النَّبيُّ انبعاثه وتفجره من بين أصابعهِ نزَّله (٥) منزلةَ المخاطب تجوزًا فإثبات «أهل» صوابٌ، أي: أقبل أيُّها الماء الطَّهور على أهل الوضوء (٦)، ووجه القاضِي هذه الرِّواية: بأن يكون أهل منصوبًا على النِّداء بحذف حرف النِّداء كأنَّه قال: حيَّ على الوضوءِ المبارك يا أهل الوضوء، لكن يلزمُ عليه حذف المجرور وبقاء حرفِ الجرِّ غير داخلٍ في اللَّفظ على (٧) مَعموله وهو باطلٌ، ولا أعلم أحدًا أجازه، وقيل: الصَّواب: حيَّ هلا على الوضوء المبارك، فتحرفت (٨) لفظة (٩) أهل وحوِّلت عن مكانها. وحي: اسم فعل للأمر بالإسراعِ، وتفتح لسكون ما قبلها، وهلًا: بتخفيف اللام وتنوينها، كلمة استعجالٍ. وقال الكِرمانيُّ: وفي بعضها: حيَّ عليَّ -بتشديد الياء- وأهل الوضوءِ: منادى محذوف منه حرف النِّداء.

قال جابر: (فَلَقَدْ رَأَيْتُ المَاءَ يَتَفَجَّرُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ) من نفسها أو من بينها لا من نفسها (١) وكلاهما معجزةٌ عظيمةٌ، والأول أقعدُ في المعجزةِ كما لا يخفى (فَتَوَضَّأَ النَّاسُ) من ذلك الماء (وَشَرِبُوا) منه. قال جابر: (فَجَعَلْتُ لَا آلُو مَا جَعَلْتُ فِي بَطْنِي مِنْهُ، فَعَلِمْتُ أَنَّهُ بَرَكَةٌ) آلو بالمدِّ وتخفيف اللام المضمومة، أي: لا أقصر، والمعنى: إنَّه جعل يستكثر من شربهِ من ذلك الماء لأجلِ البركةِ، وشرب البركةِ يُغْتفر فيه الإكثار لا كالشُّرب (٢) المعتاد الَّذي ورد أن (٣) يجعلَ له الثُّلث، فلأجلِ ذلك أَكْثَرَ وإن كان فوق الرِّي. قال سالمُ بن أبي الجعد: (قُلْتُ لِجَابِرٍ: كَمْ كُنْتُمْ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: أَلْفًا) أي: كنَّا ألفًا (وَأَرْبَعَ مِئَةٍ) وللأكثرين -كما في «الفتح» وغيره-: «ألفٌ» بالرفع، أي: ونحن يومئذٍ ألف (تَابَعَهُ) أي: تابع سالمًا (عَمْرُو بْنُ دِيْنَارٍ، عَنْ جَابِرٍ) وثبت: «بنُ دينار» لأبي الوقتِ، وهذه المتابعةُ وصلها المؤلِّف في «سورة الفتح» مختصرًا بلفظ: «كنَّا يوم الحديبية ألفًا وأربع مئة» [خ¦٤٨٤٠]. قال الحافظُ ابن حجرٍ: وهذا القدر هو مقصودُه (٤) بالمتابعةِ لا جميع سياق الحديث.

(وَقَالَ حُصَيْنٌ) بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين، فيما وصلَه المؤلِّف في «المغازِي» [خ¦٤١٥٢] (وَعَمْرُو بْنُ مُرَّةَ) بفتح العين، ومُرَّة -بضم الميم وتشديد الراء المفتوحة- الجهنيُّ، فيما وصلَه مسلمٌ وأحمد كلاهما (عَنْ سَالِمٍ) هو ابنُ أبي الجعد (عَنْ جَابِرٍ: خَمْسَ عَشْرَةَ مِئَةً، وَتَابَعَهُ) أيضًا (سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، عَنْ جَابِرٍ) قال الكِرمانيُّ: فإن قلتَ: القياس أن يقال: ألف وخمس مئة، وأجابَ بأنَّه أرادَ الإشارة إلى عدد الفِرَقِ وأنَّ كلَّ فِرْقةٍ مئة، وفي التَّفصيل زيادةُ تقريرٍ لكثرةِ الشَّاربين، فهو أقوى في بيان كونهِ خارقًا للعادةِ، كما أنَّ خروج الماء من اللَّحم أخرق لها من (٥) خروجهِ من الحجرِ الَّذي ضربهُ موسى .

هذا آخر الربع الثَّالث من «صحيح البخاري» فيما ضبطَه المعتنونَ بشأن البخاريِّ فيما نقلَه في «الكواكب الدَّراري».

((٧٥)) (بسم الله الرحمن الرحيم، كِتَابُ المَرْضَى و (١) الطِّبِّ).

(١) (بابُ مَا جَاءَ فِي كَفَّارَةِ المَرَضِ) ولأبي ذرٍّ -كما في الفرع- «كتاب المرضى». وقال في «الفتح»: «كتاب المرضى، باب ما جاءَ في كفَّارة المرض» كذا لهم إلَّا أنَّ البسملةَ سقطَتْ لأبي ذرٍّ، وخالفَهم النَّسفي فلم يُفرِد «كتاب المرضَى» من «كتاب الطِّب»، بل صدَّر بـ «كتاب الطِّبِّ» ثمَّ بسمل ثمَّ ذكر «باب ما جاءَ في كفَّارة المرض»، واستمرَّ على ذلك إلى آخر كتاب الطِّبِّ ولكلٍّ وجه، والمرضى: جمع: مريض، والمرض: خروجُ الجسم عن المجرى الطَّبيعي، ويعبَّر عنه بأنَّه حالةٌ تصدر بها (٢) الأفعال خارجة عن الموضوع لها غير سليمة. والكفَّارة: صيغةُ مبالغةٍ من الكَفرِ وهو التَّغطية، ومعناهُ: أنَّ ذنوبَ المؤمن تتغطَّى بما يقعُ له من ألم المرضِ، وقوله: «كفَّارة المرضِ» هو من الإضافةِ إلى الفاعلِ، وأسندَ التَّكفير للمرض لكونه سببهُ. وقال في «الكواكب»: الإضافةُ بيانيَّة كنحو: شجر الأراك أي: كفَّارة هي مرض، أو الإضافة بمعنى في كأنَّ المرض ظرفٌ للكفَّارة، بل (٣) هو من بابِ إضافةِ الصِّفة إلى الموصوفِ، وبهذا يُجاب عن استشْكَال أنَّ المرضَ ليست له كفَّارة بل هو الكفَّارة نفسها لغيرهِ.

(وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) في سورة النساء: (﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣]) استدلَّ بهذه الآية المعتزلةُ على أنَّه تعالى لا يعفو عن شيءٍ من السَّيِّئات. وأُجيب بأنَّه يجوز أن يكون المرادُ من

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

أَنَسٍ.

قَوْلُهُ: (لَا تُغَيِّرَنَّ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالتَّوْكِيدِ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ لَا تُغَيِّرْ بِصِيغَةِ النَّهْيِ بِغَيْرِ تَأْكِيدٍ، وَكَلَامُ أَبِي طَلْحَةَ هَذَا إِنْ كَانَ ابْنُ سِيرِينَ سَمِعَهُ مِنْ أَنَسٍ وَإِلَّا فَيَكُونُ أَرْسَلَهُ عَنْ أَبِي طَلْحَةَ لِأَنَّهُ لَمْ يَلْقَهُ، وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ اتِّخَاذِ ضَبَّةَ الْفِضَّةِ وَكَذَلِكَ السِّلْسِلَةِ وَالْحَلْقَةِ، وَهُوَ أَيْضًا مِمَّا اخْتُلِفَ فِيهِ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: مَنَعَهُ مُطْلَقًا جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَاللَّيْثِ. وَعَنْ مَالِكٍ: يَجُوزُ مِنَ الْفِضَّةِ إِنْ كَانَ يَسِيرًا. وَكَرِهَهُ الشَّافِعِيُّ قَالَ: لِئَلَّا يَكُونَ شَارِبًا عَلَى فِضَّةٍ، فَأَخَذَ بَعْضُهُمْ مِنْهُ أَنَّ الْكَرَاهَةَ تَخْتَصُّ بِمَا إِذَا كَانَتِ الْفِضَّةُ فِي مَوْضِعِ الشُّرْبِ، وَبِذَلِكَ صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ. وَقَالَ بِهِ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ تَبَعًا لِأَبِي عُبَيْدٍ: الْمُفَضَّضُ لَيْسَ هُوَ إِنَاءُ فِضَّةٍ. وَالَّذِي تَقَرَّرَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الضَّبَّةَ إِنْ كَانَتْ مِنَ الْفِضَّةِ وَهِيَ كَبِيرَةٌ لِلزِّينَةِ تَحْرُمُ، أَوْ لِلْحَاجَةِ فَتَجُوزُ مُطْلَقًا، وَتَحْرُمُ ضَبَّةُ الذَّهَبِ مُطْلَقًا. وَمِنْهُمْ مَنْ سَوَّى بَيْنَ ضَبَّتَيِ الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ.

وَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَالْحَاكِمُ، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ زَكَرِيَّا بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُطِيعٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِنَحْوِ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ، وَزَادَ فِيهِ أَوْ فِي إِنَاءٍ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ مَعْلُولٌ بِجَهَالَةِ حَالِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُطِيعٍ وَوَلَدِهِ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: الصَّوَابُ مَا رَوَاهُ عُبَيْدُ اللَّهِ الْعُمَرِيُّ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَوْقُوفًا أَنَّهُ كَانَ لَا يَشْرَبُ فِي قَدَحٍ فِيهِ ضَبَّةُ فِضَّةٍ وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ عَطِيَّةَ أَنَّ النَّبِيَّ نَهَى عَنْ لُبْسِ الذَّهَبِ وَتَفْضِيضِ الْأَقْدَاحِ، ثُمَّ رَخَّصَ فِي تَفْضِيضِ الْأَقْدَاحِ وَهَذَا لَوْ ثَبَتَ لَكَانَ حُجَّةً فِي الْجَوَازِ، لَكِنْ فِي سَنَدِهِ مَنْ لَا يُعْرَفُ. وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ أَوْ إِنَاءٍ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ عَلَى تَحْرِيمِ الْإِنَاءِ مِنَ النُّحَاسِ أَوِ الْحَدِيدِ الْمَطْلِيِّ بِالذَّهَبِ أَوِ الْفِضَّةِ، وَالصَّحِيحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ إِنْ كَانَ يَحْصُلُ مِنْهُ بِالْعَرْضِ عَلَى النَّارِ حُرِّمَ، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا لَا، وَفِي الْعَكْسِ وَجْهَانِ كَذَلِكَ، وَلَوْ غُلِّفَ إِنَاءُ الذَّهَبِ أَوِ الْفِضَّةِ بِالنُّحَاسِ مَثَلًا ظَاهِرًا وَبَاطِنًا فَكَذَلِكَ. وَجَزَمَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ كَحَشْوِ الْجُبَّةِ الَّتِي مِنَ الْقُطْنِ مَثَلًا بِالْحَرِيرِ، وَاسْتُدِلَّ بِجَوَازِ اتِّخَاذِ السَّلْسَلَةِ وَالْحَلْقَةِ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُتَّخَذَ لِلْإِنَاءِ رَأْسٌ مُنْفَصِلٌ عَنْهُ، وَهَذَا مَا نَقَلَهُ الْمُتَوَلِّي، وَالْبَغَوِيُّ، وَالْخُوَارِزْمِيُّ، وَقَالَ الرَّافِعِيُّ: فِيهِ نَظَرٌ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: يَنْبَغِي أَنْ يُجْعَلَ كَالتَّضْبِيبِ وَيَجْرِي فِيهِ الْخِلَافُ وَالتَّفْصِيلُ.

وَاخْتَلَفُوا فِي ضَابِطِ الصِّغَرِ فِي ذَلِكَ فَقِيلَ: الْعُرْفُ وَهُوَ الْأَصَحُّ، وَقِيلَ: مَا يَلْمَعُ عَلَى بُعْدٍ كَبِيرٍ وَمَا لَا فَصَغِيرٌ، وَقِيلَ: مَا اسْتَوْعَبَ جُزْءًا مِنَ الْإِنَاءِ كَأَسْفَلِهِ أَوْ عُرْوَتِهِ أَوْ شَفَتِهِ كَبِيرًا، وَمَا لَا فَلَا. وَمَتَى شَكَّ فَالْأَصْلُ الْإِبَاحَةُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٣١ - شُرْبِ الْبَرَكَةِ وَالْمَاءِ الْمُبَارَكِ

٥٦٣٩ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ الْأَعْمَشِ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَالِمُ بْنُ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ هَذَا الْحَدِيثَ قَالَ: رَأَيْتُنِي مَعَ النَّبِيِّ ، وَقَدْ حَضَرَتْ الْعَصْرُ، وَلَيْسَ مَعَنَا مَاءٌ غَيْرَ فَضْلَةٍ، فَجُعِلَ فِي إِنَاءٍ، فَأُتِيَ النَّبِيُّ بِهِ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهِ وَفَرَّجَ أَصَابِعَهُ، ثُمَّ قَالَ: حَيَّ عَلَى أَهْلِ الْوُضُوءِ، الْبَرَكَةُ مِنْ اللَّهِ، فَلَقَدْ رَأَيْتُ الْمَاءَ يَتَفَجَّرُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ. فَتَوَضَّأَ النَّاسُ وَشَرِبُوا، فَجَعَلْتُ لَا آلُو مَا جَعَلْتُ فِي بَطْنِي مِنْهُ، فَعَلِمْتُ أَنَّهُ بَرَكَةٌ. قُلْتُ لِجَابِرٍ: كَمْ كُنْتُمْ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: أَلْفًا وَأَرْبَعَمِائَةٍ. تَابَعَهُ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ عَنْ جَابِرٍ، وَقَالَ حُصَيْنٌ وَعَمْرُو بْنُ مُرَّةَ عَنْ سَالِمٍ عَنْ جَابِرٍ خَمْسَ عَشْرَةَ مِائَةً. وَتَابَعَهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ عَنْ جَابِرٍ.

قَوْلُهُ: (بَابُ شُرْبِ الْبَرَكَةِ، وَالْمَاءُ الْمُبَارَكُ) قَالَ الْمُهَلَّبُ: سُمِّيَ الْمَاءُ بَرَكَةً؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ إِذَا كَانَ مُبَارَكًا فِيهِ يُسَمَّى بَرَكَةً.

قَوْلُهُ: (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) فِي رِوَايَةِ حُصَيْنٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ سَمِعْتُ جَابِرًا وَقَدْ تَقَدَّمَتْ فِي الْمَغَازِي.

قَوْلُهُ: (قَدْ رَأَيْتُنِي) بِضَمِّ التَّاءِ، وَفِيهِ نَوْعُ تَجْرِيدٍ.

قَوْلُهُ: (وَحَضَرَتِ الْعَصْرُ) أَيْ وَقْتَ صَلَاتِهَا، وَالْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ قَالَ: حَيَّ عَلَى أَهْلِ الْوُضُوءِ) كَذَا وَقَعَ لِلْأَكْثَرِ، وَفِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ حَيَّ عَلَى الْوُضُوءِ بِإِسْقَاطِ لَفْظِ أَهْلٍ وَهِيَ أَصْوَبُ، وَقَدْ وُجِّهَتْ عَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهَا بِأَنْ يَكُونَ أَهْلُ بِالنَّصْبِ عَلَى النِّدَاءِ بِحَذْفِ حَرْفِ النِّدَاءِ كَأَنَّهُ قَالَ: حَيَّ عَلَى الْوُضُوءِ الْمُبَارَكِ يَا أَهْلَ الْوُضُوءِ، كَذَا قَالَ عِيَاضٌ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْمَجْرُورَ بِعَلَى غَيْرُ مَذْكُورٍ، وَقَالَ غَيْرُهُ: الصَّوَابُ حَيَّ هَلًا عَلَى الْوُضُوءِ الْمُبَارَكِ، فَتَحَرَّفَ لَفْظُ هَلًا فَصَارَتْ أَهْلُ وَحُوِّلَتْ عَنْ مَكَانِهَا، وَحَيَّ اسْمُ فِعْلٍ لِلْأَمْرِ بِالْإِسْرَاعِ، وَتُفْتَحُ لِسُكُونِ مَا قَبْلَهَا مِثْلَ لَيْتَ وَهَلًا بِتَخْفِيفِ اللَّامِ وَالتَّنْوِينِ كَلِمَةُ اسْتِعْجَالٍ.

قَوْلُهُ: (فَجَعَلْتُ لَا آلُو) بِالْمَدِّ وَتَخْفِيفِ اللَّامِ الْمَضْمُومَةِ أَيْ لَا أُقَصِّرُ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ جَعَلَ يَسْتَكْثِرُ مِنْ شُرْبِهِ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ لِأَجْلِ الْبَرَكَةِ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا سَرَفَ وَلَا شَرَهَ فِي الطَّعَامِ أَوِ الشَّرَابِ الَّذِي تَظْهَرُ فِيهِ الْبَرَكَةُ بِالْمُعْجِزَةِ، بَلْ يُسْتَحَبُّ الِاسْتِكْثَارُ مِنْهُ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: فِي تَرْجَمَةِ الْبُخَارِيِّ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ يُغْتَفَرُ فِي الشُّرْبِ مِنْهُ الْإِكْثَارُ دُونَ الْمُعْتَادِ الَّذِي وَرَدَ بِاسْتِحْبَابِ جَعْلِ الثُّلُثِ لَهُ، وَلِئَلَّا يُظَنُّ أَنَّ الشُّرْبَ مِنْ غَيْرِ عَطَشٍ مَمْنُوعٌ، فَإِنَّ فِعْلَ جَابِرٍ مَا ذَكَرَ دَالٌ عَلَى أَنَّ الْحَاجَةَ إِلَى الْبَرَكَةِ أَكْثَرُ مِنَ الْحَاجَةِ إِلَى الرِّيِّ، وَالظَّاهِرُ اطِّلَاعُ النَّبِيِّ عَلَى ذَلِكَ وَلَوْ كَانَ مَمْنُوعًا لَنَهَاهُ.

قَوْلُهُ: (فَقُلْتُ لِجَابِرٍ) الْقَائِلُ هُوَ سَالِمُ بْنُ أَبِي الْجَعْدِ رَاوِيهِ عَنْهُ.

قَوْلُهُ: (كَمْ كُنْتُمْ يَوْمئِذٍ؟ قَالَ: أَلْفٌ وَأَرْبَعُمِائَةٍ) كَذَا لَهُمْ بِالرَّفْعِ، وَالتَّقْدِيرُ نَحْنُ يَوْمئِذٍ أَلْفٌ وَأَرْبَعُمِائَةٍ، وَيَجُوزُ النَّصْبُ عَلَى خَبَرِ كَانَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ الِاخْتِلَافِ عَلَى جَابِرٍ فِي عَدَدِهِمْ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ فِي بَابِ غَزْوَةِ الْحُدَيْبِيَةِ مِنَ الْمَغَازِي، وَبَيَّنْتُ هُنَاكَ أَنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ كَانَتْ هُنَاكَ، وَتَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْ شَرْحِ الْمَتْنِ فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ.

قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرٍ) وَصَلَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْفَتْحِ مُخْتَصَرًا كُنَّا يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ أَلْفًا وَأَرْبَعَمِائَةٍ وَهَذَا الْقَدْرُ هُوَ مَقْصُودُهُ بِالْمُتَابَعَةِ الْمَذْكُورَةِ لَا جَمِيعُ سِيَاقِ الْحَدِيثِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ حُصَيْنٌ، وَعَمْرُو بْنُ مُرَّةَ، عَنْ سَالِمٍ) هُوَ ابْنُ أَبِي الْجَعْدِ (خَمْسَ عَشْرَةَ مِائَةٍ) أَمَّا رِوَايَةُ حُصَيْنٍ فَوَصَلَهَا الْمُؤَلِّفُ فِي الْمَغَازِي، وَأَمَّا رِوَايَةُ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ فَوَصَلَهَا مُسْلِمٌ، وَأَحْمَدُ بِلَفْظِ أَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ هَذَا الِاخْتِلَافِ عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُمْ كَانُوا زِيَادَةً عَلَى أَلْفٍ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، فَمَنِ اقْتَصَرَ عَلَيْهَا أَلْغَى الْكَسْرَ، وَمَنْ قَالَ أَلْفٌ وَخَمْسُمِائَةٍ جَبَرَهُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ بَسْطُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْمَغَازِي، وَبَيَانُ تَوْجِيهِ مَنْ قَالَ أَلْفٌ وَثَلَثُمِائَةٍ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. (خَاتِمَةٌ)

اشْتَمَلَ كِتَابُ الْأَشْرِبَةِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ عَلَى أَحَدٍ وَتِسْعِينَ حَدِيثًا، الْمُعَلَّقِ مِنْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ طَرِيقًا وَالْبَاقِي مَوْصُولٌ، الْمُكَرَّرُ مِنْهَا فِيهِ وَفِيمَا مَضَى سَبْعُونَ طَرِيقًا وَالْبَاقِي خَالِصٌ، وَافَقَهُ مُسْلِمٌ عَلَى تَخْرِيجِهَا سِوَى حَدِيثِ أَبِي مَالِكٍ، وَأَبِي عَامِرٍ فِي الْمَعَازِفِ، وَحَدِيثِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى فِي الْجَرِّ الْأَخْضَرِ، وَحَدِيثِ أَنَسٍ فِي الْأَقْدَاحِ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ وَهُوَ مُعَلَّقٌ، وَحَدِيثِ جَابِرٍ فِي الْكَرْعِ، وَحَدِيثِ عَلِيٍّ فِي الشُّرْبِ قَائِمًا، وَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي النَّهْيِ عَنِ الشُّرْبِ مِنْ فَمِ السِّقَاءِ، وَحَدِيثِ أَبِي طَلْحَةَ فِي قَدَحِ النَّبِيِّ . وَفِيهِ مِنَ الْآثَارِ عَنِ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ أَرْبَعَةَ عَشَرَ أَثَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

الكبيرةُ ما تستوعب جانبًا من الإناء كشفةٍ وأذن، والصَّغيرة دون ذلك، فإن شكَّ في الكُبْرِ فالأصل الإباحةُ، قاله في «شرح المهذب». والمراد بالحاجةِ: غرضُ الإصلاح دون التَّزيين، ولا يُعتبر العجز عن غير الذَّهب والفضَّة لأنَّ العجز عن غيرهما يبيحُ استعمالَ الإناء الَّذي كله ذهب أو فضة فضلًا عن المضبَّب.

وهذا الحديث قد سبقَ منه قطعة (١) في «باب ما جاء في درع النَّبيِّ » مِنْ «كتاب الجهاد» [خ¦٣١٠٩].

(٣١) (بابُ شُرْبِ البَرَكَةِ وَالمَاءِ المُبَارَكِ) قال العينيُّ: أراد بالبركةِ: الماء. وقال المهلَّبُ فيما نقلَه عنه في «فتح الباري»: سُمِّي الماء بركة لأنَّ الشَّيء إذا (٢) كان مباركًا فيه يُسمَّى بركةً. وزاد الكِرمانيُّ فقال: كما قال أيُّوب: لا غِنى لي عن بركتكَ، فسمَّى الذَّهب بركة.

٥٦٣٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) البلخيُّ قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) هو ابنُ عبد الحميد (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بنِ مهران (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (سَالِمُ بْنُ أَبِي الجَعْدِ) الأشجعيُّ مَولاهم، الكوفيُّ (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ هَذَا الحَدِيثَ) قال الكِرمانيُّ: أشارَ إلى الَّذي بعدَه

(قَالَ: قَدْ رَأَيْتُنِي) أي: رأيتُ نفسِي (مَعَ النَّبِيِّ وَقَدْ) أي: والحال أن (١) قد (حَضَرَتِ العَصْرُ) أي: صَلاتها (وَلَيْسَ مَعَنَا مَاءٌ غَيْرَ فَضْلَةٍ فَجُعِلَ) ما فضل (فِي إِنَاءٍ فَأُتِيَ النَّبِيُّ بِهِ) بضم همزة فأُتِي وكسر الفوقية (فَأَدْخَلَ يَدَهُ) الكريمة (فِيهِ وَفَرَّجَ أَصَابِعَهُ، ثُمَّ قَالَ: حَيَّ عَلَى أَهْلِ الوَضُوءِ) بفتح الواو (البَرَكَةُ مِنَ اللهِ) أي: هذا الَّذي ترونه من زيادةِ الماء إنَّما هو من فضلِ الله وبركتهِ (٢) ليسَ مني، وهو الموجدُ للأشياءِ لا غيره، وللنَّسفيِّ: «على الوضوء» بإسقاط لفظ: «أهل» قال في «الفتح» و «العمدة» و «التنقيح»: وهو أصوبُ، كما في الحديث الآخر: «حيَّ على الطَّهور المبارك». وتعقَّبه في «المصابيح» فقال: كلٌّ صواب فإنَّ (٣) حيَّ بمعنى: أقبل، فإن كان المخاطبُ المأمور بالإقبالِ هو الَّذي يريدُ به الطَّهور كان سقوطُ «أهل» صوابًا، أي: أَقْبِلْ أيُّها المريد للتَّطهر (٤) على الماء الطَّهور، وإن جعلنا المخاطب هو الماء الَّذي أراد النَّبيُّ انبعاثه وتفجره من بين أصابعهِ نزَّله (٥) منزلةَ المخاطب تجوزًا فإثبات «أهل» صوابٌ، أي: أقبل أيُّها الماء الطَّهور على أهل الوضوء (٦)، ووجه القاضِي هذه الرِّواية: بأن يكون أهل منصوبًا على النِّداء بحذف حرف النِّداء كأنَّه قال: حيَّ على الوضوءِ المبارك يا أهل الوضوء، لكن يلزمُ عليه حذف المجرور وبقاء حرفِ الجرِّ غير داخلٍ في اللَّفظ على (٧) مَعموله وهو باطلٌ، ولا أعلم أحدًا أجازه، وقيل: الصَّواب: حيَّ هلا على الوضوء المبارك، فتحرفت (٨) لفظة (٩) أهل وحوِّلت عن مكانها. وحي: اسم فعل للأمر بالإسراعِ، وتفتح لسكون ما قبلها، وهلًا: بتخفيف اللام وتنوينها، كلمة استعجالٍ. وقال الكِرمانيُّ: وفي بعضها: حيَّ عليَّ -بتشديد الياء- وأهل الوضوءِ: منادى محذوف منه حرف النِّداء.

قال جابر: (فَلَقَدْ رَأَيْتُ المَاءَ يَتَفَجَّرُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ) من نفسها أو من بينها لا من نفسها (١) وكلاهما معجزةٌ عظيمةٌ، والأول أقعدُ في المعجزةِ كما لا يخفى (فَتَوَضَّأَ النَّاسُ) من ذلك الماء (وَشَرِبُوا) منه. قال جابر: (فَجَعَلْتُ لَا آلُو مَا جَعَلْتُ فِي بَطْنِي مِنْهُ، فَعَلِمْتُ أَنَّهُ بَرَكَةٌ) آلو بالمدِّ وتخفيف اللام المضمومة، أي: لا أقصر، والمعنى: إنَّه جعل يستكثر من شربهِ من ذلك الماء لأجلِ البركةِ، وشرب البركةِ يُغْتفر فيه الإكثار لا كالشُّرب (٢) المعتاد الَّذي ورد أن (٣) يجعلَ له الثُّلث، فلأجلِ ذلك أَكْثَرَ وإن كان فوق الرِّي. قال سالمُ بن أبي الجعد: (قُلْتُ لِجَابِرٍ: كَمْ كُنْتُمْ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: أَلْفًا) أي: كنَّا ألفًا (وَأَرْبَعَ مِئَةٍ) وللأكثرين -كما في «الفتح» وغيره-: «ألفٌ» بالرفع، أي: ونحن يومئذٍ ألف (تَابَعَهُ) أي: تابع سالمًا (عَمْرُو بْنُ دِيْنَارٍ، عَنْ جَابِرٍ) وثبت: «بنُ دينار» لأبي الوقتِ، وهذه المتابعةُ وصلها المؤلِّف في «سورة الفتح» مختصرًا بلفظ: «كنَّا يوم الحديبية ألفًا وأربع مئة» [خ¦٤٨٤٠]. قال الحافظُ ابن حجرٍ: وهذا القدر هو مقصودُه (٤) بالمتابعةِ لا جميع سياق الحديث.

(وَقَالَ حُصَيْنٌ) بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين، فيما وصلَه المؤلِّف في «المغازِي» [خ¦٤١٥٢] (وَعَمْرُو بْنُ مُرَّةَ) بفتح العين، ومُرَّة -بضم الميم وتشديد الراء المفتوحة- الجهنيُّ، فيما وصلَه مسلمٌ وأحمد كلاهما (عَنْ سَالِمٍ) هو ابنُ أبي الجعد (عَنْ جَابِرٍ: خَمْسَ عَشْرَةَ مِئَةً، وَتَابَعَهُ) أيضًا (سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، عَنْ جَابِرٍ) قال الكِرمانيُّ: فإن قلتَ: القياس أن يقال: ألف وخمس مئة، وأجابَ بأنَّه أرادَ الإشارة إلى عدد الفِرَقِ وأنَّ كلَّ فِرْقةٍ مئة، وفي التَّفصيل زيادةُ تقريرٍ لكثرةِ الشَّاربين، فهو أقوى في بيان كونهِ خارقًا للعادةِ، كما أنَّ خروج الماء من اللَّحم أخرق لها من (٥) خروجهِ من الحجرِ الَّذي ضربهُ موسى .

هذا آخر الربع الثَّالث من «صحيح البخاري» فيما ضبطَه المعتنونَ بشأن البخاريِّ فيما نقلَه في «الكواكب الدَّراري».

((٧٥)) (بسم الله الرحمن الرحيم، كِتَابُ المَرْضَى و (١) الطِّبِّ).

(١) (بابُ مَا جَاءَ فِي كَفَّارَةِ المَرَضِ) ولأبي ذرٍّ -كما في الفرع- «كتاب المرضى». وقال في «الفتح»: «كتاب المرضى، باب ما جاءَ في كفَّارة المرض» كذا لهم إلَّا أنَّ البسملةَ سقطَتْ لأبي ذرٍّ، وخالفَهم النَّسفي فلم يُفرِد «كتاب المرضَى» من «كتاب الطِّب»، بل صدَّر بـ «كتاب الطِّبِّ» ثمَّ بسمل ثمَّ ذكر «باب ما جاءَ في كفَّارة المرض»، واستمرَّ على ذلك إلى آخر كتاب الطِّبِّ ولكلٍّ وجه، والمرضى: جمع: مريض، والمرض: خروجُ الجسم عن المجرى الطَّبيعي، ويعبَّر عنه بأنَّه حالةٌ تصدر بها (٢) الأفعال خارجة عن الموضوع لها غير سليمة. والكفَّارة: صيغةُ مبالغةٍ من الكَفرِ وهو التَّغطية، ومعناهُ: أنَّ ذنوبَ المؤمن تتغطَّى بما يقعُ له من ألم المرضِ، وقوله: «كفَّارة المرضِ» هو من الإضافةِ إلى الفاعلِ، وأسندَ التَّكفير للمرض لكونه سببهُ. وقال في «الكواكب»: الإضافةُ بيانيَّة كنحو: شجر الأراك أي: كفَّارة هي مرض، أو الإضافة بمعنى في كأنَّ المرض ظرفٌ للكفَّارة، بل (٣) هو من بابِ إضافةِ الصِّفة إلى الموصوفِ، وبهذا يُجاب عن استشْكَال أنَّ المرضَ ليست له كفَّارة بل هو الكفَّارة نفسها لغيرهِ.

(وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) في سورة النساء: (﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣]) استدلَّ بهذه الآية المعتزلةُ على أنَّه تعالى لا يعفو عن شيءٍ من السَّيِّئات. وأُجيب بأنَّه يجوز أن يكون المرادُ من

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 2 صفر
هلال متزايد اليوم 3.2 / 29.5
الإضاءة 11%
البدر بعد 12 يوم
سبحان الله وبحمده