«كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعْجِبُهُ الْحَلْوَاءُ وَالْعَسَلُ.»

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٥٦٨٢

الحديث رقم ٥٦٨٢ من كتاب «كتاب الطب» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب الدواء بالعسل وقول الله تعالى فيه شفاء للناس.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٥٦٨٢ في صحيح البخاري

«كَانَ النَّبِيُّ يُعْجِبُهُ الْحَلْوَاءُ وَالْعَسَلُ.»

إسناد حديث البخاري رقم ٥٦٨٢

٥٦٨٢ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ قَالَ: أَخْبَرَنِي هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٥٦٨٢: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

يَحْسِمُ الدَّاءَ فَيتَعَجَّلَ الَّذِي يَكْتَوِي التَّعْذِيبَ بِالنَّارِ لِأمْرٍ مَظْنُونٍ، وَقَدْ لَا يَتَّفِقُ أَنْ يَقَعَ لَهُ ذَلِكَ الْمَرَضُ الَّذِي يَقْطَعُهُ الْكَيُّ.

وَيُؤْخَذُ مِنَ الْجَمْعِ بَيْنَ كَرَاهَتِهِ لِلْكَيِّ وَبَيْنَ اسْتِعْمَالِهِ لَهُ أَنَّهُ لَا يُتْرَكُ مُطْلَقًا وَلَا يُسْتَعْمَلُ مُطْلَقًا، بَلْ يُسْتَعْمَلُ عِنْدَ تَعَيُّنِهِ طَرِيقًا إِلَى الشِّفَاءِ مَعَ مُصَاحَبَةِ اعْتِقَادِ أَنَّ الشِّفَاءَ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى، وَعَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ يُحْمَلُ حَدِيثُ الْمُغِيرَةِ، رَفَعَهُ: مَنِ اكْتَوَى أَوِ اسْتَرْقَى فَقَدْ بَرِئَ مِنَ التَّوَكُّلِ. أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي جَمْرَةَ: عُلِمَ مِنْ مَجْمُوعِ كَلَامِهِ فِي الْكَيِّ أَنَّ فِيهِ نَفْعًا، وَأَنَّ فِيهِ مَضَرَّةً، فَلَمَّا نَهَى عَنْهُ عُلِمَ أَنَّ جَانِبَ الْمَضَرَّةِ فِيهِ أَغْلَبُ، وَقَرِيبٌ مِنْهُ إِخْبَارُ اللَّهِ - تَعَالَى - أَنَّ فِي الْخَمْرِ مَنَافِعَ، ثُمَّ حَرَّمَهَا لِأَنَّ الْمَضَارَّ الَّتِي فِيهَا أَعْظَمُ مِنَ الْمَنَافِعِ. انْتَهَى مُلَخَّصًا.

وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى كُلٍّ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ فِي أَبْوَابٍ مُفْرَدَةٍ لَهَا. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الْمُرَادَ بِالشِّفَاءِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الشِّفَاءُ مِنْ أَحَدِ قِسْمَيِ الْمَرَضِ، لِأَنَّ الْأَمْرَاضَ كُلَّهَا إِمَّا مَادِّيَّةٌ أَوْ غَيْرُهَا ; وَالْمَادِّيَّةُ كَمَا تَقَدَّمَ حَارَّةٌ وَبَارِدَةٌ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا وَإِنِ انْقَسَمَ إِلَى رَطْبَةٍ وَيَابِسَةٍ وَمُرَكَّبَةٍ، فَالْأَصْلُ الْحَرَارَةُ وَالْبُرُودَةُ، وَمَا عَدَاهُمَا يَنْفَعِلُ مِنْ إِحْدَاهُمَا، فَنَبَّهَ بِالْخَبَرِ عَلَى أَصْلِ الْمُعَالَجَةِ بِضَرْبٍ مِنَ الْمِثَالِ، فَالْحَارَّةُ تُعَالَجُ بِإِخْرَاجِ الدَّمِ لِمَا فِيهِ مِنَ اسْتِفْرَاغِ الْمَادَّةِ وَتَبْرِيدِ الْمِزَاجِ، وَالْبَارِدَةُ بِتَنَاوُلِ الْعَسَلِ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّسْخِينِ وَالْإِنْضَاجِ وَالتَّقْطِيعِ وَالتَّلْطِيفِ وَالْجَلَاءِ وَالتَّلْيِينِ، فَيَحْصُلُ بِذَلِكَ اسْتِفْرَاغُ الْمَادَّةِ بِرِفْقٍ، وَأَمَّا الْكَيُّ فَخَاصٌّ بِالْمَرَضِ الْمُزْمِنِ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ عَنْ مَادَّةٍ بَارِدَةٍ فَقَدْ تُفْسِدُ مِزَاجَ الْعُضْوِ، فَإِذَا كُوِيَ خَرَجَتْ مِنْهُ، وَأَمَّا الْأَمْرَاضُ الَّتِي لَيْسَتْ بِمَادِّيَّةٍ فَقَدْ أُشِيرَ إِلَى عِلَاجِهَا بِحَدِيثِ: الْحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ فَأَبْرِدُوهَا بِالْمَاءِ. وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ عِنْدَ شَرْحِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى -. وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَمَا أُحِبُّ أَنْ أَكْتَوِيَ فَهُوَ مِنْ جِنْسِ تَرْكِهِ أَكْلَ الضَّبِّ مَعَ تَقْرِيرِهِ أَكْلَهُ عَلَى مَائِدَتِهِ وَاعْتِذَارِهِ بِأَنَّهُ يَعَافُهُ.

٤ - بَاب الدَّوَاءِ بِالْعَسَلِ، وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ

٥٦٨٢ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ يُعْجِبُهُ الْحَلْوَاءُ وَالْعَسَلُ.

٥٦٨٣ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْغَسِيلِ عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ قَالَ سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ يَقُولُ: "إِنْ كَانَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَدْوِيَتِكُمْ أَوْ يَكُونُ فِي شَيْءٍ مِنْ أَدْوِيَتِكُمْ خَيْرٌ فَفِي شَرْطَةِ مِحْجَمٍ أَوْ شَرْبَةِ عَسَلٍ أَوْ لَذْعَةٍ بِنَارٍ تُوَافِقُ الدَّاءَ وَمَا أُحِبُّ أَنْ أَكْتَوِيَ".

[الحديث ٥٦٨٣ - أطرافه في: ٥٦٩٧، ٥٧٠٢، ٥٧٠٤]

٥٦٨٤ - حَدَّثَنَا عَيَّاشُ بْنُ الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ "أَنَّ رَجُلاً أَتَى النَّبِيَّ فَقَالَ أَخِي يَشْتَكِي بَطْنَهُ فَقَالَ اسْقِهِ عَسَلاً ثُمَّ أَتَى الثَّانِيَةَ فَقَالَ اسْقِهِ عَسَلاً ثُمَّ أَتَاهُ الثَّالِثَةَ فَقَالَ اسْقِهِ عَسَلاً ثُمَّ أَتَاهُ فَقَالَ قَدْ فَعَلْتُ فَقَالَ صَدَقَ اللَّهُ وَكَذَبَ بَطْنُ أَخِيكَ اسْقِهِ عَسَلاً فَسَقَاهُ فَبَرَأَ".

[الحديث ٥٦٨٤ - طرفه في: ٥٧١٦]

قَوْلُهُ: (بَابُ الدَّوَاءِ بِالْعَسَلِ، وَقَوْلُ اللَّهِ - تَعَالَى -: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ كَأَنَّهُ أَشَارَ بِذِكْرِ الْآيَةِ إِلَى أَنَّ الضَّمِيرَ فِيهَا لِلْعَسَلِ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَزَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ التَّفْسِيرِ أَنَّهُ لِلْقُرْآنِ. وَذَكَرَ ابْنُ بَطَّالٍ أَنَّ بَعْضَهُمْ قَالَ: قَوْلَهُ - تَعَالَى -: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ أَيْ: لِبَعْضِهِمْ، وَحَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ تَنَاوُلَ الْعَسَلِ قَدْ يَضُرُّ بِبَعْضِ النَّاسِ كَمَنْ يَكُونُ حَارَّ الْمِزَاجِ، لَكِنْ لَا يَحْتَاجُ إِلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي حَمْلِهِ عَلَى الْعُمُومِ مَا يَمْنَعُ أَنَّهُ قَدْ يَضُرُّ ببعض الْأَبْدَانَ بِطَرِيقِ الْعَرْضِ. وَالْعَسَلُ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ، وَأَسْمَاؤُهُ تَزِيدُ عَلَى الْمِائَةِ، وَفِيهِ مِنَ الْمَنَافِعِ مَا لَخَّصَهُ الْمُوَفَّقُ الْبَغْدَادِيُّ وَغَيْرُهُ، فَقَالُوا: يَجْلُو الْأَوْسَاخَ الَّتِي فِي الْعُرُوقِ وَالْأَمْعَاءِ، وَيَدْفَعُ الْفَضَلَاتِ، وَيَغْسِلُ خَمْلَ الْمَعِدَةِ، وَيُسَخِّنُهَا تَسْخِينًا مُعْتَدِلًا، وَيَفْتَحُ أَفْوَاهَ الْعُرُوقِ، وَيَشُدُّ الْمَعِدَةَ وَالْكَبِدَ وَالْكُلَى وَالْمَثَانَةَ وَالْمَنَافِذَ، وَفِيهِ تَحْلِيلٌ لِلرُّطُوبَاتِ أَكْلًا وَطِلَاءً وَتَغْذِيَةً، وَفِيهِ حِفْظُ الْمَعْجُونَاتِ وَإِذْهَابٌ لِكَيْفِيَّةِ الْأَدْوِيَةِ الْمُسْتَكْرَهَةِ، وَتَنْقِيَةُ الْكَبِدِ وَالصَّدْرِ، وَإِدْرَارُ الْبَوْلِ وَالطَّمْثِ، وَنَفْعٌ لِلسُّعَالِ الْكَائِنِ مِنَ الْبَلْغَمِ، وَنَفْعٌ لِأَصْحَابِ الْبَلْغَمِ وَالْأَمْزِجَةِ الْبَارِدَةِ. وَإِذَا أُضِيفَ إِلَيْهِ الْخَلُّ نَفَعَ أَصْحَابَ الصَّفْرَاءِ.

ثُمَّ هُوَ غِذَاءٌ مِنَ الْأَغْذِيَةِ، وَدَوَاءٌ مِنَ الْأَدْوِيَةِ، وَشَرَابٌ مِنَ الْأَشْرِبَةِ، وَحَلْوَى مِنَ الْحَلَاوَاتِ، وَطِلَاءٌ مِنَ الْأَطْلِيَةِ، وَمُفْرِحٌ مِنَ الْمُفْرِحَاتِ. وَمِنْ مَنَافِعِهِ أَنَّهُ إِذَا شُرِبَ حَارًّا بِدُهْنِ الْوَرْدِ نَفَعَ مِنْ نَهْشِ الْحَيَوَانِ، وَإِذَا شُرِبَ وَحْدَهُ بِمَاءٍ نَفَعَ مِنْ عَضَّةِ الْكَلْبِ للْكَلِبِ، وَإِذَا جُعِلَ فِيهِ اللَّحْمُ الطَّرِيُّ حَفِظَ طَرَاوَتَهُ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ، وَكَذَلِكَ الْخِيَارُ وَالْقَرْعُ وَالْبَاذِنْجَانُ وَاللَّيْمُونُ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الْفَوَاكِهِ، وَإِذَا لُطِّخَ بِهِ الْبَدَنُ لِلْقَمْلِ قَتَلَ الْقَمْلَ وَالصِّئْبَانَ، وَطَوَّلَ الشَّعْرَ وَحَسَّنَهُ وَنَعَّمَهُ، وَإِنِ اكْتُحِلَ بِهِ جَلَا ظُلْمَةَ الْبَصَرِ، وَإِنِ اسْتُنَّ بِهِ صَقَلُ الْأَسْنَانِ وَحَفِظَ صِحَّتَهَا. وَهُوَ عَجِيبٌ فِي حِفْظِ جُثَثِ الْمَوْتَى فَلَا يَسْرُعُ إِلَيْهَا الْبِلَى، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ مَأْمُونُ الْغَائِلَةِ قَلِيلُ الْمَضَرَّةِ، وَلَمْ يَكُنْ يُعَوِّلُ قُدَمَاءُ الْأَطِبَّاءِ فِي الْأَدْوِيَةِ الْمُرَكَّبَةِ إِلَّا عَلَيْهِ، وَلَا ذِكْرَ لِلسُّكَّرِ فِي أَكْثَرِ كُتُبِهِمْ أَصْلًا. وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الطِّبِّ النَّبَوِيِّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ، وَابْنُ مَاجَهْ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ رَفَعَهُ: مَنْ لَعِقَ الْعَسَلَ ثَلَاثَ غَدَوَاتٍ فِي كُلِّ شَهْرٍ لَمْ يُصِبْهُ عَظِيمُ بَلَاءٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ في الباب ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ:

الْأَوَّلُ: حَدِيثُ عَائِشَةَ: كَانَ النَّبِيُّ يُعْجِبُهُ الْحَلْوَاءَ وَالْعَسَلَ. قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: الْإِعْجَابُ أَعَمُّ مِنْ أنْ يَكُونَ عَلَى سَبِيلِ الدَّوَاءِ أَوِ الْغِذَاءِ. فَتُؤْخَذُ الْمُنَاسَبَةُ بِهَذِهِ الطَّرِيقِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَاقِي الْكَلَامِ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ الْأَطْعِمَةِ.

الْحَدِيثُ الثَّانِي.

قَوْلُهُ: (عَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْنُ الْغَسِيلِ) اسْمُ الْغَسِيلِ حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي عَامِرٍ الْأَوْسِيُّ الْأَنْصَارِيُّ، اسْتُشْهِدَ بِأُحُدٍ وَهُوَ جُنُبٌ، فَغَسَّلَتْهُ الْمَلَائِكَةُ، فَقِيلَ لَهُ: الْغَسِيلُ، وَهُوَ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ، وَهُوَ جَدُّ جَدِّ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَهُوَ ابْنُ سُلَيْمَانَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْظَلَةَ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ مَعْدُودٌ فِي صِغَارِ التَّابِعِينَ؛ لِأَنَّهُ رَأَى أَنَسًا، وَسَهْلَ بْنَ سَعْدٍ، وَجُلُّ رِوَايَتِهِ عَنِ التَّابِعِينَ، وَهُوَ ثِقَةٌ عِنْدَ الْأَكْثَرِ اخْتَلَفَ فِيهِ قَوْلُ النَّسَائِيِّ، وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ: كَانَ يُخْطِئُ كَثِيرًا، اهـ. وَكَانَ قَدْ عَمَّرَ فَجَازَ الْمِائَةَ فَلَعَلَّهُ تَغَيَّرَ حِفْظُهُ فِي الْآخَرِ، وَقَدِ احتَجَّ بِهِ الشَّيْخَانِ، وَشَيْخُهُ عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، أَيِ: ابْنُ النُّعْمَانِ الْأَنْصَارِيُّ الْأَوْسِيُّ، يُكَنَّى أَبَا عُمَرَ مَا لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ وَآخَرَ تَقَدَّمَ فِي: بَابِ مَنْ بَنَى مَسْجِدًا، فِي أَوَائِلِ الصَّلَاةِ، وَهُوَ تَابِعِيٌّ ثِقَةٌ عِنْدَهُمْ، وَأَغْرَبَ عَبْدُ الْحَقِّ، فَقَالَ فِي الْأَحْكَامِ: وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ، وَأَبُو زُرْعَةَ وَضَعَّفَهُ غَيْرُهُمَا. وَرَدَّ ذَلِكَ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الْقَطَّانِ عَلَى عَبْدِ الْحَقِّ، فَقَالَ: لَا أَعْرِفُ أَحَدًا ضَعَّفَهُ وَلَا ذَكَرَهُ فِي الضُّعَفَاءِ. اهـ. وَهُوَ كَمَا قَالَ.

قَوْلُهُ: (إِنْ كَانَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَدْوِيَتِكُمُ أَوْ يَكُونَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَدْوِيَتِكُمْ)، كَذَا وَقَعَ بِالشَّكِّ، وَكَذَا لِأَحْمَدَ، عَنْ أَبِي أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيِّ، عَنِ ابْنِ الْغَسِيلِ، وَسَيَأْتِي بَعْدَ أَبْوَابٍ بِاللَّفْظِ الْأَوَّلِ بِغَيْرِ شَكٍّ، وَكَذَا لِمُسْلِمٍ، وَذُكِرَتْ فِيهِ فِي بَابِ الْحِجَامَةِ مِنَ الدَّاءِ قِصَّةٌ، وَقَوْلُهُ:

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

الدَّرجة الثَّانية، جلاء للأوساخِ الَّتي في العروقِ والمَعي وغيرها، محللٌّ للرُّطوبات أكلًا وطلاءً، نافعٌ للمشايخِ وأصحابِ (١) البلغمِ ولمن كان مزاجُه باردًا رطبًا، فالمبرودُ يستعمله وحده لدفعِ البردِ، والمحرور مع غيره لدفع الحرارةِ، وهو جيِّد للحفظ، يقوِّي البدن، ويحفظ صحَّته ويسمِّنه، ويقوِّي الإنعاظ، ويزيدُ في الباءة للمبرودين، والتَّغرغر به ينقِّي الخوانيق، وينفعُ من الفالجِ واللَّقوة والأوجاعِ الباردةِ الحادثة في جميعِ البدنِ من (٢) الرُّطوباتِ، واستعماله على الرِّيق يذيبُ (٣) البلغمَ، ويغسل خملَ المعدة ويقوِّيها ويسخِّنها إسخانًا معتدلًا، ويبيِّض الأسنانَ استنانًا، ويحفظُ صحَّتها، والتَّلطُّخ (٤) به يقتلُ القملَ ويطوِّل الشَّعر، وينفعُ للبواسير، ويحفظُ اللَّحم ثلاثة أشهر، وخواصُّه كثيرةٌ.

(وَ) يكفيه فضلًا (قَوْلِ (٥) اللهِ تَعَالَى: ﴿فِيهِ﴾) أي: في العسلِ (﴿شِفَاء لِلنَّاسِ﴾ [النحل: ٦٩]) من أدواءٍ تعرضُ لهم، قيل: ولو قال: فيه الشِّفاءُ للنَّاس لكان دواءً لكلِّ داءٍ، لكنَّه قال: ﴿فِيهِ شِفَاء لِلنَّاسِ﴾ أي: يصلُح لكلِّ أحدٍ من أدواءٍ باردةٍ، فإنَّه حارٌّ والشَّيء يداوى بضدِّه، وقول مجاهد ابن جبر ﴿فِيهِ﴾ أي: في القرآن، قولٌ صحيح في نفسه، لكن ليس هو الظَّاهر من سياق الآية؛ لأنَّها إنَّما ذكر فيها العسل، ولم يتابَعْ مجاهدٌ على قوله هذا. وقال الحافظُ ابنُ كثيرٍ: وروِّينا عن عليِّ بن أبي طالبٍ أنَّه قال: إذا أرادَ أحدكم الشِّفاء فليكتب آيةً من كتاب الله في صحفةٍ وليغسلها بماءِ السَّماء، وليأخذ من امرأتهِ درهمًا عن طيبِ نفسٍ منها فليشتر به عسلًا فليشربهُ لذلك فإنَّه شفاءٌ. رواه ابنُ أبي حاتم في «تفسيره» بسندٍ حسن بلفظ: «إذا اشتكى أحدكم فليستوهب من امرأتهِ من صَداقها، فليشتر به عسلًا ثمَّ يأخذ ماء السَّماء فيُجْمَع هنيئًا مريئًا شفاء مباركًا».

٥٦٨٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قالَ: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بنُ أسامة قال:

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

يَحْسِمُ الدَّاءَ فَيتَعَجَّلَ الَّذِي يَكْتَوِي التَّعْذِيبَ بِالنَّارِ لِأمْرٍ مَظْنُونٍ، وَقَدْ لَا يَتَّفِقُ أَنْ يَقَعَ لَهُ ذَلِكَ الْمَرَضُ الَّذِي يَقْطَعُهُ الْكَيُّ.

وَيُؤْخَذُ مِنَ الْجَمْعِ بَيْنَ كَرَاهَتِهِ لِلْكَيِّ وَبَيْنَ اسْتِعْمَالِهِ لَهُ أَنَّهُ لَا يُتْرَكُ مُطْلَقًا وَلَا يُسْتَعْمَلُ مُطْلَقًا، بَلْ يُسْتَعْمَلُ عِنْدَ تَعَيُّنِهِ طَرِيقًا إِلَى الشِّفَاءِ مَعَ مُصَاحَبَةِ اعْتِقَادِ أَنَّ الشِّفَاءَ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى، وَعَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ يُحْمَلُ حَدِيثُ الْمُغِيرَةِ، رَفَعَهُ: مَنِ اكْتَوَى أَوِ اسْتَرْقَى فَقَدْ بَرِئَ مِنَ التَّوَكُّلِ. أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي جَمْرَةَ: عُلِمَ مِنْ مَجْمُوعِ كَلَامِهِ فِي الْكَيِّ أَنَّ فِيهِ نَفْعًا، وَأَنَّ فِيهِ مَضَرَّةً، فَلَمَّا نَهَى عَنْهُ عُلِمَ أَنَّ جَانِبَ الْمَضَرَّةِ فِيهِ أَغْلَبُ، وَقَرِيبٌ مِنْهُ إِخْبَارُ اللَّهِ - تَعَالَى - أَنَّ فِي الْخَمْرِ مَنَافِعَ، ثُمَّ حَرَّمَهَا لِأَنَّ الْمَضَارَّ الَّتِي فِيهَا أَعْظَمُ مِنَ الْمَنَافِعِ. انْتَهَى مُلَخَّصًا.

وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى كُلٍّ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ فِي أَبْوَابٍ مُفْرَدَةٍ لَهَا. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الْمُرَادَ بِالشِّفَاءِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الشِّفَاءُ مِنْ أَحَدِ قِسْمَيِ الْمَرَضِ، لِأَنَّ الْأَمْرَاضَ كُلَّهَا إِمَّا مَادِّيَّةٌ أَوْ غَيْرُهَا ; وَالْمَادِّيَّةُ كَمَا تَقَدَّمَ حَارَّةٌ وَبَارِدَةٌ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا وَإِنِ انْقَسَمَ إِلَى رَطْبَةٍ وَيَابِسَةٍ وَمُرَكَّبَةٍ، فَالْأَصْلُ الْحَرَارَةُ وَالْبُرُودَةُ، وَمَا عَدَاهُمَا يَنْفَعِلُ مِنْ إِحْدَاهُمَا، فَنَبَّهَ بِالْخَبَرِ عَلَى أَصْلِ الْمُعَالَجَةِ بِضَرْبٍ مِنَ الْمِثَالِ، فَالْحَارَّةُ تُعَالَجُ بِإِخْرَاجِ الدَّمِ لِمَا فِيهِ مِنَ اسْتِفْرَاغِ الْمَادَّةِ وَتَبْرِيدِ الْمِزَاجِ، وَالْبَارِدَةُ بِتَنَاوُلِ الْعَسَلِ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّسْخِينِ وَالْإِنْضَاجِ وَالتَّقْطِيعِ وَالتَّلْطِيفِ وَالْجَلَاءِ وَالتَّلْيِينِ، فَيَحْصُلُ بِذَلِكَ اسْتِفْرَاغُ الْمَادَّةِ بِرِفْقٍ، وَأَمَّا الْكَيُّ فَخَاصٌّ بِالْمَرَضِ الْمُزْمِنِ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ عَنْ مَادَّةٍ بَارِدَةٍ فَقَدْ تُفْسِدُ مِزَاجَ الْعُضْوِ، فَإِذَا كُوِيَ خَرَجَتْ مِنْهُ، وَأَمَّا الْأَمْرَاضُ الَّتِي لَيْسَتْ بِمَادِّيَّةٍ فَقَدْ أُشِيرَ إِلَى عِلَاجِهَا بِحَدِيثِ: الْحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ فَأَبْرِدُوهَا بِالْمَاءِ. وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ عِنْدَ شَرْحِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى -. وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَمَا أُحِبُّ أَنْ أَكْتَوِيَ فَهُوَ مِنْ جِنْسِ تَرْكِهِ أَكْلَ الضَّبِّ مَعَ تَقْرِيرِهِ أَكْلَهُ عَلَى مَائِدَتِهِ وَاعْتِذَارِهِ بِأَنَّهُ يَعَافُهُ.

٤ - بَاب الدَّوَاءِ بِالْعَسَلِ، وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ

٥٦٨٢ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ يُعْجِبُهُ الْحَلْوَاءُ وَالْعَسَلُ.

٥٦٨٣ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْغَسِيلِ عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ قَالَ سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ يَقُولُ: "إِنْ كَانَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَدْوِيَتِكُمْ أَوْ يَكُونُ فِي شَيْءٍ مِنْ أَدْوِيَتِكُمْ خَيْرٌ فَفِي شَرْطَةِ مِحْجَمٍ أَوْ شَرْبَةِ عَسَلٍ أَوْ لَذْعَةٍ بِنَارٍ تُوَافِقُ الدَّاءَ وَمَا أُحِبُّ أَنْ أَكْتَوِيَ".

[الحديث ٥٦٨٣ - أطرافه في: ٥٦٩٧، ٥٧٠٢، ٥٧٠٤]

٥٦٨٤ - حَدَّثَنَا عَيَّاشُ بْنُ الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ "أَنَّ رَجُلاً أَتَى النَّبِيَّ فَقَالَ أَخِي يَشْتَكِي بَطْنَهُ فَقَالَ اسْقِهِ عَسَلاً ثُمَّ أَتَى الثَّانِيَةَ فَقَالَ اسْقِهِ عَسَلاً ثُمَّ أَتَاهُ الثَّالِثَةَ فَقَالَ اسْقِهِ عَسَلاً ثُمَّ أَتَاهُ فَقَالَ قَدْ فَعَلْتُ فَقَالَ صَدَقَ اللَّهُ وَكَذَبَ بَطْنُ أَخِيكَ اسْقِهِ عَسَلاً فَسَقَاهُ فَبَرَأَ".

[الحديث ٥٦٨٤ - طرفه في: ٥٧١٦]

قَوْلُهُ: (بَابُ الدَّوَاءِ بِالْعَسَلِ، وَقَوْلُ اللَّهِ - تَعَالَى -: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ كَأَنَّهُ أَشَارَ بِذِكْرِ الْآيَةِ إِلَى أَنَّ الضَّمِيرَ فِيهَا لِلْعَسَلِ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَزَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ التَّفْسِيرِ أَنَّهُ لِلْقُرْآنِ. وَذَكَرَ ابْنُ بَطَّالٍ أَنَّ بَعْضَهُمْ قَالَ: قَوْلَهُ - تَعَالَى -: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ أَيْ: لِبَعْضِهِمْ، وَحَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ تَنَاوُلَ الْعَسَلِ قَدْ يَضُرُّ بِبَعْضِ النَّاسِ كَمَنْ يَكُونُ حَارَّ الْمِزَاجِ، لَكِنْ لَا يَحْتَاجُ إِلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي حَمْلِهِ عَلَى الْعُمُومِ مَا يَمْنَعُ أَنَّهُ قَدْ يَضُرُّ ببعض الْأَبْدَانَ بِطَرِيقِ الْعَرْضِ. وَالْعَسَلُ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ، وَأَسْمَاؤُهُ تَزِيدُ عَلَى الْمِائَةِ، وَفِيهِ مِنَ الْمَنَافِعِ مَا لَخَّصَهُ الْمُوَفَّقُ الْبَغْدَادِيُّ وَغَيْرُهُ، فَقَالُوا: يَجْلُو الْأَوْسَاخَ الَّتِي فِي الْعُرُوقِ وَالْأَمْعَاءِ، وَيَدْفَعُ الْفَضَلَاتِ، وَيَغْسِلُ خَمْلَ الْمَعِدَةِ، وَيُسَخِّنُهَا تَسْخِينًا مُعْتَدِلًا، وَيَفْتَحُ أَفْوَاهَ الْعُرُوقِ، وَيَشُدُّ الْمَعِدَةَ وَالْكَبِدَ وَالْكُلَى وَالْمَثَانَةَ وَالْمَنَافِذَ، وَفِيهِ تَحْلِيلٌ لِلرُّطُوبَاتِ أَكْلًا وَطِلَاءً وَتَغْذِيَةً، وَفِيهِ حِفْظُ الْمَعْجُونَاتِ وَإِذْهَابٌ لِكَيْفِيَّةِ الْأَدْوِيَةِ الْمُسْتَكْرَهَةِ، وَتَنْقِيَةُ الْكَبِدِ وَالصَّدْرِ، وَإِدْرَارُ الْبَوْلِ وَالطَّمْثِ، وَنَفْعٌ لِلسُّعَالِ الْكَائِنِ مِنَ الْبَلْغَمِ، وَنَفْعٌ لِأَصْحَابِ الْبَلْغَمِ وَالْأَمْزِجَةِ الْبَارِدَةِ. وَإِذَا أُضِيفَ إِلَيْهِ الْخَلُّ نَفَعَ أَصْحَابَ الصَّفْرَاءِ.

ثُمَّ هُوَ غِذَاءٌ مِنَ الْأَغْذِيَةِ، وَدَوَاءٌ مِنَ الْأَدْوِيَةِ، وَشَرَابٌ مِنَ الْأَشْرِبَةِ، وَحَلْوَى مِنَ الْحَلَاوَاتِ، وَطِلَاءٌ مِنَ الْأَطْلِيَةِ، وَمُفْرِحٌ مِنَ الْمُفْرِحَاتِ. وَمِنْ مَنَافِعِهِ أَنَّهُ إِذَا شُرِبَ حَارًّا بِدُهْنِ الْوَرْدِ نَفَعَ مِنْ نَهْشِ الْحَيَوَانِ، وَإِذَا شُرِبَ وَحْدَهُ بِمَاءٍ نَفَعَ مِنْ عَضَّةِ الْكَلْبِ للْكَلِبِ، وَإِذَا جُعِلَ فِيهِ اللَّحْمُ الطَّرِيُّ حَفِظَ طَرَاوَتَهُ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ، وَكَذَلِكَ الْخِيَارُ وَالْقَرْعُ وَالْبَاذِنْجَانُ وَاللَّيْمُونُ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الْفَوَاكِهِ، وَإِذَا لُطِّخَ بِهِ الْبَدَنُ لِلْقَمْلِ قَتَلَ الْقَمْلَ وَالصِّئْبَانَ، وَطَوَّلَ الشَّعْرَ وَحَسَّنَهُ وَنَعَّمَهُ، وَإِنِ اكْتُحِلَ بِهِ جَلَا ظُلْمَةَ الْبَصَرِ، وَإِنِ اسْتُنَّ بِهِ صَقَلُ الْأَسْنَانِ وَحَفِظَ صِحَّتَهَا. وَهُوَ عَجِيبٌ فِي حِفْظِ جُثَثِ الْمَوْتَى فَلَا يَسْرُعُ إِلَيْهَا الْبِلَى، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ مَأْمُونُ الْغَائِلَةِ قَلِيلُ الْمَضَرَّةِ، وَلَمْ يَكُنْ يُعَوِّلُ قُدَمَاءُ الْأَطِبَّاءِ فِي الْأَدْوِيَةِ الْمُرَكَّبَةِ إِلَّا عَلَيْهِ، وَلَا ذِكْرَ لِلسُّكَّرِ فِي أَكْثَرِ كُتُبِهِمْ أَصْلًا. وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الطِّبِّ النَّبَوِيِّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ، وَابْنُ مَاجَهْ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ رَفَعَهُ: مَنْ لَعِقَ الْعَسَلَ ثَلَاثَ غَدَوَاتٍ فِي كُلِّ شَهْرٍ لَمْ يُصِبْهُ عَظِيمُ بَلَاءٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ في الباب ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ:

الْأَوَّلُ: حَدِيثُ عَائِشَةَ: كَانَ النَّبِيُّ يُعْجِبُهُ الْحَلْوَاءَ وَالْعَسَلَ. قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: الْإِعْجَابُ أَعَمُّ مِنْ أنْ يَكُونَ عَلَى سَبِيلِ الدَّوَاءِ أَوِ الْغِذَاءِ. فَتُؤْخَذُ الْمُنَاسَبَةُ بِهَذِهِ الطَّرِيقِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَاقِي الْكَلَامِ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ الْأَطْعِمَةِ.

الْحَدِيثُ الثَّانِي.

قَوْلُهُ: (عَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْنُ الْغَسِيلِ) اسْمُ الْغَسِيلِ حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي عَامِرٍ الْأَوْسِيُّ الْأَنْصَارِيُّ، اسْتُشْهِدَ بِأُحُدٍ وَهُوَ جُنُبٌ، فَغَسَّلَتْهُ الْمَلَائِكَةُ، فَقِيلَ لَهُ: الْغَسِيلُ، وَهُوَ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ، وَهُوَ جَدُّ جَدِّ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَهُوَ ابْنُ سُلَيْمَانَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْظَلَةَ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ مَعْدُودٌ فِي صِغَارِ التَّابِعِينَ؛ لِأَنَّهُ رَأَى أَنَسًا، وَسَهْلَ بْنَ سَعْدٍ، وَجُلُّ رِوَايَتِهِ عَنِ التَّابِعِينَ، وَهُوَ ثِقَةٌ عِنْدَ الْأَكْثَرِ اخْتَلَفَ فِيهِ قَوْلُ النَّسَائِيِّ، وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ: كَانَ يُخْطِئُ كَثِيرًا، اهـ. وَكَانَ قَدْ عَمَّرَ فَجَازَ الْمِائَةَ فَلَعَلَّهُ تَغَيَّرَ حِفْظُهُ فِي الْآخَرِ، وَقَدِ احتَجَّ بِهِ الشَّيْخَانِ، وَشَيْخُهُ عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، أَيِ: ابْنُ النُّعْمَانِ الْأَنْصَارِيُّ الْأَوْسِيُّ، يُكَنَّى أَبَا عُمَرَ مَا لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ وَآخَرَ تَقَدَّمَ فِي: بَابِ مَنْ بَنَى مَسْجِدًا، فِي أَوَائِلِ الصَّلَاةِ، وَهُوَ تَابِعِيٌّ ثِقَةٌ عِنْدَهُمْ، وَأَغْرَبَ عَبْدُ الْحَقِّ، فَقَالَ فِي الْأَحْكَامِ: وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ، وَأَبُو زُرْعَةَ وَضَعَّفَهُ غَيْرُهُمَا. وَرَدَّ ذَلِكَ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الْقَطَّانِ عَلَى عَبْدِ الْحَقِّ، فَقَالَ: لَا أَعْرِفُ أَحَدًا ضَعَّفَهُ وَلَا ذَكَرَهُ فِي الضُّعَفَاءِ. اهـ. وَهُوَ كَمَا قَالَ.

قَوْلُهُ: (إِنْ كَانَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَدْوِيَتِكُمُ أَوْ يَكُونَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَدْوِيَتِكُمْ)، كَذَا وَقَعَ بِالشَّكِّ، وَكَذَا لِأَحْمَدَ، عَنْ أَبِي أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيِّ، عَنِ ابْنِ الْغَسِيلِ، وَسَيَأْتِي بَعْدَ أَبْوَابٍ بِاللَّفْظِ الْأَوَّلِ بِغَيْرِ شَكٍّ، وَكَذَا لِمُسْلِمٍ، وَذُكِرَتْ فِيهِ فِي بَابِ الْحِجَامَةِ مِنَ الدَّاءِ قِصَّةٌ، وَقَوْلُهُ:

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

الدَّرجة الثَّانية، جلاء للأوساخِ الَّتي في العروقِ والمَعي وغيرها، محللٌّ للرُّطوبات أكلًا وطلاءً، نافعٌ للمشايخِ وأصحابِ (١) البلغمِ ولمن كان مزاجُه باردًا رطبًا، فالمبرودُ يستعمله وحده لدفعِ البردِ، والمحرور مع غيره لدفع الحرارةِ، وهو جيِّد للحفظ، يقوِّي البدن، ويحفظ صحَّته ويسمِّنه، ويقوِّي الإنعاظ، ويزيدُ في الباءة للمبرودين، والتَّغرغر به ينقِّي الخوانيق، وينفعُ من الفالجِ واللَّقوة والأوجاعِ الباردةِ الحادثة في جميعِ البدنِ من (٢) الرُّطوباتِ، واستعماله على الرِّيق يذيبُ (٣) البلغمَ، ويغسل خملَ المعدة ويقوِّيها ويسخِّنها إسخانًا معتدلًا، ويبيِّض الأسنانَ استنانًا، ويحفظُ صحَّتها، والتَّلطُّخ (٤) به يقتلُ القملَ ويطوِّل الشَّعر، وينفعُ للبواسير، ويحفظُ اللَّحم ثلاثة أشهر، وخواصُّه كثيرةٌ.

(وَ) يكفيه فضلًا (قَوْلِ (٥) اللهِ تَعَالَى: ﴿فِيهِ﴾) أي: في العسلِ (﴿شِفَاء لِلنَّاسِ﴾ [النحل: ٦٩]) من أدواءٍ تعرضُ لهم، قيل: ولو قال: فيه الشِّفاءُ للنَّاس لكان دواءً لكلِّ داءٍ، لكنَّه قال: ﴿فِيهِ شِفَاء لِلنَّاسِ﴾ أي: يصلُح لكلِّ أحدٍ من أدواءٍ باردةٍ، فإنَّه حارٌّ والشَّيء يداوى بضدِّه، وقول مجاهد ابن جبر ﴿فِيهِ﴾ أي: في القرآن، قولٌ صحيح في نفسه، لكن ليس هو الظَّاهر من سياق الآية؛ لأنَّها إنَّما ذكر فيها العسل، ولم يتابَعْ مجاهدٌ على قوله هذا. وقال الحافظُ ابنُ كثيرٍ: وروِّينا عن عليِّ بن أبي طالبٍ أنَّه قال: إذا أرادَ أحدكم الشِّفاء فليكتب آيةً من كتاب الله في صحفةٍ وليغسلها بماءِ السَّماء، وليأخذ من امرأتهِ درهمًا عن طيبِ نفسٍ منها فليشتر به عسلًا فليشربهُ لذلك فإنَّه شفاءٌ. رواه ابنُ أبي حاتم في «تفسيره» بسندٍ حسن بلفظ: «إذا اشتكى أحدكم فليستوهب من امرأتهِ من صَداقها، فليشتر به عسلًا ثمَّ يأخذ ماء السَّماء فيُجْمَع هنيئًا مريئًا شفاء مباركًا».

٥٦٨٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قالَ: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بنُ أسامة قال:

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.5 / 29.5
الإضاءة 7%
البدر بعد 12 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله