الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٥٧٢٧
الحديث رقم ٥٧٢٧ من كتاب «كتاب الطب» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب من خرج من أرض لا تلايمه.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابُ مَا يُذْكَرُ فِي
⦗١٣٠⦘
الطَّاعُونِ
٥٧٢٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ : حَدَّثَنَا قَتَادَةُ : أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُمْ
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
اكْشِفْ عَنَّا الرِّجْزَ) أَيِ الْعَذَابَ، وَهَذَا مَوْصُولٌ بِالسَّنَدِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَكَأَنَّ ابْنَ عُمَرَ فَهِمَ مِنْ كَوْنِ أَصْلِ الْحُمَّى مِنْ جَهَنَّمَ أَنَّ مَنْ أَصَابَتْهُ عُذِّبَ بِهَا، وَهَذَا التَّعْذِيبُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ مَحِلِّهِ: فَيَكُونُ لِلْمُؤْمِنِ تَكْفِيرًا لِذُنُوبِهِ وَزِيَادَةً فِي أُجُورِهِ كَمَا سَبَقَ، وَلِلْكَافِرِ عُقُوبَةً وَانْتِقَامًا. وَإِنَّمَا طَلَبَ ابْنُ عُمَرَ كَشْفَهُ مَعَ مَا فِيهِ مِنَ الثَّوَابِ لِمَشْرُوعِيَّةِ طَلَبِ الْعَافِيَةِ مِنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ، إِذْ هُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُكَفِّرَ سَيِّئَاتِ عَبْدِهِ وَيُعْظِمَ ثَوَابَهُ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يُصِيبَهُ شَيْءٌ يَشُقُّ عَلَيْهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْحَدِيثُ الثَّانِي.
قَوْلُهُ: (عَنْ هِشَامٍ) هُوَ ابْنُ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَفَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ، أَيِ: ابْنِ الزُّبَيْرِ، هِيَ بِنْتُ عَمِّهِ وَزَوْجَتُهُ، وَأَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ جَدَّتُهُمَا لِأَبَوَيْهِمَا مَعًا.
قَوْلُهُ: (بَيْنَهَا وَبَيْنَ جَيْبِهَا) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ: هُوَ مَا يَكُونُ مُفْرَجًا مِنَ الثَّوْبِ كَالْكُمِّ وَالطَّوْقِ، وَفِي رِوَايَةِ عَبْدَةَ، عَنْ هِشَامٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ: فَتَصُبُّهُ فِي جَيْبِهَا.
قَوْلُهُ: (أَنْ نَبْرُدَهَا) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَضَمِّ الرَّاءِ الْخَفِيفَةِ، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي ذَرٍّ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ مِنَ التَّبْرِيدِ، وَهُوَ بِمَعْنَى رِوَايَةِ أَبْرِدْ بِهَمْزَةٍ مَقْطُوعَةٍ، زَادَ عَبْدَةُ فِي رِوَايَتِهِ: وَقَالَ: إِنَّهَا مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ.
الْحَدِيثُ الثَّالِثُ حَدِيثُ عَائِشَةَ.
قَوْلُهُ: (يَحْيَى) هُوَ الْقَطَّانُ، وَهِشَامٌ هُوَ ابْنُ عُرْوَةَ أَيْضًا. وَأَشَارَ بِإِيرَادِ رِوَايَتِهِ هَذِهِ عَقِبَ الْأُولَى إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ اخْتِلَافًا عَلَى هِشَامٍ، بَلْ لَهُ فِي هَذَا الْمَتْنِ إِسْنَادَانِ، بِقَرِينَةِ مُغَايَرَةِ السِّيَاقَيْنِ.
الْحَدِيثُ الرَّابِعُ حَدِيثُ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ.
قَوْلُهُ: (مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ) فِي رِوَايَةِ السَّرَخْسِيِّ: مِنْ فَوْحِ بِالْوَاوِ، وَتَقَدَّمَ فِي صِفَةِ النَّارِ مِنْ بَدْءِ الْخَلْقِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِلَفْظِ: مِنْ فَوْرِ، وَكُلُّهَا بِمَعْنًى، وَتَقَدَّمَ هُنَاكَ بِلَفْظِ: فَأَبْرِدُوهَا عَنْكُمْ بِزِيَادَةِ: عَنْكُمْ، وَكَذَا زَادَهَا مُسْلِمٌ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ هَنَّادِ بْنِ السَّرِيِّ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ هُنَا.
٢٩ - بَاب مَنْ خَرَجَ مِنْ أَرْضٍ لَا تُلَايِمُهُ
٥٧٢٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، حَدَّثَهُمْ أَنَّ نَاسًا - أَوْ: رِجَالًا - مِنْ عُكْلٍ وَعُرَيْنَةَ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَتَكَلَّمُوا بِالْإِسْلَامِ، وَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنَّا كُنَّا أَهْلَ ضَرْعٍ وَلَمْ نَكُنْ أَهْلَ رِيفٍ، وَاسْتَوْخَمُوا الْمَدِينَةَ، فَأَمَرَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِذَوْدٍ وَبِرَاعٍ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَخْرُجُوا فِيهِ فَيَشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا، فَانْطَلَقُوا حَتَّى كَانُوا نَاحِيَةَ الْحَرَّةِ كَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ، وَقَتَلُوا رَاعِيَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَاسْتَاقُوا الذَّوْدَ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ، فَبَعَثَ الطَّلَبَ فِي آثَارِهِمْ، وَأَمَرَ بِهِمْ فَسَمَرُوا أَعْيُنَهُمْ وَقَطَعُوا أَيْدِيَهُمْ، وَتُرِكُوا فِي نَاحِيَةِ الْحَرَّةِ حَتَّى مَاتُوا عَلَى حَالِهِمْ.
قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ خَرَجَ مِنْ أَرْضٍ لَا تُلَايِمُهُ) بِتَحْتَانِيَّةٍ مَكْسُورَةٍ، وَأَصْلُهُ بِالْهَمْزِ ثُمَّ كَثُرَ اسْتِعْمَالُهُ فَسُهِّلَ، وَهُوَ مِنَ الْمُلَاءَمَةِ بِالْمَدِّ، أَيِ: الْمُوَافَقَةِ وَزْنًا وَمَعْنًى. وَذَكَرَ فِيهِ قِصَّةَ الْعُرَنِيِّينَ، وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهَا قَرِيبًا، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَنَّ الْحَدِيثَ الَّذِي أَوْرَدَهُ بَعْدَهُ فِي النَّهْيِ عَنِ الْخُرُوجِ مِنَ الْأَرْضِ الَّتِي وَقَعَ فِيهَا الطَّاعُونُ لَيْسَ عَلَى عُمُومِهِ. وَإِنَّمَا هُوَ مَخْصُوصٌ بِمَنْ خَرَجَ فِرَارًا مِنْهُ كَمَا سَيَأْتِي تَقْرِيرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
٣٠ - بَاب مَا يُذْكَرُ فِي الطَّاعُونِ
٥٧٢٨ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، قَالَ: سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ بْنَ سَعْدٍ،
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
بالياء بدل الواو، وهما بمعنى، كالفور بالراء بعد الواو (فَابْرُدُوهَا بِالمَاءِ) بهمزة الوصل وضم الراء، وحكى القاضي عياضُ قطع الهمزة وكسر الراء في لغة. قال الجوهريُّ: هي لغةٌ رديئةٌ.
وهذا الحديثُ قد سبق في «صفة النَّار» أعاذنا اللهُ منها [خ¦٣٢٦٢] وأماتنا على الإسلامِ بمنِّه وكرمهِ آمين.
(٢٩) هذا (١) (بابُ مَنْ خَرَجَ مِنْ أَرْضٍ لَا تُلَايِمُهُ) أي: لا تُوافقه.
٥٧٢٧ - وبه قالَ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ) أبُو يحيى (٢) الباهليُّ مولاهُم النَّرْسيُّ قال: (حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ) أبو معاوية البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدٌ) هو ابنُ أبي عَرُوبة قالَ: (حَدَّثَنَا قَتَادَةُ) بن دِعامة، ولأبي ذرٍّ: «عن قتادةَ» (أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ) ﵁ (حَدَّثَهُمْ: أَنَّ نَاسًا أَوْ رِجَالًا) بالشَّكِّ من الرَّاوي (مِنْ عُكْلٍ) بضم العين وسكون الكاف (وَعُرَيْنَةَ) بضم العين المهملة وفتح الراء وسكون التحتية بعدها نون، قبيلتان (قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ) في سنة ستٍّ (وَتَكَلَّمُوا بِالإِسْلَامِ، وَقَالُوا) ولأبي ذرٍّ: «فقالُوا»: (يَا نَبِيَّ اللهِ، إِنَّا كُنَّا أَهْلَ ضَرْعٍ) أي: أهل مواشٍ (وَلَمْ نَكُنْ أَهْلَ رِيفٍ) بكسر الراء، أي: أهل أرضٍ فيها زرعٌ (وَاسْتَوْخَمُوا المَدِينَةَ) يُقال: بلدةٌ وَخِمةٌ إذا لم تُوافق ساكنها (فَأَمَرَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِذَوْدٍ) ما بين الثَّلاثةِ إلى العشرةِ، وعند ابنِ سعدٍ أنَّ عدد لقاحهِ ﵊ خمس عشرة (وَبِرَاعٍ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَخْرُجُوا فِيهِ) في الذَّودِ (فَيَشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا)
ألبان الإبلِ (وَأَبْوَالِهَا) للتَّداوي، أو كان قبل تحريمِ استعمال النَّجسِ، فليس فيه دليلٌ على إباحة استعمالهِ في حال الضَّرورةِ (فَانْطَلَقُوا حَتَّى (١) كَانُوا نَاحِيَةَ الحَرَّةِ) أرض ذات حجارةٍ سُودٍ ظاهر المدينةِ (كَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ، وَقَتَلُوا رَاعِيَ رَسُولِ اللهِ ﷺ) يسارًا النُّوبيَّ، فقطَعوا يدهُ ورجلهُ وغرزُوا الشَّوك في لسانهِ وعينهِ حتَّى مات (وَاسْتَاقُوا الذَّوْدَ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ) ذلك (فَبَعَثَ) ﵊ (الطَّلَبَ فِي آثَارِهِمْ) وكان المبعوثون عشرينَ وأميرهم كرزُ بنُ جابرٍ، فأدركُوا هؤلاء (٢) القومَ فأُخِذوا (وَأَمَرَ بِهِمْ) ﷺ (فَسَمَرُوا) أي: كحَلُوا (أَعْيُنَهُمْ) بالمساميرِ المحمَّاةِ (وَقَطَعُوا أَيْدِيَهُمْ) زاد «في الطَّهارة» [خ¦٢٣٣] وغيرها [خ¦١٥٠١] «وأرجلهم» (وَتُرِكُوا) بضم الفوقية مبنيًّا للمفعول (فِي نَاحِيَةِ الحَرَّةِ حَتَّى مَاتُوا عَلَى حَالِهِمْ) زاد في «الطَّهارة» (٣) «يَستسقون فلا يُسْقَونَ» [خ¦٢٣٣] وذلك لارتدادِهم، والمرتدُّ لا حرمةَ له كالكلبِ العقورِ.
(٣٠) (٤) (بابُ مَا يُذْكَرُ فِي) أمرِ (٥) (الطَّاعُونِ) بوزن فاعول، من الطَّعنِ، عدلُوا به عن أصلهِ ووضعوهُ دالًّا على الموت العامِّ كالوباءِ، وفي «تهذيب النَّووي» وهو بثرٌ وورمٌ مؤلمٌ جدًا يخرجُ مع لهبٍ، ويَسْوَدُّ ما حولَهُ، أو يخضرُّ، أو يحمرُّ حمرةً شديدةً بنفسجيَّةً كدرةً، ويحصلُ معه خفقانٌ وقيءٌ، ويخرجُ (٦) غالبًا في المَرَاقِّ والآباطِ، وقد يخرجُ في الأيدي والأصابعِ وسائر الجسدِ.
وقال ابنُ سينا: وسببه دمٌ رديءٌ يستحيلُ إلى جوهرٍ سُمِّيٍّ يُفسد العضو، ويؤدِّي إلى القلبِ كيفيَّةً رديئةً فيُحدِث القيءَ والغثيانَ والغشيَ، ولرداءتهِ لا يقبلُ من الأعضاءِ إلَّا ما كان أضعفَ بالطَّبع، والطَّواعين تكثرُ عند الوباءِ في البلادِ الوبيئة، ومن ثمَّ أُطلق على الطَّاعون وباءً وبالعكس، والوباءُ فسادُ جوهر الهواء الَّذي هو مادَّةُ الرُّوح ومدده. انتهى.
وحاصلُ هذا: أنَّه ورمٌ ينشأُ عن هيجانِ الدَّم وانصباب الدَّم إلى عضوٍ فيفسدهُ، وأنَّ غير
ذلك من الأمراض العامَّة النَّاشئة عن فساد الهواء يُسمَّى طاعونًا بطريق المجاز لاشتراكهما في عُموم المرض به، وهذا لا يعارضُ حديث «الطَّاعون وخزُ أعدائكُم من الجنِّ» إذ يجوزُ أنَّ (١) ذلك يحدُث عن (٢) الطَّعنة الباطنة فتُحدث منها المادَّة السُّميَّة، ويهيجُ الدَّمُ بسببها، وإنَّما لم تتعرَّض الأطباءُ لكونه من طعن الجنِّ؛ لأنَّه أمرٌ لا يُدرك بالعقلِ وإنَّما عُرف من جهة الشَّارع فتكلَّموا في ذلك بما (٣) اقتضتْهُ قواعدُهم، لكن في وقوع الطَّاعونِ في أعدلِ الفُصولِ وأصحِّ البلاد هواءً وأطيبها ماءً دلالة على أنَّ الطَّاعون إنَّما يكون من طعن الجنِّ، ولأنَّه لو كان بسبب فسادِ الهواء لدام في الأرضِ؛ لأنَّ الهواءَ يفسدُ تارةً ويصحُّ أخرى، والطَّاعونُ يذهبُ أحيانًا ويجيء أحيانًا على غير قياسٍ ولا تجربةٍ، وربَّما جاء سنةً على سنةٍ، وربَّما أبطأ سنينَ، وأيضًا لو كان من فسادِ الهواء لعمَّ النَّاسَ والحيوان، وربَّما يُصيب الكثير من النَّاسِ ولا يُصيبُ مَن هو (٤) بجانبهم ممَّن هو في مثل مزاجهِم، وربَّما يُصيب بعض أهل البيتِ الواحد ويسلمُ منه الآخرون منهم (٥)، وأمَّا ما يُذكر من أنَّه وخزُ إخوانكم من الجنِّ، فقال ابنُ حجر: إنَّهُ لم يجدهُ في شيءٍ من طُرق الحديث المسندة لا في الكُتب المشهورة، ولا الأجزاء المنثورةِ (٦) بعد التَّتبُّع الطَّويل البالغِ، وعزاه في «آكام المرجان» لـ «مسند أحمد» والطَّبرانيِّ، و «كتابُ الطَّواعين» لابن أبي الدُّنيا، ولا وجودَ له في واحدٍ منها.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
اكْشِفْ عَنَّا الرِّجْزَ) أَيِ الْعَذَابَ، وَهَذَا مَوْصُولٌ بِالسَّنَدِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَكَأَنَّ ابْنَ عُمَرَ فَهِمَ مِنْ كَوْنِ أَصْلِ الْحُمَّى مِنْ جَهَنَّمَ أَنَّ مَنْ أَصَابَتْهُ عُذِّبَ بِهَا، وَهَذَا التَّعْذِيبُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ مَحِلِّهِ: فَيَكُونُ لِلْمُؤْمِنِ تَكْفِيرًا لِذُنُوبِهِ وَزِيَادَةً فِي أُجُورِهِ كَمَا سَبَقَ، وَلِلْكَافِرِ عُقُوبَةً وَانْتِقَامًا. وَإِنَّمَا طَلَبَ ابْنُ عُمَرَ كَشْفَهُ مَعَ مَا فِيهِ مِنَ الثَّوَابِ لِمَشْرُوعِيَّةِ طَلَبِ الْعَافِيَةِ مِنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ، إِذْ هُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُكَفِّرَ سَيِّئَاتِ عَبْدِهِ وَيُعْظِمَ ثَوَابَهُ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يُصِيبَهُ شَيْءٌ يَشُقُّ عَلَيْهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْحَدِيثُ الثَّانِي.
قَوْلُهُ: (عَنْ هِشَامٍ) هُوَ ابْنُ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَفَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ، أَيِ: ابْنِ الزُّبَيْرِ، هِيَ بِنْتُ عَمِّهِ وَزَوْجَتُهُ، وَأَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ جَدَّتُهُمَا لِأَبَوَيْهِمَا مَعًا.
قَوْلُهُ: (بَيْنَهَا وَبَيْنَ جَيْبِهَا) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ: هُوَ مَا يَكُونُ مُفْرَجًا مِنَ الثَّوْبِ كَالْكُمِّ وَالطَّوْقِ، وَفِي رِوَايَةِ عَبْدَةَ، عَنْ هِشَامٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ: فَتَصُبُّهُ فِي جَيْبِهَا.
قَوْلُهُ: (أَنْ نَبْرُدَهَا) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَضَمِّ الرَّاءِ الْخَفِيفَةِ، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي ذَرٍّ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ مِنَ التَّبْرِيدِ، وَهُوَ بِمَعْنَى رِوَايَةِ أَبْرِدْ بِهَمْزَةٍ مَقْطُوعَةٍ، زَادَ عَبْدَةُ فِي رِوَايَتِهِ: وَقَالَ: إِنَّهَا مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ.
الْحَدِيثُ الثَّالِثُ حَدِيثُ عَائِشَةَ.
قَوْلُهُ: (يَحْيَى) هُوَ الْقَطَّانُ، وَهِشَامٌ هُوَ ابْنُ عُرْوَةَ أَيْضًا. وَأَشَارَ بِإِيرَادِ رِوَايَتِهِ هَذِهِ عَقِبَ الْأُولَى إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ اخْتِلَافًا عَلَى هِشَامٍ، بَلْ لَهُ فِي هَذَا الْمَتْنِ إِسْنَادَانِ، بِقَرِينَةِ مُغَايَرَةِ السِّيَاقَيْنِ.
الْحَدِيثُ الرَّابِعُ حَدِيثُ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ.
قَوْلُهُ: (مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ) فِي رِوَايَةِ السَّرَخْسِيِّ: مِنْ فَوْحِ بِالْوَاوِ، وَتَقَدَّمَ فِي صِفَةِ النَّارِ مِنْ بَدْءِ الْخَلْقِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِلَفْظِ: مِنْ فَوْرِ، وَكُلُّهَا بِمَعْنًى، وَتَقَدَّمَ هُنَاكَ بِلَفْظِ: فَأَبْرِدُوهَا عَنْكُمْ بِزِيَادَةِ: عَنْكُمْ، وَكَذَا زَادَهَا مُسْلِمٌ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ هَنَّادِ بْنِ السَّرِيِّ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ هُنَا.
٢٩ - بَاب مَنْ خَرَجَ مِنْ أَرْضٍ لَا تُلَايِمُهُ
٥٧٢٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، حَدَّثَهُمْ أَنَّ نَاسًا - أَوْ: رِجَالًا - مِنْ عُكْلٍ وَعُرَيْنَةَ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَتَكَلَّمُوا بِالْإِسْلَامِ، وَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنَّا كُنَّا أَهْلَ ضَرْعٍ وَلَمْ نَكُنْ أَهْلَ رِيفٍ، وَاسْتَوْخَمُوا الْمَدِينَةَ، فَأَمَرَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِذَوْدٍ وَبِرَاعٍ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَخْرُجُوا فِيهِ فَيَشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا، فَانْطَلَقُوا حَتَّى كَانُوا نَاحِيَةَ الْحَرَّةِ كَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ، وَقَتَلُوا رَاعِيَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَاسْتَاقُوا الذَّوْدَ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ، فَبَعَثَ الطَّلَبَ فِي آثَارِهِمْ، وَأَمَرَ بِهِمْ فَسَمَرُوا أَعْيُنَهُمْ وَقَطَعُوا أَيْدِيَهُمْ، وَتُرِكُوا فِي نَاحِيَةِ الْحَرَّةِ حَتَّى مَاتُوا عَلَى حَالِهِمْ.
قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ خَرَجَ مِنْ أَرْضٍ لَا تُلَايِمُهُ) بِتَحْتَانِيَّةٍ مَكْسُورَةٍ، وَأَصْلُهُ بِالْهَمْزِ ثُمَّ كَثُرَ اسْتِعْمَالُهُ فَسُهِّلَ، وَهُوَ مِنَ الْمُلَاءَمَةِ بِالْمَدِّ، أَيِ: الْمُوَافَقَةِ وَزْنًا وَمَعْنًى. وَذَكَرَ فِيهِ قِصَّةَ الْعُرَنِيِّينَ، وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهَا قَرِيبًا، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَنَّ الْحَدِيثَ الَّذِي أَوْرَدَهُ بَعْدَهُ فِي النَّهْيِ عَنِ الْخُرُوجِ مِنَ الْأَرْضِ الَّتِي وَقَعَ فِيهَا الطَّاعُونُ لَيْسَ عَلَى عُمُومِهِ. وَإِنَّمَا هُوَ مَخْصُوصٌ بِمَنْ خَرَجَ فِرَارًا مِنْهُ كَمَا سَيَأْتِي تَقْرِيرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
٣٠ - بَاب مَا يُذْكَرُ فِي الطَّاعُونِ
٥٧٢٨ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، قَالَ: سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ بْنَ سَعْدٍ،
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
بالياء بدل الواو، وهما بمعنى، كالفور بالراء بعد الواو (فَابْرُدُوهَا بِالمَاءِ) بهمزة الوصل وضم الراء، وحكى القاضي عياضُ قطع الهمزة وكسر الراء في لغة. قال الجوهريُّ: هي لغةٌ رديئةٌ.
وهذا الحديثُ قد سبق في «صفة النَّار» أعاذنا اللهُ منها [خ¦٣٢٦٢] وأماتنا على الإسلامِ بمنِّه وكرمهِ آمين.
(٢٩) هذا (١) (بابُ مَنْ خَرَجَ مِنْ أَرْضٍ لَا تُلَايِمُهُ) أي: لا تُوافقه.
٥٧٢٧ - وبه قالَ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ) أبُو يحيى (٢) الباهليُّ مولاهُم النَّرْسيُّ قال: (حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ) أبو معاوية البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدٌ) هو ابنُ أبي عَرُوبة قالَ: (حَدَّثَنَا قَتَادَةُ) بن دِعامة، ولأبي ذرٍّ: «عن قتادةَ» (أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ) ﵁ (حَدَّثَهُمْ: أَنَّ نَاسًا أَوْ رِجَالًا) بالشَّكِّ من الرَّاوي (مِنْ عُكْلٍ) بضم العين وسكون الكاف (وَعُرَيْنَةَ) بضم العين المهملة وفتح الراء وسكون التحتية بعدها نون، قبيلتان (قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ) في سنة ستٍّ (وَتَكَلَّمُوا بِالإِسْلَامِ، وَقَالُوا) ولأبي ذرٍّ: «فقالُوا»: (يَا نَبِيَّ اللهِ، إِنَّا كُنَّا أَهْلَ ضَرْعٍ) أي: أهل مواشٍ (وَلَمْ نَكُنْ أَهْلَ رِيفٍ) بكسر الراء، أي: أهل أرضٍ فيها زرعٌ (وَاسْتَوْخَمُوا المَدِينَةَ) يُقال: بلدةٌ وَخِمةٌ إذا لم تُوافق ساكنها (فَأَمَرَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِذَوْدٍ) ما بين الثَّلاثةِ إلى العشرةِ، وعند ابنِ سعدٍ أنَّ عدد لقاحهِ ﵊ خمس عشرة (وَبِرَاعٍ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَخْرُجُوا فِيهِ) في الذَّودِ (فَيَشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا)
ألبان الإبلِ (وَأَبْوَالِهَا) للتَّداوي، أو كان قبل تحريمِ استعمال النَّجسِ، فليس فيه دليلٌ على إباحة استعمالهِ في حال الضَّرورةِ (فَانْطَلَقُوا حَتَّى (١) كَانُوا نَاحِيَةَ الحَرَّةِ) أرض ذات حجارةٍ سُودٍ ظاهر المدينةِ (كَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ، وَقَتَلُوا رَاعِيَ رَسُولِ اللهِ ﷺ) يسارًا النُّوبيَّ، فقطَعوا يدهُ ورجلهُ وغرزُوا الشَّوك في لسانهِ وعينهِ حتَّى مات (وَاسْتَاقُوا الذَّوْدَ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ) ذلك (فَبَعَثَ) ﵊ (الطَّلَبَ فِي آثَارِهِمْ) وكان المبعوثون عشرينَ وأميرهم كرزُ بنُ جابرٍ، فأدركُوا هؤلاء (٢) القومَ فأُخِذوا (وَأَمَرَ بِهِمْ) ﷺ (فَسَمَرُوا) أي: كحَلُوا (أَعْيُنَهُمْ) بالمساميرِ المحمَّاةِ (وَقَطَعُوا أَيْدِيَهُمْ) زاد «في الطَّهارة» [خ¦٢٣٣] وغيرها [خ¦١٥٠١] «وأرجلهم» (وَتُرِكُوا) بضم الفوقية مبنيًّا للمفعول (فِي نَاحِيَةِ الحَرَّةِ حَتَّى مَاتُوا عَلَى حَالِهِمْ) زاد في «الطَّهارة» (٣) «يَستسقون فلا يُسْقَونَ» [خ¦٢٣٣] وذلك لارتدادِهم، والمرتدُّ لا حرمةَ له كالكلبِ العقورِ.
(٣٠) (٤) (بابُ مَا يُذْكَرُ فِي) أمرِ (٥) (الطَّاعُونِ) بوزن فاعول، من الطَّعنِ، عدلُوا به عن أصلهِ ووضعوهُ دالًّا على الموت العامِّ كالوباءِ، وفي «تهذيب النَّووي» وهو بثرٌ وورمٌ مؤلمٌ جدًا يخرجُ مع لهبٍ، ويَسْوَدُّ ما حولَهُ، أو يخضرُّ، أو يحمرُّ حمرةً شديدةً بنفسجيَّةً كدرةً، ويحصلُ معه خفقانٌ وقيءٌ، ويخرجُ (٦) غالبًا في المَرَاقِّ والآباطِ، وقد يخرجُ في الأيدي والأصابعِ وسائر الجسدِ.
وقال ابنُ سينا: وسببه دمٌ رديءٌ يستحيلُ إلى جوهرٍ سُمِّيٍّ يُفسد العضو، ويؤدِّي إلى القلبِ كيفيَّةً رديئةً فيُحدِث القيءَ والغثيانَ والغشيَ، ولرداءتهِ لا يقبلُ من الأعضاءِ إلَّا ما كان أضعفَ بالطَّبع، والطَّواعين تكثرُ عند الوباءِ في البلادِ الوبيئة، ومن ثمَّ أُطلق على الطَّاعون وباءً وبالعكس، والوباءُ فسادُ جوهر الهواء الَّذي هو مادَّةُ الرُّوح ومدده. انتهى.
وحاصلُ هذا: أنَّه ورمٌ ينشأُ عن هيجانِ الدَّم وانصباب الدَّم إلى عضوٍ فيفسدهُ، وأنَّ غير
ذلك من الأمراض العامَّة النَّاشئة عن فساد الهواء يُسمَّى طاعونًا بطريق المجاز لاشتراكهما في عُموم المرض به، وهذا لا يعارضُ حديث «الطَّاعون وخزُ أعدائكُم من الجنِّ» إذ يجوزُ أنَّ (١) ذلك يحدُث عن (٢) الطَّعنة الباطنة فتُحدث منها المادَّة السُّميَّة، ويهيجُ الدَّمُ بسببها، وإنَّما لم تتعرَّض الأطباءُ لكونه من طعن الجنِّ؛ لأنَّه أمرٌ لا يُدرك بالعقلِ وإنَّما عُرف من جهة الشَّارع فتكلَّموا في ذلك بما (٣) اقتضتْهُ قواعدُهم، لكن في وقوع الطَّاعونِ في أعدلِ الفُصولِ وأصحِّ البلاد هواءً وأطيبها ماءً دلالة على أنَّ الطَّاعون إنَّما يكون من طعن الجنِّ، ولأنَّه لو كان بسبب فسادِ الهواء لدام في الأرضِ؛ لأنَّ الهواءَ يفسدُ تارةً ويصحُّ أخرى، والطَّاعونُ يذهبُ أحيانًا ويجيء أحيانًا على غير قياسٍ ولا تجربةٍ، وربَّما جاء سنةً على سنةٍ، وربَّما أبطأ سنينَ، وأيضًا لو كان من فسادِ الهواء لعمَّ النَّاسَ والحيوان، وربَّما يُصيب الكثير من النَّاسِ ولا يُصيبُ مَن هو (٤) بجانبهم ممَّن هو في مثل مزاجهِم، وربَّما يُصيب بعض أهل البيتِ الواحد ويسلمُ منه الآخرون منهم (٥)، وأمَّا ما يُذكر من أنَّه وخزُ إخوانكم من الجنِّ، فقال ابنُ حجر: إنَّهُ لم يجدهُ في شيءٍ من طُرق الحديث المسندة لا في الكُتب المشهورة، ولا الأجزاء المنثورةِ (٦) بعد التَّتبُّع الطَّويل البالغِ، وعزاه في «آكام المرجان» لـ «مسند أحمد» والطَّبرانيِّ، و «كتابُ الطَّواعين» لابن أبي الدُّنيا، ولا وجودَ له في واحدٍ منها.