قال الدَّاوديُّ (١) -فيما نقله عنه في «المصابيح» -: يعني يزيدُ في إكرامهِ على ما كان يفعلُ في عياله. وقال في «الكواكب»: الأمرُ بالإكرامِ يختلفُ بحسب المقامات فربَّما يكون فرض عينٍ أو فرض كفايةٍ، وأقلُّه أنَّه من باب مكارمِ الأخلاق (وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا) ليغنم (أَوْ لِيَصْمُِتْ) بضم الميم، وقد تكسر، أي: ليسكُت عن الشَّرِّ ليسلم؛ إذ (٢) آفات اللِّسان كثيرةٌ فاحفظْ لسانك، وَلْيَسَعْكَ بيتُك، وابْكِ على خطيئتكَ، وهل يكبُّ النَّاس في النَّار على مَناخِرهم إلَّا حصائدُ ألسنتهم. قال ابنُ مسعود: ما شيءٌ أحوجُ إلى طولِ سجنٍ من لسان. ولبعضهم (٣) اللِّسان حيَّة مسكنها الفمُ.
وهذا الحديثُ أخرجه مسلمٌ في «الإيمان»، وابن ماجه في «الفتن» (٤).
٦٠١٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ الكلاعيُّ الحافظ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بنُ سعدٍ الإمام (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (سَعِيدٌ المَقْبُرِيُّ، عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ) بضم المعجمة وفتح الراء آخره مهملة، خويلد (العَدَوِيِّ) الخُزاعيِّ الكعبيِّ الصَّحابيِّ ﵁ (قَالَ: سَمِعَتْ أُذُنَايَ وَأَبْصَرَتْ عَيْنَايَ حِينَ تَكَلَّمَ النَّبِيُّ ﷺ) وفائدة قولهِ: سمعت وأبصرتْ التَّوكيد
(فَقَالَ: مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ) وفي «مسلم» من حديث أبي هريرة: «فليحسِنْ إلى جاره» (وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ جَائِزَتَهُ) نصب مفعول ثان ليُكرم (١) لأنَّه في معنى الإعطاءِ أو بنزعِ الخافض، أي: بجائزتهِ، والجائزةُ العطاء (قَالَ (٢): وَمَا جَائِزَتُهُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ (٣)): جائزتهُ (يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ) وجاز وقوع الزَّمان خبرًا عن الجثَّة إمَّا باعتبار أنَّ له حكم الظَّرف، وإمَّا مضاف مقدَّر، أي: زمان جائزتهِ يومٌ وليلة (وَالضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ) باليوم الأوَّل أو ثلاثةٌ بعده، والأوَّل أشبهُ. قال الخطَّابيُّ: أي: يتكلَّف له يومًا وليلةً فيُتْحِفُه ويزيدهُ في البرِّ على ما يخصه (٤) في سائر الأيَّام، وفي اليومين الأخيرين يقدِّم له ما حضر، فإذا مضت الثَّلاثة فقد قضى حقَّه (فَمَا كَانَ) من البرِّ (وَرَاءَ ذَلِكَ) المذكور من الثَّلاثة (فَهْوَ صَدَقَةٌ عَلَيْهِ) وفي التَّعبير بالصَّدقة تنفيرٌ عنه؛ لأنَّ كثيرًا من النَّاس يأنفونَ غالبًا من أكلِ الصَّدقة، وفي «مسلم» «الضِّيافة ثلاثةُ أيَّامٍ وجائزتهُ يومٌ وليلة» وهو يدلُّ على المغايرة، أي: قدرَ ما يجوزُ به المسافر ما يكفيهِ يومًا وليلة، أو أنَّ قوله: «وجائزتهُ»، بيانٌ لحالةٍ أخرى، وهو أنَّ المسافر تارةً يُقيم عند من ينزلُ عليه، فهذا لا يزاد على الثَّلاثة، وتارةً لا يُقيم فهذا يُعْطى ما يجوز به قدر كفايته يومًا وليلةً، ومنه حديث: «أجيزوا الوفدَ بنحوِ ما كنتُ أجيزُهم» [خ¦٣٠٥٣]