«نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ.»…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٤١٢

الحديث رقم ٦٤١٢ من كتاب «كتاب الرقاق» في صحيح البخاري، تحت باب: كتاب الرقاق.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة…

«نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ.»

٦٤١٢ (م) - قَالَ عَبَّاسٌ الْعَنْبَرِيُّ : حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ عِيسَى، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ أَبِيهِ سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ مِثْلَهُ

سند حديث: ٦٤١٢ - حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ…

٦٤١٢ - حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ هُوَ ابْنُ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ :

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة…

أَخْبَرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم عن نعمتين عظيمتين من نعم الله على الإنسان يَخْسَر فيهما كثيرٌ من الناس حيث يَصرفونها في غير محلها؛ فإن الإنسان إذا اجتمع له نعمة الصحة مع الفراغ، فغَلَبَ عليه الكسل عن الطاعة فهو الخاسر؛ وهي حال أكثر الناس، وإن استعمل فراغَه وصحتَه في طاعة الله فهو الرابح؛ حيث أن الدنيا مزرعة الآخرة، وفيها التجارة التي يظهر ربحُها في الآخرة، والفراغ يَعْقُبُه الشُّغْل، والصحة يعقبها السَّقَم، ولو لم يكن إلا الهَرَم لَكَفى.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • تشبيه المكلَّف بالتاجر، والصحة والفراغ برأس المال؛ فمن أحسن استخدام رأس ماله نال وربح، ومن ضيَّعه خَسِر ونَدِم.
  • قال ابن الخازن: النعمة ما يتنعّم به الإنسان ويَستَلِذُّه، والغَبْنُ أنْ يشتري بأضعاف الثمن، أو يبيع بدون ثمن المِثْل؛ فمن صحَّ بدنه وتَفَرّغ من الأشغال العاتقة ولم يَسْعَ لصلاح آخرته فهو كالمغبون في البيع.
  • الحرص على الاستفادة من الصحة والفراغ للتقرب إلى الله عز وجل، وفعل الخيرات قبل فواتهما.
  • شكر نعم الله يكون باستخدامها في طاعة الله تعالى.
  • قال القاضي وأبو بكر بن العربي: اختلف في أول نعمة الله على العبد، فقيل: الإيمان، وقيل: الحياة، وقيل: الصحة، والأول أولى فإنه نعمة مُطْلَقة، وأما الحياة والصحة فإنهما نعمة دنيوية، ولا تكون نعمة حقيقة إلا إذا صاحبت الإيمانَ، وحينئذ يُغْبَنُ فيها كثير من الناس، أي يذهب رِبْحُهم أو يَنْقُص، فمَن استرسل مع نفسه الأمّارة بالسوء الخالدة إلى الراحة فترك المحافظة على الحدود، والمواظبة على الطاعة فقد غُبِنَ، وكذلك إذا كان فارغًا، فإنّ المشغول قد يكون له مَعذِرة بخلاف الفارغ؛ فإنه يرتفع عنه المعذرة وتقوم عليه الحجة.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

(خَاتِمَة): اشْتَمَلَ كِتَابُ الدَّعَوَاتِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ عَلَى مِائَةٍ وَخَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ حَدِيثًا مِنْهَا أَحَدٌ وَأَرْبَعُونَ مُعَلَّقَةٌ وَالْبَقِيَّةُ مَوْصُولَةٌ الْمُكَرَّرُ مِنْهَا فِيهِ وَفِيمَا مَضَى مِائَةٌ وَأَحَدٌ وَعِشْرُونَ حَدِيثًا وَالْبَقِيَّةُ خَالِصَةٌ وَافَقَهُ مُسْلِمٌ عَلَى تَخْرِيجِهَا سِوَى حَدِيثِ شَدَّادٍ فِي سَيِّدِ الِاسْتِغْفَارِ وَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي عَدَدِ الِاسْتِغْفَارِ كُلَّ يَوْمٍ وَحَدِيثِ حُذَيْفَةَ فِي الْقَوْلِ عِنْدَ النَّوْمِ وَحَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ فِي ذَلِكَ وَحَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ فِي مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي اجْتِنَابِ السَّجْعِ فِي الدُّعَاءِ وَحَدِيثِ جَابِرٍ فِي الِاسْتِخَارَةِ وَحَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ فِي التَّهْلِيلِ، وَفِيهِ مِنَ الْآثَارِ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ تِسْعَةُ آثَارٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

الصَّفَاقَةُ كَثَوْبٍ رَقِيقٍ وَثَوْبٍ صَفِيقٍ وَمَتَى كَانَتْ فِي نَفْسٍ فَضِدُّهَا الْقَسْوَةُ كَرَقِيقِ الْقَلْبِ وَقَاسِي الْقَلْبِ. وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَتَرْقِيقُ الْكَلَامِ تَحْسِينُهُ. قَوْلُهُ (أَخْبَرَنَا الْمَكِّيُّ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ فِي أَوَّلِهِ وَهُوَ اسْمٌ بِلَفْظِ النَّسَبِ وَهُوَ مِنَ الطَّبَقَةِ الْعُلْيَا مِنْ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ وَقَدْ أَخْرَجَ أَحْمَدُ عَنْهُ هَذَا الْحَدِيثَ بِعَيْنِهِ.

قَوْلُهُ (هُوَ ابْنُ أَبِي هِنْدٍ) الضَّمِيرُ لِسَعِيدٍ لَا لِعَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ مِنْ تَفْسِيرِ الْمُصَنِّفِ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ، عَنْ مَكِّيٍّ، وَوَكِيعٍ جَمِيعًا حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ وَعَبْدُ اللَّهِ الْمَذْكُورُ مِنْ صِغَارِ التَّابِعِينَ لِأَنَّهُ لَقِيَ بَعْضَ صِغَارِ الصَّحَابَةِ وَهُوَ أَبُو أُمَامَةَ بْنُ سَهْلٍ.

قَوْلُهُ (عَنْ أَبِيهِ) فِي رِوَايَةِ يَحْيَى الْقَطَّانِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ حَدَّثَنِي أَبِي أخَرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ.

قَوْلُهُ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي بَعْدَهَا سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ.

قَوْلُهُ (نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ) كَذَا لِسَائِرِ الرُّوَاةِ لَكِنْ عِنْدَ أَحْمَدَ الْفَرَاغُ وَالصِّحَّةُ وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، وَابْنِ الْمُبَارَكِ، وَوَكِيعٍ كُلُّهُمْ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ بِسَنَدِهِ الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، وَلَمْ يُبَيِّنْ لِمَنِ اللَّفْظُ.

وَأَخْرَجَهُ الدَّارِمِيُّ، عَنْ مَكِّيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ كَذَلِكَ بِزِيَادَةٍ وَلَفْظُهُ إِنَّ الصِّحَّةَ وَالْفَرَاغَ نِعْمَتَانِ مِنْ نِعَمِ اللَّهِ وَالْبَاقِي سَوَاءٌ وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ وَهِيَ قَوْلُهُ مِنْ نِعَمِ اللَّهِ وَقَعَتْ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَدِيٍّ الْمُشَارِ إِلَيْهَا وَقَوْلُهُ نِعْمَتَانِ تَثْنِيَةُ نِعْمَةٍ وَهِيَ الْحَالَةُ الْحَسَنَةُ وَقِيلَ هِيَ الْمَنْفَعَةُ الْمَفْعُولَةُ عَلَى جِهَةِ الْإِحْسَانِ لِلْغَيْرِ وَالْغَبَنُ بِالسُّكُونِ وَبِالتَّحْرِيكِ وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: هُوَ فِي الْبَيْعِ بِالسُّكُونِ وَفِي الرَّأْيِ بِالتَّحْرِيكِ وَعَلَى هَذَا فَيَصِحُّ كُلٌّ مِنْهُمَا فِي هَذَا الْخَبَرِ فَإِنَّ مَنْ لَا يَسْتَعْمِلُهُمَا فِيمَا يَنْبَغِي فَقَدْ غَبَنَ لِكَوْنِهِ بَاعَهُمَا بِبَخْسٍ وَلَمْ يُحْمَدْ رَأْيُهُ فِي ذَلِكَ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ الْمَرْءَ لَا يَكُونُ فَارِغًا حَتَّى يَكُونَ مَكْفِيًّا صَحِيحَ الْبَدَنِ فَمَنْ حَصَلَ لَهُ ذَلِكَ فَلْيَحْرِصْ عَلَى أَنْ لَا يَغْبِنَ بِأَنْ يَتْرُكَ شُكْرَ اللَّهِ عَلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِ وَمِنْ شُكْرِهِ امْتِثَالُ أَوَامِرِهِ وَاجْتِنَابُ نَوَاهِيهِ فَمَنْ فَرَّطَ فِي ذَلِكَ فَهُوَ الْمَغْبُونُ وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ إِلَى أَنَّ الَّذِي يُوَفَّقُ لِذَلِكَ قَلِيلٌ.

وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: قَدْ يَكُونُ الْإِنْسَانُ صَحِيحًا وَلَا يَكُونُ مُتَفَرِّغًا لِشُغْلِهِ بِالْمَعَاشِ وَقَدْ يَكُونُ مُسْتَغْنِيًا وَلَا يَكُونُ صَحِيحًا فَإِذَا اجْتَمَعَا فَغَلَبَ عَلَيْهِ الْكَسَلُ عَنِ الطَّاعَةِ فَهُوَ الْمَغْبُونُ وَتَمَامُ ذَلِكَ أَنَّ الدُّنْيَا مَزْرَعَةُ الْآخِرَةِ وَفِيهَا التِّجَارَةُ الَّتِي يَظْهَرُ رِبْحُهَا فِي الْآخِرَةِ فَمَنِ اسْتَعْمَلَ فَرَاغَهُ وَصِحَّتَهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ فَهُوَ الْمَغْبُوطُ وَمَنِ اسْتَعْمَلَهُمَا فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ فَهُوَ الْمَغْبُونُ لِأَنَّ الْفَرَاغَ يَعْقُبُهُ الشُّغْلُ وَالصِّحَّةُ يَعْقُبُهَا السَّقَمُ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ إِلَّا الْهَرَمُ كَمَا قِيلَ:

يَسُرُّ الْفَتَى طُولُ السَّلَامَةِ وَالْبَقَا … فَكَيْفَ تَرَى طُولَ السَّلَامَةِ يَفْعَلُ

يَرُدُّ الْفَتَى بَعْدَ اعْتِدَالٍ وَصِحَّةٍ … يَنُوءُ إِذَا رَامَ الْقِيَامَ وَيُحْمَلُ

وَقَالَ الطِّيبِيُّ: ضَرَبَ النَّبِيُّ لِلْمُكَلَّفِ مَثَلًا بِالتَّاجِرِ الَّذِي لَهُ رَأْسُ مَالٍ فَهُوَ يَبْتَغِي الرِّبْحَ مَعَ سَلَامَةِ رَأْسِ الْمَالِ فَطَرِيقُهُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَتَحَرَّى فِيمَنْ يُعَامِلُهُ وَيَلْزَمَ الصِّدْقَ وَالْحِذْقَ لِئَلَّا يُغْبَنَ فَالصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ رَأْسُ الْمَالِ وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُعَامِلَ اللَّهَ بِالْإِيمَانِ وَمُجَاهَدَةِ النَّفْسِ وَعَدُوِّ الدِّينِ لِيَرْبَحَ خَيْرَيِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَقَرِيبٌ مِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ - تَعَالَى -: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ الْآيَاتِ. وَعَلَيْهِ أَنْ يَجْتَنِبَ مُطَاوَعَةَ النَّفْسِ وَمُعَامَلَةَ الشَّيْطَانِ؛ لِئَلَّا يُضَيِّعَ رَأْسَ مَالِهِ مَعَ الرِّبْحِ.

وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ فَالْكَثِيرُ فِي الْحَدِيثِ فِي مُقَابَلَةِ الْقَلِيلِ فِي الْآيَةِ. وَقَالَ الْقَاضِي وَأَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ: اخْتُلِفَ

فِي أَوَّلِ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَى الْعَبْدِ فَقِيلَ الْإِيمَانُ وَقِيلَ الْحَيَاةُ وَقِيلَ الصِّحَّةُ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى فَإِنَّهُ نِعْمَةٌ مُطْلَقَةٌ وَأَمَّا الْحَيَاةُ وَالصِّحَّةُ فَإِنَّهُمَا نِعْمَةٌ دُنْيَوِيَّةٌ وَلَا تَكُونُ نِعْمَةً حَقِيقَةً إِلَّا إِذَا صَاحَبَتِ الْإِيمَانَ وَحِينَئِذٍ يُغْبَنُ فِيهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ أَيْ يَذْهَبُ رِبْحُهُمْ أَوْ يَنْقُصُ فَمَنِ اسْتَرْسَلَ مَعَ نَفْسِهِ الْأَمَّارَةِ بِالسُّوءِ الْخَالِدَةِ إِلَى الرَّاحَةِ فَتَرَكَ الْمُحَافَظَةَ عَلَى الْحُدُودِ وَالْمُوَاظَبَةَ عَلَى الطَّاعَةِ فَقَدْ غُبِنَ وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ فَارِغًا فَإِنَّ الْمَشْغُولَ قَدْ يَكُونُ لَهُ مَعْذِرَةٌ بِخِلَافِ الْفَارِغِ فَإِنَّهُ يَرْتَفِعُ عَنْهُ الْمَعْذِرَةُ وَتَقُومُ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ.

قَوْلُهُ (وَقَالَ عَبَّاسٌ الْعَنْبَرِيُّ) هُوَ بِالْمُهْمَلَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ ابْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ أَحَدُ الْحُفَّاظِ بَصْرِيٌّ مِنْ أَوْسَاطِ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ وَقَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ، عَنِ الْعَبَّاسِ الْمَذْكُورِ فَقَالَ فِي كِتَابِ الزُّهْدِ مِنَ السُّنَنِ فِي بَابِ الْحِكْمَةِ مِنْهُ حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ الْعَنْبَرِيُّ فَذَكَرَهُ سَوَاءً. قَالَ الْحَاكِمُ: هَذَا الْحَدِيثُ صَدَّرَ بِهِ ابْنُ الْمُبَارَكِ كِتَابَهُ فَأَخْرَجَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ. قُلْتُ: وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: رَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ فَرَفَعُوهُ وَوَقَفَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ وَفِي الْبَابِ عَنْ أَنَسٍ انْتَهَى وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طُرُقٍ عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ ثُمَّ مِنْ وَجْهَيْنِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ ثُمَّ مِنْ طَرِيقِ بُنْدَارٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بِهِ ثُمَّ قَالَ: قَالَ بُنْدَارٌ: رُبَّمَا حَدَّثَ بِهِ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ وَلَمْ يَرْفَعْهُ. وَأَخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا.

قَوْلُهُ (عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ) أَيِ ابْنِ إِيَاسٍ الْمُزَنِيِّ وِلِقُرَّةَ صُحْبَةٌ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ آدَمَ فِي فَضَائِلِ الْأَنْصَارِ عَنْ شُعْبَةَ حَدَّثَنَا أَبُو إِيَاسٍ مُعَاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ وَإِيَاسٌ هُوَ الْقَاضِي الْمَشْهُورُ بِالذَّكَاءِ.

قَوْلُهُ (عَنِ النَّبِيِّ قَالَ: اللَّهُمَّ لَا عَيْشَ إِلَّا عَيْشُ الْآخِرَةِ) فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ.

قَوْلُهُ: (فَأَصْلِحِ الْأَنْصَارَ وَالْمُهَاجِرَة) تَقَدَّمَ فِي فَضْلِ الْأَنْصَارِ بَيَانُ الِاخْتِلَافِ عَلَى شُعْبَةَ فِي لَفْظِهِ وَأَنَّهُ عَطَفَ عَلَيْهِ رِوَايَةَ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ وَزِيَادَةَ مَنْ زَادَ فِيهِ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ فَطَابَقَ حَدِيثَ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ الْمَذْكُورَ فِي الَّذِي بَعْدَهُ وَزِيَادَةَ مَنْ زَادَ فِيهِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ نَحْنُ الَّذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّدًا عَلَى الْجِهَادِ مَا بَقِينَا أَبَدًا فَأَجَابَهُمْ بِذَلِكَ وَتَقَدَّمَ فِي غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسٍ أَتَمَّ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ وَفِيهِ مِنْ طَرِيقِ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي غَدَاةٍ بَارِدَةٍ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ عَبِيدٌ يَعْمَلُونَ ذَلِكَ لَهُمْ فَلَمَّا رَأَى مَا بِهِمْ مِنَ النَّصَبِ وَالْجُوعِ قَالَ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ (الْفُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ) هُوَ بِالتَّصْغِيرِ وَهُوَ النُّمَيْرِيُّ، صَدُوقٌ فِي حِفْظِهِ شَيْءٌ.

قَوْلُهُ (وَهُوَ يَحْفِرُ وَنَحْنُ نَنْقُلُ التُّرَابَ) تَقَدَّمَ فِي فَضْلِ الْأَنْصَارِ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَهْلٍ خَرَجَ النَّبِيُّ وَهُمْ يَحْفِرُونَ الْخَنْدَقَ الْحَدِيثَ. وَيُجْمَعُ بِأَنَّ مِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَحْفِرُ مَعَ النَّبِيِّ وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَنْقُلُ التُّرَابَ.

قَوْلُهُ (وَبَصُرَ بِنَا) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَضَمَّ الصَّادِّ الْمُهْمَلَةِ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَيَمُرُّ بِنَا مِنَ الْمُرُورِ.

قَوْلُهُ (فَاغْفِرْ) تَقَدَّمَ فِي غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ بِلَفْظِ فَاغْفِرْ لِلْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَأَنَّ الْأَلْفَاظَ الْمَنْقُولَةَ فِي ذَلِكَ بَعْضُهَا مَوْزُونٌ وأَكْثَرُهَا غَيْرُ مَوْزُونٍ وَيُمْكِنُ رَدُّهُ إِلَى الْوَزْنِ بِضَرْبٍ مِنَ الزِّحَافِ، وَهُوَ غَيْرُ مَقْصُودٍ إِلَيْهِ بِالْوَزْنِ، فَلَا يَدْخُلُ هُوَ فِي الشِّعْرِ، وَفِي هَذَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ إِشَارَةٌ إِلَى تَحْقِيرِ عَيْشِ الدُّنْيَا لِمَا يَعْرِضُ لَهُ مِنَ التَّكْدِيرِ وَسُرْعَةِ الْفَنَاءِ.

قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: مُنَاسَبَةُ إِيرَادِ حَدِيثِ أَنَسٍ، وَسَهْلٍ مَعَ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ التَّرْجَمَةُ أَنَّ النَّاسَ قَدْ غُبِنَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ فِي الصِّحَّةِ وَالْفَرَاغِ لِإِيثَارِهِمْ لِعَيْشِ الدُّنْيَا عَلَى عَيْشِ الْآخِرَةِ، فَأَرَادَ الْإِشَارَةَ إِلَى أَنَّ الْعَيْشَ الَّذِي اشْتُغِلُوا بِهِ لَيْسَ بِشَيْءٍ بَلِ الْعَيْشُ الَّذِي شُغِلُوا عَنْهُ هُوَ الْمَطْلُوبُ، وَمَنْ فَاتَهُ فَهُوَ الْمَغْبُونُ.

٢ - بَاب مَثَلِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٦٤١٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا (١) المَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) التَّميميُّ البلخيُّ (٢) كذا للأكثرِ بالألف في أوَّله، وهو اسمٌ بلفظ النَّسب، وهو من الطَّبقة العليا من شيوخ البخاريِّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ) بكسر العين (هُوَ) أي: سعيدُ (ابْنُ أَبِي هِنْدٍ) الفزاريُّ مولى سَمُرة بن جندبٍ (عَنْ أَبِيهِ) سعيد بن أبي هندٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ) أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ : نِعْمَتَانِ) تثنية: نِعمة، وهي الحالة الحسنةُ. وقال الإمام فخر الدِّين: المنفعةُ المفعولة على جهةِ الإحسان إلى الغير، وزاد الدَّارميُّ: «من نِعَمِ الله» (مَغْبُونٌ فِيهِمَا) أي: في النِّعمتين (كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ) رفعٌ بالابتداء، وخبره: «مغبونٌ» مقدَّمًا، والجملةُ خبر «نعمتان» وهما (الصِّحَّةُ) في البدنِ (وَالفَرَاغُ) من الشَّواغل بالمعاشِ المانعِ له عن العبادة، والغَبْن: بفتح الغين (٣) المعجمة وسكون الموحدة: النَّقص في البيع، وبتحريكها: في الرَّأي، أي: ضعفُ الرَّأي. قال في «الكواكب»: فكأنَّه قال: هذان الأمران إذا لم يُستعملا فيما ينبغِي فقد غُبِن صاحبهما فيهما، أي: باعهمَا ببخسٍ لا تُحمد عاقبتُه، أو: ليس له رأيٌ في ذلك البتَّة؛ فقد (٤) يكونُ الإنسانُ صحيحًا، ولا يكون متفرِّغًا للعبادةِ لاشتغالهِ بالمعاشِ وبالعكس (٥)، فإذا اجتمع الصِّحَّة والفراغ وقصَّر في نيل الفضائل فذلك الغبنُ كلّ الغبن؛ لأنَّ الدُّنيا سوقُ الأرباح، ومزرعةٌ للآخرة، وفيها التِّجارة الَّتي يظهرُ ربحها في الآخرة، فمن استعملَ فراغه وصحَّته في طاعةِ مولاه فهو المغبوط، ومن استعملَهما في معصيةِ الله فهو المَغبونُ؛ لأنَّ الفراغَ يعقبُه الشُّغل والصِّحَّة يعقبُها السُّقم، ولو (٦) لم يكن إلَّا الهرم لكفى (٧).

والحديثُ أخرجه التِّرمذيُّ في «الزُّهد»، والنَّسائيُّ في «الرَّقائق»، وابن ماجه في «الرَّقائق».

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

(خَاتِمَة): اشْتَمَلَ كِتَابُ الدَّعَوَاتِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ عَلَى مِائَةٍ وَخَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ حَدِيثًا مِنْهَا أَحَدٌ وَأَرْبَعُونَ مُعَلَّقَةٌ وَالْبَقِيَّةُ مَوْصُولَةٌ الْمُكَرَّرُ مِنْهَا فِيهِ وَفِيمَا مَضَى مِائَةٌ وَأَحَدٌ وَعِشْرُونَ حَدِيثًا وَالْبَقِيَّةُ خَالِصَةٌ وَافَقَهُ مُسْلِمٌ عَلَى تَخْرِيجِهَا سِوَى حَدِيثِ شَدَّادٍ فِي سَيِّدِ الِاسْتِغْفَارِ وَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي عَدَدِ الِاسْتِغْفَارِ كُلَّ يَوْمٍ وَحَدِيثِ حُذَيْفَةَ فِي الْقَوْلِ عِنْدَ النَّوْمِ وَحَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ فِي ذَلِكَ وَحَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ فِي مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي اجْتِنَابِ السَّجْعِ فِي الدُّعَاءِ وَحَدِيثِ جَابِرٍ فِي الِاسْتِخَارَةِ وَحَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ فِي التَّهْلِيلِ، وَفِيهِ مِنَ الْآثَارِ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ تِسْعَةُ آثَارٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

الصَّفَاقَةُ كَثَوْبٍ رَقِيقٍ وَثَوْبٍ صَفِيقٍ وَمَتَى كَانَتْ فِي نَفْسٍ فَضِدُّهَا الْقَسْوَةُ كَرَقِيقِ الْقَلْبِ وَقَاسِي الْقَلْبِ. وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَتَرْقِيقُ الْكَلَامِ تَحْسِينُهُ. قَوْلُهُ (أَخْبَرَنَا الْمَكِّيُّ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ فِي أَوَّلِهِ وَهُوَ اسْمٌ بِلَفْظِ النَّسَبِ وَهُوَ مِنَ الطَّبَقَةِ الْعُلْيَا مِنْ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ وَقَدْ أَخْرَجَ أَحْمَدُ عَنْهُ هَذَا الْحَدِيثَ بِعَيْنِهِ.

قَوْلُهُ (هُوَ ابْنُ أَبِي هِنْدٍ) الضَّمِيرُ لِسَعِيدٍ لَا لِعَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ مِنْ تَفْسِيرِ الْمُصَنِّفِ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ، عَنْ مَكِّيٍّ، وَوَكِيعٍ جَمِيعًا حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ وَعَبْدُ اللَّهِ الْمَذْكُورُ مِنْ صِغَارِ التَّابِعِينَ لِأَنَّهُ لَقِيَ بَعْضَ صِغَارِ الصَّحَابَةِ وَهُوَ أَبُو أُمَامَةَ بْنُ سَهْلٍ.

قَوْلُهُ (عَنْ أَبِيهِ) فِي رِوَايَةِ يَحْيَى الْقَطَّانِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ حَدَّثَنِي أَبِي أخَرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ.

قَوْلُهُ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي بَعْدَهَا سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ.

قَوْلُهُ (نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ) كَذَا لِسَائِرِ الرُّوَاةِ لَكِنْ عِنْدَ أَحْمَدَ الْفَرَاغُ وَالصِّحَّةُ وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، وَابْنِ الْمُبَارَكِ، وَوَكِيعٍ كُلُّهُمْ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ بِسَنَدِهِ الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، وَلَمْ يُبَيِّنْ لِمَنِ اللَّفْظُ.

وَأَخْرَجَهُ الدَّارِمِيُّ، عَنْ مَكِّيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ كَذَلِكَ بِزِيَادَةٍ وَلَفْظُهُ إِنَّ الصِّحَّةَ وَالْفَرَاغَ نِعْمَتَانِ مِنْ نِعَمِ اللَّهِ وَالْبَاقِي سَوَاءٌ وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ وَهِيَ قَوْلُهُ مِنْ نِعَمِ اللَّهِ وَقَعَتْ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَدِيٍّ الْمُشَارِ إِلَيْهَا وَقَوْلُهُ نِعْمَتَانِ تَثْنِيَةُ نِعْمَةٍ وَهِيَ الْحَالَةُ الْحَسَنَةُ وَقِيلَ هِيَ الْمَنْفَعَةُ الْمَفْعُولَةُ عَلَى جِهَةِ الْإِحْسَانِ لِلْغَيْرِ وَالْغَبَنُ بِالسُّكُونِ وَبِالتَّحْرِيكِ وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: هُوَ فِي الْبَيْعِ بِالسُّكُونِ وَفِي الرَّأْيِ بِالتَّحْرِيكِ وَعَلَى هَذَا فَيَصِحُّ كُلٌّ مِنْهُمَا فِي هَذَا الْخَبَرِ فَإِنَّ مَنْ لَا يَسْتَعْمِلُهُمَا فِيمَا يَنْبَغِي فَقَدْ غَبَنَ لِكَوْنِهِ بَاعَهُمَا بِبَخْسٍ وَلَمْ يُحْمَدْ رَأْيُهُ فِي ذَلِكَ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ الْمَرْءَ لَا يَكُونُ فَارِغًا حَتَّى يَكُونَ مَكْفِيًّا صَحِيحَ الْبَدَنِ فَمَنْ حَصَلَ لَهُ ذَلِكَ فَلْيَحْرِصْ عَلَى أَنْ لَا يَغْبِنَ بِأَنْ يَتْرُكَ شُكْرَ اللَّهِ عَلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِ وَمِنْ شُكْرِهِ امْتِثَالُ أَوَامِرِهِ وَاجْتِنَابُ نَوَاهِيهِ فَمَنْ فَرَّطَ فِي ذَلِكَ فَهُوَ الْمَغْبُونُ وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ إِلَى أَنَّ الَّذِي يُوَفَّقُ لِذَلِكَ قَلِيلٌ.

وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: قَدْ يَكُونُ الْإِنْسَانُ صَحِيحًا وَلَا يَكُونُ مُتَفَرِّغًا لِشُغْلِهِ بِالْمَعَاشِ وَقَدْ يَكُونُ مُسْتَغْنِيًا وَلَا يَكُونُ صَحِيحًا فَإِذَا اجْتَمَعَا فَغَلَبَ عَلَيْهِ الْكَسَلُ عَنِ الطَّاعَةِ فَهُوَ الْمَغْبُونُ وَتَمَامُ ذَلِكَ أَنَّ الدُّنْيَا مَزْرَعَةُ الْآخِرَةِ وَفِيهَا التِّجَارَةُ الَّتِي يَظْهَرُ رِبْحُهَا فِي الْآخِرَةِ فَمَنِ اسْتَعْمَلَ فَرَاغَهُ وَصِحَّتَهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ فَهُوَ الْمَغْبُوطُ وَمَنِ اسْتَعْمَلَهُمَا فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ فَهُوَ الْمَغْبُونُ لِأَنَّ الْفَرَاغَ يَعْقُبُهُ الشُّغْلُ وَالصِّحَّةُ يَعْقُبُهَا السَّقَمُ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ إِلَّا الْهَرَمُ كَمَا قِيلَ:

يَسُرُّ الْفَتَى طُولُ السَّلَامَةِ وَالْبَقَا … فَكَيْفَ تَرَى طُولَ السَّلَامَةِ يَفْعَلُ

يَرُدُّ الْفَتَى بَعْدَ اعْتِدَالٍ وَصِحَّةٍ … يَنُوءُ إِذَا رَامَ الْقِيَامَ وَيُحْمَلُ

وَقَالَ الطِّيبِيُّ: ضَرَبَ النَّبِيُّ لِلْمُكَلَّفِ مَثَلًا بِالتَّاجِرِ الَّذِي لَهُ رَأْسُ مَالٍ فَهُوَ يَبْتَغِي الرِّبْحَ مَعَ سَلَامَةِ رَأْسِ الْمَالِ فَطَرِيقُهُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَتَحَرَّى فِيمَنْ يُعَامِلُهُ وَيَلْزَمَ الصِّدْقَ وَالْحِذْقَ لِئَلَّا يُغْبَنَ فَالصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ رَأْسُ الْمَالِ وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُعَامِلَ اللَّهَ بِالْإِيمَانِ وَمُجَاهَدَةِ النَّفْسِ وَعَدُوِّ الدِّينِ لِيَرْبَحَ خَيْرَيِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَقَرِيبٌ مِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ - تَعَالَى -: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ الْآيَاتِ. وَعَلَيْهِ أَنْ يَجْتَنِبَ مُطَاوَعَةَ النَّفْسِ وَمُعَامَلَةَ الشَّيْطَانِ؛ لِئَلَّا يُضَيِّعَ رَأْسَ مَالِهِ مَعَ الرِّبْحِ.

وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ فَالْكَثِيرُ فِي الْحَدِيثِ فِي مُقَابَلَةِ الْقَلِيلِ فِي الْآيَةِ. وَقَالَ الْقَاضِي وَأَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ: اخْتُلِفَ

فِي أَوَّلِ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَى الْعَبْدِ فَقِيلَ الْإِيمَانُ وَقِيلَ الْحَيَاةُ وَقِيلَ الصِّحَّةُ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى فَإِنَّهُ نِعْمَةٌ مُطْلَقَةٌ وَأَمَّا الْحَيَاةُ وَالصِّحَّةُ فَإِنَّهُمَا نِعْمَةٌ دُنْيَوِيَّةٌ وَلَا تَكُونُ نِعْمَةً حَقِيقَةً إِلَّا إِذَا صَاحَبَتِ الْإِيمَانَ وَحِينَئِذٍ يُغْبَنُ فِيهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ أَيْ يَذْهَبُ رِبْحُهُمْ أَوْ يَنْقُصُ فَمَنِ اسْتَرْسَلَ مَعَ نَفْسِهِ الْأَمَّارَةِ بِالسُّوءِ الْخَالِدَةِ إِلَى الرَّاحَةِ فَتَرَكَ الْمُحَافَظَةَ عَلَى الْحُدُودِ وَالْمُوَاظَبَةَ عَلَى الطَّاعَةِ فَقَدْ غُبِنَ وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ فَارِغًا فَإِنَّ الْمَشْغُولَ قَدْ يَكُونُ لَهُ مَعْذِرَةٌ بِخِلَافِ الْفَارِغِ فَإِنَّهُ يَرْتَفِعُ عَنْهُ الْمَعْذِرَةُ وَتَقُومُ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ.

قَوْلُهُ (وَقَالَ عَبَّاسٌ الْعَنْبَرِيُّ) هُوَ بِالْمُهْمَلَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ ابْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ أَحَدُ الْحُفَّاظِ بَصْرِيٌّ مِنْ أَوْسَاطِ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ وَقَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ، عَنِ الْعَبَّاسِ الْمَذْكُورِ فَقَالَ فِي كِتَابِ الزُّهْدِ مِنَ السُّنَنِ فِي بَابِ الْحِكْمَةِ مِنْهُ حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ الْعَنْبَرِيُّ فَذَكَرَهُ سَوَاءً. قَالَ الْحَاكِمُ: هَذَا الْحَدِيثُ صَدَّرَ بِهِ ابْنُ الْمُبَارَكِ كِتَابَهُ فَأَخْرَجَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ. قُلْتُ: وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: رَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ فَرَفَعُوهُ وَوَقَفَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ وَفِي الْبَابِ عَنْ أَنَسٍ انْتَهَى وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طُرُقٍ عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ ثُمَّ مِنْ وَجْهَيْنِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ ثُمَّ مِنْ طَرِيقِ بُنْدَارٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بِهِ ثُمَّ قَالَ: قَالَ بُنْدَارٌ: رُبَّمَا حَدَّثَ بِهِ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ وَلَمْ يَرْفَعْهُ. وَأَخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا.

قَوْلُهُ (عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ) أَيِ ابْنِ إِيَاسٍ الْمُزَنِيِّ وِلِقُرَّةَ صُحْبَةٌ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ آدَمَ فِي فَضَائِلِ الْأَنْصَارِ عَنْ شُعْبَةَ حَدَّثَنَا أَبُو إِيَاسٍ مُعَاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ وَإِيَاسٌ هُوَ الْقَاضِي الْمَشْهُورُ بِالذَّكَاءِ.

قَوْلُهُ (عَنِ النَّبِيِّ قَالَ: اللَّهُمَّ لَا عَيْشَ إِلَّا عَيْشُ الْآخِرَةِ) فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ.

قَوْلُهُ: (فَأَصْلِحِ الْأَنْصَارَ وَالْمُهَاجِرَة) تَقَدَّمَ فِي فَضْلِ الْأَنْصَارِ بَيَانُ الِاخْتِلَافِ عَلَى شُعْبَةَ فِي لَفْظِهِ وَأَنَّهُ عَطَفَ عَلَيْهِ رِوَايَةَ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ وَزِيَادَةَ مَنْ زَادَ فِيهِ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ فَطَابَقَ حَدِيثَ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ الْمَذْكُورَ فِي الَّذِي بَعْدَهُ وَزِيَادَةَ مَنْ زَادَ فِيهِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ نَحْنُ الَّذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّدًا عَلَى الْجِهَادِ مَا بَقِينَا أَبَدًا فَأَجَابَهُمْ بِذَلِكَ وَتَقَدَّمَ فِي غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسٍ أَتَمَّ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ وَفِيهِ مِنْ طَرِيقِ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي غَدَاةٍ بَارِدَةٍ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ عَبِيدٌ يَعْمَلُونَ ذَلِكَ لَهُمْ فَلَمَّا رَأَى مَا بِهِمْ مِنَ النَّصَبِ وَالْجُوعِ قَالَ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ (الْفُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ) هُوَ بِالتَّصْغِيرِ وَهُوَ النُّمَيْرِيُّ، صَدُوقٌ فِي حِفْظِهِ شَيْءٌ.

قَوْلُهُ (وَهُوَ يَحْفِرُ وَنَحْنُ نَنْقُلُ التُّرَابَ) تَقَدَّمَ فِي فَضْلِ الْأَنْصَارِ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَهْلٍ خَرَجَ النَّبِيُّ وَهُمْ يَحْفِرُونَ الْخَنْدَقَ الْحَدِيثَ. وَيُجْمَعُ بِأَنَّ مِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَحْفِرُ مَعَ النَّبِيِّ وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَنْقُلُ التُّرَابَ.

قَوْلُهُ (وَبَصُرَ بِنَا) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَضَمَّ الصَّادِّ الْمُهْمَلَةِ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَيَمُرُّ بِنَا مِنَ الْمُرُورِ.

قَوْلُهُ (فَاغْفِرْ) تَقَدَّمَ فِي غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ بِلَفْظِ فَاغْفِرْ لِلْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَأَنَّ الْأَلْفَاظَ الْمَنْقُولَةَ فِي ذَلِكَ بَعْضُهَا مَوْزُونٌ وأَكْثَرُهَا غَيْرُ مَوْزُونٍ وَيُمْكِنُ رَدُّهُ إِلَى الْوَزْنِ بِضَرْبٍ مِنَ الزِّحَافِ، وَهُوَ غَيْرُ مَقْصُودٍ إِلَيْهِ بِالْوَزْنِ، فَلَا يَدْخُلُ هُوَ فِي الشِّعْرِ، وَفِي هَذَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ إِشَارَةٌ إِلَى تَحْقِيرِ عَيْشِ الدُّنْيَا لِمَا يَعْرِضُ لَهُ مِنَ التَّكْدِيرِ وَسُرْعَةِ الْفَنَاءِ.

قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: مُنَاسَبَةُ إِيرَادِ حَدِيثِ أَنَسٍ، وَسَهْلٍ مَعَ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ التَّرْجَمَةُ أَنَّ النَّاسَ قَدْ غُبِنَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ فِي الصِّحَّةِ وَالْفَرَاغِ لِإِيثَارِهِمْ لِعَيْشِ الدُّنْيَا عَلَى عَيْشِ الْآخِرَةِ، فَأَرَادَ الْإِشَارَةَ إِلَى أَنَّ الْعَيْشَ الَّذِي اشْتُغِلُوا بِهِ لَيْسَ بِشَيْءٍ بَلِ الْعَيْشُ الَّذِي شُغِلُوا عَنْهُ هُوَ الْمَطْلُوبُ، وَمَنْ فَاتَهُ فَهُوَ الْمَغْبُونُ.

٢ - بَاب مَثَلِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٦٤١٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا (١) المَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) التَّميميُّ البلخيُّ (٢) كذا للأكثرِ بالألف في أوَّله، وهو اسمٌ بلفظ النَّسب، وهو من الطَّبقة العليا من شيوخ البخاريِّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ) بكسر العين (هُوَ) أي: سعيدُ (ابْنُ أَبِي هِنْدٍ) الفزاريُّ مولى سَمُرة بن جندبٍ (عَنْ أَبِيهِ) سعيد بن أبي هندٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ) أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ : نِعْمَتَانِ) تثنية: نِعمة، وهي الحالة الحسنةُ. وقال الإمام فخر الدِّين: المنفعةُ المفعولة على جهةِ الإحسان إلى الغير، وزاد الدَّارميُّ: «من نِعَمِ الله» (مَغْبُونٌ فِيهِمَا) أي: في النِّعمتين (كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ) رفعٌ بالابتداء، وخبره: «مغبونٌ» مقدَّمًا، والجملةُ خبر «نعمتان» وهما (الصِّحَّةُ) في البدنِ (وَالفَرَاغُ) من الشَّواغل بالمعاشِ المانعِ له عن العبادة، والغَبْن: بفتح الغين (٣) المعجمة وسكون الموحدة: النَّقص في البيع، وبتحريكها: في الرَّأي، أي: ضعفُ الرَّأي. قال في «الكواكب»: فكأنَّه قال: هذان الأمران إذا لم يُستعملا فيما ينبغِي فقد غُبِن صاحبهما فيهما، أي: باعهمَا ببخسٍ لا تُحمد عاقبتُه، أو: ليس له رأيٌ في ذلك البتَّة؛ فقد (٤) يكونُ الإنسانُ صحيحًا، ولا يكون متفرِّغًا للعبادةِ لاشتغالهِ بالمعاشِ وبالعكس (٥)، فإذا اجتمع الصِّحَّة والفراغ وقصَّر في نيل الفضائل فذلك الغبنُ كلّ الغبن؛ لأنَّ الدُّنيا سوقُ الأرباح، ومزرعةٌ للآخرة، وفيها التِّجارة الَّتي يظهرُ ربحها في الآخرة، فمن استعملَ فراغه وصحَّته في طاعةِ مولاه فهو المغبوط، ومن استعملَهما في معصيةِ الله فهو المَغبونُ؛ لأنَّ الفراغَ يعقبُه الشُّغل والصِّحَّة يعقبُها السُّقم، ولو (٦) لم يكن إلَّا الهرم لكفى (٧).

والحديثُ أخرجه التِّرمذيُّ في «الزُّهد»، والنَّسائيُّ في «الرَّقائق»، وابن ماجه في «الرَّقائق».

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19.3 / 29.5
الإضاءة 78%
الهلال الجديد بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد