الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٤١٨
الحديث رقم ٦٤١٨ من كتاب «كتاب الرقاق» في صحيح البخاري، تحت باب: باب في الأمل وطوله.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابٌ: مَنْ بَلَغَ سِتِّينَ سَنَةً فَقَدْ أَعْذَرَ اللهُ إِلَيْهِ فِي الْعُمُرِ لِقَوْلِهِ ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾
٦٤١٨ - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ : حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
بِهِ - أَوْ قَدْ أَحَاطَ بِهِ - وَهَذَا الَّذِي هُوَ خَارِجٌ أَمَلُهُ، وَهَذِهِ الْخُطَطُ الصِّغَارُ الْأَعْرَاضُ، فَإِنْ أَخْطَأَهُ هَذَا نَهَشَهُ هَذَا، وَإِنْ أَخْطَأَهُ هَذَا نَهَشَهُ هَذَا.
٦٤١٨ - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسٍ بن مالك قَالَ: خَطَّ النَّبِيُّ ﷺ خُطُوطًا فَقَالَ: هَذَا الْأَمَلُ وَهَذَا أَجَلُهُ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ جَاءَهُ الْخَطُّ الْأَقْرَبُ.
قَوْلُهُ (بَابٌ فِي الْأَمَلِ وَطُولِهِ) الْأَمَلُ بِفَتْحَتَيْنِ رَجَاءُ مَا تُحِبُّهُ النَّفْسُ مِنْ طُولِ عُمُرٍ وَزِيَادَةِ غِنًى وَهُوَ قَرِيبُ الْمَعْنَى مِنَ التَّمَنِّي. وَقِيلَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْأَمَلَ مَا تَقَدَّمَ لَهُ سَبَبٌ وَالتَّمَنِّي بِخِلَافِهِ. وَقِيلَ: لَا يَنْفَكُّ الْإِنْسَانُ مِنْ أَمَلٍ فَإِنْ فَاتَهُ مَا أَمَلَهُ عَوَّلَ عَلَى التَّمَنِّي. وَيُقَالُ: الْأَمَلُ إِرَادَةُ الشَّخْصِ تَحْصِيلَ شَيْءٍ يُمْكِنُ حُصُولُهُ فَإِذَا فَاتَهُ تَمَنَّاهُ.
قَوْلُهُ (وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ الْآيَةَ) كَذَا لِلنَّسَفِيِّ وَسَاقَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ وَغَيْرِهَا إِلَى الْغُرُورِ، وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ فَازَ﴾، وَالْمَطْلُوبُ هُنَا مَا سَقَطَ مِنْ رِوَايَتِهِ وَهُوَ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ مُتَعَلِّقَ الْأَمَلِ لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ مَتَاعُ الْغُرُورِ، شَبَّهَ الدُّنْيَا بِالْمَتَاعِ الَّذِي يُدَلَّسُ بِهِ عَلَى الْمُسْتَامِ وَيَغُرُّهُ حَتَّى يَشْتَرِيَهُ ثُمَّ يَتَبَيَّنَ لَهُ فَسَادُهُ وَرَدَاءَتُهُ، وَالشَّيْطَانُ هُوَ الْمُدَلِّسُ وَهُوَ الْغَرُورُ بِالْفَتْحِ النَّاشِئُ عَنْهُ الْغُرُورُ بِالضَّمِّ، وَقَدْ قُرِئَ فِي الشَّاذِّ هُنَا بِفَتْحِ الْغَيْنِ أَيْ مَتَاعُ الشَّيْطَانِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ وَهُوَ الْمَخْدُوعُ، فَتَتَّفِقُ الْقِرَاءَتَانِ.
قَوْلُهُ (بِمُزَحْزِحِهِ بِمُبَاعِدِهِ) وَقَعَ هَذَا فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ، وَكَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، عَنِ الْمُسْتَمْلِي، وَالْكُشْمِيهَنِيِّ. وَالْمُرَادُ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ زُحْزِحَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ بِوَعْدٍ وَأَصْلُ الزَّحْزَحَةِ الْإِزَالَةُ وَمَنْ أُزِيلَ عَنِ الشَّيْءِ فَقَدْ بُوعِدَ مِنْهُ وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ: مُنَاسَبَةُ هَذِهِ الْآيَةِ لِلتَّرْجَمَةِ أَنَّ فِي أَوَّلِ الْآيَةِ ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾، وَفِي آخِرِهَا ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ أَوْ أَنَّ قَوْلَهُ ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ﴾ مُنَاسِبٌ لِقولِهِ ﴿وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ﴾، وَفِي تِلْكَ الْآيَةِ ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾.
قَوْلُهُ (وَقَوْلُهُ: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا﴾ الْآيَةَ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَسَاقَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ وَغَيْرِهَا إِلَى يَعْلَمُونَ، وَسَقَطَ قَوْلُهُ وَقَوْلُهُ لِلنَّسَفِيِّ، قَالَ الْجُمْهُورُ: هِيَ عَامَّةٌ، وَقَالَ جَمَاعَةٌ: هِيَ فِي الْكُفَّارِ خَاصَّةً، وَالْأَمْرُ فِيهِ لِلتَّهْدِيدِ، وَفِيهِ زَجْرٌ عَنْ الِانْهِمَاكِ فِي مَلَاذِّ الدُّنْيَا.
قَوْلُهُ (وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: ارْتَحَلَتِ الدُّنْيَا مُدْبِرَةً .. إِلَخْ) هَذِهِ قِطْعَةٌ مِنْ أَثَرٍ لِعَلِيٍّ جَاءَ عَنْهُ مَوْقُوفًا وَمَرْفُوعًا وَفِي أَوَّلِهِ شَيْءٌ مُطَابِقٌ لِلتَّرْجَمَةِ صَرِيحًا فَعِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ فِي الْمُصَنَّفِ وَابْنِ الْمُبَارَكِ فِي الزُّهْدِ مِنْ طُرُقٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، وَزُبَيْدٍ الْأَيَامِيِّ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي عَامِرٍ وَسُمِّيَ فِي رِوَايَةٍ لِابْنِ أَبِي شَيْبَةَ، مُهَاجِرٌ الْعَامِرِيُّ وَكَذَا فِي الْحِلْيَةِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ زُبَيْدٍ، عَنْ مُهَاجِرِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ: إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ اتِّبَاعُ الْهَوَى وَطُولُ الْأَمَلِ، فَأَمَّا اتِّبَاعُ الْهَوَى فَيَصُدُّ عَنِ الْحَقِّ، وَأَمَّا طُولُ الْأَمَلِ فَيُنْسِي الْآخِرَةَ، أَلَا وَإِنَّ الدُّنْيَا ارْتَحَلَتْ مُدْبِرَةً الْحَدِيثَ كَالَّذِي فِي الْأَصْلِ سَوَاءً، وَمُهَاجِرٌ الْمَذْكُورُ هُوَ الْعَامِرِيُّ الْمُبْهَمُ قَبْلَهُ وَمَا عَرِفَتْ حَالُهُ وَقَدْ جَاءَ مَرْفُوعًا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي كِتَابِ قِصَرِ الْأَمَلِ مِنْ رِوَايَةِ الْيَمَانِ بْنِ حُذَيْفَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي حَفْصَةَ مَوْلَى عَلِيٍّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ أَشَدَّ مَا أَتَخَوَّفُ عَلَيْكُمْ خَصْلَتَيْنِ فَذَكَرَ مَعْنَاهُ، وَالْيَمَانُ وَشَيْخُهُ لَا يُعْرَفَانِ، وَجَاءَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ أَخْرَجَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مَنْدَهْ مِنْ طَرِيقِ الْمُنْكَدِرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا، وَالْمُنْكَدِرُ ضَعِيفٌ، وَتَابَعَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي عَلِيٍّ اللِّهْبِيُّ، عَنِ
ابْنِ الْمُنْكَدِرِ بِتَمَامِهِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ أَيْضًا، وَفِي بَعْضِ طُرُقِ هَذَا الْحَدِيثِ فَاتِّبَاعُ الْهَوَى يَصْرِفُ بِقُلُوبِكُمْ عَنِ الْحَقِّ، وَطُولُ الْأَمَلِ يَصْرِفُ
هِمَمَكُمْ إِلَى الدُّنْيَا. وَمِنْ كَلَامِ عَلِيٍّ أَخَذَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ قَوْلَهُ الدُّنْيَا مُدْبِرَةٌ وَالْآخِرَةُ مُقْبِلَةٌ، فَعَجَبٌ لِمَنْ يُقْبِلُ عَلَى الْمُدْبِرَةِ وَيُدْبِرُ عَلَى الْمُقْبِلَةِ. وَوَرَدَ فِي ذَمِّ الِاسْتِرْسَالِ مَعَ الْأَمَلِ حَدِيثُ أَنَسٍ رَفَعَهُ: أَرْبَعَةٌ مِنَ الشَّقَاءِ: جُمُودُ الْعَيْنِ، وَقَسْوَةُ الْقَلْبِ، وَطُولُ الْأَمَلِ، وَالْحِرْصُ عَلَى الدُّنْيَا أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ.
وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَفَعَهُ: صَلَاحُ أَوَّلِ هَذِهِ الْأُمَّةِ بِالزَّهَادَةِ وَالْيَقِينِ وَهَلَاكُ آخِرِهَا بِالْبُخْلِ وَالْأَمَلِ. أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَابْنُ أَبِي الدُّنْيَا. وَقِيلَ: إِنَّ قِصَرَ الْأَمَلِ حَقِيقَةُ الزُّهْدِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ سَبَبٌ ; لِأَنَّ مَنْ قَصُرَ أَمَلُهُ زَهِدَ وَيَتَوَلَّدُ مِنْ طُولِ الْأَمَلِ الْكَسَلُ عَنِ الطَّاعَةِ وَالتَّسْوِيفُ بِالتَّوْبَةِ وَالرَّغْبَةُ فِي الدُّنْيَا وَالنِّسْيَانُ لِلْآخِرَةِ وَالْقَسْوَةُ فِي الْقَلْبِ ; لِأَنَّ رِقَّتَهُ وَصَفَاءَهُ إِنَّمَا يَقَعُ بِتَذْكِيرِ الْمَوْتِ وَالْقَبْرِ وَالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ وَأَهْوَالِ الْقِيَامَةِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾، وَقِيلَ: مَنْ قَصُرَ أَمَلُهُ قَلَّ هَمُّهُ وَتَنَوَّرَ قَلْبُهُ ; لِأَنَّهُ إِذَا اسْتَحْضَرَ الْمَوْتَ اجْتَهَدَ فِي الطَّاعَةِ وَقَلَّ هَمُّهُ وَرَضِيَ بِالْقَلِيلِ.
وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: الْأَمَلُ مَذْمُومٌ لِلنَّاسِ إِلَّا لِلْعُلَمَاءِ فَلَوْلَا أَمَلُهُمْ لَمَا صَنَّفُوا وَلَا أَلَّفُوا. وَقَالَ غَيْرُهُ: الْأَمَلُ مَطْبُوعٌ فِي جَمِيعِ بَنِي آدَمَ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْحَدِيثِ الَّذِي فِي الْبَابِ بَعْدَهُ لَا يَزَالُ قَلْبُ الْكَبِيرِ شَابًّا فِي اثْنَتَيْنِ حُبِّ الدُّنْيَا وَطُولِ الْأَمَلِ، وَفِي الْأَمَلِ سِرٌّ لَطِيفٌ؛ لِأَنَّهُ لَوْلَا الْأَمَلُ مَا تَهَنَّى أَحَدٌ بِعَيْشٍ وَلَا طَابَتْ نَفْسُهُ أَنْ يَشْرَعَ فِي عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ الدُّنْيَا وَإِنَّمَا الْمَذْمُومُ مِنْهُ الِاسْتِرْسَالُ فِيهِ وَعَدَمُ الِاسْتِعْدَادِ لِأَمْرِ الْآخِرَةِ فَمَنْ سَلِمَ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يُكَلَّفْ بِإِزَالَتِهِ. وقولَهُ فِي أَثَرِ عَلِيٍّ فَإِنَّ الْيَوْمَ عَمَلٌ وَلَا حِسَابَ، وَغَدًا حِسَابٌ وَلَا عَمَلَ جَعَلَ الْيَوْمَ نَفْسَ الْعَمَلِ، وَالْمُحَاسَبَةُ مُبَالَغَةٌ، وَهُوَ كَقَوْلِهِمْ نَهَارُهُ صَائِمٌ، وَالتَّقْدِيرُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَلَا حِسَابَ فِيهِ وَلَا عَمَلَ فِيهِ، وَقَوْلُهُ وَلَا حِسَابَ بِالْفَتْحِ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، وَيَجُوزُ الرَّفْعُ مُنَوَّنًا، وَكَذَا قَوْلُهُ وَلَا عَمَلَ.
قَوْلُهُ (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) هُوَ الْقَطَّانُ، وَسُفْيَانُ هُوَ الثَّوْرِيُّ، وَأَبُوهُ سَعِيدُ بْنُ مَسْرُوقٍ، وَمُنْذِرٌ هُوَ ابْنُ يَعْلَى الثَّوْرِيُّ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ أَبُو يَعْلَى فَقَطْ، وَالرَّبِيعُ بْنُ خُثَيْمٍ بِمُعْجَمَةٍ وَمُثَلَّثَةٍ مُصَغَّرٌ، وَعَبْدُ اللَّهِ هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ. وَمِنَ الثَّوْرِيِّ فَصَاعِدًا كُوفِيُّونَ.
قَوْلُهُ (خَطَّ النَّبِيُّ ﷺ خَطًّا مُرَبَّعًا) الْخَطُّ الرَّسْمُ وَالشَّكْلُ وَالْمُرَبَّعُ الْمُسْتَوِي الزَّوَايَا.
قَوْلُهُ (وَخَطَّ خَطًّا فِي الْوَسَطِ خَارِجًا مِنْهُ وَخَطَّ خُطُطًا صِغَارًا إِلَى هَذَا الَّذِي فِي الْوَسَطِ مِنْ جَانِبِهِ الَّذِي فِي الْوَسَطِ) قِيلَ: هَذِهِ صِفَةُ الْخَطِّ:
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
الأمل، وسقطَ لأبي الوقت «الهاء» من «أخطأه» في الموضعين، وعبَّر بالنَّهش وهو لدغُ ذوات السُّمِّ مبالغةً في الاحترازِ (١).
والحديثُ أخرجهُ التِّرمذيُّ في «الزُّهد»، والنَّسائيُّ في «الرِّقاق»، وابن ماجه في «الزُّهد».
٦٤١٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ) الفَراهيديُّ -بالفاء المفتوحة- ابنُ إبراهيم الحافظ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا هَمَّامٌ) هو: ابنُ يحيى (عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) زيد بن سهلٍ الأنصاريِّ قال: (عَنْ أَنَس بْنِ مَالِكٍ) ﵁، أنَّه (قَالَ: خَطَّ النَّبِيُّ ﷺ خُطُوطًا فَقَالَ: هَذَا الأَمَلُ) الَّذي يُؤمِّله الإنسان (وَهَذَا أَجَلُهُ) والخطُّ الآخر الإنسانُ، والخطوطُ الأُخَرُ الآفاتُ الَّتي تعرضُ له (فَبَيْنَمَا) بالميم (هُوَ كَذَلِكَ) طالبٌ لأمله البعيد (إِذْ جَاءَهُ الخَطُّ) الأوسط (الأَقْرَبُ) وهو الأجلُ المحيط به، إذ لا شكَّ أن َّالخطَ المحيط هو أقرب من الخطِّ الخارج عنه (٢)، وعند البيهقيِّ في «الزُّهد» من وجه آخر عن إسحاق: «خطَّ خطوطًا وخطَّ خطًّا ناحيةً، ثمَّ قال: هَل تدرونَ ما هذا؟ هذا مثلُ ابنِ آدمَ ومثلُ التَّمني، وذلكَ الخطُّ الأملُ، بينمَا يُؤمِّل إذ جاءَهُ الموتُ».
وعند التِّرمذيِّ من رواية حمَّاد بن سلمة، عن عبدِ الله بنِ أبي بكر بنِ أنس، عن أنسٍ بلفظ: «هذا ابنُ آدمَ وهذا أجلُهُ، ووضعَ يدهُ عندَ قفاهُ، ثمَّ بسطَهَا فقالَ: وثمَّ أملُهُ، وثمَّ أجلُهُ» أي: إنَّ أجله أقربُ إليه من أملهِ.
والحديثُ أخرجهُ النَّسائيُّ في «الرِّقاق».
(٥) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يُذكر فيه (مَنْ بَلَغَ) من العُمر (سِتِّينَ سَنَةً فَقَدْ أَعْذَرَ اللهُ) ﷿ (إِلَيْهِ فِي
العُمُرِ) و «أعْذَر» بالعين المهملة والذال المعجمة، والهمزةُ فيه (١) للإزالةِ، أي: أزالَ الله عُذره، فلم يبقَ له اعتذارٌ كأنْ يقول: لو مُدَّ لي في الأجلِ لفعلتُ ما أُمرت به. يقال: أعذرَ إليه إذا بلَّغَه أقصى الغاية في العذرِ ومكَّنه منه، وإذا لم يكن له عذرٌ في تركِ الطَّاعة مع تمكُّنه منها بالعمر الَّذي حصلَ له، فلا ينبغِي له حينئذٍ إلَّا الاستغفار والطَّاعة والإقبال على الآخرة بالكليَّة، ونسبةُ الاعتذارِ إلى الله مجازيَّةٌ، والمعنى: إنَّ الله تعالى لم يتركْ للعبدِ سببًا في الاعتذارِ يتمسَّك به.
(لِقَوْلِهِ) ﷿: (﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ﴾) توبيخٌ من الله، أي: فيقولُ الله تعالى لهم ذلك توبيخًا.
قال الزَّجَّاج: أي: أَوَلَم نُعمِّركم العمر الَّذي يتذكَّر فيه من تذكَّر. وقال أبو البركات النَّسفيُّ: يجوزُ أن تكون «ما» نكرةً موصوفةً، أي: تعميرًا يتذكَّر فيه من تذكَّر. وقال ابنُ الحاجب: «ما» لا يستقيم أن تكون نافيةً من حيث اللَّفظ ومن حيث المعنى؛ أمَّا اللَّفظ فلأنَّها (٢) يجبُ قطعُها عن ﴿نُعَمِّرْكُم﴾ لأنَّه لا يجوزُ أن يكون النَّفي من معمولهِ، وأيضًا فإنَّ الضَّمير في ﴿فِيهِ﴾ يرجعُ إلى غير مذكورٍ، وأمَّا المعنى فلأنَّ قوله: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم﴾ إنَّما سِيق لإثباتِ التَّعميرِ وتوبيخهم على تركهم (٣) التَّذكير فيه، فإذا جُعل نفيًا كان فيه إخبارٌ عن نفي تذكُّر متذكِّرٍ فيه، فظاهرُه على ذلك نفي التَّعمير؛ لأنَّه إذا كان زمانًا لا يتذكَّر فيه مُتذكِّرٌ لزم أن لا يكون تعميرًا وهو خلاف قوله: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم﴾. انتهى.
وقوله: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم﴾ متناولٌ لكلِّ عمر تمكَّن فيه (٤) المُكلَّف من إصلاحِ شأنه وإن قصَّر، إلَّا أنَّ التَّوبيخ في المتطاولِ أعظم، واختُلف في مقدار العمر المُراد هنا، فعن عليِّ بن الحسين زين العابدين: سبع عشرة سنة، وعن وهبِ بنِ منبِّه: أربعون سنةً. وقال مسروقٌ: إذا بلغ أحدُكم أربعين (٥) سنة، فليأخذْ حذرَهُ من الله ﷿. وعن ابن عبَّاسٍ: ستُّون سنةً، وهو الصَّحيح كما سيأتي في حديث أبي هريرة أول أحاديث هذا الباب [خ¦٦٤١٩]، وعن ابن عبَّاسٍ ممَّا رواهُ ابنُ
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
بِهِ - أَوْ قَدْ أَحَاطَ بِهِ - وَهَذَا الَّذِي هُوَ خَارِجٌ أَمَلُهُ، وَهَذِهِ الْخُطَطُ الصِّغَارُ الْأَعْرَاضُ، فَإِنْ أَخْطَأَهُ هَذَا نَهَشَهُ هَذَا، وَإِنْ أَخْطَأَهُ هَذَا نَهَشَهُ هَذَا.
٦٤١٨ - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسٍ بن مالك قَالَ: خَطَّ النَّبِيُّ ﷺ خُطُوطًا فَقَالَ: هَذَا الْأَمَلُ وَهَذَا أَجَلُهُ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ جَاءَهُ الْخَطُّ الْأَقْرَبُ.
قَوْلُهُ (بَابٌ فِي الْأَمَلِ وَطُولِهِ) الْأَمَلُ بِفَتْحَتَيْنِ رَجَاءُ مَا تُحِبُّهُ النَّفْسُ مِنْ طُولِ عُمُرٍ وَزِيَادَةِ غِنًى وَهُوَ قَرِيبُ الْمَعْنَى مِنَ التَّمَنِّي. وَقِيلَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْأَمَلَ مَا تَقَدَّمَ لَهُ سَبَبٌ وَالتَّمَنِّي بِخِلَافِهِ. وَقِيلَ: لَا يَنْفَكُّ الْإِنْسَانُ مِنْ أَمَلٍ فَإِنْ فَاتَهُ مَا أَمَلَهُ عَوَّلَ عَلَى التَّمَنِّي. وَيُقَالُ: الْأَمَلُ إِرَادَةُ الشَّخْصِ تَحْصِيلَ شَيْءٍ يُمْكِنُ حُصُولُهُ فَإِذَا فَاتَهُ تَمَنَّاهُ.
قَوْلُهُ (وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ الْآيَةَ) كَذَا لِلنَّسَفِيِّ وَسَاقَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ وَغَيْرِهَا إِلَى الْغُرُورِ، وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ فَازَ﴾، وَالْمَطْلُوبُ هُنَا مَا سَقَطَ مِنْ رِوَايَتِهِ وَهُوَ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ مُتَعَلِّقَ الْأَمَلِ لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ مَتَاعُ الْغُرُورِ، شَبَّهَ الدُّنْيَا بِالْمَتَاعِ الَّذِي يُدَلَّسُ بِهِ عَلَى الْمُسْتَامِ وَيَغُرُّهُ حَتَّى يَشْتَرِيَهُ ثُمَّ يَتَبَيَّنَ لَهُ فَسَادُهُ وَرَدَاءَتُهُ، وَالشَّيْطَانُ هُوَ الْمُدَلِّسُ وَهُوَ الْغَرُورُ بِالْفَتْحِ النَّاشِئُ عَنْهُ الْغُرُورُ بِالضَّمِّ، وَقَدْ قُرِئَ فِي الشَّاذِّ هُنَا بِفَتْحِ الْغَيْنِ أَيْ مَتَاعُ الشَّيْطَانِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ وَهُوَ الْمَخْدُوعُ، فَتَتَّفِقُ الْقِرَاءَتَانِ.
قَوْلُهُ (بِمُزَحْزِحِهِ بِمُبَاعِدِهِ) وَقَعَ هَذَا فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ، وَكَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، عَنِ الْمُسْتَمْلِي، وَالْكُشْمِيهَنِيِّ. وَالْمُرَادُ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ زُحْزِحَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ بِوَعْدٍ وَأَصْلُ الزَّحْزَحَةِ الْإِزَالَةُ وَمَنْ أُزِيلَ عَنِ الشَّيْءِ فَقَدْ بُوعِدَ مِنْهُ وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ: مُنَاسَبَةُ هَذِهِ الْآيَةِ لِلتَّرْجَمَةِ أَنَّ فِي أَوَّلِ الْآيَةِ ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾، وَفِي آخِرِهَا ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ أَوْ أَنَّ قَوْلَهُ ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ﴾ مُنَاسِبٌ لِقولِهِ ﴿وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ﴾، وَفِي تِلْكَ الْآيَةِ ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾.
قَوْلُهُ (وَقَوْلُهُ: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا﴾ الْآيَةَ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَسَاقَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ وَغَيْرِهَا إِلَى يَعْلَمُونَ، وَسَقَطَ قَوْلُهُ وَقَوْلُهُ لِلنَّسَفِيِّ، قَالَ الْجُمْهُورُ: هِيَ عَامَّةٌ، وَقَالَ جَمَاعَةٌ: هِيَ فِي الْكُفَّارِ خَاصَّةً، وَالْأَمْرُ فِيهِ لِلتَّهْدِيدِ، وَفِيهِ زَجْرٌ عَنْ الِانْهِمَاكِ فِي مَلَاذِّ الدُّنْيَا.
قَوْلُهُ (وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: ارْتَحَلَتِ الدُّنْيَا مُدْبِرَةً .. إِلَخْ) هَذِهِ قِطْعَةٌ مِنْ أَثَرٍ لِعَلِيٍّ جَاءَ عَنْهُ مَوْقُوفًا وَمَرْفُوعًا وَفِي أَوَّلِهِ شَيْءٌ مُطَابِقٌ لِلتَّرْجَمَةِ صَرِيحًا فَعِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ فِي الْمُصَنَّفِ وَابْنِ الْمُبَارَكِ فِي الزُّهْدِ مِنْ طُرُقٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، وَزُبَيْدٍ الْأَيَامِيِّ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي عَامِرٍ وَسُمِّيَ فِي رِوَايَةٍ لِابْنِ أَبِي شَيْبَةَ، مُهَاجِرٌ الْعَامِرِيُّ وَكَذَا فِي الْحِلْيَةِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ زُبَيْدٍ، عَنْ مُهَاجِرِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ: إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ اتِّبَاعُ الْهَوَى وَطُولُ الْأَمَلِ، فَأَمَّا اتِّبَاعُ الْهَوَى فَيَصُدُّ عَنِ الْحَقِّ، وَأَمَّا طُولُ الْأَمَلِ فَيُنْسِي الْآخِرَةَ، أَلَا وَإِنَّ الدُّنْيَا ارْتَحَلَتْ مُدْبِرَةً الْحَدِيثَ كَالَّذِي فِي الْأَصْلِ سَوَاءً، وَمُهَاجِرٌ الْمَذْكُورُ هُوَ الْعَامِرِيُّ الْمُبْهَمُ قَبْلَهُ وَمَا عَرِفَتْ حَالُهُ وَقَدْ جَاءَ مَرْفُوعًا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي كِتَابِ قِصَرِ الْأَمَلِ مِنْ رِوَايَةِ الْيَمَانِ بْنِ حُذَيْفَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي حَفْصَةَ مَوْلَى عَلِيٍّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ أَشَدَّ مَا أَتَخَوَّفُ عَلَيْكُمْ خَصْلَتَيْنِ فَذَكَرَ مَعْنَاهُ، وَالْيَمَانُ وَشَيْخُهُ لَا يُعْرَفَانِ، وَجَاءَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ أَخْرَجَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مَنْدَهْ مِنْ طَرِيقِ الْمُنْكَدِرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا، وَالْمُنْكَدِرُ ضَعِيفٌ، وَتَابَعَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي عَلِيٍّ اللِّهْبِيُّ، عَنِ
ابْنِ الْمُنْكَدِرِ بِتَمَامِهِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ أَيْضًا، وَفِي بَعْضِ طُرُقِ هَذَا الْحَدِيثِ فَاتِّبَاعُ الْهَوَى يَصْرِفُ بِقُلُوبِكُمْ عَنِ الْحَقِّ، وَطُولُ الْأَمَلِ يَصْرِفُ
هِمَمَكُمْ إِلَى الدُّنْيَا. وَمِنْ كَلَامِ عَلِيٍّ أَخَذَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ قَوْلَهُ الدُّنْيَا مُدْبِرَةٌ وَالْآخِرَةُ مُقْبِلَةٌ، فَعَجَبٌ لِمَنْ يُقْبِلُ عَلَى الْمُدْبِرَةِ وَيُدْبِرُ عَلَى الْمُقْبِلَةِ. وَوَرَدَ فِي ذَمِّ الِاسْتِرْسَالِ مَعَ الْأَمَلِ حَدِيثُ أَنَسٍ رَفَعَهُ: أَرْبَعَةٌ مِنَ الشَّقَاءِ: جُمُودُ الْعَيْنِ، وَقَسْوَةُ الْقَلْبِ، وَطُولُ الْأَمَلِ، وَالْحِرْصُ عَلَى الدُّنْيَا أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ.
وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَفَعَهُ: صَلَاحُ أَوَّلِ هَذِهِ الْأُمَّةِ بِالزَّهَادَةِ وَالْيَقِينِ وَهَلَاكُ آخِرِهَا بِالْبُخْلِ وَالْأَمَلِ. أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَابْنُ أَبِي الدُّنْيَا. وَقِيلَ: إِنَّ قِصَرَ الْأَمَلِ حَقِيقَةُ الزُّهْدِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ سَبَبٌ ; لِأَنَّ مَنْ قَصُرَ أَمَلُهُ زَهِدَ وَيَتَوَلَّدُ مِنْ طُولِ الْأَمَلِ الْكَسَلُ عَنِ الطَّاعَةِ وَالتَّسْوِيفُ بِالتَّوْبَةِ وَالرَّغْبَةُ فِي الدُّنْيَا وَالنِّسْيَانُ لِلْآخِرَةِ وَالْقَسْوَةُ فِي الْقَلْبِ ; لِأَنَّ رِقَّتَهُ وَصَفَاءَهُ إِنَّمَا يَقَعُ بِتَذْكِيرِ الْمَوْتِ وَالْقَبْرِ وَالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ وَأَهْوَالِ الْقِيَامَةِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾، وَقِيلَ: مَنْ قَصُرَ أَمَلُهُ قَلَّ هَمُّهُ وَتَنَوَّرَ قَلْبُهُ ; لِأَنَّهُ إِذَا اسْتَحْضَرَ الْمَوْتَ اجْتَهَدَ فِي الطَّاعَةِ وَقَلَّ هَمُّهُ وَرَضِيَ بِالْقَلِيلِ.
وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: الْأَمَلُ مَذْمُومٌ لِلنَّاسِ إِلَّا لِلْعُلَمَاءِ فَلَوْلَا أَمَلُهُمْ لَمَا صَنَّفُوا وَلَا أَلَّفُوا. وَقَالَ غَيْرُهُ: الْأَمَلُ مَطْبُوعٌ فِي جَمِيعِ بَنِي آدَمَ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْحَدِيثِ الَّذِي فِي الْبَابِ بَعْدَهُ لَا يَزَالُ قَلْبُ الْكَبِيرِ شَابًّا فِي اثْنَتَيْنِ حُبِّ الدُّنْيَا وَطُولِ الْأَمَلِ، وَفِي الْأَمَلِ سِرٌّ لَطِيفٌ؛ لِأَنَّهُ لَوْلَا الْأَمَلُ مَا تَهَنَّى أَحَدٌ بِعَيْشٍ وَلَا طَابَتْ نَفْسُهُ أَنْ يَشْرَعَ فِي عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ الدُّنْيَا وَإِنَّمَا الْمَذْمُومُ مِنْهُ الِاسْتِرْسَالُ فِيهِ وَعَدَمُ الِاسْتِعْدَادِ لِأَمْرِ الْآخِرَةِ فَمَنْ سَلِمَ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يُكَلَّفْ بِإِزَالَتِهِ. وقولَهُ فِي أَثَرِ عَلِيٍّ فَإِنَّ الْيَوْمَ عَمَلٌ وَلَا حِسَابَ، وَغَدًا حِسَابٌ وَلَا عَمَلَ جَعَلَ الْيَوْمَ نَفْسَ الْعَمَلِ، وَالْمُحَاسَبَةُ مُبَالَغَةٌ، وَهُوَ كَقَوْلِهِمْ نَهَارُهُ صَائِمٌ، وَالتَّقْدِيرُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَلَا حِسَابَ فِيهِ وَلَا عَمَلَ فِيهِ، وَقَوْلُهُ وَلَا حِسَابَ بِالْفَتْحِ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، وَيَجُوزُ الرَّفْعُ مُنَوَّنًا، وَكَذَا قَوْلُهُ وَلَا عَمَلَ.
قَوْلُهُ (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) هُوَ الْقَطَّانُ، وَسُفْيَانُ هُوَ الثَّوْرِيُّ، وَأَبُوهُ سَعِيدُ بْنُ مَسْرُوقٍ، وَمُنْذِرٌ هُوَ ابْنُ يَعْلَى الثَّوْرِيُّ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ أَبُو يَعْلَى فَقَطْ، وَالرَّبِيعُ بْنُ خُثَيْمٍ بِمُعْجَمَةٍ وَمُثَلَّثَةٍ مُصَغَّرٌ، وَعَبْدُ اللَّهِ هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ. وَمِنَ الثَّوْرِيِّ فَصَاعِدًا كُوفِيُّونَ.
قَوْلُهُ (خَطَّ النَّبِيُّ ﷺ خَطًّا مُرَبَّعًا) الْخَطُّ الرَّسْمُ وَالشَّكْلُ وَالْمُرَبَّعُ الْمُسْتَوِي الزَّوَايَا.
قَوْلُهُ (وَخَطَّ خَطًّا فِي الْوَسَطِ خَارِجًا مِنْهُ وَخَطَّ خُطُطًا صِغَارًا إِلَى هَذَا الَّذِي فِي الْوَسَطِ مِنْ جَانِبِهِ الَّذِي فِي الْوَسَطِ) قِيلَ: هَذِهِ صِفَةُ الْخَطِّ:
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
الأمل، وسقطَ لأبي الوقت «الهاء» من «أخطأه» في الموضعين، وعبَّر بالنَّهش وهو لدغُ ذوات السُّمِّ مبالغةً في الاحترازِ (١).
والحديثُ أخرجهُ التِّرمذيُّ في «الزُّهد»، والنَّسائيُّ في «الرِّقاق»، وابن ماجه في «الزُّهد».
٦٤١٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ) الفَراهيديُّ -بالفاء المفتوحة- ابنُ إبراهيم الحافظ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا هَمَّامٌ) هو: ابنُ يحيى (عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) زيد بن سهلٍ الأنصاريِّ قال: (عَنْ أَنَس بْنِ مَالِكٍ) ﵁، أنَّه (قَالَ: خَطَّ النَّبِيُّ ﷺ خُطُوطًا فَقَالَ: هَذَا الأَمَلُ) الَّذي يُؤمِّله الإنسان (وَهَذَا أَجَلُهُ) والخطُّ الآخر الإنسانُ، والخطوطُ الأُخَرُ الآفاتُ الَّتي تعرضُ له (فَبَيْنَمَا) بالميم (هُوَ كَذَلِكَ) طالبٌ لأمله البعيد (إِذْ جَاءَهُ الخَطُّ) الأوسط (الأَقْرَبُ) وهو الأجلُ المحيط به، إذ لا شكَّ أن َّالخطَ المحيط هو أقرب من الخطِّ الخارج عنه (٢)، وعند البيهقيِّ في «الزُّهد» من وجه آخر عن إسحاق: «خطَّ خطوطًا وخطَّ خطًّا ناحيةً، ثمَّ قال: هَل تدرونَ ما هذا؟ هذا مثلُ ابنِ آدمَ ومثلُ التَّمني، وذلكَ الخطُّ الأملُ، بينمَا يُؤمِّل إذ جاءَهُ الموتُ».
وعند التِّرمذيِّ من رواية حمَّاد بن سلمة، عن عبدِ الله بنِ أبي بكر بنِ أنس، عن أنسٍ بلفظ: «هذا ابنُ آدمَ وهذا أجلُهُ، ووضعَ يدهُ عندَ قفاهُ، ثمَّ بسطَهَا فقالَ: وثمَّ أملُهُ، وثمَّ أجلُهُ» أي: إنَّ أجله أقربُ إليه من أملهِ.
والحديثُ أخرجهُ النَّسائيُّ في «الرِّقاق».
(٥) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يُذكر فيه (مَنْ بَلَغَ) من العُمر (سِتِّينَ سَنَةً فَقَدْ أَعْذَرَ اللهُ) ﷿ (إِلَيْهِ فِي
العُمُرِ) و «أعْذَر» بالعين المهملة والذال المعجمة، والهمزةُ فيه (١) للإزالةِ، أي: أزالَ الله عُذره، فلم يبقَ له اعتذارٌ كأنْ يقول: لو مُدَّ لي في الأجلِ لفعلتُ ما أُمرت به. يقال: أعذرَ إليه إذا بلَّغَه أقصى الغاية في العذرِ ومكَّنه منه، وإذا لم يكن له عذرٌ في تركِ الطَّاعة مع تمكُّنه منها بالعمر الَّذي حصلَ له، فلا ينبغِي له حينئذٍ إلَّا الاستغفار والطَّاعة والإقبال على الآخرة بالكليَّة، ونسبةُ الاعتذارِ إلى الله مجازيَّةٌ، والمعنى: إنَّ الله تعالى لم يتركْ للعبدِ سببًا في الاعتذارِ يتمسَّك به.
(لِقَوْلِهِ) ﷿: (﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ﴾) توبيخٌ من الله، أي: فيقولُ الله تعالى لهم ذلك توبيخًا.
قال الزَّجَّاج: أي: أَوَلَم نُعمِّركم العمر الَّذي يتذكَّر فيه من تذكَّر. وقال أبو البركات النَّسفيُّ: يجوزُ أن تكون «ما» نكرةً موصوفةً، أي: تعميرًا يتذكَّر فيه من تذكَّر. وقال ابنُ الحاجب: «ما» لا يستقيم أن تكون نافيةً من حيث اللَّفظ ومن حيث المعنى؛ أمَّا اللَّفظ فلأنَّها (٢) يجبُ قطعُها عن ﴿نُعَمِّرْكُم﴾ لأنَّه لا يجوزُ أن يكون النَّفي من معمولهِ، وأيضًا فإنَّ الضَّمير في ﴿فِيهِ﴾ يرجعُ إلى غير مذكورٍ، وأمَّا المعنى فلأنَّ قوله: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم﴾ إنَّما سِيق لإثباتِ التَّعميرِ وتوبيخهم على تركهم (٣) التَّذكير فيه، فإذا جُعل نفيًا كان فيه إخبارٌ عن نفي تذكُّر متذكِّرٍ فيه، فظاهرُه على ذلك نفي التَّعمير؛ لأنَّه إذا كان زمانًا لا يتذكَّر فيه مُتذكِّرٌ لزم أن لا يكون تعميرًا وهو خلاف قوله: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم﴾. انتهى.
وقوله: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم﴾ متناولٌ لكلِّ عمر تمكَّن فيه (٤) المُكلَّف من إصلاحِ شأنه وإن قصَّر، إلَّا أنَّ التَّوبيخ في المتطاولِ أعظم، واختُلف في مقدار العمر المُراد هنا، فعن عليِّ بن الحسين زين العابدين: سبع عشرة سنة، وعن وهبِ بنِ منبِّه: أربعون سنةً. وقال مسروقٌ: إذا بلغ أحدُكم أربعين (٥) سنة، فليأخذْ حذرَهُ من الله ﷿. وعن ابن عبَّاسٍ: ستُّون سنةً، وهو الصَّحيح كما سيأتي في حديث أبي هريرة أول أحاديث هذا الباب [خ¦٦٤١٩]، وعن ابن عبَّاسٍ ممَّا رواهُ ابنُ