«كَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى الْمُغِيرَةِ: اكْتُبْ إِلَيَّ مَا سَمِعْتَ النَّبِيَّ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٦١٥

الحديث رقم ٦٦١٥ من كتاب «كتاب القدر» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب لا مانع لما أعطى الله.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٦٦١٥ في صحيح البخاري

«كَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى الْمُغِيرَةِ: اكْتُبْ إِلَيَّ مَا سَمِعْتَ النَّبِيَّ يَقُولُ خَلْفَ الصَّلَاةِ، فَأَمْلَى عَلَيَّ الْمُغِيرَةُ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ يَقُولُ خَلْفَ الصَّلَاةِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ» وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي: عَبْدَةُ أَنَّ وَرَّادًا أَخْبَرَهُ بِهَذَا، ثُمَّ وَفَدْتُ بَعْدُ إِلَى مُعَاوِيَةَ فَسَمِعْتُهُ يَأْمُرُ النَّاسَ بِذَلِكَ الْقَوْلِ.

بَابُ مَنْ تَعَوَّذَ بِاللهِ مِنْ دَرَكِ الشَّقَاءِ وَسُوءِ الْقَضَاءِ وَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾

إسناد حديث البخاري رقم ٦٦١٥

٦٦١٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ، حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ أَبِي لُبَابَةَ، عَنْ وَرَّادٍ مَوْلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٦٦١٥: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

مَا وُجِدَ مَنْ تَجَاهَرَ بِالْكُفْرِ الشَّنِيعِ بِمَا جَاهَرَ بِهِ فِرْعَوْنُ حَتَّى أُرْسِلْتَ أَنْتَ إِلَيْهِ وَأُعْطِيتَ مَا أُعْطِيتَ، فَإِذَا كُنْتُ أَنَا السَّبَبَ فِي حُصُولِ هَذِهِ الْفَضَائِلِ لَكَ فَكَيْفَ يَسُوغُ لَكَ أَنْ تَلُومَنِي.

قَالَ الطِّيبِيُّ: مَذْهَبُ الْجَبْرِيَّةِ إِثْبَاتُ الْقُدْرَةِ لِلَّهِ وَنَفْيُهَا عَنِ الْعَبْدِ أَصْلًا، وَمَذْهَبُ الْمُعْتَزِلَةِ بِخِلَافِهِ، وَكِلَاهُمَا مِنَ الْإِفْرَاطِ وَالتَّفْرِيطِ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ، وَالطَّرِيقُ الْمُسْتَقِيمُ الْقَصْدُ، فَلَمَّا كَانَ سِيَاقُ كَلَامِ مُوسَى يَؤُولُ إِلَى الثَّانِي بِأَنْ صَدَّرَ الْجُمْلَةَ بِحَرْفِ الْإِنْكَارِ وَالتَّعَجُّبِ، وَصَرَّحَ بِاسْمِ آدَمَ وَوَصَفَهُ بِالصِّفَاتِ الَّتِي كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا مُسْتَقِلَّةٌ فِي عِلِّيَّةِ عَدَمِ ارْتِكَابِهِ الْمُخَالَفَةَ، ثُمَّ أَسْنَدَ الْإِهْبَاطَ إِلَيْهِ، وَنَفْسُ الْإِهْبَاطِ مَنْزِلَةٌ دُونَ فَكَأَنَّهُ قَالَ: مَا أَبْعَدَ هَذَا الِانْحِطَاطُ مِنْ تِلْكَ الْمَنَاصِبِ الْعَالِيَةِ، فَأَجَابَ آدَمُ بِمَا يُقَابِلُهَا بَلْ أَبْلَغَ فَصَدَّرَ الْجُمْلَةَ بِهَمْزَةِ الْإِنْكَارِ أَيْضًا، وَصَرَّحَ بِاسْمِ مُوسَى وَوَصَفَهُ بِصِفَاتٍ كُلُّ وَاحِدَةٍ مُسْتَقِلَّةٌ فِي عِلِّيَّةِ عَدَمِ الْإِنْكَارِ عَلَيْهِ، ثُمَّ رَتَّبَ الْعِلْمَ الْأَزَلِيَّ عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ أَتَى بِهَمْزَةِ الْإِنْكَارِ بَدَلَ كَلِمَةِ الِاسْتِبْعَادِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: تَجِدُ فِي التَّوْرَاةِ هَذَا ثُمَّ تَلُومُنِي.

قَالَ: وَفِي هَذَا التَّقْرِيرِ تَنْبِيهٌ عَلَى تَحَرِّي قَصْدِ الْأُمُورِ. قَالَ: وَخَتَمَ النَّبِيُّ الْحَدِيثَ بِقَوْلِهِ: فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ بَعْضَ أُمَّتِهِ كَالْمُعْتَزِلَةِ يُنْكِرُونَ الْقَدَرَ فَاهْتَمَّ لِذَلِكَ وَبَالَغَ فِي الْإِرْشَادِ. قُلْتُ: وَيَقْرُبُ مِنْ هَذَا مَا تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ فِي الرَّدِّ عَلَى الْمُرْجِئَةِ بِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَفَعَهُ: سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ. فَلَمَّا كَانَ الْمَقَامُ مَقَامَ الرَّدِّ عَلَى الْمُرْجِئَةِ اكْتَفَى بِهِ مُعْرِضًا عَمَّا يَقْتَضِيهِ ظَاهِرُهُ مِنْ تَقْوِيَةِ مَذْهَبِ الْخَوَارِجِ الْمُكَفِّرِينَ بِالذَّنْبِ اعْتِمَادًا عَلَى مَا تَقَرَّرَ مِنْ دَفْعِهِ فِي مَكَانِهِ، فَكَذَلِكَ هُنَا لَمَّا كَانَ الْمُرَادُ بِهِ الرَّدَّ عَلَى الْقَدَرِيَّةِ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ سَبْقَ الْقَدَرِ اكْتَفَى بِهِ مُعْرِضًا عَمَّا يُوهِمُهُ ظَاهِرُهُ مِنْ تَقْوِيَةِ مَذْهَبِ الْجَبْرِيَّةِ لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ دَفْعِهِ فِي مَكَانِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ عِدَّةٌ مِنَ الْفَوَائِدِ غَيْرَ مَا تَقَدَّمَ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: فَفِيهِ حُجَّةٌ لِأَهْلِ السُّنَّةِ فِي أَنَّ الْجَنَّةَ الَّتِي أُخْرِجَ مِنْهَا آدَمُ هِيَ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ وَيَدْخُلُونَهَا فِي الْآخِرَةِ، خِلَافًا لِمَنْ قَالَ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ: إِنَّهَا جَنَّةٌ أُخْرَى، وَمِنْهُمْ مَنْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَزَعَمَ أَنَّهَا كَانَتْ فِي الْأَرْضِ، وَقَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الرِّقَاقِ. وَفِيهِ إِطْلَاقُ الْعُمُومِ وَإِرَادَةُ الْخُصُوصِ فِي قَوْلِهِ: أَعْطَاكَ عِلْمَ كُلِّ شَيْءٍ وَالْمُرَادُ بِهِ كِتَابُهُ الْمُنَزَّلُ عَلَيْهِ وَكُلُّ شَيْءٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ ; وَلَيْسَ الْمُرَادُ عُمُومُهُ لِأَنَّهُ قَدْ أَقَرَّ الْخَضِرَ عَلَى قَوْلِهِ: وَإِنِّي عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ لَا تَعْلَمُهُ أَنْتَ. وَقَدْ مَضَى وَاضِحًا فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْكَهْفِ.

وَفِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ الْحُجَجِ فِي الْمُنَاظَرَةِ لِإِظْهَارِ طَلَبِ الْحَقِّ، وَإِبَاحَةِ التَّوْبِيخِ وَالتَّعْرِيضِ فِي أَثْنَاءِ الْحِجَاجِ لِيُتَوَصَّلَ إِلَى ظُهُورِ الْحُجَّةِ، وَأَنَّ اللَّوْمَ عَلَى مَنْ أَيْقَنَ وَعَلِمَ أَشَدُّ مِنَ اللَّوْمِ عَلَى مَنْ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ ذَلِكَ. وَفِيهِ مُنَاظَرَةُ الْعَالِمِ مَنْ هُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ وَالِابْنِ أَبَاهُ، وَمَحَلُّ مَشْرُوعِيَّةِ ذَلِكَ إِذَا كَانَ لِإِظْهَارِ الْحَقِّ أَوِ الِازْدِيَادِ مِنَ الْعِلْمِ وَالْوُقُوفِ عَلَى حَقَائِقِ الْأُمُورِ.

وَفِيهِ حُجَّةٌ لِأَهْلِ السُّنَّةِ فِي إِثْبَاتِ الْقَدَرِ وَخَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ. وَفِيهِ أَنَّهُ يُغْتَفَرُ لِلشَّخْصِ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي بَعْضٍ كَحَالَةِ الْغَضَبِ وَالْأَسَفِ، وَخُصُوصًا مِمَّنْ طُبِعَ عَلَى حِدَّةِ الْخُلُقِ وَشِدَّةِ الْغَضَبِ، فَإِنَّ مُوسَى لَمَّا غَلَبَتْ عَلَيْهِ حَالَةُ الْإِنْكَارِ فِي الْمُنَاظَرَةِ خَاطَبَ آدَمَ مَعَ كَوْنِهِ وَالِدَهُ بِاسْمِهِ مُجَرَّدًا، وَخَاطَبَهُ بِأَشْيَاءَ لَمْ يَكُنْ لِيُخَاطِبَ بِهَا فِي غَيْرِ تِلْكَ الْحَالَةِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَأَقَرَّهُ عَلَى ذَلِكَ وَعَدَلَ إِلَى مُعَارَضَتِهِ فِيمَا أَبَدَاهُ مِنَ الْحُجَّةِ فِي دَفْعِ شُبْهَتِهِ.

١٢ - بَاب لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَى اللَّهُ

٦٦١٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ، حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ أَبِي لُبَابَةَ، عَنْ وَرَّادٍ مَوْلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: كَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى الْمُغِيرَةِ: اكْتُبْ إِلَيَّ مَا سَمِعْتَ النَّبِيَّ يَقُولُ: خَلْفَ الصَّلَاةِ، فَأَمْلَى عَلَيَّ الْمُغِيرَةُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(١٢) هذا (١) (بابٌ) بالتَّنوين (لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَى اللهُ).

٦٦١٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ) بكسر السين المهملة وتخفيف النون، العَوَقِيُّ قال: (حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ) بضم الفاء، عبدُ الملك بن سليمان قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَةُ) بفتح العين المهملة وسكون الموحدة (بْنُ أَبِي لُبَابَةَ) بضم اللام وتخفيف الموحدة، الأسديُّ الكوفيُّ سكنَ دمشق (عَنْ وَرَّادٍ) بفتح الواو والراء المشدَّدة (مَوْلَى المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ) وكاتبه، أنَّه (قَالَ: كَتَبَ مُعَاوِيَةُ) بنُ أبي سفيان (إِلَى المُغِيرَةِ) بن شُعبة (اكْتُبْ إِلَيَّ) بتشديد الياء (مَا) ولأبي ذرٍّ: «بما» (سَمِعْتَ النَّبِيَّ يَقُولُ خَلْفَ الصَّلَاةِ) المكتوبة (فَأَمْلَى عَلَيَّ المُغِيرَةُ) بفتح الهمزة واللام بينهما ميم ساكنة، و «عليَّ» بتشديد الياء (قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ يَقُولُ خَلْفَ الصَّلَاةِ) المكتوبة: (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ) ذِكْرُهُ بعد استفادةِ الحصرِ مِن الَّذي قبلهُ، وهو لا إله إلَّا الله، تأكيدٌ مع ما فيه من تكثير حسناتِ الذَّاكر (اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ) أي: لِمَا أردتَ إعطاءَه، وإلَّا فبعدَ الإعطاءِ من كلِّ أحدٍ لا مانعَ له؛ إذ الواقعُ لا يرتفعُ (وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ) «ما» موصولة، وجملة «أعطيتَ» صلتها (٢)، والعائدُ محذوفٌ، أي: لِمَا أعطيتَه. وقال في «العدةِ» (٣): و «لا مانعَ» اسمُ نكرةٍ مبنيٌّ مع «لا»، وخبر «لا» الاستقرارُ المتعلِّق به المجرور،

أو الخبرُ محذوفٌ وجوبًا على لغةِ بني تميمٍ، ووافقَهم كثيرٌ من الحجازيِّين فيتعلَّق حرف الجرِّ بـ «مانع»، قيل: فيجبُ نصبه وتنوينُه؛ لأنَّه مُطَوّل (١)، والرِّواية على بنائهِ من غير تنوين، فيُتمحَّلُ له بأن يعلَّق بخبر لـ «مانع» (٢) محذوف، أي: لا مانعَ لنا لِمَا أعطيتَ، فيتعلَّق بالكون المقدَّر لا بـ «مانع» (٣) كما قيلَ في قولهِ تعالى: ﴿لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ﴾ [الأنفال: ٤٨] ويحتملُ أن يكون أصله: لا (٤) مانعًا بالتَّنوين، ثمَّ حذف التَّنوين بعد أن أُبدلَ منه ألف، ثمَّ حذفت الألف فصار على صورةِ المبنيِّ، ويجوزُ أن يكون «لما أعطيتَ» في محلِّ صفةٍ لـ «مانع» والخبر محذوفٌ، ويحتملُ أن يقدَّر: لا مانع لِمَا أعطيتَ يمنعُ، فيتعلَّق بـ «يمنع»، ويكون «يمنع» خبر «لا» على إحدى اللُّغتين، واختار الزَّمخشريُّ في قولهِ تعالى: ﴿لَا تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ [يوسف: ٩٢] أنْ يكون (٥) «اليوم» معمولٌ بـ «تثريبَ»، وردَّ عليه أبو حيان لأجل الفصل بين المصدرِ ومعمولهِ بـ «عليكم» وهو إمَّا خبر أو صفة، وأيًّا ما كان فلا يجوزُ، وكان يلزمُ تنوين تثريب (٦) (وَلَا يَنْفَعُ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الجَدُّ) بفتح الجيم، فيهما على المشهورِ، و «منك» يتعلَّق بـ «ينفعُ» أي: لا ينفع صاحب الحظِّ من نزول عذابكَ، وإنَّما ينفعُه عمله الصَّالح. وقال في «الكواكب»: و «من» هي البدليَّة، أي: المحظوظُ لا ينفعه بذلك، أي: بدل طاعتك.

والحديث سبق في «الصَّلاة» [خ¦٨٤٤] و «الدَّعوات» [خ¦٦٣٣٠].

(وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ) عبدُ الملك بن عبدِ العزيز، فيما وصلَه الإمامُ أحمدُ ومسلم: (أَخْبَرَنِي) بالإفرادِ (عَبْدَةُ) بن أبي لبابة (أَنَّ وَرَّادًا) مولى المغيرة (أَخْبَرَهُ بِهَذَا) الحديثِ. قال عبدةُ: (ثُمَّ وَفَدْتُ) بالفاء من الوفودِ (بَعْدُ إِلَى مُعَاوِيَةَ) لمَّا كان بالشَّام (فَسَمِعْتُهُ يَأْمُرُ النَّاسَ بِذَلِكَ القَوْلِ) وهو: «لا إله إلا الله … » إلى آخره، ومرادُ المؤلِّف من سياقِ هذا التَّعليق التَّصريحُ بأنَّ ورَّادًا أخبر به عبدةَ؛ لأنَّه رواه في الرِّواية السَّابقة بالعنعنةِ.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

مَا وُجِدَ مَنْ تَجَاهَرَ بِالْكُفْرِ الشَّنِيعِ بِمَا جَاهَرَ بِهِ فِرْعَوْنُ حَتَّى أُرْسِلْتَ أَنْتَ إِلَيْهِ وَأُعْطِيتَ مَا أُعْطِيتَ، فَإِذَا كُنْتُ أَنَا السَّبَبَ فِي حُصُولِ هَذِهِ الْفَضَائِلِ لَكَ فَكَيْفَ يَسُوغُ لَكَ أَنْ تَلُومَنِي.

قَالَ الطِّيبِيُّ: مَذْهَبُ الْجَبْرِيَّةِ إِثْبَاتُ الْقُدْرَةِ لِلَّهِ وَنَفْيُهَا عَنِ الْعَبْدِ أَصْلًا، وَمَذْهَبُ الْمُعْتَزِلَةِ بِخِلَافِهِ، وَكِلَاهُمَا مِنَ الْإِفْرَاطِ وَالتَّفْرِيطِ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ، وَالطَّرِيقُ الْمُسْتَقِيمُ الْقَصْدُ، فَلَمَّا كَانَ سِيَاقُ كَلَامِ مُوسَى يَؤُولُ إِلَى الثَّانِي بِأَنْ صَدَّرَ الْجُمْلَةَ بِحَرْفِ الْإِنْكَارِ وَالتَّعَجُّبِ، وَصَرَّحَ بِاسْمِ آدَمَ وَوَصَفَهُ بِالصِّفَاتِ الَّتِي كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا مُسْتَقِلَّةٌ فِي عِلِّيَّةِ عَدَمِ ارْتِكَابِهِ الْمُخَالَفَةَ، ثُمَّ أَسْنَدَ الْإِهْبَاطَ إِلَيْهِ، وَنَفْسُ الْإِهْبَاطِ مَنْزِلَةٌ دُونَ فَكَأَنَّهُ قَالَ: مَا أَبْعَدَ هَذَا الِانْحِطَاطُ مِنْ تِلْكَ الْمَنَاصِبِ الْعَالِيَةِ، فَأَجَابَ آدَمُ بِمَا يُقَابِلُهَا بَلْ أَبْلَغَ فَصَدَّرَ الْجُمْلَةَ بِهَمْزَةِ الْإِنْكَارِ أَيْضًا، وَصَرَّحَ بِاسْمِ مُوسَى وَوَصَفَهُ بِصِفَاتٍ كُلُّ وَاحِدَةٍ مُسْتَقِلَّةٌ فِي عِلِّيَّةِ عَدَمِ الْإِنْكَارِ عَلَيْهِ، ثُمَّ رَتَّبَ الْعِلْمَ الْأَزَلِيَّ عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ أَتَى بِهَمْزَةِ الْإِنْكَارِ بَدَلَ كَلِمَةِ الِاسْتِبْعَادِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: تَجِدُ فِي التَّوْرَاةِ هَذَا ثُمَّ تَلُومُنِي.

قَالَ: وَفِي هَذَا التَّقْرِيرِ تَنْبِيهٌ عَلَى تَحَرِّي قَصْدِ الْأُمُورِ. قَالَ: وَخَتَمَ النَّبِيُّ الْحَدِيثَ بِقَوْلِهِ: فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ بَعْضَ أُمَّتِهِ كَالْمُعْتَزِلَةِ يُنْكِرُونَ الْقَدَرَ فَاهْتَمَّ لِذَلِكَ وَبَالَغَ فِي الْإِرْشَادِ. قُلْتُ: وَيَقْرُبُ مِنْ هَذَا مَا تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ فِي الرَّدِّ عَلَى الْمُرْجِئَةِ بِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَفَعَهُ: سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ. فَلَمَّا كَانَ الْمَقَامُ مَقَامَ الرَّدِّ عَلَى الْمُرْجِئَةِ اكْتَفَى بِهِ مُعْرِضًا عَمَّا يَقْتَضِيهِ ظَاهِرُهُ مِنْ تَقْوِيَةِ مَذْهَبِ الْخَوَارِجِ الْمُكَفِّرِينَ بِالذَّنْبِ اعْتِمَادًا عَلَى مَا تَقَرَّرَ مِنْ دَفْعِهِ فِي مَكَانِهِ، فَكَذَلِكَ هُنَا لَمَّا كَانَ الْمُرَادُ بِهِ الرَّدَّ عَلَى الْقَدَرِيَّةِ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ سَبْقَ الْقَدَرِ اكْتَفَى بِهِ مُعْرِضًا عَمَّا يُوهِمُهُ ظَاهِرُهُ مِنْ تَقْوِيَةِ مَذْهَبِ الْجَبْرِيَّةِ لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ دَفْعِهِ فِي مَكَانِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ عِدَّةٌ مِنَ الْفَوَائِدِ غَيْرَ مَا تَقَدَّمَ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: فَفِيهِ حُجَّةٌ لِأَهْلِ السُّنَّةِ فِي أَنَّ الْجَنَّةَ الَّتِي أُخْرِجَ مِنْهَا آدَمُ هِيَ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ وَيَدْخُلُونَهَا فِي الْآخِرَةِ، خِلَافًا لِمَنْ قَالَ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ: إِنَّهَا جَنَّةٌ أُخْرَى، وَمِنْهُمْ مَنْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَزَعَمَ أَنَّهَا كَانَتْ فِي الْأَرْضِ، وَقَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الرِّقَاقِ. وَفِيهِ إِطْلَاقُ الْعُمُومِ وَإِرَادَةُ الْخُصُوصِ فِي قَوْلِهِ: أَعْطَاكَ عِلْمَ كُلِّ شَيْءٍ وَالْمُرَادُ بِهِ كِتَابُهُ الْمُنَزَّلُ عَلَيْهِ وَكُلُّ شَيْءٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ ; وَلَيْسَ الْمُرَادُ عُمُومُهُ لِأَنَّهُ قَدْ أَقَرَّ الْخَضِرَ عَلَى قَوْلِهِ: وَإِنِّي عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ لَا تَعْلَمُهُ أَنْتَ. وَقَدْ مَضَى وَاضِحًا فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْكَهْفِ.

وَفِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ الْحُجَجِ فِي الْمُنَاظَرَةِ لِإِظْهَارِ طَلَبِ الْحَقِّ، وَإِبَاحَةِ التَّوْبِيخِ وَالتَّعْرِيضِ فِي أَثْنَاءِ الْحِجَاجِ لِيُتَوَصَّلَ إِلَى ظُهُورِ الْحُجَّةِ، وَأَنَّ اللَّوْمَ عَلَى مَنْ أَيْقَنَ وَعَلِمَ أَشَدُّ مِنَ اللَّوْمِ عَلَى مَنْ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ ذَلِكَ. وَفِيهِ مُنَاظَرَةُ الْعَالِمِ مَنْ هُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ وَالِابْنِ أَبَاهُ، وَمَحَلُّ مَشْرُوعِيَّةِ ذَلِكَ إِذَا كَانَ لِإِظْهَارِ الْحَقِّ أَوِ الِازْدِيَادِ مِنَ الْعِلْمِ وَالْوُقُوفِ عَلَى حَقَائِقِ الْأُمُورِ.

وَفِيهِ حُجَّةٌ لِأَهْلِ السُّنَّةِ فِي إِثْبَاتِ الْقَدَرِ وَخَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ. وَفِيهِ أَنَّهُ يُغْتَفَرُ لِلشَّخْصِ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي بَعْضٍ كَحَالَةِ الْغَضَبِ وَالْأَسَفِ، وَخُصُوصًا مِمَّنْ طُبِعَ عَلَى حِدَّةِ الْخُلُقِ وَشِدَّةِ الْغَضَبِ، فَإِنَّ مُوسَى لَمَّا غَلَبَتْ عَلَيْهِ حَالَةُ الْإِنْكَارِ فِي الْمُنَاظَرَةِ خَاطَبَ آدَمَ مَعَ كَوْنِهِ وَالِدَهُ بِاسْمِهِ مُجَرَّدًا، وَخَاطَبَهُ بِأَشْيَاءَ لَمْ يَكُنْ لِيُخَاطِبَ بِهَا فِي غَيْرِ تِلْكَ الْحَالَةِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَأَقَرَّهُ عَلَى ذَلِكَ وَعَدَلَ إِلَى مُعَارَضَتِهِ فِيمَا أَبَدَاهُ مِنَ الْحُجَّةِ فِي دَفْعِ شُبْهَتِهِ.

١٢ - بَاب لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَى اللَّهُ

٦٦١٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ، حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ أَبِي لُبَابَةَ، عَنْ وَرَّادٍ مَوْلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: كَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى الْمُغِيرَةِ: اكْتُبْ إِلَيَّ مَا سَمِعْتَ النَّبِيَّ يَقُولُ: خَلْفَ الصَّلَاةِ، فَأَمْلَى عَلَيَّ الْمُغِيرَةُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(١٢) هذا (١) (بابٌ) بالتَّنوين (لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَى اللهُ).

٦٦١٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ) بكسر السين المهملة وتخفيف النون، العَوَقِيُّ قال: (حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ) بضم الفاء، عبدُ الملك بن سليمان قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَةُ) بفتح العين المهملة وسكون الموحدة (بْنُ أَبِي لُبَابَةَ) بضم اللام وتخفيف الموحدة، الأسديُّ الكوفيُّ سكنَ دمشق (عَنْ وَرَّادٍ) بفتح الواو والراء المشدَّدة (مَوْلَى المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ) وكاتبه، أنَّه (قَالَ: كَتَبَ مُعَاوِيَةُ) بنُ أبي سفيان (إِلَى المُغِيرَةِ) بن شُعبة (اكْتُبْ إِلَيَّ) بتشديد الياء (مَا) ولأبي ذرٍّ: «بما» (سَمِعْتَ النَّبِيَّ يَقُولُ خَلْفَ الصَّلَاةِ) المكتوبة (فَأَمْلَى عَلَيَّ المُغِيرَةُ) بفتح الهمزة واللام بينهما ميم ساكنة، و «عليَّ» بتشديد الياء (قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ يَقُولُ خَلْفَ الصَّلَاةِ) المكتوبة: (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ) ذِكْرُهُ بعد استفادةِ الحصرِ مِن الَّذي قبلهُ، وهو لا إله إلَّا الله، تأكيدٌ مع ما فيه من تكثير حسناتِ الذَّاكر (اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ) أي: لِمَا أردتَ إعطاءَه، وإلَّا فبعدَ الإعطاءِ من كلِّ أحدٍ لا مانعَ له؛ إذ الواقعُ لا يرتفعُ (وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ) «ما» موصولة، وجملة «أعطيتَ» صلتها (٢)، والعائدُ محذوفٌ، أي: لِمَا أعطيتَه. وقال في «العدةِ» (٣): و «لا مانعَ» اسمُ نكرةٍ مبنيٌّ مع «لا»، وخبر «لا» الاستقرارُ المتعلِّق به المجرور،

أو الخبرُ محذوفٌ وجوبًا على لغةِ بني تميمٍ، ووافقَهم كثيرٌ من الحجازيِّين فيتعلَّق حرف الجرِّ بـ «مانع»، قيل: فيجبُ نصبه وتنوينُه؛ لأنَّه مُطَوّل (١)، والرِّواية على بنائهِ من غير تنوين، فيُتمحَّلُ له بأن يعلَّق بخبر لـ «مانع» (٢) محذوف، أي: لا مانعَ لنا لِمَا أعطيتَ، فيتعلَّق بالكون المقدَّر لا بـ «مانع» (٣) كما قيلَ في قولهِ تعالى: ﴿لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ﴾ [الأنفال: ٤٨] ويحتملُ أن يكون أصله: لا (٤) مانعًا بالتَّنوين، ثمَّ حذف التَّنوين بعد أن أُبدلَ منه ألف، ثمَّ حذفت الألف فصار على صورةِ المبنيِّ، ويجوزُ أن يكون «لما أعطيتَ» في محلِّ صفةٍ لـ «مانع» والخبر محذوفٌ، ويحتملُ أن يقدَّر: لا مانع لِمَا أعطيتَ يمنعُ، فيتعلَّق بـ «يمنع»، ويكون «يمنع» خبر «لا» على إحدى اللُّغتين، واختار الزَّمخشريُّ في قولهِ تعالى: ﴿لَا تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ [يوسف: ٩٢] أنْ يكون (٥) «اليوم» معمولٌ بـ «تثريبَ»، وردَّ عليه أبو حيان لأجل الفصل بين المصدرِ ومعمولهِ بـ «عليكم» وهو إمَّا خبر أو صفة، وأيًّا ما كان فلا يجوزُ، وكان يلزمُ تنوين تثريب (٦) (وَلَا يَنْفَعُ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الجَدُّ) بفتح الجيم، فيهما على المشهورِ، و «منك» يتعلَّق بـ «ينفعُ» أي: لا ينفع صاحب الحظِّ من نزول عذابكَ، وإنَّما ينفعُه عمله الصَّالح. وقال في «الكواكب»: و «من» هي البدليَّة، أي: المحظوظُ لا ينفعه بذلك، أي: بدل طاعتك.

والحديث سبق في «الصَّلاة» [خ¦٨٤٤] و «الدَّعوات» [خ¦٦٣٣٠].

(وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ) عبدُ الملك بن عبدِ العزيز، فيما وصلَه الإمامُ أحمدُ ومسلم: (أَخْبَرَنِي) بالإفرادِ (عَبْدَةُ) بن أبي لبابة (أَنَّ وَرَّادًا) مولى المغيرة (أَخْبَرَهُ بِهَذَا) الحديثِ. قال عبدةُ: (ثُمَّ وَفَدْتُ) بالفاء من الوفودِ (بَعْدُ إِلَى مُعَاوِيَةَ) لمَّا كان بالشَّام (فَسَمِعْتُهُ يَأْمُرُ النَّاسَ بِذَلِكَ القَوْلِ) وهو: «لا إله إلا الله … » إلى آخره، ومرادُ المؤلِّف من سياقِ هذا التَّعليق التَّصريحُ بأنَّ ورَّادًا أخبر به عبدةَ؛ لأنَّه رواه في الرِّواية السَّابقة بالعنعنةِ.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.5 / 29.5
الإضاءة 7%
البدر بعد 12 يوم
الله أكبر