الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث 6616
الحديث رقم 6616 من كتاب «كتاب القدر» في صحيح البخاري، تحت باب: باب من تعوذ بالله من درك الشقاء وسوء القضاء.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
بَابٌ: ﴿يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾
٦٦١٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سُمَيٍّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
هذا الحديث من جوامع الكلم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم استعاذ من أربعة أمور، إذا سلم منها العبد سلمت له دنياه وأخراه، وهذا هو الفوز المبين، والفلاح العظيم؛ وجوامع الكلم اختصار المعاني الكثير في كلمات يسيرة.
فقد استعاذ النبي صلى الله عليه وسلم من أربعة امور، وهي:
"من جهد البلاء": أي شدة البلاء والجهد فيه- والعياذ بالله- لأن البلاء إذا اشتد فالإنسان لا يأمن نفسه من التبرم والضجر من أقدار الله تعالى، فيخسر بذلك العبد الدنيا والآخرة.
"ودرك الشقاء": أي اللحاق بالشقاء، وهو عام ويدخل فيه شقاء الآخرة دخولا أوليا ، لأنه الشقاء الذي لا يعقبه هناء، بخلاف شقاء الدنيا فالأيام دول، يوم لك تسر به، ويوم عليك تشقي به.
"وسوء القضاء": أي يقدر ويقع على العبد فيما لا يسره، وهو عام في كل شؤون الدنيا من: مال وولد وصحة وزوجة وغيرها، وشؤون الآخرة والمعاد.
والمراد بالقضاء هنا: المقضي، لأن قضاء الله وحكمه كله خير .
"وشماتة الأعداء": فهذا مما يتأثر به الإنسان أن يجد عدوه فرحا بمصابه، فدخول عدو الدين هو دخولا أصليا، وعدو الدنيا دخولاً ثانوياً.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com - شرح مبسّط
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ خَلْفَ الصَّلَاةِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي عَبْدَةُ أَنَّ وَرَّادًا أَخْبَرَهُ بِهَذَا. ثُمَّ وَفَدْتُ بَعْدُ إِلَى مُعَاوِيَةَ فَسَمِعْتُهُ يَأْمُرُ النَّاسَ بِذَلِكَ الْقَوْلِ.
قَوْلُهُ: (بَابُ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَى اللَّهُ) هَذَا اللَّفْظُ مُنْتَزَعٌ مِنْ مَعْنَى الْحَدِيثِ الَّذِي أَوْرَدَهُ، وَأَمَّا لَفْظُهُ فَهُوَ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ أَخْرَجَهُ مَالِكٌ. وَلَمَحَ الْمُصَنِّفُ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّهُ بَعْضُ حَدِيثِ الْبَابِ كَمَا قَدَّمْتُهُ عِنْدَ شَرْحِهِ فِي آخِرِ صِفَةِ الصَّلَاةِ، وَأَنَّ مُعَاوِيَةَ اسْتَثْبَتَ الْمُغِيرَةَ فِي ذَلِكَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ الْحَدِيثِ مُسْتَوْفًى هُنَاكَ. وَقَوْلُهُ: وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ زَادَ فِيهِ مِسْعَرٌ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ وَرَّادٍ وَلَا رَادَّ لِمَا قَضَيْتَ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْهُ، وَذَكَرْتُ لِهَذِهِ الزِّيَادَةِ طَرِيقًا أُخْرَى هُنَاكَ، وَكَذَا رُوِّينَاهَا فِي فَوَائِدِ أَبِي سَعْدٍ الْكَنْجَرُوذِيِّ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ) وَصَلَهُ أَحْمَدُ، وَمُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، وَالْغَرَضُ التَّصْرِيحُ بِأَنَّ وَرَّادًا أَخْبَرَ بِهِ عَبْدَةَ ; لِأَنَّهُ وَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى بِالْعَنْعَنَةِ.
١٣ - بَاب مَنْ تَعَوَّذَ بِاللَّهِ مِنْ دَرَكِ الشَّقَاءِ، وَسُوءِ الْقَضَاءِ وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾
٦٦١٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سُمَيٍّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ جَهْدِ الْبَلَاءِ، وَدَرَكِ الشَّقَاءِ، وَسُوءِ الْقَضَاءِ، وَشَمَاتَةِ الْأَعْدَاءِ.
قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ تَعَوَّذَ بِاللَّهِ مِنْ دَرْكِ الشَّقَاءِ وَسُوءِ الْقَضَاءِ) تَقَدَّمَ شَرْحُ ذَلِكَ فِي أَوَائِلِ الدَّعَوَاتِ.
قَوْلُهُ: (وَقَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ يُشِيرُ بِذِكْرِ الْآيَةِ إِلَى الرَّدِّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْعَبْدَ يَخْلُقُ فِعْلَ نَفْسِهِ ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ السُّوءُ الْمَأْمُورُ بِالِاسْتِعَاذَةِ بِاللَّهِ مِنْهُ مُخْتَرَعًا لِفَاعِلِهِ لَمَا كَانَ لِلِاسْتِعَاذَةِ بِاللَّهِ مِنْهُ مَعْنًى، لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ التَّعَوُّذُ إِلَّا بِمَنْ قَدَرَ عَلَى إِزَالَةِ مَا اسْتُعِيذَ بِهِ مِنْهُ.
وَالْحَدِيثُ يَتَضَمَّنُ أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - فَاعِلُ جَمِيعِ مَا ذُكِرَ، وَالْمُرَادُ بِسُوءِ الْقَضَاءِ سُوءُ الْمَقْضِيِّ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ مَعَ شَرْحِ الْحَدِيثِ مُسْتَوْفًى فِي أَوَائِلِ الدَّعَوَاتِ.
١٤ - بَاب ﴿يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾
٦٦١٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الْحَسَنِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كَثِيرًا مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَحْلِفُ: لَا وَمُقَلِّبِ الْقُلُوبِ.
[الحديث ٦٦١٧ - طرفاه في: ٦٦٢٨، ٧٣٩١]
٦٦١٨ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَفْصٍ، وَبِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِابْنِ صَيَّادٍ: خَبَأْتُ لَكَ خَبِيئَا. قَالَ: الدُّخُّ. قَالَ: اخْسَأْ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(١٣) (باب مَنْ تَعَوَّذَ بِاللهِ مِنْ دَرَكِ الشَّقَاءِ، وَسُوءِ القَضَاءِ، وَقولهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق: ١]) أي: الصُّبح، أو الخلْق، أو هو وادٍ في جهنَّم أو جبٌّ فيها (﴿مِن شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ [الفلق: ٢]) الشَّيطان خاصَّة؛ لأنَّ الله تعالى لم يخلقْ خلقًا أشرَّ منه، وقيل: جهنَّم وما خلق فيها، وقيل: عامّ، أي: من شرِّ كلِّ ذي شرٍّ خلقَه الله، و «ما» موصولة والعائد محذوفٌ، أو مصدريَّة ويكون الخلق بمعنى المخلوق، وقرأ بعض المعتزلة الَّذين يرون أنَّ الله لم يخلق الشَّرَّ: (من شرٍّ) بالتَّنوين، (ما خلق) على النَّفي وهي قراءةٌ مردودةٌ مبنيَّة على مذهبٍ باطلٍ، وهذه السُّورة دالَّةٌ على أنَّ الله تعالى خالقُ كلِّ شيءٍ، ففيها الرَّدُّ على من زعمَ أنَّ العبدَ يخلقُ فعلَ نفسه؛ لأنَّه لو كانَ السُّوء المأمور بالاستعاذةِ منه مخلوقًا لفاعله لَمَا كان للاستعاذةِ بالله منه معنًى؛ لأنَّه لا يصحُّ التَّعوُّذ إلَّا بمن قدرَ على إزالةِ ما استعيذَ به منه.
٦٦١٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة (عَنْ سُمَيٍّ) بضم السين المهملة وفتح الميم وتشديد التحتية، مولى أبي بكر المخزوميِّ (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان السَّمان (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) أنَّه (قَالَ: تَعَوَّذُوا بِاللهِ مِنْ جَهْدِ البَلَاءِ) بفتح الجيم وسكون الهاء، الحالة الَّتي يختار عليها الموت، أو قلَّة المال وكثرة العيال (وَدَرَكِ الشَّقَاءِ) بفتح الدال المهملة والراء، اللَّحاق، و «الشَّقاء» بفتح الشين المعجمة والقاف ممدودًا، الشِّدة والعسر (وَسُوءِ القَضَاءِ) أي: المقضيِّ (وَشَمَاتَةِ الأَعْدَاءِ) وهو فرح العدوِّ ببليَّةٍ تنزلُ بمن يعاديهِ.
والحديث سبق في «باب التَّعوذ من جهد البلاء» من «كتاب الدَّعوات» [خ¦٦٣٤٧].
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
٥١٦٦ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ سِنانٍ حدّثنا فُليْحٌ حَدثنَا عَبْدَةُ بنُ أبي لُبابَةَ عَنْ ورَّادٍ مَوْلَى المغِيرَةِ ابنِ شُعْبَةَ قَالَ: كَتَبَ مُعاوِيَةُ إِلَى المُغِيرَةِ: أكْتُبْ إلَيَّ مَا سَمعْتُ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُولُ خَلْفَ الصّلَاة، فأمْلَى عَليَّ المُغِيرَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُولُ: خَلْفَ الصّلَاةِ: (لَا إلَهَ إلاّ الله وحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، اللَّهُمَّ لَا مانِعَ لِما أعْطَيْتَ ولَا مُعْطِيَ لِما مَنَعْتَ وَلَا يَنْفَعُ ذَا الجدِّ مِنْكَ الجَدُّ) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَإِن كَانَ بَينهمَا نوع تَغْيِير. وَمُحَمّد بن سِنَان بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة وبالنونين، وفليح مصغر الفلح بِالْفَاءِ والحاء الْمُهْملَة ابْن سُلَيْمَان، وَكَانَ اسْمه عبد الْملك وفليح لقبه فغلب على اسْمه، وَعَبدَة ضد الْحرَّة ابْن أبي لبَابَة بِضَم اللَّام وبالباءين الموحدتين الْأَسدي الْكُوفِي سكن دمشق، ووراد بِفَتْح الْوَاو وَتَشْديد الرَّاء مولى الْمُغيرَة بن شُعْبَة وكاتبه.
والْحَدِيث مضى فِي الصَّلَاة فِي: بَاب الذّكر بعد الصَّلَاة. وَأخرجه فِي مَوَاضِع كَثِيرَة فِي الِاعْتِصَام وَفِي الرقَاق وَفِي الدَّعْوَات وَغَيرهَا، وَمضى الْكَلَام فِيهِ فِي الصَّلَاة.
قَوْله: (الْجد) وَهُوَ مَا جعل الله للْإنْسَان من الحظوظ الدُّنْيَوِيَّة، وَكلمَة: من، تسمى من الْبَدَلِيَّة. كَقَوْلِه تَعَالَى: {أرضيتم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا من الْآخِرَة} (التَّوْبَة: ٨٣) أَي: بدل الْآخِرَة، أَي: المحظوظ لَا يَنْفَعهُ حَظه بذلك أَي: بدل طَاعَتك، وَقَالَ الرَّاغِب: قيل: أَرَادَ بالجد أَب الْأَب أَي: لَا ينفع أحدا نسبه. وَقَالَ النَّوَوِيّ: مِنْهُم من رَوَاهُ بِالْكَسْرِ وَهُوَ الِاجْتِهَاد أَي: لَا ينفع ذَا الِاجْتِهَاد مِنْك اجْتِهَاده إِنَّمَا يَنْفَعهُ رحمتك.
وَقَالَ ابنُ جُرَيْجٍ: أخبَرني عَبْدَةُ أنَّ ورَّاداً أخْبَرَهُ بهاذَا، ثُمَّ وفَدْتُ بَعْدُ إِلَى مُعاوِيَةَ فَسَمِعْتُهُ يأمُرُ النَّاسَ بِذَلِكَ القَوْلِ.
ابْن جريج هُوَ عبد الْملك بن الْعَزِيز بن جريج، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله أَحْمد وَمُسلم من طَرِيق ابْن جريج، وَالْمَقْصُود من هَذَا التَّعْلِيق التَّصْرِيح بِأَن وراداً أخبر بِهِ عَبدة لِأَنَّهُ وَقع فِي الرِّوَايَة الأولى بالعنعنة. قَوْله: ثمَّ وفدت، الْقَائِل بِهَذَا عَبدة، ووفدت من الْوُفُود وَهُوَ قصد الْأُمَرَاء لزيارة واسترفاد وانتجاع وَغير ذَلِك، يُقَال: وَفد يفد فَهُوَ وَافد. قَوْله: بعد، مَبْنِيّ على الضَّم أَي: بعد أَن سمعته من وراد. قَوْله: إِلَى مُعَاوِيَة، هُوَ ابْن أبي سُفْيَان لما كَانَ فِي الشَّام حَاكما. قَوْله: بذلك القَوْل، أَشَارَ بِهِ إِلَى القَوْل الَّذِي كَانَ يَقُوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَهُوَ الدُّعَاء الْمَذْكُور عقيب الصَّلَاة.
٣١ - (بابُ مَنْ تَعَوَّذَ بِاللَّه مِنْ درَكِ الشَّقاءِ وسُوءِ القَضاءِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَمر المتعوذ من هذَيْن الشَّيْئَيْنِ. أَحدهمَا: دَرك الشَّقَاء، بِفَتْح الرَّاء: اللحاق والتبعة والشقاء بِالْفَتْح وَالْمدّ الشدَّة والعسر وَهُوَ يتَنَاوَل الدِّينِيَّة والدنياوية. وَالْآخر: سوء الْقَضَاء، أَي الْمقْضِي إِذْ حكم الله كُله حسن.
وقَوْلِهِ تَعَالَى: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ مِن شَرِّ مَا خَلَقَ} (الفلق: ١ ٢) .
أَشَارَ بِذكر هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة إِلَى الرَّد على من زعم أَن العَبْد يخلق فعل نَفسه، لِأَنَّهُ لَو كَانَ السوء الْمَأْمُور بالاستعاذة مِنْهُ مخترعاً لفَاعِله لما كَانَ للاستعاذة بِاللَّه مِنْهُ معنى، لِأَنَّهُ لَا يَصح التَّعَوُّذ إلَاّ بِمن قدر على إِزَالَة مَا استعيذ بِهِ مِنْهُ.
٦١٦٦ - حدّثنا مُسَدَّدٌ حدّثنا سُفيانُ عنْ سُمَيّ عنْ أبي صالحٍ عنْ أبي هُرَيْرَةَ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (تَعَوَّذُوا بِاللَّه مِنْ جَهْدِ البلَاءِ ودَرَكِ الشَّقاءِ وسُوءِ القَضاءِ وشَماتَةِ الاعْدَاءِ) .
(انْظُر الحَدِيث ٧٤٣٦) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَسمي بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَفتح الْمِيم وَتَشْديد الْيَاء مولى أبي بكر المَخْزُومِي، وَأَبُو صَالح ذكْوَان الزيات.
والْحَدِيث مضى فِي كتاب الدَّعْوَات فِي: بَاب التَّعَوُّذ من جهد الْبلَاء، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عَليّ بن عبد الله عَن سفاين عَن سمي ... إِلَى آخِره.
قَوْله: (جهد الْبلَاء) بِضَم الْجِيم أشهر وَهُوَ الْحَالة الَّتِي يخْتَار عَلَيْهَا الْمَوْت، وَقيل: هُوَ قلَّة
المَال وَكَثْرَة الْعِيَال وَفِي التَّوْضِيح جهد الْبلَاء أقْصَى مَا يبلغ وَهُوَ الْجهد بِضَم الْجِيم وَفتحهَا قَوْله وشماتة الْأَعْدَاء الشماتة هِيَ الْحزن يفرح الْعَدو والفرح يحزنهُ
(بَاب يحول بَين الْمَرْء وَقَلبه)
أَي هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى يحول بَين الْمَرْء وَقَلبه وأوله {وَاعْلَمُوا أَن الله يحول بَين الْمَرْء وَقَلبه وَأَنه إِلَيْهِ تحشرون} وَعَن سعيد بن جُبَير مَعْنَاهُ يحول بَين الْكَافِر أَن يُؤمن وَبَين الْمُؤمن أَن يكفر وَعَن ابْن عَبَّاس يحول بَين الْكَافِر وطاعته وَبَين الْمُؤمن ومعصيته وَكَذَا روى عَن الضَّحَّاك وَعَن مُجَاهِد يحول بَين الْمَرْء وَقَلبه فَلَا يعقل وَلَا يدْرِي مَا يعلم وَالْغَرَض من هَذِه التَّرْجَمَة الْإِشَارَة إِلَى أَن الله خَالق لجَمِيع كسب الْعباد من الْخَيْر وَالشَّر وَأَنه قَادر على أَن يحول بَين الْكَافِر وَالْإِيمَان وَلم يقدره إِلَّا على ضِدّه وَهُوَ الْكفْر وعَلى أَن يحول بَين الْمُؤمن وَالْكفْر وأقدره على ضِدّه وَهُوَ الْإِيمَان وَفعل الله عدل فِيمَن أضلّهُ لِأَنَّهُ لم يمنعهُم حَقًا وَجب عَلَيْهِ وخلقهم على إِرَادَته لَا على إرادتهم وَكَانَ من خلق فيهم من قُوَّة الْهِدَايَة والتوفيق على وَجه التَّفْصِيل
٢٤ - (حَدثنَا مُحَمَّد بن مقَاتل أَبُو الْحسن أخبرنَا عبد الله أخبرنَا مُوسَى بن عقبَة عَن سَالم عَن عبد الله قَالَ كثيرا مِمَّا كَانَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يحلف لَا ومقلب الْقُلُوب) مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ أَن معنى مُقَلِّب الْقُلُوب تقليبه قلب عَبده عَن إِيثَار الْإِيمَان إِلَى إِيثَار الْكفْر وَعَكسه وَفعل الله عدل فِي ذَلِك كَمَا ذَكرْنَاهُ الْآن وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك ومُوسَى بن عقبَة بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْقَاف وَسَالم هُوَ ابْن عبد الله يروي عَن أَبِيه عبد الله بن عمر بن الْخطاب والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّوْحِيد عَن سعيد بن سُلَيْمَان وَفِي الْإِيمَان وَالنُّذُور عَن مُحَمَّد بن يُوسُف وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْإِيمَان عَن عَليّ بن حجر وَعبد الله بن جَعْفَر وَأخرجه النَّسَائِيّ عَن أَحْمد بن سُلَيْمَان وَغَيره وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْكَفَّارَات عَن عَليّ بن مُحَمَّد الطنافسي قَوْله كثيرا نصب على أَنه صفة لمصدر مَحْذُوف تَقْدِيره يحلف حلفا كثيرا مِمَّا كَانَ يُرِيد أَن يحلف بِهِ من أَلْفَاظ الْحلف قَوْله لَا فِيهِ حذف نَحْو لَا أفعل أَو لَا أترك وَحقّ مُقَلِّب الْقُلُوب وَهُوَ الله عز وَجل وَالْوَاو فِيهِ للقسم قَالَ الْكرْمَانِي مُقَلِّب الْقُلُوب أَي يقلب أغراضها وَأَحْوَالهَا من الْإِرَادَة وَغَيرهَا إِذْ حَقِيقَة الْقلب لَا تنْقَلب وَفِيه دلَالَة على أَن أَعمال الْقُلُوب من الإرادات والدواعي وَسَائِر الْأَغْرَاض بِخلق الله تَعَالَى كأفعال الْجَوَارِح
٢٥ - (حَدثنَا عَليّ بن حَفْص وَبشر بن مُحَمَّد قَالَا أخبرنَا عبد الله قَالَ أخبرنَا معمر عَن الزُّهْرِيّ عَن سَالم عَن ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا قَالَ قَالَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لِابْنِ صياد خبأت لَك خبيئا قَالَ الدخ قَالَ اخْسَأْ فَلَنْ تعدو قدرك قَالَ عمر ائْذَنْ لي فَأَضْرب عُنُقه قَالَ دَعه إِن يكن هُوَ لَا تُطِيقهُ وَإِن لم يكن هُوَ فَلَا خير لَك فِي قَتله) مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله إِن يكن هُوَ إِلَى آخِره يَعْنِي إِن كَانَ الَّذِي قَالَ قد سبق فِي علم الله خُرُوجه وإضلاله النَّاس فَلَنْ يقدرك خالقك على قتل من سبق فِي علمه أَنه يخرج ويضل النَّاس إِذْ لَو أقدرك على هَذَا لَكَانَ فِيهِ انقلاب علمه وَالله تَعَالَى عَن ذَلِك وَعلي بن حَفْص الْمروزِي سكن عسقلان وَبشر بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة ابْن مُحَمَّد أَبُو مُحَمَّد السّخْتِيَانِيّ الْمروزِي وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك الْمروزِي وَمعمر بِفَتْح الميمين ابْن رَاشد وَالزهْرِيّ مُحَمَّد بن مُسلم وَسَالم بن عبد الله بن عمر والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْجَنَائِز فِي بَاب إِذا أسلم الصَّبِي فَمَاتَ هَل يصلى عَلَيْهِ فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ مطولا وَمضى الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوْفِي قَوْله لِابْنِ صياد اسْمه صَاف قَوْله خبيئا ويروى خبا قَوْله الدخ بِضَم
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ خَلْفَ الصَّلَاةِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي عَبْدَةُ أَنَّ وَرَّادًا أَخْبَرَهُ بِهَذَا. ثُمَّ وَفَدْتُ بَعْدُ إِلَى مُعَاوِيَةَ فَسَمِعْتُهُ يَأْمُرُ النَّاسَ بِذَلِكَ الْقَوْلِ.
قَوْلُهُ: (بَابُ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَى اللَّهُ) هَذَا اللَّفْظُ مُنْتَزَعٌ مِنْ مَعْنَى الْحَدِيثِ الَّذِي أَوْرَدَهُ، وَأَمَّا لَفْظُهُ فَهُوَ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ أَخْرَجَهُ مَالِكٌ. وَلَمَحَ الْمُصَنِّفُ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّهُ بَعْضُ حَدِيثِ الْبَابِ كَمَا قَدَّمْتُهُ عِنْدَ شَرْحِهِ فِي آخِرِ صِفَةِ الصَّلَاةِ، وَأَنَّ مُعَاوِيَةَ اسْتَثْبَتَ الْمُغِيرَةَ فِي ذَلِكَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ الْحَدِيثِ مُسْتَوْفًى هُنَاكَ. وَقَوْلُهُ: وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ زَادَ فِيهِ مِسْعَرٌ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ وَرَّادٍ وَلَا رَادَّ لِمَا قَضَيْتَ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْهُ، وَذَكَرْتُ لِهَذِهِ الزِّيَادَةِ طَرِيقًا أُخْرَى هُنَاكَ، وَكَذَا رُوِّينَاهَا فِي فَوَائِدِ أَبِي سَعْدٍ الْكَنْجَرُوذِيِّ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ) وَصَلَهُ أَحْمَدُ، وَمُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، وَالْغَرَضُ التَّصْرِيحُ بِأَنَّ وَرَّادًا أَخْبَرَ بِهِ عَبْدَةَ ; لِأَنَّهُ وَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى بِالْعَنْعَنَةِ.
١٣ - بَاب مَنْ تَعَوَّذَ بِاللَّهِ مِنْ دَرَكِ الشَّقَاءِ، وَسُوءِ الْقَضَاءِ وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾
٦٦١٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سُمَيٍّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ جَهْدِ الْبَلَاءِ، وَدَرَكِ الشَّقَاءِ، وَسُوءِ الْقَضَاءِ، وَشَمَاتَةِ الْأَعْدَاءِ.
قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ تَعَوَّذَ بِاللَّهِ مِنْ دَرْكِ الشَّقَاءِ وَسُوءِ الْقَضَاءِ) تَقَدَّمَ شَرْحُ ذَلِكَ فِي أَوَائِلِ الدَّعَوَاتِ.
قَوْلُهُ: (وَقَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ يُشِيرُ بِذِكْرِ الْآيَةِ إِلَى الرَّدِّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْعَبْدَ يَخْلُقُ فِعْلَ نَفْسِهِ ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ السُّوءُ الْمَأْمُورُ بِالِاسْتِعَاذَةِ بِاللَّهِ مِنْهُ مُخْتَرَعًا لِفَاعِلِهِ لَمَا كَانَ لِلِاسْتِعَاذَةِ بِاللَّهِ مِنْهُ مَعْنًى، لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ التَّعَوُّذُ إِلَّا بِمَنْ قَدَرَ عَلَى إِزَالَةِ مَا اسْتُعِيذَ بِهِ مِنْهُ.
وَالْحَدِيثُ يَتَضَمَّنُ أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - فَاعِلُ جَمِيعِ مَا ذُكِرَ، وَالْمُرَادُ بِسُوءِ الْقَضَاءِ سُوءُ الْمَقْضِيِّ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ مَعَ شَرْحِ الْحَدِيثِ مُسْتَوْفًى فِي أَوَائِلِ الدَّعَوَاتِ.
١٤ - بَاب ﴿يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾
٦٦١٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الْحَسَنِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كَثِيرًا مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَحْلِفُ: لَا وَمُقَلِّبِ الْقُلُوبِ.
[الحديث ٦٦١٧ - طرفاه في: ٦٦٢٨، ٧٣٩١]
٦٦١٨ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَفْصٍ، وَبِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِابْنِ صَيَّادٍ: خَبَأْتُ لَكَ خَبِيئَا. قَالَ: الدُّخُّ. قَالَ: اخْسَأْ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(١٣) (باب مَنْ تَعَوَّذَ بِاللهِ مِنْ دَرَكِ الشَّقَاءِ، وَسُوءِ القَضَاءِ، وَقولهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق: ١]) أي: الصُّبح، أو الخلْق، أو هو وادٍ في جهنَّم أو جبٌّ فيها (﴿مِن شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ [الفلق: ٢]) الشَّيطان خاصَّة؛ لأنَّ الله تعالى لم يخلقْ خلقًا أشرَّ منه، وقيل: جهنَّم وما خلق فيها، وقيل: عامّ، أي: من شرِّ كلِّ ذي شرٍّ خلقَه الله، و «ما» موصولة والعائد محذوفٌ، أو مصدريَّة ويكون الخلق بمعنى المخلوق، وقرأ بعض المعتزلة الَّذين يرون أنَّ الله لم يخلق الشَّرَّ: (من شرٍّ) بالتَّنوين، (ما خلق) على النَّفي وهي قراءةٌ مردودةٌ مبنيَّة على مذهبٍ باطلٍ، وهذه السُّورة دالَّةٌ على أنَّ الله تعالى خالقُ كلِّ شيءٍ، ففيها الرَّدُّ على من زعمَ أنَّ العبدَ يخلقُ فعلَ نفسه؛ لأنَّه لو كانَ السُّوء المأمور بالاستعاذةِ منه مخلوقًا لفاعله لَمَا كان للاستعاذةِ بالله منه معنًى؛ لأنَّه لا يصحُّ التَّعوُّذ إلَّا بمن قدرَ على إزالةِ ما استعيذَ به منه.
٦٦١٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة (عَنْ سُمَيٍّ) بضم السين المهملة وفتح الميم وتشديد التحتية، مولى أبي بكر المخزوميِّ (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان السَّمان (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) أنَّه (قَالَ: تَعَوَّذُوا بِاللهِ مِنْ جَهْدِ البَلَاءِ) بفتح الجيم وسكون الهاء، الحالة الَّتي يختار عليها الموت، أو قلَّة المال وكثرة العيال (وَدَرَكِ الشَّقَاءِ) بفتح الدال المهملة والراء، اللَّحاق، و «الشَّقاء» بفتح الشين المعجمة والقاف ممدودًا، الشِّدة والعسر (وَسُوءِ القَضَاءِ) أي: المقضيِّ (وَشَمَاتَةِ الأَعْدَاءِ) وهو فرح العدوِّ ببليَّةٍ تنزلُ بمن يعاديهِ.
والحديث سبق في «باب التَّعوذ من جهد البلاء» من «كتاب الدَّعوات» [خ¦٦٣٤٧].
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
٥١٦٦ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ سِنانٍ حدّثنا فُليْحٌ حَدثنَا عَبْدَةُ بنُ أبي لُبابَةَ عَنْ ورَّادٍ مَوْلَى المغِيرَةِ ابنِ شُعْبَةَ قَالَ: كَتَبَ مُعاوِيَةُ إِلَى المُغِيرَةِ: أكْتُبْ إلَيَّ مَا سَمعْتُ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُولُ خَلْفَ الصّلَاة، فأمْلَى عَليَّ المُغِيرَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُولُ: خَلْفَ الصّلَاةِ: (لَا إلَهَ إلاّ الله وحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، اللَّهُمَّ لَا مانِعَ لِما أعْطَيْتَ ولَا مُعْطِيَ لِما مَنَعْتَ وَلَا يَنْفَعُ ذَا الجدِّ مِنْكَ الجَدُّ) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَإِن كَانَ بَينهمَا نوع تَغْيِير. وَمُحَمّد بن سِنَان بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة وبالنونين، وفليح مصغر الفلح بِالْفَاءِ والحاء الْمُهْملَة ابْن سُلَيْمَان، وَكَانَ اسْمه عبد الْملك وفليح لقبه فغلب على اسْمه، وَعَبدَة ضد الْحرَّة ابْن أبي لبَابَة بِضَم اللَّام وبالباءين الموحدتين الْأَسدي الْكُوفِي سكن دمشق، ووراد بِفَتْح الْوَاو وَتَشْديد الرَّاء مولى الْمُغيرَة بن شُعْبَة وكاتبه.
والْحَدِيث مضى فِي الصَّلَاة فِي: بَاب الذّكر بعد الصَّلَاة. وَأخرجه فِي مَوَاضِع كَثِيرَة فِي الِاعْتِصَام وَفِي الرقَاق وَفِي الدَّعْوَات وَغَيرهَا، وَمضى الْكَلَام فِيهِ فِي الصَّلَاة.
قَوْله: (الْجد) وَهُوَ مَا جعل الله للْإنْسَان من الحظوظ الدُّنْيَوِيَّة، وَكلمَة: من، تسمى من الْبَدَلِيَّة. كَقَوْلِه تَعَالَى: {أرضيتم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا من الْآخِرَة} (التَّوْبَة: ٨٣) أَي: بدل الْآخِرَة، أَي: المحظوظ لَا يَنْفَعهُ حَظه بذلك أَي: بدل طَاعَتك، وَقَالَ الرَّاغِب: قيل: أَرَادَ بالجد أَب الْأَب أَي: لَا ينفع أحدا نسبه. وَقَالَ النَّوَوِيّ: مِنْهُم من رَوَاهُ بِالْكَسْرِ وَهُوَ الِاجْتِهَاد أَي: لَا ينفع ذَا الِاجْتِهَاد مِنْك اجْتِهَاده إِنَّمَا يَنْفَعهُ رحمتك.
وَقَالَ ابنُ جُرَيْجٍ: أخبَرني عَبْدَةُ أنَّ ورَّاداً أخْبَرَهُ بهاذَا، ثُمَّ وفَدْتُ بَعْدُ إِلَى مُعاوِيَةَ فَسَمِعْتُهُ يأمُرُ النَّاسَ بِذَلِكَ القَوْلِ.
ابْن جريج هُوَ عبد الْملك بن الْعَزِيز بن جريج، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله أَحْمد وَمُسلم من طَرِيق ابْن جريج، وَالْمَقْصُود من هَذَا التَّعْلِيق التَّصْرِيح بِأَن وراداً أخبر بِهِ عَبدة لِأَنَّهُ وَقع فِي الرِّوَايَة الأولى بالعنعنة. قَوْله: ثمَّ وفدت، الْقَائِل بِهَذَا عَبدة، ووفدت من الْوُفُود وَهُوَ قصد الْأُمَرَاء لزيارة واسترفاد وانتجاع وَغير ذَلِك، يُقَال: وَفد يفد فَهُوَ وَافد. قَوْله: بعد، مَبْنِيّ على الضَّم أَي: بعد أَن سمعته من وراد. قَوْله: إِلَى مُعَاوِيَة، هُوَ ابْن أبي سُفْيَان لما كَانَ فِي الشَّام حَاكما. قَوْله: بذلك القَوْل، أَشَارَ بِهِ إِلَى القَوْل الَّذِي كَانَ يَقُوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَهُوَ الدُّعَاء الْمَذْكُور عقيب الصَّلَاة.
٣١ - (بابُ مَنْ تَعَوَّذَ بِاللَّه مِنْ درَكِ الشَّقاءِ وسُوءِ القَضاءِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَمر المتعوذ من هذَيْن الشَّيْئَيْنِ. أَحدهمَا: دَرك الشَّقَاء، بِفَتْح الرَّاء: اللحاق والتبعة والشقاء بِالْفَتْح وَالْمدّ الشدَّة والعسر وَهُوَ يتَنَاوَل الدِّينِيَّة والدنياوية. وَالْآخر: سوء الْقَضَاء، أَي الْمقْضِي إِذْ حكم الله كُله حسن.
وقَوْلِهِ تَعَالَى: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ مِن شَرِّ مَا خَلَقَ} (الفلق: ١ ٢) .
أَشَارَ بِذكر هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة إِلَى الرَّد على من زعم أَن العَبْد يخلق فعل نَفسه، لِأَنَّهُ لَو كَانَ السوء الْمَأْمُور بالاستعاذة مِنْهُ مخترعاً لفَاعِله لما كَانَ للاستعاذة بِاللَّه مِنْهُ معنى، لِأَنَّهُ لَا يَصح التَّعَوُّذ إلَاّ بِمن قدر على إِزَالَة مَا استعيذ بِهِ مِنْهُ.
٦١٦٦ - حدّثنا مُسَدَّدٌ حدّثنا سُفيانُ عنْ سُمَيّ عنْ أبي صالحٍ عنْ أبي هُرَيْرَةَ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (تَعَوَّذُوا بِاللَّه مِنْ جَهْدِ البلَاءِ ودَرَكِ الشَّقاءِ وسُوءِ القَضاءِ وشَماتَةِ الاعْدَاءِ) .
(انْظُر الحَدِيث ٧٤٣٦) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَسمي بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَفتح الْمِيم وَتَشْديد الْيَاء مولى أبي بكر المَخْزُومِي، وَأَبُو صَالح ذكْوَان الزيات.
والْحَدِيث مضى فِي كتاب الدَّعْوَات فِي: بَاب التَّعَوُّذ من جهد الْبلَاء، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عَليّ بن عبد الله عَن سفاين عَن سمي ... إِلَى آخِره.
قَوْله: (جهد الْبلَاء) بِضَم الْجِيم أشهر وَهُوَ الْحَالة الَّتِي يخْتَار عَلَيْهَا الْمَوْت، وَقيل: هُوَ قلَّة
المَال وَكَثْرَة الْعِيَال وَفِي التَّوْضِيح جهد الْبلَاء أقْصَى مَا يبلغ وَهُوَ الْجهد بِضَم الْجِيم وَفتحهَا قَوْله وشماتة الْأَعْدَاء الشماتة هِيَ الْحزن يفرح الْعَدو والفرح يحزنهُ
(بَاب يحول بَين الْمَرْء وَقَلبه)
أَي هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى يحول بَين الْمَرْء وَقَلبه وأوله {وَاعْلَمُوا أَن الله يحول بَين الْمَرْء وَقَلبه وَأَنه إِلَيْهِ تحشرون} وَعَن سعيد بن جُبَير مَعْنَاهُ يحول بَين الْكَافِر أَن يُؤمن وَبَين الْمُؤمن أَن يكفر وَعَن ابْن عَبَّاس يحول بَين الْكَافِر وطاعته وَبَين الْمُؤمن ومعصيته وَكَذَا روى عَن الضَّحَّاك وَعَن مُجَاهِد يحول بَين الْمَرْء وَقَلبه فَلَا يعقل وَلَا يدْرِي مَا يعلم وَالْغَرَض من هَذِه التَّرْجَمَة الْإِشَارَة إِلَى أَن الله خَالق لجَمِيع كسب الْعباد من الْخَيْر وَالشَّر وَأَنه قَادر على أَن يحول بَين الْكَافِر وَالْإِيمَان وَلم يقدره إِلَّا على ضِدّه وَهُوَ الْكفْر وعَلى أَن يحول بَين الْمُؤمن وَالْكفْر وأقدره على ضِدّه وَهُوَ الْإِيمَان وَفعل الله عدل فِيمَن أضلّهُ لِأَنَّهُ لم يمنعهُم حَقًا وَجب عَلَيْهِ وخلقهم على إِرَادَته لَا على إرادتهم وَكَانَ من خلق فيهم من قُوَّة الْهِدَايَة والتوفيق على وَجه التَّفْصِيل
٢٤ - (حَدثنَا مُحَمَّد بن مقَاتل أَبُو الْحسن أخبرنَا عبد الله أخبرنَا مُوسَى بن عقبَة عَن سَالم عَن عبد الله قَالَ كثيرا مِمَّا كَانَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يحلف لَا ومقلب الْقُلُوب) مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ أَن معنى مُقَلِّب الْقُلُوب تقليبه قلب عَبده عَن إِيثَار الْإِيمَان إِلَى إِيثَار الْكفْر وَعَكسه وَفعل الله عدل فِي ذَلِك كَمَا ذَكرْنَاهُ الْآن وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك ومُوسَى بن عقبَة بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْقَاف وَسَالم هُوَ ابْن عبد الله يروي عَن أَبِيه عبد الله بن عمر بن الْخطاب والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّوْحِيد عَن سعيد بن سُلَيْمَان وَفِي الْإِيمَان وَالنُّذُور عَن مُحَمَّد بن يُوسُف وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْإِيمَان عَن عَليّ بن حجر وَعبد الله بن جَعْفَر وَأخرجه النَّسَائِيّ عَن أَحْمد بن سُلَيْمَان وَغَيره وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْكَفَّارَات عَن عَليّ بن مُحَمَّد الطنافسي قَوْله كثيرا نصب على أَنه صفة لمصدر مَحْذُوف تَقْدِيره يحلف حلفا كثيرا مِمَّا كَانَ يُرِيد أَن يحلف بِهِ من أَلْفَاظ الْحلف قَوْله لَا فِيهِ حذف نَحْو لَا أفعل أَو لَا أترك وَحقّ مُقَلِّب الْقُلُوب وَهُوَ الله عز وَجل وَالْوَاو فِيهِ للقسم قَالَ الْكرْمَانِي مُقَلِّب الْقُلُوب أَي يقلب أغراضها وَأَحْوَالهَا من الْإِرَادَة وَغَيرهَا إِذْ حَقِيقَة الْقلب لَا تنْقَلب وَفِيه دلَالَة على أَن أَعمال الْقُلُوب من الإرادات والدواعي وَسَائِر الْأَغْرَاض بِخلق الله تَعَالَى كأفعال الْجَوَارِح
٢٥ - (حَدثنَا عَليّ بن حَفْص وَبشر بن مُحَمَّد قَالَا أخبرنَا عبد الله قَالَ أخبرنَا معمر عَن الزُّهْرِيّ عَن سَالم عَن ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا قَالَ قَالَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لِابْنِ صياد خبأت لَك خبيئا قَالَ الدخ قَالَ اخْسَأْ فَلَنْ تعدو قدرك قَالَ عمر ائْذَنْ لي فَأَضْرب عُنُقه قَالَ دَعه إِن يكن هُوَ لَا تُطِيقهُ وَإِن لم يكن هُوَ فَلَا خير لَك فِي قَتله) مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله إِن يكن هُوَ إِلَى آخِره يَعْنِي إِن كَانَ الَّذِي قَالَ قد سبق فِي علم الله خُرُوجه وإضلاله النَّاس فَلَنْ يقدرك خالقك على قتل من سبق فِي علمه أَنه يخرج ويضل النَّاس إِذْ لَو أقدرك على هَذَا لَكَانَ فِيهِ انقلاب علمه وَالله تَعَالَى عَن ذَلِك وَعلي بن حَفْص الْمروزِي سكن عسقلان وَبشر بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة ابْن مُحَمَّد أَبُو مُحَمَّد السّخْتِيَانِيّ الْمروزِي وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك الْمروزِي وَمعمر بِفَتْح الميمين ابْن رَاشد وَالزهْرِيّ مُحَمَّد بن مُسلم وَسَالم بن عبد الله بن عمر والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْجَنَائِز فِي بَاب إِذا أسلم الصَّبِي فَمَاتَ هَل يصلى عَلَيْهِ فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ مطولا وَمضى الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوْفِي قَوْله لِابْنِ صياد اسْمه صَاف قَوْله خبيئا ويروى خبا قَوْله الدخ بِضَم
إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا
سورة الأحزاب 33:56