الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٦١٢
الحديث رقم ٦٦١٢ من كتاب «كتاب القدر» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابُ ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾
٦٦١٢ - حَدَّثَنِي مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ حِفْظُهُمْ مِنَ النَّقَائِصِ وَتَخْصِيصُهُمْ بِالْكِمَالَاتِ النَّفِيسَةِ وَالنُّصْرَةِ وَالثَّبَاتِ فِي الْأُمُورِ وَإِنْزَالِ السَّكِينَةِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ غَيْرِهِمْ أَنَّ الْعِصْمَةَ فِي حَقِّهِمْ بِطَرِيقِ الْوُجُوبِ وَفِي حَقِّ غَيْرِهِمْ بِطَرِيقِ الْجَوَازِ.
قَوْلُهُ: (عَاصِمٌ مَانِعٌ) يُرِيدُ تَفْسِيرَ قَوْلِهِ - تَعَالَى - فِي قِصَّةِ نُوحٍ وَابْنِهِ: ﴿قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلا مَنْ رَحِمَ﴾ وَبِذَلِكَ فَسَّرَهُ عِكْرِمَةُ فِيمَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْحَكَمِ بْنِ أَبَانَ عَنْهُ، وَقَالَ الرَّاغِبُ الْمَعْنَى بِقَوْلِهِ: ﴿لا عَاصِمَ الْيَوْمَ﴾ أَيْ لَا شَيْءَ يَعْصِمُ مِنْهُ، وَفَسَّرَهُ بَعْضُهُمْ بِمَعْصُومٍ، وَلَمْ يُرِدْ أَنَّ الْعَاصِمَ بِمَعْنَى الْمَعْصُومِ، وَإِنَّمَا نَبَّهَ عَلَى أَنَّهُمَا مُتَلَازِمَانِ، فَأَيُّهُمَا حَصَلَ حَصَلَ الْآخَرُ.
قَوْلُهُ: قَالَ مُجَاهِدٌ: سَدًّا عَنِ الْحَقِّ يَتَرَدَّدُونَ فِي الضَّلَالَةِ كَذَا لِلْأَكْثَرِ: سَدًّا بِتَشْدِيدِ الدَّالِ بَعْدَهَا أَلِفٌ، وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ وَرْقَاءَ، عَنِ ابْنِ نَجِيحٍ عَنْهُ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا﴾ قَالَ: عَنِ الْحَقِّ، وَوَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ شِبْلٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: (سَدًّا) قَالَ: عَنِ الْحَقِّ، وَقَدْ يَتَرَدَّدُونَ، وَرَأَيْتُهُ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْبُخَارِيِّ: سُدًى بِتَخْفِيفِ الدَّالِ مَقْصُورَةً، وَعَلَيْهَا شَرْحُ الْكَرْمَانِيِّ، فَزَعَمَ أَنَّهُ وَقَعَ هُنَا: ﴿أَيَحْسَبُ الإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ أَيْ مُهْمَلًا مُتَرَدِّدًا فِي الضَّلَالَةِ، وَلَمْ أَرَ فِي شَيْءٍ مِنْ نُسَخِ الْبُخَارِيِّ إِلَّا اللَّفْظَ الَّذِي أَوْرَدْتُهُ قَالَ مُجَاهِدٌ: سَدًّا … إِلَخْ، وَلَمْ أَرَ فِي شَيْءٍ مِنَ التَّفَاسِيرِ الَّتِي تُسَاقُ بِالْأَسَانِيدِ لِمُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَيَحْسَبُ الإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ كَلَامًا، وَلَمْ أَرَ قَوْلَهُ: فِي الضَّلَالَةِ فِي شَيْءٍ مِنَ النُّقُولِ بِالسَّنَدِ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ: لِضَلَالَةٍ بَدَلَ قَوْلِهِ: فِي الضَّلَالَةِ.
قَوْلُهُ: (دَسَّاهَا: أَغْوَاهَا) قَالَ الْفِرْيَابِيُّ: حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ قَالَ مَنْ أَغْوَاهَا، وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿دَسَّاهَا﴾ قَالَ: قَالَ أَحَدُه مَا: أَغْوَاهَا، وَقَالَ الْآخَرُ: أَضَلَّهَا، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: ﴿دَسَّاهَا﴾ أَصْلُهُ: دَسَسْتُ، لَكِنَّ الْعَرَبَ تَقْلِبُ الْحَرْفَ الْمُضَاعَفَ إِلَى الْيَاءِ، مِثْلَ: تَظَنَّنَتْ مِنَ الظَّنِّ، فَتَقُولُ: تَظَنَّيْتُ بِالتَّحْتَانِيَّةِ بَعْدَ النُّونِ، وَمُنَاسَبَةُ هَذَا التَّفْسِيرِ لِلتَّرْجَمَةِ تُؤْخَذُ مِنَ الْمُرَادِ بِفَاعِلِ دَسَّاهَا، فَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ اللَّهُ، أَيْ: قَدْ أَفْلَحَ صَاحِبُ النَّفْسِ الَّتِي زَكَّاهَا اللَّهُ، وَخَابَ صَاحِبُ النَّفْسِ الَّتِي أَغْوَاهَا اللَّهُ، وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ صَاحِبُ النَّفْسِ إِذَا فَعَلَ الطَّاعَاتِ، فَقَدْ زَكَّاهَا، وَإِذَا فَعَلَ الْمَعَاصِيَ فَقَدْ أَغْوَاهَا، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمُنَاسِبُ لِلتَّرْجَمَةِ. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ: مُنَاسَبَةُ التَّفْسِيرَيْنِ لِلتَّرْجَمَةِ أَنَّ مَنْ لَمْ يَعْصِمْهُ اللَّهُ كَانَ سُدًى، وَكَانَ مُغْوًى.
ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: مَا اسْتُخْلِفَ مِنْ خَلِيفَةٍ إِلَّا وَلَهُ بِطَانَتَانِ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: وَالْمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَ اللَّهُ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى - وَالْبِطَانَةُ بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ: اسْمُ جِنْسٍ يَشْمَلُ الْوَاحِدَ وَالْجَمَاعَةَ، وَالْمُرَادُ: مَنْ يَطَّلِعُ عَلَى بَاطِنِ حَالِ الْكَبِيرِ مِنْ أَتْبَاعِهِ.
٩ - بَاب وَحِرْمٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ
﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾
﴿وَلا يَلِدُوا إِلا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ وَقَالَ مَنْصُورُ بْنُ النُّعْمَانِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: وَحِرْمٌ بِالْحَبَشِيَّةِ وَجَبَ.
٦٦١٢ - حَدَّثَنِي مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَشْبَهَ بِاللَّمَمِ مِمَّا قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ: إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ
مِنْ الزِّنَا: أَدْرَكَ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ، فَزِنَا الْعَيْنِ النَّظَرُ، وَزِنَا اللِّسَانِ الْمَنْطِقُ، وَالنَّفْسُ تَمَنَّى وَتَشْتَهِي، وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ أَوْ يُكَذِّبُهُ. وَقَالَ شَبَابَةُ: حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ، عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ
قَوْلُهُ: بَابُ وَحِرْمٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا
كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَفِي رِوَايَةِ غَيْرِهِ: وَحَرَامٌ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَزِيَادَةِ الْأَلْفِ وَزَادُوا بَقِيَّةَ الْآيَةِ، وَالْقِرَاءَتَانِ مَشْهُورَتَانِ، قَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ ثَانِيهِ، وَقَرَأَ أَهْلُ الْحِجَازِ وَالْبَصْرَةِ وَالشَّامِ بِفَتْحَتَيْنِ وَأَلِفٍ، وَهُمَا بِمَعْنًى كَالْحَلَالِ وَالْحِلِّ، وَجَاءَ فِي الشَّوَاذِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قِرَاءَاتٌ أُخْرَى بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَتَثْلِيثِ الرَّاءِ، وَبِالضَّمِّ أَشْهَرُ، وَبِضَمِّ أَوَّلِهِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ الْمَكْسُورَةِ، قَالَ الرَّاغِبُ: فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ﴾ هُوَ تَحْرِيمُ تَسْخِيرٍ، وَحَمَلَ بَعْضُهُمْ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ﴾
قَوْلُهُ: ﴿لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾، ﴿وَلا يَلِدُوا إِلا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ كَذَا جَمَعَ بَيْنَ بَعْضِ كُلٍّ مِنَ الْآيَتَيْنِ، وَهُمَا مِنْ سُورَتَيْنِ إِشَارَةً إِلَى مَا وَرَدَ فِي تَفْسِيرِ ذَلِكَ، وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: مَا قَالَ نُوحٌ ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿كَفَّارًا﴾ إِلَّا بَعْدَ أَنْ نَزَلَ عَلَيْهِ: ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ قُلْتُ: وَدُخُولُ ذَلِكَ فِي أَبْوَابِ الْقَدَرِ ظَاهِرٌ؛ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي سَبْقَ عِلْمِ اللَّهِ بِمَا يَقَعُ مِنْ عَبِيدِهِ.
قَوْلُهُ: وَقَالَ مَنْصُورُ بْنُ النُّعْمَانِ: هُوَ الْيَشْكُرِيُّ بِفَتْحِ التَّحْتَانِيَّةِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ وَضَمِّ الْكَافِ بَصْرِيٌّ سَكَنَ مَرْوَ ثُمَّ بُخَارَى، وَمَا لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْمَوْضِعِ، وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّ الصَّوَابَ مَنْصُورُ بْنُ الْمُعْتَمِرِ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ.
قَوْلُهُ: عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: وَحِرْمٌ بِالْحَبَشِيَّةِ: وَجَبَ، لَمْ أَقِفْ عَلَى هَذَا التَّعْلِيقِ مَوْصُولًا، وَقَرَأَتُ بِخَطِّ مُغَلْطَايْ وَتَبِعَهُ شَيْخُنَا ابْنُ الْمُلَقِّنِ وَغَيْرُهُ فَقَالُوا: أَخْرَجَهُ أَبُو جَعْفَرٍ، عَنِ ابْنِ قَهْزَادَ، عَنْ أَبِي عَوَانَةَ عَنْهُ. قُلْتُ: وَلَمْ أَقِفْ عَلَى ذَلِكَ فِي تَفْسِيرِ أَبِي جَعْفَرٍ، الطَّبَرِيِّ، وَإِنَّمَا فِيهِ وَفِي تَفْسِيرِ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ، وَابْنِ أَبِي حَاتِمٍ جَمِيعًا مِنْ طَرِيقِ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى: وَحِرْمٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا، قَالَ: وَجَبَ وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: حِرْمٌ: عَزَمَ، وَمِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ: وَحِرْمٌ وَجَبَ بِالْحَبَشِيَّةِ، وَبِالسَّنَدِ الْأَوَّلِ قَالَ: وَقَوْلُهُ ﴿أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ أَيْ: لَا يَتُوبُ مِنْهُمْ تَائِبٌ، قَالَ الطَّبَرِيُّ مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ أُهْلِكُوا بِالطَّبْعِ عَلَى قُلُوبِهِمْ، فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ عَنِ الْكُفْرِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ يَمْتَنِعُ عَلَى الْكَفَرَةِ الْهَالِكِينَ أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ إِلَى عَذَابِ اللَّهِ، وَقِيلَ فِيهِ أَقْوَالٌ أُخَرُ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعُ اسْتِيعَابِهَا، وَالْأَوَّلُ أَقْوَى، وَهُوَ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ بِالتَّرْجَمَةِ وَالْمُطَابِقُ لِمَا ذَكَرَ مَعَهُ مِنَ الْآثَارِ وَالْحَدِيثِ.
قَوْلُهُ (مَعْمَرٌ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، هُوَ عَبْدُ اللَّهِ
قَوْلُهُ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَشْبَهَ بِاللَّمَمِ مِمَّا قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) فَذَكَرَ الْحَدِيثَ ثُمَّ قَالَ: وَقَالَ شَبَابَةُ: حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ، هُوَ ابْنُ عُمَرَ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَكَأَنَّ طَاوُسًا سَمِعَ الْقِصَّةَ مِنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَكَانَ سَمِعَ الْحَدِيثَ الْمَرْفُوعَ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَوْ سَمِعَهُ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، بَعْدَ أَنْ سَمِعَهُ مِنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَدْ أَشَرْتُ إِلَى ذَلِكَ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الِاسْتِئْذَانِ، وَبَيَّنْتُ الِاخْتِلَافَ فِي رَفْعِ الْحَدِيثِ وَوَقْفِهِ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى رِوَايَةِ شَبَابَةَ هَذِهِ مَوْصُولَةً، وَكُنْتُ قَرَأَتُ بِخَطِّ مُغَلْطَايْ وَتَبِعَهُ شَيْخُنَا ابْنُ الْمُلَقِّنِ أَنَّ الطَّبَرَانِيَّ وَصَلَهَا فِي الْمُعْجَمِ الْأَوْسَطِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ، عَنِ ابْنِ الْمُنَادِي عَنْهُ، وَقَلَّدْتُهُمَا فِي ذَلِكَ فِي تَغْلِيقِ التَّعْلِيقِ، ثُمَّ رَاجَعْتُ الْمُعْجَمَ الْأَوْسَطَ فَلَمْ أَجِدْهَا.
قَوْلُهُ: بِاللَّمَمِ بِفَتْحِ اللَّامِ وَالْمِيمِ، هُوَ مَا يُلِمُّ بِهِ الشَّخْصُ مِنْ شَهَوَاتِ النَّفْسِ، وَقِيلَ: هُوَ مُقَارَفَةُ الذُّنُوبِ الصِّغَارِ، وَقَالَ الرَّاغِبُ:
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
الموافقين والمخالفين، وحملُها على الرُّجوع إلى القيامةِ أكثرُ فائدةً، فإنَّ الكفَّار ينكرونه، فأكَّدَ وفخَّم تهديدًا لهم وزجرًا، وقولُه تعالى في سورة هود: (﴿أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣٦]) إقناطٌ من إيمانِهم وأنَّه غيرُ متوقَّع، وقوله تعالى: (﴿وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح: ٢٧]) إلَّا مَن إذا بلغَ فجرَ (١) وكفر، وإنَّما قال ذلك لأنَّ الله تعالى أخبرَه بقوله: ﴿لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ﴾ ودخولُ ذلك في «أبوابِ القدرِ» ظاهرٌ؛ فإنَّه يقتضِي سبقَ علمٍ بما يقعُ من العبد.
(وَقَالَ مَنْصُورُ بْنُ النُّعْمَانِ) اليَشْكُريُّ -بفتح التحتية وسكون الشين المعجمة وضم الكاف- البصريُّ، وفي حاشية الفرعِ كأصلهِ: صوابه: «منصور بنُ المعتمرِ» قال: وفي حاشية أصل أبي ذرٍّ: صوابه: «منصور بن النُّعمان» وكذا في أصل الأَصيليِّ وابنِ عساكرَ. وقال الحافظُ ابنُ حجرٍ: وقد زعمَ بعضُ المتأخِّرين: أنَّ الصَّواب: منصور بن المعتمرِ، والعلم عند الله (عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (﴿وَحِرُمٌ﴾ (٢)) بكسر الحاء وسكون الراء (بِالحَبَشِيَّةِ) أي: (وَجَبَ) أخرجه عبدُ بنُ حميدٍ من طريق عطاء، عن عكرمةَ، عنه.
٦٦١٢ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفرادِ، ولأبوي ذرٍّ والوقتِ بالجمعِ (مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ) بفتح الغين المعجمة وسكون التَّحتية، أبو أحمد (٣) المروزيُّ الحافظُ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همَّام قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابنُ راشدٍ (عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ) عبد الله (عَنْ أَبِيهِ) طاوس (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄، أنَّه (٤) (قَالَ: مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَشْبَهَ بِاللَّمَمِ) بفتح اللام والميم الأولى، وأصله ما قلَّ وصغُرَ، ومنه
اللَّمَم وهو المسُّ من الجنونِ، وألمَّ بالمكان قلَّ لبْثه فيه، وألمَّ بالطَّعام قلَّ أكلُه منه، وقال أبو العبَّاس: أصلُ اللَّمم أن يلمَّ بالشَّيء من غير أن يرتكبَهُ، يقال: ألمَّ بكذا إذا قاربَهُ ولم يخالطْهُ، وقال جرير:
بِنَفْسِي مَنْ تَجَنُّبُه عَزِيزٌ … عَلَيَّ ومَنْ زِيَارَتُه لِمَامُ
وقالَ آخرُ:
مَتَى تَأْتِنَا تُلْمِمْ بِنَا فِي دِيَارِنَا … تَجِدْ حَطَبًا جَزْلًا وَنَارًا تَأَجَّجَا
و «اللَّمم»: صغَارُ الذُّنوب، أي: مَا رأيْتُ شيئًا أشبه بصغائر الذُّنوب (مِمَّا قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) أنَّه قالَ: (إِنَّ اللهَ) ﷿ (كَتَبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ) نصيبه (مِنَ الزِّنَا) بالقصرِ، و «مِن» بيانيَّة (أَدْرَكَ) أصاب (ذَلِكَ) المكتوب عليه (لَا مَحَالَةَ) بفتح الميم والحاء المهملة، لا بدَّ له منه؛ لأنَّ ما كتبَهُ الله لا بدَّ أنَّ يقعَ، و «كتب» يحتملُ أنْ يرادَ به أثبتَ، أي: أثبتَ فيه الشَّهوة والميلَ إلى النِّساء، وخلق فيه العينين والأذن (١) والقلب، وهي الَّتي (٢) تجدُ لذَّة الزِّنا، ويحتملُ أن يرادَ به قَدَّر، أي: قدَّر في الأزلِ أن يجرِي على ابنِ آدم الزِّنا، فإذا (٣) قُدِّر في الأزلِ أدرك ذلك لا محالةَ (فَزِنَا العَيْنِ النَّظَرُ) أي: إلى ما لا يحلُّ للنَّاظر (وَزِنَا اللِّسَانِ المَنْطِقُ) بميم مفتوحة فنون ساكنة فطاء مهملة مكسورة، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «النطق» بلا ميم وضم النون وسكون الطاء. وقال ابنُ مسعودٍ: «العينان تزنيانِ بالنَّظر، والشَّفتان تزنيانِ وزناهُما التَّقبيلُ، واليدانِ تزنيانِ وزناهما اللَّمسُ، والرَّجلان تزنيانِ وزناهما المشيُ» (وَالنَّفْسُ تَمَنَّى) فعل مضارعٌ، أصله: تتمنَّى، حذفتْ منه (٤) إحدى التَّاءين (وَتَشْتَهِي، وَالفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ) النَّظر، والتَّمني بأن يقع في الزِّنا بالوطء (وَيُكَذِّبُهُ) بأن يمتنعَ من ذلك خوفًا من ربِّه تعالى، ولأبي ذرٍّ: «أو يكذِّبه» وسمَّى ما ذكر من نظر العين وغيرِه زنًا؛ لأنَّها مقدِّمات له مُؤذنةٌ بوقوعهِ، ونسبَ التَّصديق أو التَّكذيب (٥) للفرجِ؛ لأنَّه منشؤهُ ومكانهُ.
وقال في «شرح المشكاة»: شبَّه صورةَ حالةِ الإنسان -من إرسالِ الطَّرف الَّذي هو رائدُ القلب إلى النَّظر إلى المحارمِ وإصغائهِ بالأذنِ إلى السَّماع، ثمَّ انبعاث القلبِ إلى الاشتهاءِ والتَّمنِّي، ثمَّ استدعائه منه، فصارَ ما يشتهي ويتمنَّى باستعمال الرِّجلين في المشي، واليدين في البطشِ، والفرج في تحقيقِ مُشتهاه، فإذا مَضى الإنسانُ على ما استدعاهُ القلبُ حقَّق متمنَّاه، فإذا امتنعَ من ذلك خيَّبه فيه- بحالة (١) رجل يخبرُه صاحبُه بما يزيّنُه له ويغويهِ عليه، فهو إمَّا يصدِّقه ويمضِي على ما أرادَه منه أو يكذِّبه، ثمَّ استعمل في حال المشبَّه ما كان مستعملًا في جانب المشبَّه به من التَّصديق والتَّكذيب ليكون قرينةً للتَّمثيل، والإسنادُ (٢) في قولهِ: «والفرج يصدِّق ذلك أو (٣) يكذِّبه» مجازيٌّ؛ لأنَّ الحقيقيَّ هو أن يُسنَد للإنسان فأُسندَ إلى الفرج؛ لأنَّه مصدر الفعلِ والسَّبب القويِّ.
(وَقَالَ شَبَابَةُ) بفتح الشين المعجمة والموحدتين بينهما ألف مع التخفيف، ابنُ سَوَّار، بفتح المهملة والواو المشددة (حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ) بفتح الواو والقاف بينهما راء ساكنة آخره همزة ممدود، ابن عمر، أبو بشر الحافظ (عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ) عبد الله (عَنْ أَبِيهِ) طاوس (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) قال في «الفتح»: كأن طاوسًا سمعَ من ابن عبَّاس عن أبي هُريرة، وكان سمعَ الحديثَ من أبي هُريرة (٤) أو سمعه من أبي هريرة (٥) بعدَ أن سمعَه من ابن عبَّاس. قال: ولم أقفْ على روايةِ شَبَابَة هذه مَوصولةً.
ومطابقةُ الحديث للتَّرجمة من جهةِ أنَّ الزِّنا ودواعيهِ مكتوبٌ مقدَّرٌ على العبدِ غير خارجٍ (٦) عن سابقِ (٧) القدرِ (٨).
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ حِفْظُهُمْ مِنَ النَّقَائِصِ وَتَخْصِيصُهُمْ بِالْكِمَالَاتِ النَّفِيسَةِ وَالنُّصْرَةِ وَالثَّبَاتِ فِي الْأُمُورِ وَإِنْزَالِ السَّكِينَةِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ غَيْرِهِمْ أَنَّ الْعِصْمَةَ فِي حَقِّهِمْ بِطَرِيقِ الْوُجُوبِ وَفِي حَقِّ غَيْرِهِمْ بِطَرِيقِ الْجَوَازِ.
قَوْلُهُ: (عَاصِمٌ مَانِعٌ) يُرِيدُ تَفْسِيرَ قَوْلِهِ - تَعَالَى - فِي قِصَّةِ نُوحٍ وَابْنِهِ: ﴿قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلا مَنْ رَحِمَ﴾ وَبِذَلِكَ فَسَّرَهُ عِكْرِمَةُ فِيمَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْحَكَمِ بْنِ أَبَانَ عَنْهُ، وَقَالَ الرَّاغِبُ الْمَعْنَى بِقَوْلِهِ: ﴿لا عَاصِمَ الْيَوْمَ﴾ أَيْ لَا شَيْءَ يَعْصِمُ مِنْهُ، وَفَسَّرَهُ بَعْضُهُمْ بِمَعْصُومٍ، وَلَمْ يُرِدْ أَنَّ الْعَاصِمَ بِمَعْنَى الْمَعْصُومِ، وَإِنَّمَا نَبَّهَ عَلَى أَنَّهُمَا مُتَلَازِمَانِ، فَأَيُّهُمَا حَصَلَ حَصَلَ الْآخَرُ.
قَوْلُهُ: قَالَ مُجَاهِدٌ: سَدًّا عَنِ الْحَقِّ يَتَرَدَّدُونَ فِي الضَّلَالَةِ كَذَا لِلْأَكْثَرِ: سَدًّا بِتَشْدِيدِ الدَّالِ بَعْدَهَا أَلِفٌ، وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ وَرْقَاءَ، عَنِ ابْنِ نَجِيحٍ عَنْهُ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا﴾ قَالَ: عَنِ الْحَقِّ، وَوَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ شِبْلٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: (سَدًّا) قَالَ: عَنِ الْحَقِّ، وَقَدْ يَتَرَدَّدُونَ، وَرَأَيْتُهُ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْبُخَارِيِّ: سُدًى بِتَخْفِيفِ الدَّالِ مَقْصُورَةً، وَعَلَيْهَا شَرْحُ الْكَرْمَانِيِّ، فَزَعَمَ أَنَّهُ وَقَعَ هُنَا: ﴿أَيَحْسَبُ الإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ أَيْ مُهْمَلًا مُتَرَدِّدًا فِي الضَّلَالَةِ، وَلَمْ أَرَ فِي شَيْءٍ مِنْ نُسَخِ الْبُخَارِيِّ إِلَّا اللَّفْظَ الَّذِي أَوْرَدْتُهُ قَالَ مُجَاهِدٌ: سَدًّا … إِلَخْ، وَلَمْ أَرَ فِي شَيْءٍ مِنَ التَّفَاسِيرِ الَّتِي تُسَاقُ بِالْأَسَانِيدِ لِمُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَيَحْسَبُ الإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ كَلَامًا، وَلَمْ أَرَ قَوْلَهُ: فِي الضَّلَالَةِ فِي شَيْءٍ مِنَ النُّقُولِ بِالسَّنَدِ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ: لِضَلَالَةٍ بَدَلَ قَوْلِهِ: فِي الضَّلَالَةِ.
قَوْلُهُ: (دَسَّاهَا: أَغْوَاهَا) قَالَ الْفِرْيَابِيُّ: حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ قَالَ مَنْ أَغْوَاهَا، وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿دَسَّاهَا﴾ قَالَ: قَالَ أَحَدُه مَا: أَغْوَاهَا، وَقَالَ الْآخَرُ: أَضَلَّهَا، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: ﴿دَسَّاهَا﴾ أَصْلُهُ: دَسَسْتُ، لَكِنَّ الْعَرَبَ تَقْلِبُ الْحَرْفَ الْمُضَاعَفَ إِلَى الْيَاءِ، مِثْلَ: تَظَنَّنَتْ مِنَ الظَّنِّ، فَتَقُولُ: تَظَنَّيْتُ بِالتَّحْتَانِيَّةِ بَعْدَ النُّونِ، وَمُنَاسَبَةُ هَذَا التَّفْسِيرِ لِلتَّرْجَمَةِ تُؤْخَذُ مِنَ الْمُرَادِ بِفَاعِلِ دَسَّاهَا، فَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ اللَّهُ، أَيْ: قَدْ أَفْلَحَ صَاحِبُ النَّفْسِ الَّتِي زَكَّاهَا اللَّهُ، وَخَابَ صَاحِبُ النَّفْسِ الَّتِي أَغْوَاهَا اللَّهُ، وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ صَاحِبُ النَّفْسِ إِذَا فَعَلَ الطَّاعَاتِ، فَقَدْ زَكَّاهَا، وَإِذَا فَعَلَ الْمَعَاصِيَ فَقَدْ أَغْوَاهَا، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمُنَاسِبُ لِلتَّرْجَمَةِ. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ: مُنَاسَبَةُ التَّفْسِيرَيْنِ لِلتَّرْجَمَةِ أَنَّ مَنْ لَمْ يَعْصِمْهُ اللَّهُ كَانَ سُدًى، وَكَانَ مُغْوًى.
ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: مَا اسْتُخْلِفَ مِنْ خَلِيفَةٍ إِلَّا وَلَهُ بِطَانَتَانِ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: وَالْمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَ اللَّهُ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى - وَالْبِطَانَةُ بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ: اسْمُ جِنْسٍ يَشْمَلُ الْوَاحِدَ وَالْجَمَاعَةَ، وَالْمُرَادُ: مَنْ يَطَّلِعُ عَلَى بَاطِنِ حَالِ الْكَبِيرِ مِنْ أَتْبَاعِهِ.
٩ - بَاب وَحِرْمٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ
﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾
﴿وَلا يَلِدُوا إِلا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ وَقَالَ مَنْصُورُ بْنُ النُّعْمَانِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: وَحِرْمٌ بِالْحَبَشِيَّةِ وَجَبَ.
٦٦١٢ - حَدَّثَنِي مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَشْبَهَ بِاللَّمَمِ مِمَّا قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ: إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ
مِنْ الزِّنَا: أَدْرَكَ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ، فَزِنَا الْعَيْنِ النَّظَرُ، وَزِنَا اللِّسَانِ الْمَنْطِقُ، وَالنَّفْسُ تَمَنَّى وَتَشْتَهِي، وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ أَوْ يُكَذِّبُهُ. وَقَالَ شَبَابَةُ: حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ، عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ
قَوْلُهُ: بَابُ وَحِرْمٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا
كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَفِي رِوَايَةِ غَيْرِهِ: وَحَرَامٌ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَزِيَادَةِ الْأَلْفِ وَزَادُوا بَقِيَّةَ الْآيَةِ، وَالْقِرَاءَتَانِ مَشْهُورَتَانِ، قَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ ثَانِيهِ، وَقَرَأَ أَهْلُ الْحِجَازِ وَالْبَصْرَةِ وَالشَّامِ بِفَتْحَتَيْنِ وَأَلِفٍ، وَهُمَا بِمَعْنًى كَالْحَلَالِ وَالْحِلِّ، وَجَاءَ فِي الشَّوَاذِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قِرَاءَاتٌ أُخْرَى بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَتَثْلِيثِ الرَّاءِ، وَبِالضَّمِّ أَشْهَرُ، وَبِضَمِّ أَوَّلِهِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ الْمَكْسُورَةِ، قَالَ الرَّاغِبُ: فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ﴾ هُوَ تَحْرِيمُ تَسْخِيرٍ، وَحَمَلَ بَعْضُهُمْ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ﴾
قَوْلُهُ: ﴿لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾، ﴿وَلا يَلِدُوا إِلا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ كَذَا جَمَعَ بَيْنَ بَعْضِ كُلٍّ مِنَ الْآيَتَيْنِ، وَهُمَا مِنْ سُورَتَيْنِ إِشَارَةً إِلَى مَا وَرَدَ فِي تَفْسِيرِ ذَلِكَ، وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: مَا قَالَ نُوحٌ ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿كَفَّارًا﴾ إِلَّا بَعْدَ أَنْ نَزَلَ عَلَيْهِ: ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ قُلْتُ: وَدُخُولُ ذَلِكَ فِي أَبْوَابِ الْقَدَرِ ظَاهِرٌ؛ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي سَبْقَ عِلْمِ اللَّهِ بِمَا يَقَعُ مِنْ عَبِيدِهِ.
قَوْلُهُ: وَقَالَ مَنْصُورُ بْنُ النُّعْمَانِ: هُوَ الْيَشْكُرِيُّ بِفَتْحِ التَّحْتَانِيَّةِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ وَضَمِّ الْكَافِ بَصْرِيٌّ سَكَنَ مَرْوَ ثُمَّ بُخَارَى، وَمَا لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْمَوْضِعِ، وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّ الصَّوَابَ مَنْصُورُ بْنُ الْمُعْتَمِرِ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ.
قَوْلُهُ: عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: وَحِرْمٌ بِالْحَبَشِيَّةِ: وَجَبَ، لَمْ أَقِفْ عَلَى هَذَا التَّعْلِيقِ مَوْصُولًا، وَقَرَأَتُ بِخَطِّ مُغَلْطَايْ وَتَبِعَهُ شَيْخُنَا ابْنُ الْمُلَقِّنِ وَغَيْرُهُ فَقَالُوا: أَخْرَجَهُ أَبُو جَعْفَرٍ، عَنِ ابْنِ قَهْزَادَ، عَنْ أَبِي عَوَانَةَ عَنْهُ. قُلْتُ: وَلَمْ أَقِفْ عَلَى ذَلِكَ فِي تَفْسِيرِ أَبِي جَعْفَرٍ، الطَّبَرِيِّ، وَإِنَّمَا فِيهِ وَفِي تَفْسِيرِ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ، وَابْنِ أَبِي حَاتِمٍ جَمِيعًا مِنْ طَرِيقِ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى: وَحِرْمٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا، قَالَ: وَجَبَ وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: حِرْمٌ: عَزَمَ، وَمِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ: وَحِرْمٌ وَجَبَ بِالْحَبَشِيَّةِ، وَبِالسَّنَدِ الْأَوَّلِ قَالَ: وَقَوْلُهُ ﴿أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ أَيْ: لَا يَتُوبُ مِنْهُمْ تَائِبٌ، قَالَ الطَّبَرِيُّ مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ أُهْلِكُوا بِالطَّبْعِ عَلَى قُلُوبِهِمْ، فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ عَنِ الْكُفْرِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ يَمْتَنِعُ عَلَى الْكَفَرَةِ الْهَالِكِينَ أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ إِلَى عَذَابِ اللَّهِ، وَقِيلَ فِيهِ أَقْوَالٌ أُخَرُ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعُ اسْتِيعَابِهَا، وَالْأَوَّلُ أَقْوَى، وَهُوَ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ بِالتَّرْجَمَةِ وَالْمُطَابِقُ لِمَا ذَكَرَ مَعَهُ مِنَ الْآثَارِ وَالْحَدِيثِ.
قَوْلُهُ (مَعْمَرٌ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، هُوَ عَبْدُ اللَّهِ
قَوْلُهُ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَشْبَهَ بِاللَّمَمِ مِمَّا قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) فَذَكَرَ الْحَدِيثَ ثُمَّ قَالَ: وَقَالَ شَبَابَةُ: حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ، هُوَ ابْنُ عُمَرَ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَكَأَنَّ طَاوُسًا سَمِعَ الْقِصَّةَ مِنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَكَانَ سَمِعَ الْحَدِيثَ الْمَرْفُوعَ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَوْ سَمِعَهُ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، بَعْدَ أَنْ سَمِعَهُ مِنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَدْ أَشَرْتُ إِلَى ذَلِكَ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الِاسْتِئْذَانِ، وَبَيَّنْتُ الِاخْتِلَافَ فِي رَفْعِ الْحَدِيثِ وَوَقْفِهِ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى رِوَايَةِ شَبَابَةَ هَذِهِ مَوْصُولَةً، وَكُنْتُ قَرَأَتُ بِخَطِّ مُغَلْطَايْ وَتَبِعَهُ شَيْخُنَا ابْنُ الْمُلَقِّنِ أَنَّ الطَّبَرَانِيَّ وَصَلَهَا فِي الْمُعْجَمِ الْأَوْسَطِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ، عَنِ ابْنِ الْمُنَادِي عَنْهُ، وَقَلَّدْتُهُمَا فِي ذَلِكَ فِي تَغْلِيقِ التَّعْلِيقِ، ثُمَّ رَاجَعْتُ الْمُعْجَمَ الْأَوْسَطَ فَلَمْ أَجِدْهَا.
قَوْلُهُ: بِاللَّمَمِ بِفَتْحِ اللَّامِ وَالْمِيمِ، هُوَ مَا يُلِمُّ بِهِ الشَّخْصُ مِنْ شَهَوَاتِ النَّفْسِ، وَقِيلَ: هُوَ مُقَارَفَةُ الذُّنُوبِ الصِّغَارِ، وَقَالَ الرَّاغِبُ:
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
الموافقين والمخالفين، وحملُها على الرُّجوع إلى القيامةِ أكثرُ فائدةً، فإنَّ الكفَّار ينكرونه، فأكَّدَ وفخَّم تهديدًا لهم وزجرًا، وقولُه تعالى في سورة هود: (﴿أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣٦]) إقناطٌ من إيمانِهم وأنَّه غيرُ متوقَّع، وقوله تعالى: (﴿وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح: ٢٧]) إلَّا مَن إذا بلغَ فجرَ (١) وكفر، وإنَّما قال ذلك لأنَّ الله تعالى أخبرَه بقوله: ﴿لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ﴾ ودخولُ ذلك في «أبوابِ القدرِ» ظاهرٌ؛ فإنَّه يقتضِي سبقَ علمٍ بما يقعُ من العبد.
(وَقَالَ مَنْصُورُ بْنُ النُّعْمَانِ) اليَشْكُريُّ -بفتح التحتية وسكون الشين المعجمة وضم الكاف- البصريُّ، وفي حاشية الفرعِ كأصلهِ: صوابه: «منصور بنُ المعتمرِ» قال: وفي حاشية أصل أبي ذرٍّ: صوابه: «منصور بن النُّعمان» وكذا في أصل الأَصيليِّ وابنِ عساكرَ. وقال الحافظُ ابنُ حجرٍ: وقد زعمَ بعضُ المتأخِّرين: أنَّ الصَّواب: منصور بن المعتمرِ، والعلم عند الله (عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (﴿وَحِرُمٌ﴾ (٢)) بكسر الحاء وسكون الراء (بِالحَبَشِيَّةِ) أي: (وَجَبَ) أخرجه عبدُ بنُ حميدٍ من طريق عطاء، عن عكرمةَ، عنه.
٦٦١٢ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفرادِ، ولأبوي ذرٍّ والوقتِ بالجمعِ (مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ) بفتح الغين المعجمة وسكون التَّحتية، أبو أحمد (٣) المروزيُّ الحافظُ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همَّام قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابنُ راشدٍ (عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ) عبد الله (عَنْ أَبِيهِ) طاوس (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄، أنَّه (٤) (قَالَ: مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَشْبَهَ بِاللَّمَمِ) بفتح اللام والميم الأولى، وأصله ما قلَّ وصغُرَ، ومنه
اللَّمَم وهو المسُّ من الجنونِ، وألمَّ بالمكان قلَّ لبْثه فيه، وألمَّ بالطَّعام قلَّ أكلُه منه، وقال أبو العبَّاس: أصلُ اللَّمم أن يلمَّ بالشَّيء من غير أن يرتكبَهُ، يقال: ألمَّ بكذا إذا قاربَهُ ولم يخالطْهُ، وقال جرير:
بِنَفْسِي مَنْ تَجَنُّبُه عَزِيزٌ … عَلَيَّ ومَنْ زِيَارَتُه لِمَامُ
وقالَ آخرُ:
مَتَى تَأْتِنَا تُلْمِمْ بِنَا فِي دِيَارِنَا … تَجِدْ حَطَبًا جَزْلًا وَنَارًا تَأَجَّجَا
و «اللَّمم»: صغَارُ الذُّنوب، أي: مَا رأيْتُ شيئًا أشبه بصغائر الذُّنوب (مِمَّا قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) أنَّه قالَ: (إِنَّ اللهَ) ﷿ (كَتَبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ) نصيبه (مِنَ الزِّنَا) بالقصرِ، و «مِن» بيانيَّة (أَدْرَكَ) أصاب (ذَلِكَ) المكتوب عليه (لَا مَحَالَةَ) بفتح الميم والحاء المهملة، لا بدَّ له منه؛ لأنَّ ما كتبَهُ الله لا بدَّ أنَّ يقعَ، و «كتب» يحتملُ أنْ يرادَ به أثبتَ، أي: أثبتَ فيه الشَّهوة والميلَ إلى النِّساء، وخلق فيه العينين والأذن (١) والقلب، وهي الَّتي (٢) تجدُ لذَّة الزِّنا، ويحتملُ أن يرادَ به قَدَّر، أي: قدَّر في الأزلِ أن يجرِي على ابنِ آدم الزِّنا، فإذا (٣) قُدِّر في الأزلِ أدرك ذلك لا محالةَ (فَزِنَا العَيْنِ النَّظَرُ) أي: إلى ما لا يحلُّ للنَّاظر (وَزِنَا اللِّسَانِ المَنْطِقُ) بميم مفتوحة فنون ساكنة فطاء مهملة مكسورة، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «النطق» بلا ميم وضم النون وسكون الطاء. وقال ابنُ مسعودٍ: «العينان تزنيانِ بالنَّظر، والشَّفتان تزنيانِ وزناهُما التَّقبيلُ، واليدانِ تزنيانِ وزناهما اللَّمسُ، والرَّجلان تزنيانِ وزناهما المشيُ» (وَالنَّفْسُ تَمَنَّى) فعل مضارعٌ، أصله: تتمنَّى، حذفتْ منه (٤) إحدى التَّاءين (وَتَشْتَهِي، وَالفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ) النَّظر، والتَّمني بأن يقع في الزِّنا بالوطء (وَيُكَذِّبُهُ) بأن يمتنعَ من ذلك خوفًا من ربِّه تعالى، ولأبي ذرٍّ: «أو يكذِّبه» وسمَّى ما ذكر من نظر العين وغيرِه زنًا؛ لأنَّها مقدِّمات له مُؤذنةٌ بوقوعهِ، ونسبَ التَّصديق أو التَّكذيب (٥) للفرجِ؛ لأنَّه منشؤهُ ومكانهُ.
وقال في «شرح المشكاة»: شبَّه صورةَ حالةِ الإنسان -من إرسالِ الطَّرف الَّذي هو رائدُ القلب إلى النَّظر إلى المحارمِ وإصغائهِ بالأذنِ إلى السَّماع، ثمَّ انبعاث القلبِ إلى الاشتهاءِ والتَّمنِّي، ثمَّ استدعائه منه، فصارَ ما يشتهي ويتمنَّى باستعمال الرِّجلين في المشي، واليدين في البطشِ، والفرج في تحقيقِ مُشتهاه، فإذا مَضى الإنسانُ على ما استدعاهُ القلبُ حقَّق متمنَّاه، فإذا امتنعَ من ذلك خيَّبه فيه- بحالة (١) رجل يخبرُه صاحبُه بما يزيّنُه له ويغويهِ عليه، فهو إمَّا يصدِّقه ويمضِي على ما أرادَه منه أو يكذِّبه، ثمَّ استعمل في حال المشبَّه ما كان مستعملًا في جانب المشبَّه به من التَّصديق والتَّكذيب ليكون قرينةً للتَّمثيل، والإسنادُ (٢) في قولهِ: «والفرج يصدِّق ذلك أو (٣) يكذِّبه» مجازيٌّ؛ لأنَّ الحقيقيَّ هو أن يُسنَد للإنسان فأُسندَ إلى الفرج؛ لأنَّه مصدر الفعلِ والسَّبب القويِّ.
(وَقَالَ شَبَابَةُ) بفتح الشين المعجمة والموحدتين بينهما ألف مع التخفيف، ابنُ سَوَّار، بفتح المهملة والواو المشددة (حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ) بفتح الواو والقاف بينهما راء ساكنة آخره همزة ممدود، ابن عمر، أبو بشر الحافظ (عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ) عبد الله (عَنْ أَبِيهِ) طاوس (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) قال في «الفتح»: كأن طاوسًا سمعَ من ابن عبَّاس عن أبي هُريرة، وكان سمعَ الحديثَ من أبي هُريرة (٤) أو سمعه من أبي هريرة (٥) بعدَ أن سمعَه من ابن عبَّاس. قال: ولم أقفْ على روايةِ شَبَابَة هذه مَوصولةً.
ومطابقةُ الحديث للتَّرجمة من جهةِ أنَّ الزِّنا ودواعيهِ مكتوبٌ مقدَّرٌ على العبدِ غير خارجٍ (٦) عن سابقِ (٧) القدرِ (٨).