«مَا اسْتُخْلِفَ خَلِيفَةٌ إِلَّا لَهُ بِطَانَتَانِ: بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث 6611

الحديث رقم 6611 من كتاب «كتاب القدر» في صحيح البخاري، تحت باب: باب المعصوم من عصم الله عاصم مانع.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «ما استخلف خليفة إلا له بطانتان: بطانة تأمره…

«مَا اسْتُخْلِفَ خَلِيفَةٌ إِلَّا لَهُ بِطَانَتَانِ: بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالْخَيْرِ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، وَبِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالشَّرِّ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، وَالْمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَ اللهُ.»

سند حديث: ٦٦١١ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا…

٦٦١١ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «ما استخلف خليفة إلا له بطانتان: بطانة تأمره…

أخبر النبي -عليه الصلاة والسلام- أن الله ما بعث من نبي ولا استخلف من خليفة إلا كان له بطانتان: بطانة خير تأمره بالخير وتحثه عليه، وبطانة سوء تدله على السوء وتأمره به، والمحفوظ من تأثير بطانة الشر هو من حفظه الله تعالى .

الفوائد المستفادة من الحديث

  • الأمر بيد الله -تعالى- يؤتي ملكه من يشاء وينزع الملك ممن يشاء، ويهدي من يشاء ويضل من يشاء.
  • من واجب الحاكم أن يتخيَّر البطانة الصالحة، التي هي عنوان سعادته.
  • العبد إما أن يكون داعية إلى الله يأمر بالمعروف ويحض عليه، وينهى عن المنكر ويحذر منه، أو يدعو إلى الشيطان وحزبه.
  • الخواص والبطانة منهم أهل صلاح وخير يأمرون بطاعة الله ورسوله، وينهون عن الشر ويذكرون بلقاء الله، ومنهم أهل فساد وشر على العكس من ذلك.
  • لا سبيل إلى اتقاء شر بطانة السوء إلا بالاعتصام بالله ولزوم تطبيق شرعه.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com - شرح مبسّط

شرح حديث: «ما استخلف خليفة إلا له بطانتان: بطانة تأمره…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

إِلَّا بِعِصْمَةِ اللَّهِ وَلَا قُوَّةَ لَهُ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ إِلَّا بِتَوْفِيقِ اللَّهِ، وَقِيلَ: مَعْنَى لَا حَوْلَ: لَا حِيلَةَ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: هِيَ كَلِمَةُ اسْتِسْلَامٍ وَتَفْوِيضٍ، وَأَنَّ الْعَبْدَ لَا يَمْلِكُ مِنْ أَمْرِهِ شَيْئًا، وَلَيْسَ لَهُ حِيلَةٌ فِي دَفْعِ شَرٍّ وَلَا قُوَّةٌ فِي جَلْبِ خَيْرٍ إِلَّا بِإِرَادَةِ اللَّهِ - تَعَالَى.

وَذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي مُوسَى، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الدَّعَوَاتِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ بِعَيْنِهِ، لَكِنْ فِيهِ سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ بَدَلَ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ الْمَذْكُورِ هُنَا، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ لِعَبْدِ اللَّهِ - وَهُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ - فِيهِ شَيْخَيْنِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ سُوَيْدِ بْنِ نَصْرٍ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ.

قَوْلُهُ: (كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزَاةٍ) تَقَدَّمَ فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ مِنْ كِتَابِ الْمَغَازِي بَيَانٌ أَنَّهَا غَزْوَةُ خَيْبَرَ.

قَوْلُهُ: إِلَّا رَفَعْنَا أَصْوَاتَنَا بِالتَّكْبِيرِ، فِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ الْمَذْكُورَةِ: فَلَمَّا عَلَا عَلَيْهَا رَجُلٌ نَادَى فَرَفَعَ صَوْتَهُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ، لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ هَذَا الرَّجُلِ، وَيُجْمَعُ بِأَنَّ الْكُلَّ كَبَّرُوا، وَزَادَ هَذَا عَلَيْهِمْ بِالتَّهْلِيلِ، وَتَقَدَّمَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْوَاحِدِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّكْبِيرِ قَوْلُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ.

قَوْلُهُ: (اِرْبَعُوا) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ، أَيِ: ارْفُقُوا، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي أَوَائِلِ الدُّعَاءِ، قَالَ يَعْقُوبُ بْنُ السِّكِّيتِ: رَبَعَ الرَّجُلُ يَرْبَعُ إِذَا رَفَقَ وَكَفَّ، وَكَذَا بَقِيَّةُ أَلْفَاظِهِ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: كَانَ ﵇ مُعَلِّمًا لِأُمَّتِهِ، فَلَا يَرَاهُمْ عَلَى حَالَةٍ مِنَ الْخَيْرِ إِلَّا أَحَبَّ لَهُمُ الزِّيَادَةَ، فَأَحَبَّ لِلَّذِينَ رَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِكَلِمَةِ الْإِخْلَاصِ وَالتَّكْبِيرِ أَنْ يُضِيفُوا إِلَيْهَا التَّبَرِّيَ مِنَ الْحَوْلِ وَالْقُوَّةِ، فَيَجْمَعُوا بَيْنَ التَّوْحِيدِ وَالْإِيمَانِ بِالْقَدَرِ، وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: إِذَا قَالَ الْعَبْدُ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ قَالَ اللَّهُ: أَسْلَمَ عَبْدِي وَاسْتَسْلَمَ. قُلْتُ: أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ قَالَ لِي: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى كَنْزٍ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ؟ قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: تَقُولُ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ. فَيَقُولُ اللَّهُ: أَسْلَمَ عَبْدِي وَاسْتَسْلَمَ. وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ لَهُ: وَلَا مَنْجَا وَلَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ.

قَوْلُهُ: (مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ) تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهَا مِنْ ذَخَائِرِ الْجَنَّةِ أَوْ مُحَصِّلَاتِ نَفَائِسِ الْجَنَّةِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: الْمَعْنَى أَنَّ قَوْلَهُا يُحَصِّلُ ثَوَابًا نَفِيسًا يُدَّخَرُ لِصَاحِبِهِ فِي الْجَنَّةِ، وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، عَنْ أَيُّوبَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ مَرَّ عَلَى إِبْرَاهِيمَ عَلَى نَبِيَّنَا وَعَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ مُرْ أُمَّتَكَ أَنْ يُكْثِرُوا مِنْ غِرَاسِ الْجَنَّةِ، قَالَ: وَمَا غِرَاسُ الْجَنَّةِ؟ قَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ.

قَوْلُهُ: (لَا تَدْعُونَ) كَذَا أَطْلَقَ عَلَى التَّكْبِيرِ وَنَحْوِهِ دُعَاءً مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ بِمَعْنَى النِّدَاءِ، لِكَوْنِ الذَّاكِرِ يُرِيدُ إِسْمَاعَ مَنْ ذَكَرَهُ وَالشَّهَادَةَ لَهُ.

٨ - بَاب الْمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَ اللَّهُ

عَاصِمٌ: مَانِعٌ

قَالَ مُجَاهِدٌ: سَدًّا عَنْ الْحَقِّ: يَتَرَدَّدُونَ فِي الضَّلَالَةِ، ﴿دَسَّاهَا﴾ أَغْوَاهَا

٦٦١١ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: مَا اسْتُخْلِفَ خَلِيفَةٌ إِلَّا لَهُ بِطَانَتَانِ: بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالْخَيْرِ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، وَبِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالشَّرِّ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، وَالْمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَ اللَّهُ.

[الحديث ٦٦١١ - طرفه في: ٧١٩٨]

قَوْلُهُ (بَابٌ) بِالتَّنْوِينِ (الْمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَ اللَّهُ) أَيْ مَنْ عَصَمَهُ اللَّهُ بِأَنْ حَمَاهُ مِنَ الْوُقُوعِ فِي الْهَلَاكِ أَوْ مَا يَجُرُّ إِلَيْهِ، يُقَالُ: عَصَمَهُ اللَّهُ مِنَ الْمَكْرُوهِ: وَقَاهُ وَحَفِظَهُ، وَاعْتَصَمْتُ بِاللَّهِ لَجَأْتُ إِلَيْهِ، وَعِصْمَةُ الْأَنْبِيَاءِ عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِمُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

وأصلها: دسَّسَها من التَّدسيس فكثرتِ الأمثالُ، فأبدل من ثالثها حرف علَّة، والتَّدسية الإخفاءُ، يعني: أخفى نفسه بالفجور (١)، وقال ابن الأعرابيِّ: ﴿وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ١٠] أي: دسَّ نفسه في جملةِ الصَّالحين، وليس منهم.

٦٦١١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) هو لقبُ عبدِ الله بن عثمان المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك قال: (أَخْبَرَنَا يُونُسُ) بن يزيد الأيليُّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بنِ مسلم، أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو سَلَمَةَ) بن عبدِ الرَّحمنِ بنِ عوف (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) أنَّه (قَالَ: مَا اسْتُخْلِفَ) بضم الفوقية وسكون المعجمة وكسر اللام (خَلِيفَةٌ إِلَّا لَهُ بِطَانَتَانِ: بِطَانَةٌ (٢)) بكسر باء «بِطانة» (٣) فيهما، اسمُ جنسٍ يشملُ الواحدَ والجماعة، وبطانة الرَّجل: خاصَّته الَّذين يباطنهم في الأمور، ولا يُظهِر غيرَهم عليها، مشتقَّةٌ من البطنِ، والباطنُ دون الظَّاهر، وهذا كمَا استعاروا الشِّعار والدِّثار في ذلك، ويقال: بَطُنَ فلان بفلان بطونًا (٤) وبطانةً، وقال:

أُولَئكَ خُلَصَائي نَعَم وبِطَانَتِي … وَهُم عَيْبَتِي مِن دُون كُلِّ قَرِيبِ

فبِطانةٌ (٥) (تَأْمُرُهُ بِالخَيْرِ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، وَبِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالشَّرِّ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ) بضم الحاء المهملة والضاد المعجمة (وَالمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَ اللهُ) بإسقاطِ ضمير المفعول، أي: من عصمَه الله بأنْ حماهُ من الوقوعِ في الهلاكِ أو ما يجرُّ إليه.

والحديث أخرجَه المؤلِّف أيضًا في «الأحكام» [خ¦٧١٩٨]، والنَّسائيُّ في «البيعة والسِّير».

(٩) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه قوله تعالى: (﴿وَحَرَامٌ﴾) ولأبوي الوقت وذرٍّ وابنِ عساكرَ: «﴿وَحِرُمٌ﴾» بكسر الحاء وسكون الراء، وهي قراءةُ أبي بكر وحمزة والكسائيِّ، وهما لغتان كالحِلّ والحَلال وزنًا، وضدُّه معنًى، أي: وممتنعٌ (﴿عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٥]) قال في «الكشاف»: استعيرَ الحرام الممتنعُ وجودُه (١)، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الأعراف: ٥٠] أي: منعهمَا منهم، وأبى أن يكونَا لهم، ومَعنى ﴿أَهْلَكْنَاهَا﴾: عزمْنَا على إِهلاكِها أو قدَّرْنا إهلاكَها، ومعنى الرُّجوع: الرُّجوع من الكفرِ إلى الإسلامِ والإنابةُ، ومجازُ الآيةِ أنَّ قومًا عزمَ الله على إِهْلاكهم غير متصوَّر أن يرجعُوا وينيبُوا إلى أنْ تقومَ القيامةُ، فحينئذٍ يرجعون. انتهى.

والظَّاهر كما قال بعضهم: إنَّ المعنى ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾ عدمُ رجوعِهم إلينا في القيامةِ، فتكون الآيةُ واردةً في تقريرِ أمرِ البعثِ والتَّفخيمِ لشأنهِ (٢)، وهذا يتعيَّن المصيرُ إليه لأوجه:

أحدها: أنَّه ليس فيه مخالفةٌ للأصولِ بخلاف غيره ممَّا يُدَّعى (٣) فيهِ زيادةُ «لا» وكونه في طائفةٍ مخصوصةٍ، وكون ﴿حَرَامٌ﴾ بمعنى «ممتنع» أو بمعنى «واجب»، كما قيل في قولهِ:

وَإِنَّ حَرَامًا لَا أَرَى الدَّهْرَ بَاكِيًا … عَلَى شَجْوِهِ إِلَّا بَكَيْتُ عَلَى عَمْرٍو

الثَّاني: أنَّ سياقَ الآية قبلَها وبعدها واردٌ في أمر البعثِ، وهو قوله: ﴿كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٣] وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ﴾ [الأنبياء: ٩٦].

الثَّالث: أنَّ حملَها على الرُّجوع إلى الدُّنيا لا كبير (٤) فائدةٍ، فإنَّه معلومٌ عند المخاطبين من

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

٠١٦٦ - حدّثني مُحَمَّدُ بنُ مُقاتِلٍ أبُو الحَسَنِ أخبرنَا عَبْدُ الله أخبرنَا خالِدٌ الحَذَّاءُ عنْ أبي عثْمانَ النَّهْدِيِّ عنْ أبي مُوسَى قَالَ: كُنّا مَعَ رسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي غَزاةٍ، فَجَعَلْنا لَا نَصْعَدُ شَرَقاً وَلَا نَعْلُو شَرَقاً وَلَا نَهْبِطُ فِي وادٍ إلاّ رَفَعْنا أصْوَاتَنا بالتَّكْبِيرِ، قَالَ: فَدَنا مِنّا رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ: (يَا أيُّها النّاس أرْبَعُوا عَلَى أنْفُسِكُمْ، فإنَّكُم لَا تَدْعُونَ أصَمَّ وَلَا غائِباً، إنَّما تَدْعُونَ سَمِيعاً بَصِيراً) ثُمَّ قَالَ: (يَا عَبْدَ الله بنَ قَيْسٍ! ألَا أُعَلِّمُكَ كَلِمَةً هِيَ مِنْ كُنُوزِ الجَنَّةِ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَاّ بِاللَّه) .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك. وَأَبُو عُثْمَان النَّهْدِيّ عبد الرَّحْمَن بن مل، وَأَبُو مُوسَى عبد الله بن قيس الْأَشْعَرِيّ.

وَقد مر الحَدِيث فِي كتاب الدَّعْوَات فِي: بَاب الدُّعَاء إِذا علا عقبَة، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن سُلَيْمَان بن حَرْب عَن حَمَّاد بن زيد عَن أَيُّوب عَن أبي عُثْمَان عَن أبي مُوسَى ... إِلَى آخِره، وَمضى أَيْضا فِي الْجِهَاد فِي: بَاب مَا يكره من رفع الصَّوْت فِي التَّكْبِير، أخرجه عَن مُحَمَّد بن يُوسُف عَن عَاصِم عَن أبي عُثْمَان عَن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ.

قَوْله: (فِي غزَاة) هِيَ غَزْوَة خَيْبَر، والشرف الْموضع العالي. قَوْله: (أربعوا) بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة أَي: أرفقوا بِأَنْفُسِكُمْ واخفضوا أَصْوَاتكُم، يُقَال: ربع الرجل إِذا توقف وانحبس. قَوْله: (أَصمّ) ويروى: أصماً. قَوْله: (يَا عبد الله بن قيس) هُوَ اسْم أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ. قَوْله: (هِيَ من كنوز الْجنَّة) يَعْنِي: أَن لَهُ ثَوابًا مدخراً نفيساً كالكنز فَإِنَّهُ من نفائس مدخراتكم، وَقَالَ النَّوَوِيّ: الْمَعْنى أَن قَوْلهَا يحصل ثَوابًا نفيساً مدخراً لصَاحبه فِي الْجنَّة.

٨ - (بابٌ المَعْصُومُ مَنْ عَصَمَ الله)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ قَول رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: الْمَعْصُوم من عصمَة الله بِأَن حماه عَن الْوُقُوع فِي الْهَلَاك، يُقَال: عصمه الله من الْمَكْرُوه وَقَاه وَحفظه، وَالْفرق بَين عصمَة الْمُؤمنِينَ وعصمة الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم السَّلَام، أَن عصمَة الْأَنْبِيَاء بطرِيق الْوُجُوب، وَفِي حق غَيرهم بطرِيق الْجَوَاز.

عاصِمٌ: مانِعٌ

أَشَارَ بِهِ إِلَى تَفْسِير: {لَا عَاصِم الْيَوْم من أَمر الله} (هود: ٣٤) أَي لَا مَانع.

قَالَ مُجاهِدٌ: سُداً عنِ الحَقِّ يَتَرَدَّدُونَ فِي الضَّلَالَةِ

أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي تَفْسِير سدًى فِي قَوْله عز وَجل: {أيحسب الْإِنْسَان أَن يتْرك سدى} (الْقِيَامَة: ٦٣) بقوله: يَتَرَدَّدُونَ فِي الضَّلَالَة، وَقَالَ بَعضهم: سداً بتَشْديد الدَّال بعْدهَا ألف، وَوَصله ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق وَرْقَاء عَن ابْن أبي نجيح عَنهُ فِي قَوْله تَعَالَى: {وَجَعَلنَا من بَين أَيْديهم سداً} (يس: ٩) قَالَ: عَن الْحق، ثمَّ قَالَ: ورأيته فِي بعض نسخ البُخَارِيّ: سدى، بتَخْفِيف الدَّال مَقْصُور، وَعَلِيهِ شرح الْكرْمَانِي ثمَّ قَالَ: وَلم أر فِي شَيْء من نسخ البُخَارِيّ إلَاّ الَّذِي أوردته. انْتهى.

قلت: هَذَا كَلَام ينْقض آخِره أَوله، لِأَنَّهُ قَالَ أَولا، ورأيته فِي بعض نسخ البُخَارِيّ سدًى بتَخْفِيف الدَّال، ثمَّ قَالَ: وَلم أر فِي شَيْء من نسخ البُخَارِيّ إلَاّ الَّذِي أوردته، وَمَعَ هَذَا هُوَ لم يطلع على جَمِيع نسخ البُخَارِيّ، وَهَذَا لَا يتَصَوَّر إلَاّ بالتعسف فِي النّسخ الَّتِي فِي مدينته، وَأما النّسخ الَّتِي فِي بِلَاد كرمان وبلخ وخراسان فَمن أَيْن يتَصَوَّر لَهُ الِاطِّلَاع عَلَيْهِمَا؟

دَسَّاها أغْوَاها

أَشَارَ بِهَذَا إِلَى تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: {وَقد خَابَ من دساها} (الشَّمْس: ٠١) بقوله: أغواها. وَأخرج الطَّبَرِيّ بِسَنَد صَحِيح عَن حبيب بن ثَابت عَن مُجَاهِد وَسَعِيد بن جُبَير فِي قَوْله: دساها، قَالَ أَحدهمَا: أغواها، وَقَالَ الآخر: أضلها. وَقَالَ الْكرْمَانِي: مُنَاسبَة الْآيَتَيْنِ بالترجمة بَيَان أنّ من لم يعصمه الله كَانَ سدًى ومغوًى.

١١٦٦ - حدّثنا عَبْدَانُ أخبرنَا عَبْدُ الله أخْبَرَنَا يُونُسُ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حدّثني أبُو سَلَمَةَ عنْ أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (مَا اسْتُخْلِفَ خلِيفةٌ إلاّ لهُ بِطانتانِ: بِطانَةٌ تأمُرُهُ بالخَيْرِ وتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، وبِطانَةٌ تأمُرُهُ بالشَّرِّ وتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، والمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَ الله) .

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي آخر الحَدِيث. وعبدان لقب عبد الله بن عُثْمَان الْمروزِي، وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك الْمروزِي، وَيُونُس هُوَ ابْن يزِيد الْأَيْلِي، وَالزهْرِيّ هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم، وَأَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف.

والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْأَحْكَام عَن إصبغ: وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْبيعَة وَفِي السّير عَن يُونُس بن عبد الْأَعْلَى.

قَوْله: (بطانتان) ، البطانة بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة الصاحب الوليجة المشاور وَهُوَ اسْم جنس يَشْمَل الْوَاحِد وَالْجمع. قَوْله: (ويحضه) أَي: يحثه. قَوْله: (وبطانة تَأمره بِالشَّرِّ) قَالَ الْكرْمَانِي: لفظ: تَأمره، دَلِيل على أَنه لَا يشْتَرط فِي الْأَمر الْعُلُوّ وَلَا الاستعلاء.

٩ - (بابٌ {وَحرَام على قَرْيَة أهلكناها أَنهم لَا يرجعُونَ} (الْأَنْبِيَاء: ٥٩) {إِنَّه لن يُؤمن من قَوْمك إِلَّا من قد آمن} (هود: ٦٣) {وَلَا يلدوا إِلَّا فَاجِرًا كفَّارًا} (نوح: ٧٢)

أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: {وَحرَام} ... إِلَى آخِره. قَالَ الْكرْمَانِي: الْغَرَض من هَذِه الْآيَات أَن الْإِيمَان وَالْكفْر بِتَقْدِير الله تَعَالَى، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: {وَحرم على قَرْيَة أهلكناها} الْآيَة وَفِي رِوَايَة غَيره: {وَحرَام} إِلَى آخر الْآيَة، والقراءاتان مشهورتان فَقَرَأَ أهل الْحجاز وَالْبَصْرَة وَالشَّام: حرَام، وَقَرَأَ أهل الْكُوفَة: وَحرم.

وَقَالَ منْصُورُ بنُ النُّعْمانِ عنْ عِكْرِمَةَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ: وحِرْمٌ بالحَبَشِيَّةِ: وجَبَ.

مَنْصُور بن النُّعْمَان الْيَشْكُرِي الْبَصْرِيّ، سكن مرو ثمَّ بخاري وَمَاله فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الْموضع. وَقَالَ الْكرْمَانِي: مَنْصُور بن النُّعْمَان فِي النّسخ هَكَذَا، لَكِن قَالُوا: صَوَابه مَنْصُور بن الْمُعْتَمِر السّلمِيّ الْكُوفِي، وَهَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ أَبُو جَعْفَر عَن ابْن قهزاد عَن أبي عوَانَة عَنهُ، هَكَذَا قَالَه صَاحب (التَّلْوِيح) : وَتَبعهُ صَاحب (التَّوْضِيح) : وَقَالَ بَعضهم: لم أَقف على ذَلِك فِي (تَفْسِير أبي جَعْفَر الطَّبَرِيّ)

قلت: هَذَا مُجَرّد تشنيع، وَعدم وُقُوفه على هَذَا لَا يسْتَلْزم عدم وقُوف غَيره، وَنسخ الطَّبَرِيّ كَثِيرَة فَلَا تَخْلُو عَن زِيَادَة ونقصان. قَوْله: (وَحرم بالحبشية وَجب) يَعْنِي: معنى حرم باللغة الحبشية وَجب، وروى غير عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس: وَجب عَلَيْهِم أَنهم لَا يتوبون، يَعْنِي فِي تَفْسِير قَوْله عز وَجل: {وَحرَام على قَرْيَة أهلكناها أَنهم لَا يرجعُونَ} (الْأَنْبِيَاء: ٥٩) وَعَن أبي هُرَيْرَة: لَا، هُنَا زَائِدَة، وَذهب إِلَى أَن حَرَامًا على بَابه، وَأنكر البصريون زِيَادَة: لَا، هُنَا. وَقيل: الْمَعْنى: وَحرَام أَن يتَقَبَّل مِنْهُم عمل لأَنهم لَا يرجعُونَ، أَي: لَا يتوبون، وَكَذَا قَالَ الزّجاج، وَقيل: الْحَرَام الْمَنْع، فَالْمَعْنى حرَام عَلَيْهِم الرُّجُوع إِلَى الدُّنْيَا، وَقَالَ الْمُهلب: وَجب عَلَيْهِم أَنهم لَا يتوبون، وَحرم وَحرَام بِمَعْنى وَاحِد، وَالتَّقْدِير: وَحرَام على قَرْيَة أردنَا إهلاكها التَّوْبَة من كفرهم، وَهَذَا كَقَوْلِه: {إِنَّه لن يُؤمن من قَوْمك إلَاّ من قد آمن} (هود: ٦٣) أَي: تقدم علم الله فِي قوم نوح أَنه لن يُؤمن مِنْهُم غير من آمن، وَلذَلِك قَالَ نوح عَلَيْهِ السَّلَام: {رب لَا تذر على الأَرْض من الْكَافرين ديارًا} (نوح: ٦٢) إِلَى قَوْله: {فَاجِرًا كفَّارًا} (نوح: ٦٢) إِذا قد اعلمتني {إِنَّه لن يُؤمن مِنْهُم إلاّ من قد آمن} (هود: ٦٣) وأهلكهم لعلمه تَعَالَى أَنهم لَا يرجعُونَ إِلَى الْإِيمَان.

٢١٦٦ - حدّثني مَحْمُودُ بنُ غَيْلَانَ حَدثنَا عبْدُ الرَّزَّاق أخبرَنا مَعَمَرٌ عنِ ابنِ طاوُوس عنْ أبِيهِ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَا رأيْتُ شَيْئاً أشْبهَ باللّمَمِ مِمَّا قَالَ أبُو هُرَيْرَةَ رَضِي الله عَنهُ، عَن النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إنَّ الله كَتَبَ عَلَى ابنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنَ الزِّنا، أدْرَكَ ذَلِكَ لَا مْحالَةَ، فَزِنا العيْنِ النَّظَرُ وزِنا اللِّسانِ المَنْطِقُ، والنَّفْسُ تَمَنَّى وتَشْتَهِي، والفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ ويُكَذِّبُهُ) . (انْظُر الحَدِيث ٣٤٢٦) .

مطابقته للتَّرْجَمَة الَّتِي هِيَ الْآيَات الَّتِي تدل على أَن كل شَيْء غير خَارج عَن سَابق قدره، وَكَذَلِكَ حَدِيث الْبَاب، لِأَن الزِّنَا

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

إِلَّا بِعِصْمَةِ اللَّهِ وَلَا قُوَّةَ لَهُ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ إِلَّا بِتَوْفِيقِ اللَّهِ، وَقِيلَ: مَعْنَى لَا حَوْلَ: لَا حِيلَةَ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: هِيَ كَلِمَةُ اسْتِسْلَامٍ وَتَفْوِيضٍ، وَأَنَّ الْعَبْدَ لَا يَمْلِكُ مِنْ أَمْرِهِ شَيْئًا، وَلَيْسَ لَهُ حِيلَةٌ فِي دَفْعِ شَرٍّ وَلَا قُوَّةٌ فِي جَلْبِ خَيْرٍ إِلَّا بِإِرَادَةِ اللَّهِ - تَعَالَى.

وَذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي مُوسَى، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الدَّعَوَاتِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ بِعَيْنِهِ، لَكِنْ فِيهِ سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ بَدَلَ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ الْمَذْكُورِ هُنَا، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ لِعَبْدِ اللَّهِ - وَهُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ - فِيهِ شَيْخَيْنِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ سُوَيْدِ بْنِ نَصْرٍ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ.

قَوْلُهُ: (كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزَاةٍ) تَقَدَّمَ فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ مِنْ كِتَابِ الْمَغَازِي بَيَانٌ أَنَّهَا غَزْوَةُ خَيْبَرَ.

قَوْلُهُ: إِلَّا رَفَعْنَا أَصْوَاتَنَا بِالتَّكْبِيرِ، فِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ الْمَذْكُورَةِ: فَلَمَّا عَلَا عَلَيْهَا رَجُلٌ نَادَى فَرَفَعَ صَوْتَهُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ، لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ هَذَا الرَّجُلِ، وَيُجْمَعُ بِأَنَّ الْكُلَّ كَبَّرُوا، وَزَادَ هَذَا عَلَيْهِمْ بِالتَّهْلِيلِ، وَتَقَدَّمَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْوَاحِدِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّكْبِيرِ قَوْلُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ.

قَوْلُهُ: (اِرْبَعُوا) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ، أَيِ: ارْفُقُوا، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي أَوَائِلِ الدُّعَاءِ، قَالَ يَعْقُوبُ بْنُ السِّكِّيتِ: رَبَعَ الرَّجُلُ يَرْبَعُ إِذَا رَفَقَ وَكَفَّ، وَكَذَا بَقِيَّةُ أَلْفَاظِهِ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: كَانَ ﵇ مُعَلِّمًا لِأُمَّتِهِ، فَلَا يَرَاهُمْ عَلَى حَالَةٍ مِنَ الْخَيْرِ إِلَّا أَحَبَّ لَهُمُ الزِّيَادَةَ، فَأَحَبَّ لِلَّذِينَ رَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِكَلِمَةِ الْإِخْلَاصِ وَالتَّكْبِيرِ أَنْ يُضِيفُوا إِلَيْهَا التَّبَرِّيَ مِنَ الْحَوْلِ وَالْقُوَّةِ، فَيَجْمَعُوا بَيْنَ التَّوْحِيدِ وَالْإِيمَانِ بِالْقَدَرِ، وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: إِذَا قَالَ الْعَبْدُ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ قَالَ اللَّهُ: أَسْلَمَ عَبْدِي وَاسْتَسْلَمَ. قُلْتُ: أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ قَالَ لِي: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى كَنْزٍ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ؟ قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: تَقُولُ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ. فَيَقُولُ اللَّهُ: أَسْلَمَ عَبْدِي وَاسْتَسْلَمَ. وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ لَهُ: وَلَا مَنْجَا وَلَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ.

قَوْلُهُ: (مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ) تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهَا مِنْ ذَخَائِرِ الْجَنَّةِ أَوْ مُحَصِّلَاتِ نَفَائِسِ الْجَنَّةِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: الْمَعْنَى أَنَّ قَوْلَهُا يُحَصِّلُ ثَوَابًا نَفِيسًا يُدَّخَرُ لِصَاحِبِهِ فِي الْجَنَّةِ، وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، عَنْ أَيُّوبَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ مَرَّ عَلَى إِبْرَاهِيمَ عَلَى نَبِيَّنَا وَعَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ مُرْ أُمَّتَكَ أَنْ يُكْثِرُوا مِنْ غِرَاسِ الْجَنَّةِ، قَالَ: وَمَا غِرَاسُ الْجَنَّةِ؟ قَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ.

قَوْلُهُ: (لَا تَدْعُونَ) كَذَا أَطْلَقَ عَلَى التَّكْبِيرِ وَنَحْوِهِ دُعَاءً مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ بِمَعْنَى النِّدَاءِ، لِكَوْنِ الذَّاكِرِ يُرِيدُ إِسْمَاعَ مَنْ ذَكَرَهُ وَالشَّهَادَةَ لَهُ.

٨ - بَاب الْمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَ اللَّهُ

عَاصِمٌ: مَانِعٌ

قَالَ مُجَاهِدٌ: سَدًّا عَنْ الْحَقِّ: يَتَرَدَّدُونَ فِي الضَّلَالَةِ، ﴿دَسَّاهَا﴾ أَغْوَاهَا

٦٦١١ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: مَا اسْتُخْلِفَ خَلِيفَةٌ إِلَّا لَهُ بِطَانَتَانِ: بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالْخَيْرِ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، وَبِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالشَّرِّ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، وَالْمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَ اللَّهُ.

[الحديث ٦٦١١ - طرفه في: ٧١٩٨]

قَوْلُهُ (بَابٌ) بِالتَّنْوِينِ (الْمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَ اللَّهُ) أَيْ مَنْ عَصَمَهُ اللَّهُ بِأَنْ حَمَاهُ مِنَ الْوُقُوعِ فِي الْهَلَاكِ أَوْ مَا يَجُرُّ إِلَيْهِ، يُقَالُ: عَصَمَهُ اللَّهُ مِنَ الْمَكْرُوهِ: وَقَاهُ وَحَفِظَهُ، وَاعْتَصَمْتُ بِاللَّهِ لَجَأْتُ إِلَيْهِ، وَعِصْمَةُ الْأَنْبِيَاءِ عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِمُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

وأصلها: دسَّسَها من التَّدسيس فكثرتِ الأمثالُ، فأبدل من ثالثها حرف علَّة، والتَّدسية الإخفاءُ، يعني: أخفى نفسه بالفجور (١)، وقال ابن الأعرابيِّ: ﴿وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ١٠] أي: دسَّ نفسه في جملةِ الصَّالحين، وليس منهم.

٦٦١١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) هو لقبُ عبدِ الله بن عثمان المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك قال: (أَخْبَرَنَا يُونُسُ) بن يزيد الأيليُّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بنِ مسلم، أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو سَلَمَةَ) بن عبدِ الرَّحمنِ بنِ عوف (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) أنَّه (قَالَ: مَا اسْتُخْلِفَ) بضم الفوقية وسكون المعجمة وكسر اللام (خَلِيفَةٌ إِلَّا لَهُ بِطَانَتَانِ: بِطَانَةٌ (٢)) بكسر باء «بِطانة» (٣) فيهما، اسمُ جنسٍ يشملُ الواحدَ والجماعة، وبطانة الرَّجل: خاصَّته الَّذين يباطنهم في الأمور، ولا يُظهِر غيرَهم عليها، مشتقَّةٌ من البطنِ، والباطنُ دون الظَّاهر، وهذا كمَا استعاروا الشِّعار والدِّثار في ذلك، ويقال: بَطُنَ فلان بفلان بطونًا (٤) وبطانةً، وقال:

أُولَئكَ خُلَصَائي نَعَم وبِطَانَتِي … وَهُم عَيْبَتِي مِن دُون كُلِّ قَرِيبِ

فبِطانةٌ (٥) (تَأْمُرُهُ بِالخَيْرِ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، وَبِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالشَّرِّ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ) بضم الحاء المهملة والضاد المعجمة (وَالمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَ اللهُ) بإسقاطِ ضمير المفعول، أي: من عصمَه الله بأنْ حماهُ من الوقوعِ في الهلاكِ أو ما يجرُّ إليه.

والحديث أخرجَه المؤلِّف أيضًا في «الأحكام» [خ¦٧١٩٨]، والنَّسائيُّ في «البيعة والسِّير».

(٩) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه قوله تعالى: (﴿وَحَرَامٌ﴾) ولأبوي الوقت وذرٍّ وابنِ عساكرَ: «﴿وَحِرُمٌ﴾» بكسر الحاء وسكون الراء، وهي قراءةُ أبي بكر وحمزة والكسائيِّ، وهما لغتان كالحِلّ والحَلال وزنًا، وضدُّه معنًى، أي: وممتنعٌ (﴿عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٥]) قال في «الكشاف»: استعيرَ الحرام الممتنعُ وجودُه (١)، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الأعراف: ٥٠] أي: منعهمَا منهم، وأبى أن يكونَا لهم، ومَعنى ﴿أَهْلَكْنَاهَا﴾: عزمْنَا على إِهلاكِها أو قدَّرْنا إهلاكَها، ومعنى الرُّجوع: الرُّجوع من الكفرِ إلى الإسلامِ والإنابةُ، ومجازُ الآيةِ أنَّ قومًا عزمَ الله على إِهْلاكهم غير متصوَّر أن يرجعُوا وينيبُوا إلى أنْ تقومَ القيامةُ، فحينئذٍ يرجعون. انتهى.

والظَّاهر كما قال بعضهم: إنَّ المعنى ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾ عدمُ رجوعِهم إلينا في القيامةِ، فتكون الآيةُ واردةً في تقريرِ أمرِ البعثِ والتَّفخيمِ لشأنهِ (٢)، وهذا يتعيَّن المصيرُ إليه لأوجه:

أحدها: أنَّه ليس فيه مخالفةٌ للأصولِ بخلاف غيره ممَّا يُدَّعى (٣) فيهِ زيادةُ «لا» وكونه في طائفةٍ مخصوصةٍ، وكون ﴿حَرَامٌ﴾ بمعنى «ممتنع» أو بمعنى «واجب»، كما قيل في قولهِ:

وَإِنَّ حَرَامًا لَا أَرَى الدَّهْرَ بَاكِيًا … عَلَى شَجْوِهِ إِلَّا بَكَيْتُ عَلَى عَمْرٍو

الثَّاني: أنَّ سياقَ الآية قبلَها وبعدها واردٌ في أمر البعثِ، وهو قوله: ﴿كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٣] وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ﴾ [الأنبياء: ٩٦].

الثَّالث: أنَّ حملَها على الرُّجوع إلى الدُّنيا لا كبير (٤) فائدةٍ، فإنَّه معلومٌ عند المخاطبين من

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

٠١٦٦ - حدّثني مُحَمَّدُ بنُ مُقاتِلٍ أبُو الحَسَنِ أخبرنَا عَبْدُ الله أخبرنَا خالِدٌ الحَذَّاءُ عنْ أبي عثْمانَ النَّهْدِيِّ عنْ أبي مُوسَى قَالَ: كُنّا مَعَ رسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي غَزاةٍ، فَجَعَلْنا لَا نَصْعَدُ شَرَقاً وَلَا نَعْلُو شَرَقاً وَلَا نَهْبِطُ فِي وادٍ إلاّ رَفَعْنا أصْوَاتَنا بالتَّكْبِيرِ، قَالَ: فَدَنا مِنّا رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ: (يَا أيُّها النّاس أرْبَعُوا عَلَى أنْفُسِكُمْ، فإنَّكُم لَا تَدْعُونَ أصَمَّ وَلَا غائِباً، إنَّما تَدْعُونَ سَمِيعاً بَصِيراً) ثُمَّ قَالَ: (يَا عَبْدَ الله بنَ قَيْسٍ! ألَا أُعَلِّمُكَ كَلِمَةً هِيَ مِنْ كُنُوزِ الجَنَّةِ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَاّ بِاللَّه) .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك. وَأَبُو عُثْمَان النَّهْدِيّ عبد الرَّحْمَن بن مل، وَأَبُو مُوسَى عبد الله بن قيس الْأَشْعَرِيّ.

وَقد مر الحَدِيث فِي كتاب الدَّعْوَات فِي: بَاب الدُّعَاء إِذا علا عقبَة، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن سُلَيْمَان بن حَرْب عَن حَمَّاد بن زيد عَن أَيُّوب عَن أبي عُثْمَان عَن أبي مُوسَى ... إِلَى آخِره، وَمضى أَيْضا فِي الْجِهَاد فِي: بَاب مَا يكره من رفع الصَّوْت فِي التَّكْبِير، أخرجه عَن مُحَمَّد بن يُوسُف عَن عَاصِم عَن أبي عُثْمَان عَن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ.

قَوْله: (فِي غزَاة) هِيَ غَزْوَة خَيْبَر، والشرف الْموضع العالي. قَوْله: (أربعوا) بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة أَي: أرفقوا بِأَنْفُسِكُمْ واخفضوا أَصْوَاتكُم، يُقَال: ربع الرجل إِذا توقف وانحبس. قَوْله: (أَصمّ) ويروى: أصماً. قَوْله: (يَا عبد الله بن قيس) هُوَ اسْم أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ. قَوْله: (هِيَ من كنوز الْجنَّة) يَعْنِي: أَن لَهُ ثَوابًا مدخراً نفيساً كالكنز فَإِنَّهُ من نفائس مدخراتكم، وَقَالَ النَّوَوِيّ: الْمَعْنى أَن قَوْلهَا يحصل ثَوابًا نفيساً مدخراً لصَاحبه فِي الْجنَّة.

٨ - (بابٌ المَعْصُومُ مَنْ عَصَمَ الله)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ قَول رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: الْمَعْصُوم من عصمَة الله بِأَن حماه عَن الْوُقُوع فِي الْهَلَاك، يُقَال: عصمه الله من الْمَكْرُوه وَقَاه وَحفظه، وَالْفرق بَين عصمَة الْمُؤمنِينَ وعصمة الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم السَّلَام، أَن عصمَة الْأَنْبِيَاء بطرِيق الْوُجُوب، وَفِي حق غَيرهم بطرِيق الْجَوَاز.

عاصِمٌ: مانِعٌ

أَشَارَ بِهِ إِلَى تَفْسِير: {لَا عَاصِم الْيَوْم من أَمر الله} (هود: ٣٤) أَي لَا مَانع.

قَالَ مُجاهِدٌ: سُداً عنِ الحَقِّ يَتَرَدَّدُونَ فِي الضَّلَالَةِ

أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي تَفْسِير سدًى فِي قَوْله عز وَجل: {أيحسب الْإِنْسَان أَن يتْرك سدى} (الْقِيَامَة: ٦٣) بقوله: يَتَرَدَّدُونَ فِي الضَّلَالَة، وَقَالَ بَعضهم: سداً بتَشْديد الدَّال بعْدهَا ألف، وَوَصله ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق وَرْقَاء عَن ابْن أبي نجيح عَنهُ فِي قَوْله تَعَالَى: {وَجَعَلنَا من بَين أَيْديهم سداً} (يس: ٩) قَالَ: عَن الْحق، ثمَّ قَالَ: ورأيته فِي بعض نسخ البُخَارِيّ: سدى، بتَخْفِيف الدَّال مَقْصُور، وَعَلِيهِ شرح الْكرْمَانِي ثمَّ قَالَ: وَلم أر فِي شَيْء من نسخ البُخَارِيّ إلَاّ الَّذِي أوردته. انْتهى.

قلت: هَذَا كَلَام ينْقض آخِره أَوله، لِأَنَّهُ قَالَ أَولا، ورأيته فِي بعض نسخ البُخَارِيّ سدًى بتَخْفِيف الدَّال، ثمَّ قَالَ: وَلم أر فِي شَيْء من نسخ البُخَارِيّ إلَاّ الَّذِي أوردته، وَمَعَ هَذَا هُوَ لم يطلع على جَمِيع نسخ البُخَارِيّ، وَهَذَا لَا يتَصَوَّر إلَاّ بالتعسف فِي النّسخ الَّتِي فِي مدينته، وَأما النّسخ الَّتِي فِي بِلَاد كرمان وبلخ وخراسان فَمن أَيْن يتَصَوَّر لَهُ الِاطِّلَاع عَلَيْهِمَا؟

دَسَّاها أغْوَاها

أَشَارَ بِهَذَا إِلَى تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: {وَقد خَابَ من دساها} (الشَّمْس: ٠١) بقوله: أغواها. وَأخرج الطَّبَرِيّ بِسَنَد صَحِيح عَن حبيب بن ثَابت عَن مُجَاهِد وَسَعِيد بن جُبَير فِي قَوْله: دساها، قَالَ أَحدهمَا: أغواها، وَقَالَ الآخر: أضلها. وَقَالَ الْكرْمَانِي: مُنَاسبَة الْآيَتَيْنِ بالترجمة بَيَان أنّ من لم يعصمه الله كَانَ سدًى ومغوًى.

١١٦٦ - حدّثنا عَبْدَانُ أخبرنَا عَبْدُ الله أخْبَرَنَا يُونُسُ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حدّثني أبُو سَلَمَةَ عنْ أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (مَا اسْتُخْلِفَ خلِيفةٌ إلاّ لهُ بِطانتانِ: بِطانَةٌ تأمُرُهُ بالخَيْرِ وتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، وبِطانَةٌ تأمُرُهُ بالشَّرِّ وتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، والمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَ الله) .

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي آخر الحَدِيث. وعبدان لقب عبد الله بن عُثْمَان الْمروزِي، وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك الْمروزِي، وَيُونُس هُوَ ابْن يزِيد الْأَيْلِي، وَالزهْرِيّ هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم، وَأَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف.

والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْأَحْكَام عَن إصبغ: وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْبيعَة وَفِي السّير عَن يُونُس بن عبد الْأَعْلَى.

قَوْله: (بطانتان) ، البطانة بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة الصاحب الوليجة المشاور وَهُوَ اسْم جنس يَشْمَل الْوَاحِد وَالْجمع. قَوْله: (ويحضه) أَي: يحثه. قَوْله: (وبطانة تَأمره بِالشَّرِّ) قَالَ الْكرْمَانِي: لفظ: تَأمره، دَلِيل على أَنه لَا يشْتَرط فِي الْأَمر الْعُلُوّ وَلَا الاستعلاء.

٩ - (بابٌ {وَحرَام على قَرْيَة أهلكناها أَنهم لَا يرجعُونَ} (الْأَنْبِيَاء: ٥٩) {إِنَّه لن يُؤمن من قَوْمك إِلَّا من قد آمن} (هود: ٦٣) {وَلَا يلدوا إِلَّا فَاجِرًا كفَّارًا} (نوح: ٧٢)

أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: {وَحرَام} ... إِلَى آخِره. قَالَ الْكرْمَانِي: الْغَرَض من هَذِه الْآيَات أَن الْإِيمَان وَالْكفْر بِتَقْدِير الله تَعَالَى، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: {وَحرم على قَرْيَة أهلكناها} الْآيَة وَفِي رِوَايَة غَيره: {وَحرَام} إِلَى آخر الْآيَة، والقراءاتان مشهورتان فَقَرَأَ أهل الْحجاز وَالْبَصْرَة وَالشَّام: حرَام، وَقَرَأَ أهل الْكُوفَة: وَحرم.

وَقَالَ منْصُورُ بنُ النُّعْمانِ عنْ عِكْرِمَةَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ: وحِرْمٌ بالحَبَشِيَّةِ: وجَبَ.

مَنْصُور بن النُّعْمَان الْيَشْكُرِي الْبَصْرِيّ، سكن مرو ثمَّ بخاري وَمَاله فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الْموضع. وَقَالَ الْكرْمَانِي: مَنْصُور بن النُّعْمَان فِي النّسخ هَكَذَا، لَكِن قَالُوا: صَوَابه مَنْصُور بن الْمُعْتَمِر السّلمِيّ الْكُوفِي، وَهَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ أَبُو جَعْفَر عَن ابْن قهزاد عَن أبي عوَانَة عَنهُ، هَكَذَا قَالَه صَاحب (التَّلْوِيح) : وَتَبعهُ صَاحب (التَّوْضِيح) : وَقَالَ بَعضهم: لم أَقف على ذَلِك فِي (تَفْسِير أبي جَعْفَر الطَّبَرِيّ)

قلت: هَذَا مُجَرّد تشنيع، وَعدم وُقُوفه على هَذَا لَا يسْتَلْزم عدم وقُوف غَيره، وَنسخ الطَّبَرِيّ كَثِيرَة فَلَا تَخْلُو عَن زِيَادَة ونقصان. قَوْله: (وَحرم بالحبشية وَجب) يَعْنِي: معنى حرم باللغة الحبشية وَجب، وروى غير عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس: وَجب عَلَيْهِم أَنهم لَا يتوبون، يَعْنِي فِي تَفْسِير قَوْله عز وَجل: {وَحرَام على قَرْيَة أهلكناها أَنهم لَا يرجعُونَ} (الْأَنْبِيَاء: ٥٩) وَعَن أبي هُرَيْرَة: لَا، هُنَا زَائِدَة، وَذهب إِلَى أَن حَرَامًا على بَابه، وَأنكر البصريون زِيَادَة: لَا، هُنَا. وَقيل: الْمَعْنى: وَحرَام أَن يتَقَبَّل مِنْهُم عمل لأَنهم لَا يرجعُونَ، أَي: لَا يتوبون، وَكَذَا قَالَ الزّجاج، وَقيل: الْحَرَام الْمَنْع، فَالْمَعْنى حرَام عَلَيْهِم الرُّجُوع إِلَى الدُّنْيَا، وَقَالَ الْمُهلب: وَجب عَلَيْهِم أَنهم لَا يتوبون، وَحرم وَحرَام بِمَعْنى وَاحِد، وَالتَّقْدِير: وَحرَام على قَرْيَة أردنَا إهلاكها التَّوْبَة من كفرهم، وَهَذَا كَقَوْلِه: {إِنَّه لن يُؤمن من قَوْمك إلَاّ من قد آمن} (هود: ٦٣) أَي: تقدم علم الله فِي قوم نوح أَنه لن يُؤمن مِنْهُم غير من آمن، وَلذَلِك قَالَ نوح عَلَيْهِ السَّلَام: {رب لَا تذر على الأَرْض من الْكَافرين ديارًا} (نوح: ٦٢) إِلَى قَوْله: {فَاجِرًا كفَّارًا} (نوح: ٦٢) إِذا قد اعلمتني {إِنَّه لن يُؤمن مِنْهُم إلاّ من قد آمن} (هود: ٦٣) وأهلكهم لعلمه تَعَالَى أَنهم لَا يرجعُونَ إِلَى الْإِيمَان.

٢١٦٦ - حدّثني مَحْمُودُ بنُ غَيْلَانَ حَدثنَا عبْدُ الرَّزَّاق أخبرَنا مَعَمَرٌ عنِ ابنِ طاوُوس عنْ أبِيهِ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَا رأيْتُ شَيْئاً أشْبهَ باللّمَمِ مِمَّا قَالَ أبُو هُرَيْرَةَ رَضِي الله عَنهُ، عَن النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إنَّ الله كَتَبَ عَلَى ابنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنَ الزِّنا، أدْرَكَ ذَلِكَ لَا مْحالَةَ، فَزِنا العيْنِ النَّظَرُ وزِنا اللِّسانِ المَنْطِقُ، والنَّفْسُ تَمَنَّى وتَشْتَهِي، والفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ ويُكَذِّبُهُ) . (انْظُر الحَدِيث ٣٤٢٦) .

مطابقته للتَّرْجَمَة الَّتِي هِيَ الْآيَات الَّتِي تدل على أَن كل شَيْء غير خَارج عَن سَابق قدره، وَكَذَلِكَ حَدِيث الْبَاب، لِأَن الزِّنَا

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 8 جمادى الأولى
التربيع الأول اليوم 8.8 / 29.5
الإضاءة 65%
البدر بعد 6 يوم
سبحان الله

إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا

سورة الأحزاب 33:56