الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٦١١
الحديث رقم ٦٦١١ من كتاب «كتاب القدر» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب المعصوم من عصم الله عاصم مانع.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابٌ: ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ ﴿وَلا يَلِدُوا إِلا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ وَقَالَ مَنْصُورُ بْنُ النُّعْمَانِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَحِرْمٌ بِالْحَبَشِيَّةِ وَجَبَ
٦٦١١ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
إِلَّا بِعِصْمَةِ اللَّهِ وَلَا قُوَّةَ لَهُ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ إِلَّا بِتَوْفِيقِ اللَّهِ، وَقِيلَ: مَعْنَى لَا حَوْلَ: لَا حِيلَةَ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: هِيَ كَلِمَةُ اسْتِسْلَامٍ وَتَفْوِيضٍ، وَأَنَّ الْعَبْدَ لَا يَمْلِكُ مِنْ أَمْرِهِ شَيْئًا، وَلَيْسَ لَهُ حِيلَةٌ فِي دَفْعِ شَرٍّ وَلَا قُوَّةٌ فِي جَلْبِ خَيْرٍ إِلَّا بِإِرَادَةِ اللَّهِ - تَعَالَى.
وَذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي مُوسَى، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الدَّعَوَاتِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ بِعَيْنِهِ، لَكِنْ فِيهِ سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ بَدَلَ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ الْمَذْكُورِ هُنَا، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ لِعَبْدِ اللَّهِ - وَهُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ - فِيهِ شَيْخَيْنِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ سُوَيْدِ بْنِ نَصْرٍ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ.
قَوْلُهُ: (كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزَاةٍ) تَقَدَّمَ فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ مِنْ كِتَابِ الْمَغَازِي بَيَانٌ أَنَّهَا غَزْوَةُ خَيْبَرَ.
قَوْلُهُ: إِلَّا رَفَعْنَا أَصْوَاتَنَا بِالتَّكْبِيرِ، فِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ الْمَذْكُورَةِ: فَلَمَّا عَلَا عَلَيْهَا رَجُلٌ نَادَى فَرَفَعَ صَوْتَهُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ، لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ هَذَا الرَّجُلِ، وَيُجْمَعُ بِأَنَّ الْكُلَّ كَبَّرُوا، وَزَادَ هَذَا عَلَيْهِمْ بِالتَّهْلِيلِ، وَتَقَدَّمَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْوَاحِدِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّكْبِيرِ قَوْلُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ.
قَوْلُهُ: (اِرْبَعُوا) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ، أَيِ: ارْفُقُوا، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي أَوَائِلِ الدُّعَاءِ، قَالَ يَعْقُوبُ بْنُ السِّكِّيتِ: رَبَعَ الرَّجُلُ يَرْبَعُ إِذَا رَفَقَ وَكَفَّ، وَكَذَا بَقِيَّةُ أَلْفَاظِهِ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: كَانَ ﵇ مُعَلِّمًا لِأُمَّتِهِ، فَلَا يَرَاهُمْ عَلَى حَالَةٍ مِنَ الْخَيْرِ إِلَّا أَحَبَّ لَهُمُ الزِّيَادَةَ، فَأَحَبَّ لِلَّذِينَ رَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِكَلِمَةِ الْإِخْلَاصِ وَالتَّكْبِيرِ أَنْ يُضِيفُوا إِلَيْهَا التَّبَرِّيَ مِنَ الْحَوْلِ وَالْقُوَّةِ، فَيَجْمَعُوا بَيْنَ التَّوْحِيدِ وَالْإِيمَانِ بِالْقَدَرِ، وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: إِذَا قَالَ الْعَبْدُ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ قَالَ اللَّهُ: أَسْلَمَ عَبْدِي وَاسْتَسْلَمَ. قُلْتُ: أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ قَالَ لِي: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى كَنْزٍ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ؟ قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: تَقُولُ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ. فَيَقُولُ اللَّهُ: أَسْلَمَ عَبْدِي وَاسْتَسْلَمَ. وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ لَهُ: وَلَا مَنْجَا وَلَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ) تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهَا مِنْ ذَخَائِرِ الْجَنَّةِ أَوْ مُحَصِّلَاتِ نَفَائِسِ الْجَنَّةِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: الْمَعْنَى أَنَّ قَوْلَهُا يُحَصِّلُ ثَوَابًا نَفِيسًا يُدَّخَرُ لِصَاحِبِهِ فِي الْجَنَّةِ، وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، عَنْ أَيُّوبَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ مَرَّ عَلَى إِبْرَاهِيمَ عَلَى نَبِيَّنَا وَعَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ مُرْ أُمَّتَكَ أَنْ يُكْثِرُوا مِنْ غِرَاسِ الْجَنَّةِ، قَالَ: وَمَا غِرَاسُ الْجَنَّةِ؟ قَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ.
قَوْلُهُ: (لَا تَدْعُونَ) كَذَا أَطْلَقَ عَلَى التَّكْبِيرِ وَنَحْوِهِ دُعَاءً مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ بِمَعْنَى النِّدَاءِ، لِكَوْنِ الذَّاكِرِ يُرِيدُ إِسْمَاعَ مَنْ ذَكَرَهُ وَالشَّهَادَةَ لَهُ.
٨ - بَاب الْمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَ اللَّهُ
عَاصِمٌ: مَانِعٌ
قَالَ مُجَاهِدٌ: سَدًّا عَنْ الْحَقِّ: يَتَرَدَّدُونَ فِي الضَّلَالَةِ، ﴿دَسَّاهَا﴾ أَغْوَاهَا
٦٦١١ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: مَا اسْتُخْلِفَ خَلِيفَةٌ إِلَّا لَهُ بِطَانَتَانِ: بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالْخَيْرِ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، وَبِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالشَّرِّ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، وَالْمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَ اللَّهُ.
[الحديث ٦٦١١ - طرفه في: ٧١٩٨]
قَوْلُهُ (بَابٌ) بِالتَّنْوِينِ (الْمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَ اللَّهُ) أَيْ مَنْ عَصَمَهُ اللَّهُ بِأَنْ حَمَاهُ مِنَ الْوُقُوعِ فِي الْهَلَاكِ أَوْ مَا يَجُرُّ إِلَيْهِ، يُقَالُ: عَصَمَهُ اللَّهُ مِنَ الْمَكْرُوهِ: وَقَاهُ وَحَفِظَهُ، وَاعْتَصَمْتُ بِاللَّهِ لَجَأْتُ إِلَيْهِ، وَعِصْمَةُ الْأَنْبِيَاءِ عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِمُ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
وأصلها: دسَّسَها من التَّدسيس فكثرتِ الأمثالُ، فأبدل من ثالثها حرف علَّة، والتَّدسية الإخفاءُ، يعني: أخفى نفسه بالفجور (١)، وقال ابن الأعرابيِّ: ﴿وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ١٠] أي: دسَّ نفسه في جملةِ الصَّالحين، وليس منهم.
٦٦١١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) هو لقبُ عبدِ الله بن عثمان المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك قال: (أَخْبَرَنَا يُونُسُ) بن يزيد الأيليُّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بنِ مسلم، أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو سَلَمَةَ) بن عبدِ الرَّحمنِ بنِ عوف (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) أنَّه (قَالَ: مَا اسْتُخْلِفَ) بضم الفوقية وسكون المعجمة وكسر اللام (خَلِيفَةٌ إِلَّا لَهُ بِطَانَتَانِ: بِطَانَةٌ (٢)) بكسر باء «بِطانة» (٣) فيهما، اسمُ جنسٍ يشملُ الواحدَ والجماعة، وبطانة الرَّجل: خاصَّته الَّذين يباطنهم في الأمور، ولا يُظهِر غيرَهم عليها، مشتقَّةٌ من البطنِ، والباطنُ دون الظَّاهر، وهذا كمَا استعاروا الشِّعار والدِّثار في ذلك، ويقال: بَطُنَ فلان بفلان بطونًا (٤) وبطانةً، وقال:
أُولَئكَ خُلَصَائي نَعَم وبِطَانَتِي … وَهُم عَيْبَتِي مِن دُون كُلِّ قَرِيبِ
فبِطانةٌ (٥) (تَأْمُرُهُ بِالخَيْرِ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، وَبِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالشَّرِّ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ) بضم الحاء المهملة والضاد المعجمة (وَالمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَ اللهُ) بإسقاطِ ضمير المفعول، أي: من عصمَه الله بأنْ حماهُ من الوقوعِ في الهلاكِ أو ما يجرُّ إليه.
والحديث أخرجَه المؤلِّف أيضًا في «الأحكام» [خ¦٧١٩٨]، والنَّسائيُّ في «البيعة والسِّير».
(٩) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه قوله تعالى: (﴿وَحَرَامٌ﴾) ولأبوي الوقت وذرٍّ وابنِ عساكرَ: «﴿وَحِرُمٌ﴾» بكسر الحاء وسكون الراء، وهي قراءةُ أبي بكر وحمزة والكسائيِّ، وهما لغتان كالحِلّ والحَلال وزنًا، وضدُّه معنًى، أي: وممتنعٌ (﴿عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٥]) قال في «الكشاف»: استعيرَ الحرام الممتنعُ وجودُه (١)، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الأعراف: ٥٠] أي: منعهمَا منهم، وأبى أن يكونَا لهم، ومَعنى ﴿أَهْلَكْنَاهَا﴾: عزمْنَا على إِهلاكِها أو قدَّرْنا إهلاكَها، ومعنى الرُّجوع: الرُّجوع من الكفرِ إلى الإسلامِ والإنابةُ، ومجازُ الآيةِ أنَّ قومًا عزمَ الله على إِهْلاكهم غير متصوَّر أن يرجعُوا وينيبُوا إلى أنْ تقومَ القيامةُ، فحينئذٍ يرجعون. انتهى.
والظَّاهر كما قال بعضهم: إنَّ المعنى ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾ عدمُ رجوعِهم إلينا في القيامةِ، فتكون الآيةُ واردةً في تقريرِ أمرِ البعثِ والتَّفخيمِ لشأنهِ (٢)، وهذا يتعيَّن المصيرُ إليه لأوجه:
أحدها: أنَّه ليس فيه مخالفةٌ للأصولِ بخلاف غيره ممَّا يُدَّعى (٣) فيهِ زيادةُ «لا» وكونه في طائفةٍ مخصوصةٍ، وكون ﴿حَرَامٌ﴾ بمعنى «ممتنع» أو بمعنى «واجب»، كما قيل في قولهِ:
وَإِنَّ حَرَامًا لَا أَرَى الدَّهْرَ بَاكِيًا … عَلَى شَجْوِهِ إِلَّا بَكَيْتُ عَلَى عَمْرٍو
الثَّاني: أنَّ سياقَ الآية قبلَها وبعدها واردٌ في أمر البعثِ، وهو قوله: ﴿كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٣] وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ﴾ [الأنبياء: ٩٦].
الثَّالث: أنَّ حملَها على الرُّجوع إلى الدُّنيا لا كبير (٤) فائدةٍ، فإنَّه معلومٌ عند المخاطبين من
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
إِلَّا بِعِصْمَةِ اللَّهِ وَلَا قُوَّةَ لَهُ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ إِلَّا بِتَوْفِيقِ اللَّهِ، وَقِيلَ: مَعْنَى لَا حَوْلَ: لَا حِيلَةَ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: هِيَ كَلِمَةُ اسْتِسْلَامٍ وَتَفْوِيضٍ، وَأَنَّ الْعَبْدَ لَا يَمْلِكُ مِنْ أَمْرِهِ شَيْئًا، وَلَيْسَ لَهُ حِيلَةٌ فِي دَفْعِ شَرٍّ وَلَا قُوَّةٌ فِي جَلْبِ خَيْرٍ إِلَّا بِإِرَادَةِ اللَّهِ - تَعَالَى.
وَذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي مُوسَى، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الدَّعَوَاتِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ بِعَيْنِهِ، لَكِنْ فِيهِ سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ بَدَلَ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ الْمَذْكُورِ هُنَا، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ لِعَبْدِ اللَّهِ - وَهُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ - فِيهِ شَيْخَيْنِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ سُوَيْدِ بْنِ نَصْرٍ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ.
قَوْلُهُ: (كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزَاةٍ) تَقَدَّمَ فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ مِنْ كِتَابِ الْمَغَازِي بَيَانٌ أَنَّهَا غَزْوَةُ خَيْبَرَ.
قَوْلُهُ: إِلَّا رَفَعْنَا أَصْوَاتَنَا بِالتَّكْبِيرِ، فِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ الْمَذْكُورَةِ: فَلَمَّا عَلَا عَلَيْهَا رَجُلٌ نَادَى فَرَفَعَ صَوْتَهُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ، لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ هَذَا الرَّجُلِ، وَيُجْمَعُ بِأَنَّ الْكُلَّ كَبَّرُوا، وَزَادَ هَذَا عَلَيْهِمْ بِالتَّهْلِيلِ، وَتَقَدَّمَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْوَاحِدِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّكْبِيرِ قَوْلُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ.
قَوْلُهُ: (اِرْبَعُوا) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ، أَيِ: ارْفُقُوا، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي أَوَائِلِ الدُّعَاءِ، قَالَ يَعْقُوبُ بْنُ السِّكِّيتِ: رَبَعَ الرَّجُلُ يَرْبَعُ إِذَا رَفَقَ وَكَفَّ، وَكَذَا بَقِيَّةُ أَلْفَاظِهِ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: كَانَ ﵇ مُعَلِّمًا لِأُمَّتِهِ، فَلَا يَرَاهُمْ عَلَى حَالَةٍ مِنَ الْخَيْرِ إِلَّا أَحَبَّ لَهُمُ الزِّيَادَةَ، فَأَحَبَّ لِلَّذِينَ رَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِكَلِمَةِ الْإِخْلَاصِ وَالتَّكْبِيرِ أَنْ يُضِيفُوا إِلَيْهَا التَّبَرِّيَ مِنَ الْحَوْلِ وَالْقُوَّةِ، فَيَجْمَعُوا بَيْنَ التَّوْحِيدِ وَالْإِيمَانِ بِالْقَدَرِ، وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: إِذَا قَالَ الْعَبْدُ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ قَالَ اللَّهُ: أَسْلَمَ عَبْدِي وَاسْتَسْلَمَ. قُلْتُ: أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ قَالَ لِي: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى كَنْزٍ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ؟ قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: تَقُولُ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ. فَيَقُولُ اللَّهُ: أَسْلَمَ عَبْدِي وَاسْتَسْلَمَ. وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ لَهُ: وَلَا مَنْجَا وَلَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ) تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهَا مِنْ ذَخَائِرِ الْجَنَّةِ أَوْ مُحَصِّلَاتِ نَفَائِسِ الْجَنَّةِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: الْمَعْنَى أَنَّ قَوْلَهُا يُحَصِّلُ ثَوَابًا نَفِيسًا يُدَّخَرُ لِصَاحِبِهِ فِي الْجَنَّةِ، وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، عَنْ أَيُّوبَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ مَرَّ عَلَى إِبْرَاهِيمَ عَلَى نَبِيَّنَا وَعَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ مُرْ أُمَّتَكَ أَنْ يُكْثِرُوا مِنْ غِرَاسِ الْجَنَّةِ، قَالَ: وَمَا غِرَاسُ الْجَنَّةِ؟ قَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ.
قَوْلُهُ: (لَا تَدْعُونَ) كَذَا أَطْلَقَ عَلَى التَّكْبِيرِ وَنَحْوِهِ دُعَاءً مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ بِمَعْنَى النِّدَاءِ، لِكَوْنِ الذَّاكِرِ يُرِيدُ إِسْمَاعَ مَنْ ذَكَرَهُ وَالشَّهَادَةَ لَهُ.
٨ - بَاب الْمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَ اللَّهُ
عَاصِمٌ: مَانِعٌ
قَالَ مُجَاهِدٌ: سَدًّا عَنْ الْحَقِّ: يَتَرَدَّدُونَ فِي الضَّلَالَةِ، ﴿دَسَّاهَا﴾ أَغْوَاهَا
٦٦١١ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: مَا اسْتُخْلِفَ خَلِيفَةٌ إِلَّا لَهُ بِطَانَتَانِ: بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالْخَيْرِ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، وَبِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالشَّرِّ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، وَالْمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَ اللَّهُ.
[الحديث ٦٦١١ - طرفه في: ٧١٩٨]
قَوْلُهُ (بَابٌ) بِالتَّنْوِينِ (الْمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَ اللَّهُ) أَيْ مَنْ عَصَمَهُ اللَّهُ بِأَنْ حَمَاهُ مِنَ الْوُقُوعِ فِي الْهَلَاكِ أَوْ مَا يَجُرُّ إِلَيْهِ، يُقَالُ: عَصَمَهُ اللَّهُ مِنَ الْمَكْرُوهِ: وَقَاهُ وَحَفِظَهُ، وَاعْتَصَمْتُ بِاللَّهِ لَجَأْتُ إِلَيْهِ، وَعِصْمَةُ الْأَنْبِيَاءِ عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِمُ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
وأصلها: دسَّسَها من التَّدسيس فكثرتِ الأمثالُ، فأبدل من ثالثها حرف علَّة، والتَّدسية الإخفاءُ، يعني: أخفى نفسه بالفجور (١)، وقال ابن الأعرابيِّ: ﴿وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ١٠] أي: دسَّ نفسه في جملةِ الصَّالحين، وليس منهم.
٦٦١١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) هو لقبُ عبدِ الله بن عثمان المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك قال: (أَخْبَرَنَا يُونُسُ) بن يزيد الأيليُّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بنِ مسلم، أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو سَلَمَةَ) بن عبدِ الرَّحمنِ بنِ عوف (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) أنَّه (قَالَ: مَا اسْتُخْلِفَ) بضم الفوقية وسكون المعجمة وكسر اللام (خَلِيفَةٌ إِلَّا لَهُ بِطَانَتَانِ: بِطَانَةٌ (٢)) بكسر باء «بِطانة» (٣) فيهما، اسمُ جنسٍ يشملُ الواحدَ والجماعة، وبطانة الرَّجل: خاصَّته الَّذين يباطنهم في الأمور، ولا يُظهِر غيرَهم عليها، مشتقَّةٌ من البطنِ، والباطنُ دون الظَّاهر، وهذا كمَا استعاروا الشِّعار والدِّثار في ذلك، ويقال: بَطُنَ فلان بفلان بطونًا (٤) وبطانةً، وقال:
أُولَئكَ خُلَصَائي نَعَم وبِطَانَتِي … وَهُم عَيْبَتِي مِن دُون كُلِّ قَرِيبِ
فبِطانةٌ (٥) (تَأْمُرُهُ بِالخَيْرِ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، وَبِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالشَّرِّ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ) بضم الحاء المهملة والضاد المعجمة (وَالمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَ اللهُ) بإسقاطِ ضمير المفعول، أي: من عصمَه الله بأنْ حماهُ من الوقوعِ في الهلاكِ أو ما يجرُّ إليه.
والحديث أخرجَه المؤلِّف أيضًا في «الأحكام» [خ¦٧١٩٨]، والنَّسائيُّ في «البيعة والسِّير».
(٩) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه قوله تعالى: (﴿وَحَرَامٌ﴾) ولأبوي الوقت وذرٍّ وابنِ عساكرَ: «﴿وَحِرُمٌ﴾» بكسر الحاء وسكون الراء، وهي قراءةُ أبي بكر وحمزة والكسائيِّ، وهما لغتان كالحِلّ والحَلال وزنًا، وضدُّه معنًى، أي: وممتنعٌ (﴿عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٥]) قال في «الكشاف»: استعيرَ الحرام الممتنعُ وجودُه (١)، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الأعراف: ٥٠] أي: منعهمَا منهم، وأبى أن يكونَا لهم، ومَعنى ﴿أَهْلَكْنَاهَا﴾: عزمْنَا على إِهلاكِها أو قدَّرْنا إهلاكَها، ومعنى الرُّجوع: الرُّجوع من الكفرِ إلى الإسلامِ والإنابةُ، ومجازُ الآيةِ أنَّ قومًا عزمَ الله على إِهْلاكهم غير متصوَّر أن يرجعُوا وينيبُوا إلى أنْ تقومَ القيامةُ، فحينئذٍ يرجعون. انتهى.
والظَّاهر كما قال بعضهم: إنَّ المعنى ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾ عدمُ رجوعِهم إلينا في القيامةِ، فتكون الآيةُ واردةً في تقريرِ أمرِ البعثِ والتَّفخيمِ لشأنهِ (٢)، وهذا يتعيَّن المصيرُ إليه لأوجه:
أحدها: أنَّه ليس فيه مخالفةٌ للأصولِ بخلاف غيره ممَّا يُدَّعى (٣) فيهِ زيادةُ «لا» وكونه في طائفةٍ مخصوصةٍ، وكون ﴿حَرَامٌ﴾ بمعنى «ممتنع» أو بمعنى «واجب»، كما قيل في قولهِ:
وَإِنَّ حَرَامًا لَا أَرَى الدَّهْرَ بَاكِيًا … عَلَى شَجْوِهِ إِلَّا بَكَيْتُ عَلَى عَمْرٍو
الثَّاني: أنَّ سياقَ الآية قبلَها وبعدها واردٌ في أمر البعثِ، وهو قوله: ﴿كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٣] وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ﴾ [الأنبياء: ٩٦].
الثَّالث: أنَّ حملَها على الرُّجوع إلى الدُّنيا لا كبير (٤) فائدةٍ، فإنَّه معلومٌ عند المخاطبين من