«رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَوْمَ الْخَنْدَقِ يَنْقُلُ مَعَنَا التُّرَابَ، وَهْوَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث 6620

الحديث رقم 6620 من كتاب «كتاب القدر» في صحيح البخاري، تحت باب: باب وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «رأيت النبي ﷺ يوم الخندق ينقل معنا التراب…

«رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَوْمَ الْخَنْدَقِ يَنْقُلُ مَعَنَا التُّرَابَ، وَهْوَ يَقُولُ:

وَاللهِ لَوْلَا اللهُ مَا اهْتَدَيْنَا … وَلَا صُمْنَا وَلَا صَلَّيْنَا

فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا … وَثَبِّتِ الْأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا

وَالْمُشْرِكُونَ قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا … إِذَا أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا.»

سند حديث: ٦٦٢٠ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ…

٦٦٢٠ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ هُوَ ابْنُ حَازِمٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ:

رواة الحديث

شرح حديث: «رأيت النبي ﷺ يوم الخندق ينقل معنا التراب…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

قَالَ: وَعَبَّرَ بِقَوْلِهِ لَنَا وَلَمْ يُعَبِّرْ بِقَوْلِهِ عَلَيْنَا تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ الَّذِي يُصِيبُنَا نَعُدُّهُ نِعْمَةً لَا نِقْمَةً، قُلْتُ: وَيُؤَيِّدُ هَذَا الْآيَةَ الَّتِي تَلِيهَا حَيْثُ قَالَ: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِهِ أَنَّ الْمُرَادَ الْفَتْحُ أَوِ الشَّهَادَةُ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا نِعْمَةٌ.

قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ وَرَدَتْ فِيمَا أَصَابَ الْعِبَادَ مِنْ أَفْعَالِ اللَّهِ الَّتِي اخْتُصَّ بِهَا دُونَ خَلْقِهِ وَلَمْ يُقْدِرْهُمْ عَلَى كَسْبِهَا دُونَ مَا أَصَابُوهُ مُكْتَسِبِينَ لَهُ مُخْتَارِينَ. قُلْتُ: وَالصَّوَابُ التَّعْمِيمُ، وَأَنَّ مَا يُصِيبُهُمْ بِاكْتِسَابِهِمْ وَاخْتِيَارِهِمْ هُوَ مَقْدُورٌ لِلَّهِ - تَعَالَى - وَعَنْ إِرَادَتِهِ وَقَعَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (قَالَ مُجَاهِدٌ بِفَاتِنِينَ بِمُضِلِّينَ، إِلَّا مَنْ كَتَبَ اللَّهُ أَنَّهُ يَصْلَى الْجَحِيمَ) وَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ بِمَعْنَاهُ مِنْ طَرِيقِ إِسْرَائِيلَ عَنْ مَنْصُورٍ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ * إِلا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ قَالَ: لَا يُفْتَنُونَ إِلَّا مَنْ كُتِبَ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ، وَوَصَلَهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ شِبْلٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِهِ، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ تَفْسِيرِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْهُ بِلَفْظِ: لَا تَضِلُّونَ أَنْتُمْ وَلَا أُضِلُّ مِنْكُمْ إِلَّا مَنْ قَضَيْتُ عَلَيْهِ أَنَّهُ صَالِ الْجَحِيمَ وَمِنْ طَرِيقِ حُمَيْدٍ سَأَلْتُ الْحَسَنَ فَقَالَ: مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِمُضِلِّينَ إِلَّا مَنْ كَانَ فِي عِلْمِ اللَّهِ أَنَّهُ سَيَصْلَى الْجَحِيمَ وَمِنْ طَرِيقِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ: إِنَّكُمْ وَالْآلِهَةُ الَّتِي تَعْبُدُونَهَا لَسْتُمْ بِالَّذِي تُفْتَنُونَ عَلَيْهَا إِلَّا مَنْ قَضَيْتُ أَنَّهُ سَيَصْلَى الْجَحِيمَ.

قَوْلُهُ: ﴿قَدَّرَ فَهَدَى﴾ قَدَّرَ الشَّقَاءَ وَالسَّعَادَةَ، وَهَدَى الْأَنْعَامَ لِمَرَاتِعِهَا) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ، عَنْ وَرْقَاءَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ قَدَّرَ لِلْإِنْسَانِ الشِّقْوَةَ وَالسَّعَادَةَ، وَهَدَى الْأَنْعَامَ لِمَرَاتِعِهَا، وَتَفْسِيرُ مُجَاهِدٍ هَذَا لِلْمَعْنَى لَا لِلَّفْظِ وَهُوَ كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾

قَالَ الرَّاغِبُ: هِدَايَةُ اللَّهِ لِلْخَلْقِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَضْرُبٍ: الْأَوَّلُ الْعَامَّةُ لِكُلِّ أَحَدٍ بِحَسَبِ احْتِمَالِهِ، وَإِلَيْهَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ وَالثَّانِي الدُّعَاءُ عَلَى أَلْسِنَةِ الْأَنْبِيَاءِ، وَإِلَيْهَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ وَالثَّالِثُ التَّوْفِيقُ الَّذِي يَخْتَصُّ بِهِ مَنِ اهْتَدَى، وَإِلَيْهَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾ وَالرَّابِعُ الْهِدَايَاتُ فِي الْآخِرَةِ إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِلَيْهَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾

قَالَ: وَهَذِهِ الْهِدَايَاتُ الْأَرْبَعُ مُرَتَّبَةٌ فَإِنَّهُ مَنْ لَا يَحْصُلُ لَهُ الْأُولَى لَا تَحْصُلُ لَهُ الثَّانِيَةُ، وَمَنْ لَمْ تَحْصُلْ لَهُ الثَّانِيَةُ لَا تَحْصُلُ لَهُ الثَّالِثَةُ وَالرَّابِعَةُ، وَلَا تَحْصُلُ الرَّابِعَةُ إِلَّا لِمَنْ حَصَلَتْ لَهُ الثَّالِثَةُ، وَلَا تَحْصُلُ الثَّالِثَةُ إِلَّا لِمَنْ حَصَلَتْ لَهُ اللَّتَانِ قَبْلَهَا، وَقَدْ تَحْصُلُ الْأُولَى دُونَ الثَّانِيَةِ وَالثَّانِيَةُ دُونَ الثَّالِثَةِ، وَالْإِنْسَانُ لَا يَهْدِي أَحَدًا إِلَّا بِالدُّعَاءِ وَتَعْرِيفِ الطُّرُقِ دُونَ بَقِيَّةِ الْأَنْوَاعِ الْمَذْكُورَةِ، وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وَإِلَى بَقِيَّةِ الْهِدَايَاتِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾

ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ عَائِشَةَ فِي الطَّاعُونِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الطِّبِّ، وَالْغَرَضُ مِنْ قَوْلِهِ فِيهِ: يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُصِيبُهُ إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ.

(تَنْبِيهٌ): سَنَدُ حَدِيثِ عَائِشَةَ هَذَا مِنِ ابْتِدَائِهِ إِلَى يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ مَرَاوِزَةَ، وَقَدْ سَكَنَ يَحْيَى الْمَذْكُورُ مَرْوَ مُدَّةً فَلَمْ يَبْقَ مِنْ رِجَالِ السَّنَدِ مَنْ لَيْسَ مَرْوَزِيًّا إِلَّا طَرَفَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَعَائِشَةُ.

١٦ - بَاب ﴿وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾، ﴿لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾

٦٦٢٠ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ هُوَ ابْنُ حَازِمٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَوْمَ الْخَنْدَقِ يَنْقُلُ مَعَنَا التُّرَابَ، وَهُوَ يَقُولُ:

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

والمبطلِ بسعي نفسِه واختيارِ نفسه، فكان يجبُ عليه أن يحمدَ نفسه؛ لأنَّه هو الَّذي حصَّلَ لنفسهِ الإيمان، وهو الَّذي أوصلَ نفسه إلى درجاتِ الجنَّة وخلَّصها من دركاتِ النِّيران، فلمَّا لم يحمدْ نفسَه البتَّة إنَّما حمدَ الله تعالى فقط علمنَا أنَّ الهادِي ليس إلَّا الله تعالى، وقوله تعالى: (﴿لَوْ أَنَّ اللهَ هَدَانِي﴾) أعطانِي الهدايةَ (﴿لَكُنتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [الزمر: ٥٧]) من الَّذين يتَّقون الشِّرك.

قال الشَّيخ أبو منصورٍ رحمه الله تعالى: وهذَا الكافرُ أعرفُ بالهدايةِ من المعتزلةِ، وكذَا أولئك الكفرة الَّذين قالوا لأتباعِهم: ﴿لَوْ هَدَانَا اللّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ﴾ [إبراهيم: ٢١] يقولون: لو وفَّقنا الله للهدايةِ وأعطانا الهدَى لدعونَاكم إليه، ولكن علمَ منَّا اختيارَ الضَّلالة والغوايةِ فخذَلنا ولم يوفِّقنا، والمعتزلةُ يقولون: بل هداهُم وأعطاهُم التَّوفيق لكنَّهم لم يهتدوا. والحاصل: أنَّ عند الله لطفًا من أُعطي ذلك اهتدَى وهو التَّوفيق والعصمة، ومَن لم يعطه ضلَّ وغَوى، وكان استيجابُه العذاب وتضييعُه الحقَّ بعدما تمكَّن من تحصيلهِ لذلك. والحاصلُ من مذهبِ أهل السُّنَّة: أنَّ الله تعالى (١) أقدَرَ العبادَ على اكتسابِ ما أرادَ منهم من إيمانٍ وكفْرٍ، وأنَّ ذلك ليسَ بخلق للعبادِ، كما زعمَتْ القدريَّة.

٦٦٢٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّد بن الفضلِ السَّدوسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ) بفتح الجيم (هُوَ ابْنُ حَازِمٍ) بالحاء المهملة والزاي (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) عَمرو بن عبد الله السَّبيعيِّ (عَنِ البَرَاءِ

بْنِ عَازِبٍ) ﵄، أنَّه (قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَوْمَ الخَنْدَقِ يَنْقُلُ مَعَنَا التُّرَابَ) من حفرِ الخندق (وَهْوَ يَقُولُ) رجزًا من كلامِ عبد الله بنِ رواحةَ:

(وَاللهِ لَوْلَا اللهُ مَا اهْتَدَيْنَا) وهذا موضع الترجمة (وَلَا صُمْنَا وَلَا صَلَّيْنَا، فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا، وَثَبِّتِ الأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا) العدوَّ (وَالمُشْرِكُونَ قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا) أي: ظلموا (إِذَا أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا) بالموحدةِ، أي: الفرار.

والحديث أخرجه في «الجهاد» (١) [خ¦٢٨٣٧].

((٨٣)) (كِتَابُ الأَيمَانِ) بفتح الهمزة، جمع: يمين، واليمينُ خلاف اليسارِ، وأطلقتْ على الحَلِف؛ لأنَّهم كانوا إذا تحالفوا أخذَ كلٌّ بيمين صاحبهِ، وقيل: لحفظِها المحلوف عليهِ كحفظِ اليمين، وتسمَّى أَلْيَةً وحَلِفًا، وفي الشَّرع: تحقيقُ الأمر المحتمل أو توكيدُه بذكرِ اسمٍ من أسماءِ الله تعالى، أو صفةٍ من صفاتهِ، هذا إنْ قصدَ اليمين الموجبة للكفَّارة وإلَّا فيُزاد: أو ما (١) أُقيم مَقامه ليدخل نحو الحلف بالطَّلاق أو العتق، وهو ما فيه حثٌّ أو منعٌ أو تصديقٌ، وخرج بالتَّحقيق لغو اليمينِ بأنْ سبقَ لسانه إلى ما لم يقصدْه بها، أو إلى لفظِها كقولهِ في حالِ غضبه أو صلةِ كلام: «لا والله» تارةً، و «بلى والله» أُخرى، وبالمحتمل غيرُه كقولهِ: والله لأموتنَّ (٢) أو لا أصعدُ إلى السَّماء (٣)، فليس بيمين؛ لامتناعِ الحنثِ فيه بذاتهِ، بخلاف: والله لأصعدنَّ السَّماء، فإنَّه يمينٌ تلزمُ به الكفَّارة حالًا.

(و) كتاب (النُّذور) جمع: نذر، وهو مصدرُ نذَر -بفتح الذال المعجمة- ينذُِر -بضمها وكسرها-، والنَّذر في اللُّغة: الوعدُ بخيرٍ أو شرٍّ، وشرعًا: التزامُ قُرْبة غيرِ لازمةٍ بأصلِ الشَّرع، وزادَ بعضُهم: مقصودة. وقيل: إيجابُ ما ليس بواجبٍ لحدوث أمرٍ. ومنهم من قال: أن يلزمَ نفسَه بشيءٍ تبرُّعًا من عبادةٍ أو صدقةٍ أو نحوهما. وأمَّا قوله ﷺ: «مَن نذَرَ أنْ يعصِي الله فَلا يعصِهِ» [خ¦٦٦٩٦] فإنَّما سمَّاه نذرًا باعتبار الصُّورة، كما قال في الخمرِ وبائعهَا معَ بُطلان البيعِ، ولذَا (٤) قال في الحديثِ الآخر: «لا (٥) نذَرَ في معصيةِ».

(١) (قَوْلُ اللهِ تَعَالَى) بالرَّفع، وفي نسخة: «باب قول الله تعالى»: (﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾)

مصدر لغَا يَلْغو لغوًا، والباء فيه متعلِّقةٌ بـ ﴿يُؤَاخِذُكُمُ﴾ ومعناها السَّببيَّة، واللَّغو السَّاقط الَّذي لا يُعتدُّ به من كلامٍ وغيره، ولغو اليمين السَّاقط الَّذي لا يعتدُّ به (١) في الأيمان. قال إمامُنا الشَّافعيُّ وغيره: هو قول الرَّجل في عُرْض حديثهِ: «لا والله»، و «بلى والله» من غيرِ قصدٍ لها، وقيل: هو أن يحلفَ على شيءٍ يرى أنَّه صادقٌ ثمَّ يظهرُ أنَّه خلافُ ذلك، وبه قال أبو حنيفة: والمعنى: لا يُعاقبُكم بلغو اليمين الَّذي يحلفُهُ أحدُكم (﴿وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ﴾) أي: بتعقيدِكم الأيمان وهو توثيقُها، والمعنى: ولكنْ يُؤاخذكم بما عقَّدْتم إذا حنثتُم، فحذفَ وقت المؤاخذَةِ؛ لأنَّه كان معلومًا عندَهم، أو بنكثِ ما عقَّدْتُم، فحذفَ المضاف (﴿فَكَفَّارَتُهُ﴾) أي: فكفَّارة الحنثِ الدَّالِّ عليه سياق الكلام وإن لم يَجْرِ له ذكرٌ، أو فكفَّارة (٢) نكثهِ، فتكون «ما» موصولة اسميَّة، وهو على حذفِ مضافٍ، كما قدَّره الزَّمخشريُّ، والكفَّارة الفعلة الَّتي من شأنها أنْ تسترَ الخطيئة (﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾) ﴿إِطْعَامُ﴾ مصدرٌ مضاف لمفعولهِ، وهو أن يملكَ كلُّ واحدٍ منهم مدًّا من حبٍّ من غالبِ قوتِ بلده (﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾) عطف على ﴿إِطْعَامُ﴾ والمراد: ما يسمَّى كسوة ممَّا يعتادُ لبسه كعَرَقِيَّة ومنديلٍ، ولو ملبوسًا لم تذهبْ قوته، ولو لم يصلحْ للمدفوعِ إليه كقميصِ صغيرٍ وعمامته وإزاره وسراويله (٣) لكبيرٍ، وكحريرٍ لرجل، لا نحو خفٍّ ممَّا لا يسمَّى كسوةً كدرعٍ من حديدٍ ونحوه (﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾) عطفٌ على ﴿إِطْعَامُ﴾ وهو مصدرٌ مضاف لمفعوله، أي: أو إعتاق رقبةٍ مؤمنةٍ بلا عيبٍ يخِلُّ بالعملِ والكسبِ، و «أو» للتَّخيير (﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ﴾) إحدى الثَّلاث، أو كان غيرَ رشيدٍ (﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾) ولو مفرَّقة (﴿ذَلِكَ﴾) المذكور (﴿كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾) وحنثتُم (﴿وَاحْفَظُواْ أَيْمَانَكُمْ﴾) فبرُّوا فيها، ولا تحنثُوا إذا لم يكنِ الحنثُ خيرًا، أو فلا تحلفُوا أصلًا (﴿كَذَلِكَ﴾) مثلُ ذلك البيان (﴿يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ﴾) أعلام شريعتهِ وأحكامه (﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٨٩]) نعمتَهُ فيها، يُعلِّمكم ويسهّلُ عليكم المخرجَ منه، وسقط لأبي ذرٍّ قوله

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

الصُّورَة لكنه رَحْمَة من حَيْثُ أَنه يتَضَمَّن مثل أجر الشَّهِيد فَهُوَ سَبَب الرَّحْمَة لهَذِهِ الْأمة.

٦١ - (بابٌ {وَمَا كُنَّا لنهتدي لَوْلَا أَن هدَانَا الله} (الْأَعْرَاف: ٣٤) {لَو أَن الله هَدَانِي لَكُنْت من الْمُتَّقِينَ} (الزمر: ٧٥)

أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: {وَمَا كُنَّا لنهتدي لَوْلَا أَن هدَانَا الله} وَقَوله تَعَالَى: {لَو أَن الله هَدَانِي لَكُنْت من الْمُتَّقِينَ} إِلَى آخِره هَاتَانِ آيتان، وَحَدِيث الْبَاب نَص على أَن الله تَعَالَى انْفَرد بِخلق الْهدى والضلال، وَأَنه قدر الْعباد على اكْتِسَاب مَا أَرَادَ مِنْهُم من إِيمَان وَكفر، وَأَن ذَلِك لَيْسَ بِخلق للعباد، كَمَا زعمت الْقَدَرِيَّة.

٠٢٦٦ - حدّثنا أبُو النُّعْمانِ أخبرنَا جَرِيرٌ هُوَ ابنُ حازِمٍ عنْ أبي إسْحَاقَ عنِ البَراءِ بنِ عازِبٍ قَالَ: رَأيْتُ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْمَ الخَنْدَقِ يَنْقلُ مَعَنا التُّرابَ وهْوَ يَقُولُ:

(وَالله لَوْلَا الله مَا اهْتدَيْنا ... وَلَا صُمْنا وَلَا صَلْينا)

(فأنْزلَنْ سَكِينَةً عَليْنا ... وثَبِّت الأقْدامَ إنْ لاقَيْنا)

(والمُشْركُونَ قَدْ بَغَوْا عَليْنا ... إِذا أرَادوا فِتْنَةً أبَيْنا)

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله:

لَوْلَا الله مَا اهتدينا

وَأَبُو النُّعْمَان مُحَمَّد بن الْفضل السدُوسِي الْبَصْرِيّ، وَجَرِير بن حَازِم بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي، وَأَبُو إِسْحَاق عَمْرو بن عبد الله السبيعِي.

والْحَدِيث مضى فِي الْجِهَاد فِي: بَاب حفر الخَنْدَق فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن حَفْص بن عمر عَن شُعْبَة عَن أبي إِسْحَاق عَن الْبَراء بن عَازِب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.

قَوْله: (قد بغو) أَي: ظلمُوا. قَوْله: (أَبينَا) من الإباء وَهُوَ الِامْتِنَاع. ويروى: أَتَيْنَا، من الْإِتْيَان.

وَالله ولي التَّوْفِيق.

٣٨ - (كِتابُ الأيْمانِ والنُّذُور)

أَي: هَذَا كتاب فِي بَيَان أَنْوَاع الْأَيْمَان وأنواع النذور، والأيمان جمع يَمِين وَهُوَ لُغَة الْقُوَّة، قَالَ الله عز وَجل: { (٦٩) لأخذنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ} (الحاقة: ٥٤) أَي: بِالْقُوَّةِ وَالْقُدْرَة، وَهِي الْجَارِحَة أَيْضا وَفِي الشَّرْع تَقْوِيَة أحد طرفِي الْخَبَر بالمقسم بِهِ، وَقَالَ الْكرْمَانِي: الْيَمين تَحْقِيق مَا يجب وجوده بِذكر الله تَعَالَى والتزام الْمُكَلف قربَة أَو صفتهَا، وَقَالَ أَصْحَابنَا: النّذر إِيجَاب شَيْء من عبَادَة أَو صَدَقَة أَو نَحْوهمَا على نَفسه تَبَرعا، يُقَال: نذرت الشَّيْء أنذر وأنذر بِالضَّمِّ وَالْكَسْر نذرا.

١ - (بابُ قَوْلِ الله تَعَالَى: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِى أَيْمَانِكُمْ وَلَاكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الَاْيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذالِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُو اْ أَيْمَانَكُمْ كَذالِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْءَايَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (الْمَائِدَة: ٩٨)

أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر قَول الله تَعَالَى، هَكَذَا وَقع فِي بعض النّسخ وَلم يَقع لفظ: بَاب عِنْد أَكثر الروَاة، وَذكر الْآيَة كلهَا، إِنَّمَا هُوَ فِي رِوَايَة كَرِيمَة. قَوْله: (بِاللَّغْوِ) ، هُوَ قَول الرجل فِي الْكَلَام من غير قصد: لَا وَالله، وبلى وَالله، هَذَا مَذْهَب الشَّافِعِي. وَقيل: هُوَ فِي الْهزْل، وَقيل: فِي الْمعْصِيَة، وَقيل: على غَلَبَة الظَّن. وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَأحمد، وَقيل: الْيَمين فِي الْغَضَب، وَقيل: فِي النسْيَان. قَوْله: (بِمَا عقدتم الْأَيْمَان) أَي: بِمَا صممتم عَلَيْهِ من الْأَيْمَان وقصدتموها، قرىء بتَشْديد الْقَاف وتخفيفها، وَالْعقد فِي الأَصْل الْجمع بَين أَطْرَاف الشَّيْء، وَيسْتَعْمل فِي الْأَجْسَام ويستعار للمعاني نَحْو: عقد البيع، وَعَن عَطاء معنى: عقدتم الْأَيْمَان أكدتم. قَوْله: (مَسَاكِين) أَي: محاويج من الْفُقَرَاء وَمن لَا يجد مَا يَكْفِيهِ. قَوْله: (من أَوسط مَا تطْعمُونَ أهليكم) قَالَ ابْن عَبَّاس وَسَعِيد بن جُبَير وَعِكْرِمَة: من أعدل مَا تطْعمُونَ أهليكم، وَقَالَ عَطاء الْخُرَاسَانِي: من أمثل مَا تطْعمُونَ أهليكم، وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم بِإِسْنَادِهِ عَن عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: خبز وَلبن وَسمن، وبإسناده عَن ابْن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، أَنه قَالَ: {من أَوسط مَا تطْعمُونَ أهليكم} قَالَ: الْخبز وَاللَّحم والسنم، وَالْخبْز وَاللَّبن، وَالْخبْز وَالزَّيْت، وَالْخبْز والخل. وَاخْتلفُوا فِي مِقْدَار مَا يُطعمهُمْ. فَقَالَ ابْن

أبي حَاتِم بِإِسْنَادِهِ عَن عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: يغديهم ويعشيهم، وَقَالَ الْحسن وَمُحَمّد بن سِيرِين: يَكْفِيهِ أَن يطعم عشرَة مَسَاكِين أَكلَة وَاحِدَة خبْزًا وَلَحْمًا، وَزَاد الْحسن، فَإِن لم يجد فخبزاً وَسمنًا ولبناً، فَإِن لم يجد فخبزاً وزيتاً وخلاً. حَتَّى يشبعوا، وَقَالَ قوم: يطعم كل وَاحِد من الْعشْرَة نصف صَاع من بر أَو تمر وَنَحْوهمَا، وَهَذَا قَول عمر وَعلي وَعَائِشَة وَمُجاهد وَالشعْبِيّ وَسَعِيد بن جُبَير وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَمَنْصُور بن مهْرَان وَمَالك وَالضَّحَّاك وَالْحكم وَمَكْحُول وَأبي قلَابَة وَمُقَاتِل بن حَيَّان، وَقَالَ أَبُو حنيفَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: نصف صَاع من بر أَو صَاع من غَيره، وَهُوَ قَول مُجَاهِد وَمُحَمّد بن سِيرِين وَالشعْبِيّ وَالثَّوْري وَالنَّخَعِيّ وَأحمد، وروى ذَلِك عَن عَليّ وَعَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَقَالَ الشَّافِعِي: الْوَاجِب فِي كَفَّارَة الْيَمين مد بِمد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَوْله: (أَو كسوتهم) قَالَ الشَّافِعِي: لَو دفع إِلَى كل وَاحِد من الْعشْرَة مَا يصدق عَلَيْهِ اسْم الْكسْوَة من قيمص أَو سَرَاوِيل أَو إِزَار أَو عِمَامَة أَو مقنعة أَجزَاء ذَلِك. وَاخْتلف أَصْحَابه فِي القلنسوة: هَل نجزى أم لَا؟ على وَجْهَيْن: وَحكى الشَّيْخ أَبُو حَامِد الإسفرايني فِي الْخُف وَجْهَيْن أَيْضا، وَالصَّحِيح عدم الْإِجْزَاء، وَقَالَ مَالك وَأحمد: لَا بُد أَن يدْفع إِلَى كل وَاحِد مِنْهُم مَا يَصح أَن يُصَلِّي فِيهِ إِن كَانَ رجلا أَو امْرَأَة كل بِحَسبِهِ، وَقَالَ الْعَوْفِيّ عَن ابْن عَبَّاس: عباءة لكل مِسْكين أَو شملة، وَقَالَ مُجَاهِد: أدناه ثوب وَأَعلاهُ مَا شِئْت، وَعَن سعيد بن الْمسيب: عباءة يلف بهَا رَأسه وعباءة يأتزر بهَا. قَوْله: (أَو تَحْرِير رَقَبَة) أَخذ أَبُو حنيفَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، بإطلاقها فجوز الْكَافِرَة، وَقَالَ الشَّافِعِي وَآخَرُونَ: لَا يجوز إلَاّ مُؤمنَة. قَوْله: (فَمن لم يجد) أَي: فَإِن لم يقدر الْمُكَلف على وَاحِدَة من هَذِه الْخِصَال الثَّلَاث (فَصِيَام) أَي: فَعَلَيهِ صِيَام (ثَلَاثَة أَيَّام) . وَاخْتلفُوا فِيهِ: هَل يجب التَّتَابُع أَو يسْتَحبّ؟ فالمنصوص عَن الشَّافِعِي: أَنه لَا يجب التَّتَابُع، وَهُوَ قَول مَالك، وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأحمد: يجب التَّتَابُع، ودلائلهم مَذْكُورَة فِي كتب الْفِقْه. قَوْله: (ذَلِك) إِشَارَة إِلَى الْمَذْكُور قبله. قَوْله: (واحفظوا أَيْمَانكُم) عَن الْحِنْث فَإِذا حنثتم فاحفظوها بِالْكَفَّارَةِ.

١٢٦٦ - حدّثنا مُحمَّدُ بنُ مُقاتِلٍ أبُو الحَسَنِ أخبرنَا عَبْدُ الله أخبرنَا هِشامُ بنُ عُرْوَةَ عنْ أبِيهِ عنْ عائِشَةَ: أنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِي الله عَنهُ، لَمْ يَكُنْ يحْنَثُ فِي يَمِينٍ قَطُّ، حتَّى أنْزَلَ الله تَعَالَى كَفَّارَةَ اليَمِينِ. وَقَالَ: لَا أحْلِفُ عَلى يَمِينٍ فَرَأيْتُ غَيْرَها خَيْراً مِنْها إلاّ أتيْتُ الّذِي هُوَ خَيْرٌ وكَفَّرْتُ عنْ يَمِينِي. (انْظُر الحَدِيث ٤١٦٤) .

مطابقته لِلْآيَةِ الَّتِي هِيَ التَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَشَيْخه مروزي، وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك مروزي أَيْضا، وَهِشَام بن عُرْوَة يروي عَن أَبِيه عُرْوَة بن الزبير عَن عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ. والْحَدِيث من أَفْرَاده.

قَوْله: (أَن أَبَا بكر) الصّديق وَفِي رِوَايَة عبد الله بن نمير عَن هِشَام بِسَنَدِهِ عَن أبي بكر الصّديق. قَوْله: (لم يكن حنث) إِنَّمَا زَادَت لفظ الْكَوْن للْمُبَالَغَة فِيهِ، ولبيان أَنه لم يكن من شَأْنه ذَلِك. قَوْله: (قطّ) ، أَصله: قطط، فأدغمت الطَّاء فى الطَّاء وَمِنْهُم من يَقُول: قطّ، بِضَم الْقَاف تبعا لضم الطَّاء وَمِنْهُم من يخففه. قَوْله: (كَفَّارَة الْيَمين) أَي: آيتها وَهِي الْمَذْكُورَة فِي أول الْبَاب. قَوْله: (لَا أَحْلف على يَمِين) إِلَى آخِره قَالُوا: إِنَّمَا قَالَ أَبُو بكر هَذَا لما حلف أَنه لَا يبرأ مسطحًا لما تكلم فِي قصَّة الْإِفْك، وَأنزل الله تَعَالَى: {أَلا يحبونَ أَن يغْفر الله لكم} (النُّور: ٢٢) قَالَ: بلَى يَا رب {إِنَّا لنحب ذَلِك، ثمَّ عَاد إِلَى بره كَمَا كَانَ أَولا. قَوْله: (غَيرهَا) الضَّمِير يرجع إِلَى الْيَمين بِاعْتِبَار أَن الْمَقْصُود مِنْهَا الْمَحْلُوف عَلَيْهِ مثل الْخصْلَة المفعولة، أَو المتروكة، إِذْ لَا معنى لقَوْله: (لَا أَحْلف) على الْحق.

٢٢٦٦ - حدّثنا أبُو النُّعْمانِ مُحَمدُ بنُ الفَضْلِ حدّثنا جَرِيرُ بنُ حازِمٍ حدّثنا الحَسَنُ حدّثنا عَبْدُ الرَّحْمانِ بنُ سَمرَةَ قَالَ: قَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (يَا عَبْدَ الرَّحْمانِ بنَ سَمُرَةَ} لَا تَسْألِ الإمارَةَ، فإنّكَ إنْ أوتِيتَها عنْ مَسْألَةٍ وُكِلْتَ إلَيْها، وإنْ أُوتِيتَها مِنْ غَيْرِ مَسْألَةٍ أعنْتَ عَلَيْها، وَإِذا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأيْتَ غَيْرَها خَيْراً مِنْها فَكَفِّرْ عنْ يَمِينَكَ وَأْتِ الّذِي هُوَ خَيْرٌ) .

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَكفر عَن يَمِينك) وَالْحسن هُوَ الْبَصْرِيّ، وَعبد الرَّحْمَن بن سَمُرَة بن حبيب وَهُوَ من مسلمة الْفَتْح وَقد شهد فتوح الْعرَاق وَكَانَ فتح سجستان على يَدَيْهِ، أرْسلهُ عبد الله بن عَامر أَمِير الْبَصْرَة وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ إلَاّ هَذَا الحَدِيث.

والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ فِي الْأَحْكَام عَن حجاج بن منهال وَفِي الْكَفَّارَات عَن مُحَمَّد بن عبد الله. وَأخرجه مُسلم فِي الْأَيْمَان عَن شَيبَان بن فروخ وَغَيره، وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْخراج عَن مُحَمَّد بن الصَّباح وَغَيره. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْأَيْمَان عَن مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى. وَأخرج النَّسَائِيّ قصَّة الْإِمَارَة فِي الْقَضَاء وَفِي السّير عَن مُجَاهِد بن مُوسَى، وقصة الْيَمين فِي الْأَيْمَان عَن جمَاعَة آخَرين.

قَوْله: (الْإِمَارَة) بِكَسْر الْهمزَة أَي: لَا تسْأَل أَن تعْمل أَمِيرا أَي: حَاكما. قَوْله: (أوتيتها) على صِيغَة الْمَجْهُول بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيف. قَوْله: (أعنت) ، على صِيغَة الْمَجْهُول أَيْضا.

وَفِيه: كَرَاهَة سُؤال مَا يتَعَلَّق بالحكومة نَحْو الْقَضَاء والحسبة وَنَحْوهمَا، وَإِن من سَأَلَ لَا يكون مَعَه إِعَانَة من الله تَعَالَى، فَلَا يكون لَهُ كِفَايَة لذَلِك الْعَمَل فَيَنْبَغِي أَن لَا يولي.

قلت: إِذا كَانَ عَن مُجَرّد السُّؤَال، فَمَا يكون حَال من يسْأَل بالرشوة ويجتهد فِيهِ؟ خُصُوصا فِي غَالب قُضَاة مصر فَلَا يتولون إلَاّ بالبراطيل والرشى؟ وَلَا يخَاف من اسْتِحْقَاق اللَّعْنَة من الله تَعَالَى فِي ذَلِك، وَقد روى عبد الله بن عَمْرو عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: لعن الله الراشي والمرتشي والرائش. وَفِيه: إِن من حلف على فعل أَو ترك وَكَانَ الْحِنْث خيرا من التَّمَادِي عَلَيْهِ اسْتحبَّ لَهُ الْحِنْث، بل يجب، نظرا لظَاهِر الْأَمر. وَفِيه: جَوَاز التَّكْفِير قبل الْحِنْث، وَبِه أَخذ الشَّافِعِي وَمَالك فِي رِوَايَة، وَلَا يجوز عِنْد الْحَنَفِيَّة لِأَن الْكَفَّارَة لستر الْجِنَايَة وَلَا جِنَايَة قبل الْحِنْث، فَلَا يجوز.

وَحكم الحَدِيث أَنه تعارضه رِوَايَة مُسلم أخرجه عَن أبي هُرَيْرَة: من حلف على يَمِين فَرَأى غَيرهَا خيرا مِنْهَا فليأت الَّذِي هُوَ خير وليكفر عَن يَمِينه، وَكَذَلِكَ فِي حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن سَمُرَة، غير أَن البُخَارِيّ انْفَرد بِتَقْدِيم الْحِنْث قبل الْكَفَّارَة، وَكَذَلِكَ فِي رِوَايَة أبي دَاوُد فِي (سنَنه) تَقْدِيم الْكَفَّارَة قبل الْحِنْث، وَجَاء تَقْدِيم الْحِنْث على الْكَفَّارَة فِي حَدِيث أبي مُوسَى الَّذِي أخرجه البُخَارِيّ وَمُسلم، وَفِي لفظ لَهما تَقْدِيم الْكَفَّارَة فَإِذا كَانَ الْأَمر كَذَلِك فالأخذ بِرِوَايَة تَقْدِيم الْحِنْث على الْكَفَّارَة أولى لما ذكرنَا.

٣٣٦٦ - حدّثنا أبُو النُّعْمانِ حدّثنا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ عَنْ غَيْلانَ بنِ جَرِيرٍ عنْ أبي بُرْدَةَ عنْ أبِيهِ قَالَ: أتَيْتُ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي رَهْطٍ مِنَ الأشْعَرِيِّينَ أسْتَحْمِلُهُ، فَقَالَ: (وَالله لَا أحْمِلُكمْ، وَمَا عِنْدِي مَا أحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ) . قَالَ: ثُمَّ لَبِثْنا مَا شاءَ الله أنْ نَلْبَثَ، ثُمَّ أُتِيَ بِثَلاثِ ذَوْدٍ غُرِّ الذُّرى فَحَمَلَنا عَلَيْها، فَلَمَّا انْطَلَقْنَا قُلْنا أوْ قالَ بَعْضُنا: وَالله لَا يُبارَكَ لَنا، أتَيْنا النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نَسْتَحْمِلُهُ فَحَلَفَ أنْ لَا يَحْمِلَنا ثُمَّ حَمَلَنَا، فارْجِعُوا بِنا إِلَى النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَنُذَكِّرَهُ، فأتَيْناهُ فَقَالَ: (مَا أَنا حَمَلْتُكُمْ، بَلِ الله حَمَلَكمْ وإنِّي وَالله إِن شاءَ الله لَا أحْلِفُ عَلى يَمِينٍ فَأرى غَيْرَهَا خَيْراً مِنْها إلاّ كَفَّرْتُ عنْ يَمِينِي وأتَيْتُ الّذِي هُوَ خَيْرٌ، أوْ أتَيْتُ الّذِي هُوَ خَيْرٌ وكَفَّرْتُ عنْ يَمِينِي) .

مطابقته للتَّرْجَمَة تفهم من معنى الحَدِيث. وَأَبُو النُّعْمَان مُحَمَّد كَمَا مر، وغيلان بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف ابْن جرير بِفَتْح الْجِيم الْأَزْدِيّ الْبَصْرِيّ، وَأَبُو بردة بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الرَّاء، قيل: اسْمه الْحَارِث وَقيل: عَامر يروي عَن أَبِيه أبي مُوسَى عبد الله بن قيس الْأَشْعَرِيّ.

والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي كَفَّارَات الْأَيْمَان عَن قُتَيْبَة، وَأخرجه أَيْضا مطولا فِي كتاب الْخمس فِي: بَاب وَمن الدَّلِيل على أَن الْخمس لنوائب الْمُسلمين، فَلْينْظر فِيهِ. وَأخرجه مُسلم فِي الْأَيْمَان عَن خلف بن هِشَام وَغَيره. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْأَيْمَان عَن سُلَيْمَان بن حَرْب. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْأَيْمَان عَن قُتَيْبَة. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْكَفَّارَات عَن أَحْمد بن عَبدة.

قَوْله: (فِي رَهْط) قد ذكرنَا غير مرّة أَن الرَّهْط مَا دون الْعشْرَة من الرِّجَال لَا يكون فيهم امْرَأَة وَلَا وَاحِد لَهُ من لَفظه. قَوْله: (من الْأَشْعَرِيين) جمع أشعري نِسْبَة

إِلَى الْأَشْعر، واسْمه: نبت بن ادد بن يشخب بن عريب بن زيد بن كهلان، وَإِنَّمَا قيل لَهُ الْأَشْعر لِأَن أمه وَلدته أشعر قَوْله: (استحمله) أَي: أطلب مِنْهُ مَا يحملنا من الْإِبِل وَيحمل أثقالنا، وَذَلِكَ كَانَ فِي غَزْوَة تَبُوك. قَالَ الله تَعَالَى: {وَلَا على الَّذين إِذا مَا أتوك لتحملهم} (التَّوْبَة: ٢٩) الْآيَة. قَوْله: (ثمَّ أُتِي) على صِيغَة الْمَجْهُول أَي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (بِثَلَاث ذود) بِفَتْح الذَّال الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْوَاو وبالدال الْمُهْملَة: وَهُوَ الْإِبِل من الثَّلَاث إِلَى الْعشْرَة، وَهِي مُؤَنّثَة لَيْسَ لَهَا وَاحِد من لَفظهَا، وَالْكثير أذواد، وَقيل: الذود الْوَاحِد من الْإِبِل بِدَلِيل قَوْله: (لَيْسَ فِيمَا دون خمس ذود صَدَقَة) ، وَقَالَ الْقَزاز: الْعَرَب تَقول: الذود من الثَّلَاثَة إِلَى التِّسْعَة، وَقَالَ أَبُو عبيد: هِيَ من الْإِنَاث، فَلذَلِك قَالَ: بِثَلَاث ذود، وَلم يقل: بِثَلَاثَة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: قيل: هُوَ من بَاب إِضَافَة الشَّيْء إِلَى نَفسه. قَوْله: (غر الذرى) ، بِضَم الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الرَّاء وَهُوَ جمع الْأَغَر وَهُوَ الْأَبْيَض الْحسن، والذرى بِضَم الذَّال الْمُعْجَمَة وَفتح الرَّاء وَكسرهَا جمع ذرْوَة بِالْكَسْرِ وَالضَّم، وذروة كل شَيْء أَعْلَاهُ، وَالْمرَاد هُنَا الأسنمة، وَقد تقدم فِي كتاب الْجِهَاد فِي: بَاب الْخمس فِي غَزْوَة تَبُوك، أَنه سِتَّة أَبْعِرَة، وَلَا مُنَافَاة بَينهمَا، إِذْ لَيْسَ فِي ذكر الثَّلَاث نفي السِّتَّة. قَوْله: (فحملنا) بِفَتْح اللَّام أَي: حملنَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَكَذَلِكَ: ثمَّ حملنَا، بِفَتْح اللَّام. قَوْله: (بل الله حملكم) يَعْنِي: لَا معطي إلَاّ الله، وَالْمعْنَى: إِنَّمَا أَعطيتكُم من مَال الله، أَو: بِأَمْر الله لِأَنَّهُ كَانَ يُعْطي بِالْوَحْي. قَوْله: (وَإِنِّي) اسْم: إِن، يَاء الْإِضَافَة، وخبرها قَوْله: (لَا أَحْلف) . . إِلَى آخِره، والجملتان معترضتان بَين اسْم إِن وخبرها. قَوْله: (أَو أتيت) إِمَّا شكّ من الرَّاوِي فِي تَقْدِيم: أتيت، على تَقْدِيم: كفرت، وَالْعَكْس، وَإِمَّا تنويع من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِشَارَة إِلَى جَوَاز تَقْدِيم الْكَفَّارَة على الْحِنْث وتأخيرها.

٤٢٦٦ - حدّثنا إسْحاق بنُ إبْرَاهِيمَ أخبَرنا عبْدُ الرَّزَّاقِ أخبرنَا مَعْمَرٌ عنْ هَمَّامٍ بنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: هاذَا مَا حدّثنا بِهِ أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْم القِيامَةِ) . فَقَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (وَالله لأنْ يَلَجَّ أحَدُكُمْ بِيَمِينِهِ فِي أهْلِهِ آثَمُ لهُ عِنْدَ الله مِنْ أنْ يُعْطِىَ كَفّارَتَهُ الَّتِي افْتَرَضَ الله عَلَيْهِ) . (الحَدِيث ٥٢٦٦ طرفه فِي: ٦٢٦٦) .

مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (لِأَن يلج)

إِلَى آخِره. وَأما وَجه إِدْخَال قَوْله: (نَحن الْآخرُونَ السَّابِقُونَ يَوْم الْقِيَامَة) ، فَهُوَ أَن هَذَا أول حَدِيث فِي صحيفَة همام عَن أبي هُرَيْرَة وَكَانَ همام إِذا روى الصَّحِيفَة استفتح بِذكرِهِ ثمَّ سرد الْأَحَادِيث فَذكره الرَّاوِي أَيْضا كَذَلِك، وَقَالَ ابْن بطال: وَجه ذَلِك أَنه يُمكن أَن يكون سمع أَبَا هُرَيْرَة كَذَلِك من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فِي نسق وَاحِد فَحدث بهما جَمِيعًا كَمَا سمعهما، وَيُمكن أَن الرَّاوِي فعل ذَلِك لِأَنَّهُ سمع من أبي هُرَيْرَة أَحَادِيث. أَولهَا: ذَلِك فَذكرهَا على التَّرْتِيب الَّذِي ذكره.

وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم يحْتَمل أَن يكون ابْن رَاهَوَيْه، وَيحْتَمل أَن يكون إِسْحَاق بن نصر لِأَن كلاًّ مِنْهُمَا روى عَن عبد الرَّزَّاق وَمعمر بِفَتْح الميمين ابْن رَاشد.

والْحَدِيث أخرجه ابْن مَاجَه فِي الْكَفَّارَات عَن سُفْيَان من قَوْله: إِذا استلج.

قَوْله: (نَحن الْآخرُونَ) أَي: آخر الْأُمَم (السَّابِقُونَ) يَوْم الْقِيَامَة فِي الْحساب وَدخُول الْجنَّة.

قَوْله: (فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) بِالْفَاءِ فِي رِوَايَة الْكشميهني بِالْوَاو. قَوْله: (لِأَن يلج) من الإلجاج بالجيمين يَعْنِي: أَقَامَ على يَمِينه وَلَا يكفرهَا فيحللها وَيَزْعُم أَنه صَادِق، وَقيل: هُوَ أَن يحلف وَيرى أَن غَيرهَا خير مِنْهَا، فيقيم على ترك الْكَفَّارَة، وَذَلِكَ إِثْم وَفِي (الصِّحَاح) : لججت، بِالْكَسْرِ يلج لجاجاً ولجاجة، ولججت بِالْفَتْح لُغَة. قَوْله: (بِيَمِينِهِ فِي أَهله) يَعْنِي: إِذا حلف يَمِينا يتَعَلَّق بأَهْله ويتضررون بِعَدَمِ حنثه وَلَا يكون فِي الْحِنْث مَعْصِيّة يَنْبَغِي لَهُ أَن يَحْنَث وَيكفر، فَإِن قَالَ: لَا أحنث وأخاف الْإِثْم، فَهُوَ مخطىء. قَوْله: (آثم لَهُ) بِمد الْهمزَة وَفتح الثَّاء الْمُثَلَّثَة على وزن لفظ أفعل التَّفْضِيل وَهُوَ خير. قَوْله: (لِأَن يلج) لِأَن: أَن مَصْدَرِيَّة وَاللَّام للتَّأْكِيد. تَقْدِيره: لجاجه باستمراره فِي يَمِينه أَشد إِثْمًا من أَن يعْطى ... إِلَى آخِره. وَيجوز كسر إِن. فَقَوله: (آثم) بِالْمدِّ، أَي: أَكثر إِثْمًا قَالَ الْكرْمَانِي: هَذَا يشْعر بِأَن إِعْطَاء الْكَفَّارَة فِيهِ إِثْم لِأَن الصِّيغَة تَقْتَضِي الِاشْتِرَاك، ثمَّ أجَاب بِأَن نفس الْحِنْث فِيهِ إِثْم لِأَنَّهُ يسلتزم عدم تَعْظِيم اسْم الله تَعَالَى، وَبَين إِعْطَاء الْكَفَّارَة وَبَينه مُلَازمَة عَادَة.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

قَالَ: وَعَبَّرَ بِقَوْلِهِ لَنَا وَلَمْ يُعَبِّرْ بِقَوْلِهِ عَلَيْنَا تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ الَّذِي يُصِيبُنَا نَعُدُّهُ نِعْمَةً لَا نِقْمَةً، قُلْتُ: وَيُؤَيِّدُ هَذَا الْآيَةَ الَّتِي تَلِيهَا حَيْثُ قَالَ: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِهِ أَنَّ الْمُرَادَ الْفَتْحُ أَوِ الشَّهَادَةُ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا نِعْمَةٌ.

قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ وَرَدَتْ فِيمَا أَصَابَ الْعِبَادَ مِنْ أَفْعَالِ اللَّهِ الَّتِي اخْتُصَّ بِهَا دُونَ خَلْقِهِ وَلَمْ يُقْدِرْهُمْ عَلَى كَسْبِهَا دُونَ مَا أَصَابُوهُ مُكْتَسِبِينَ لَهُ مُخْتَارِينَ. قُلْتُ: وَالصَّوَابُ التَّعْمِيمُ، وَأَنَّ مَا يُصِيبُهُمْ بِاكْتِسَابِهِمْ وَاخْتِيَارِهِمْ هُوَ مَقْدُورٌ لِلَّهِ - تَعَالَى - وَعَنْ إِرَادَتِهِ وَقَعَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (قَالَ مُجَاهِدٌ بِفَاتِنِينَ بِمُضِلِّينَ، إِلَّا مَنْ كَتَبَ اللَّهُ أَنَّهُ يَصْلَى الْجَحِيمَ) وَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ بِمَعْنَاهُ مِنْ طَرِيقِ إِسْرَائِيلَ عَنْ مَنْصُورٍ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ * إِلا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ قَالَ: لَا يُفْتَنُونَ إِلَّا مَنْ كُتِبَ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ، وَوَصَلَهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ شِبْلٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِهِ، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ تَفْسِيرِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْهُ بِلَفْظِ: لَا تَضِلُّونَ أَنْتُمْ وَلَا أُضِلُّ مِنْكُمْ إِلَّا مَنْ قَضَيْتُ عَلَيْهِ أَنَّهُ صَالِ الْجَحِيمَ وَمِنْ طَرِيقِ حُمَيْدٍ سَأَلْتُ الْحَسَنَ فَقَالَ: مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِمُضِلِّينَ إِلَّا مَنْ كَانَ فِي عِلْمِ اللَّهِ أَنَّهُ سَيَصْلَى الْجَحِيمَ وَمِنْ طَرِيقِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ: إِنَّكُمْ وَالْآلِهَةُ الَّتِي تَعْبُدُونَهَا لَسْتُمْ بِالَّذِي تُفْتَنُونَ عَلَيْهَا إِلَّا مَنْ قَضَيْتُ أَنَّهُ سَيَصْلَى الْجَحِيمَ.

قَوْلُهُ: ﴿قَدَّرَ فَهَدَى﴾ قَدَّرَ الشَّقَاءَ وَالسَّعَادَةَ، وَهَدَى الْأَنْعَامَ لِمَرَاتِعِهَا) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ، عَنْ وَرْقَاءَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ قَدَّرَ لِلْإِنْسَانِ الشِّقْوَةَ وَالسَّعَادَةَ، وَهَدَى الْأَنْعَامَ لِمَرَاتِعِهَا، وَتَفْسِيرُ مُجَاهِدٍ هَذَا لِلْمَعْنَى لَا لِلَّفْظِ وَهُوَ كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾

قَالَ الرَّاغِبُ: هِدَايَةُ اللَّهِ لِلْخَلْقِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَضْرُبٍ: الْأَوَّلُ الْعَامَّةُ لِكُلِّ أَحَدٍ بِحَسَبِ احْتِمَالِهِ، وَإِلَيْهَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ وَالثَّانِي الدُّعَاءُ عَلَى أَلْسِنَةِ الْأَنْبِيَاءِ، وَإِلَيْهَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ وَالثَّالِثُ التَّوْفِيقُ الَّذِي يَخْتَصُّ بِهِ مَنِ اهْتَدَى، وَإِلَيْهَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾ وَالرَّابِعُ الْهِدَايَاتُ فِي الْآخِرَةِ إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِلَيْهَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾

قَالَ: وَهَذِهِ الْهِدَايَاتُ الْأَرْبَعُ مُرَتَّبَةٌ فَإِنَّهُ مَنْ لَا يَحْصُلُ لَهُ الْأُولَى لَا تَحْصُلُ لَهُ الثَّانِيَةُ، وَمَنْ لَمْ تَحْصُلْ لَهُ الثَّانِيَةُ لَا تَحْصُلُ لَهُ الثَّالِثَةُ وَالرَّابِعَةُ، وَلَا تَحْصُلُ الرَّابِعَةُ إِلَّا لِمَنْ حَصَلَتْ لَهُ الثَّالِثَةُ، وَلَا تَحْصُلُ الثَّالِثَةُ إِلَّا لِمَنْ حَصَلَتْ لَهُ اللَّتَانِ قَبْلَهَا، وَقَدْ تَحْصُلُ الْأُولَى دُونَ الثَّانِيَةِ وَالثَّانِيَةُ دُونَ الثَّالِثَةِ، وَالْإِنْسَانُ لَا يَهْدِي أَحَدًا إِلَّا بِالدُّعَاءِ وَتَعْرِيفِ الطُّرُقِ دُونَ بَقِيَّةِ الْأَنْوَاعِ الْمَذْكُورَةِ، وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وَإِلَى بَقِيَّةِ الْهِدَايَاتِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾

ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ عَائِشَةَ فِي الطَّاعُونِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الطِّبِّ، وَالْغَرَضُ مِنْ قَوْلِهِ فِيهِ: يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُصِيبُهُ إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ.

(تَنْبِيهٌ): سَنَدُ حَدِيثِ عَائِشَةَ هَذَا مِنِ ابْتِدَائِهِ إِلَى يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ مَرَاوِزَةَ، وَقَدْ سَكَنَ يَحْيَى الْمَذْكُورُ مَرْوَ مُدَّةً فَلَمْ يَبْقَ مِنْ رِجَالِ السَّنَدِ مَنْ لَيْسَ مَرْوَزِيًّا إِلَّا طَرَفَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَعَائِشَةُ.

١٦ - بَاب ﴿وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾، ﴿لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾

٦٦٢٠ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ هُوَ ابْنُ حَازِمٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَوْمَ الْخَنْدَقِ يَنْقُلُ مَعَنَا التُّرَابَ، وَهُوَ يَقُولُ:

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

والمبطلِ بسعي نفسِه واختيارِ نفسه، فكان يجبُ عليه أن يحمدَ نفسه؛ لأنَّه هو الَّذي حصَّلَ لنفسهِ الإيمان، وهو الَّذي أوصلَ نفسه إلى درجاتِ الجنَّة وخلَّصها من دركاتِ النِّيران، فلمَّا لم يحمدْ نفسَه البتَّة إنَّما حمدَ الله تعالى فقط علمنَا أنَّ الهادِي ليس إلَّا الله تعالى، وقوله تعالى: (﴿لَوْ أَنَّ اللهَ هَدَانِي﴾) أعطانِي الهدايةَ (﴿لَكُنتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [الزمر: ٥٧]) من الَّذين يتَّقون الشِّرك.

قال الشَّيخ أبو منصورٍ رحمه الله تعالى: وهذَا الكافرُ أعرفُ بالهدايةِ من المعتزلةِ، وكذَا أولئك الكفرة الَّذين قالوا لأتباعِهم: ﴿لَوْ هَدَانَا اللّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ﴾ [إبراهيم: ٢١] يقولون: لو وفَّقنا الله للهدايةِ وأعطانا الهدَى لدعونَاكم إليه، ولكن علمَ منَّا اختيارَ الضَّلالة والغوايةِ فخذَلنا ولم يوفِّقنا، والمعتزلةُ يقولون: بل هداهُم وأعطاهُم التَّوفيق لكنَّهم لم يهتدوا. والحاصل: أنَّ عند الله لطفًا من أُعطي ذلك اهتدَى وهو التَّوفيق والعصمة، ومَن لم يعطه ضلَّ وغَوى، وكان استيجابُه العذاب وتضييعُه الحقَّ بعدما تمكَّن من تحصيلهِ لذلك. والحاصلُ من مذهبِ أهل السُّنَّة: أنَّ الله تعالى (١) أقدَرَ العبادَ على اكتسابِ ما أرادَ منهم من إيمانٍ وكفْرٍ، وأنَّ ذلك ليسَ بخلق للعبادِ، كما زعمَتْ القدريَّة.

٦٦٢٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّد بن الفضلِ السَّدوسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ) بفتح الجيم (هُوَ ابْنُ حَازِمٍ) بالحاء المهملة والزاي (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) عَمرو بن عبد الله السَّبيعيِّ (عَنِ البَرَاءِ

بْنِ عَازِبٍ) ﵄، أنَّه (قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَوْمَ الخَنْدَقِ يَنْقُلُ مَعَنَا التُّرَابَ) من حفرِ الخندق (وَهْوَ يَقُولُ) رجزًا من كلامِ عبد الله بنِ رواحةَ:

(وَاللهِ لَوْلَا اللهُ مَا اهْتَدَيْنَا) وهذا موضع الترجمة (وَلَا صُمْنَا وَلَا صَلَّيْنَا، فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا، وَثَبِّتِ الأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا) العدوَّ (وَالمُشْرِكُونَ قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا) أي: ظلموا (إِذَا أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا) بالموحدةِ، أي: الفرار.

والحديث أخرجه في «الجهاد» (١) [خ¦٢٨٣٧].

((٨٣)) (كِتَابُ الأَيمَانِ) بفتح الهمزة، جمع: يمين، واليمينُ خلاف اليسارِ، وأطلقتْ على الحَلِف؛ لأنَّهم كانوا إذا تحالفوا أخذَ كلٌّ بيمين صاحبهِ، وقيل: لحفظِها المحلوف عليهِ كحفظِ اليمين، وتسمَّى أَلْيَةً وحَلِفًا، وفي الشَّرع: تحقيقُ الأمر المحتمل أو توكيدُه بذكرِ اسمٍ من أسماءِ الله تعالى، أو صفةٍ من صفاتهِ، هذا إنْ قصدَ اليمين الموجبة للكفَّارة وإلَّا فيُزاد: أو ما (١) أُقيم مَقامه ليدخل نحو الحلف بالطَّلاق أو العتق، وهو ما فيه حثٌّ أو منعٌ أو تصديقٌ، وخرج بالتَّحقيق لغو اليمينِ بأنْ سبقَ لسانه إلى ما لم يقصدْه بها، أو إلى لفظِها كقولهِ في حالِ غضبه أو صلةِ كلام: «لا والله» تارةً، و «بلى والله» أُخرى، وبالمحتمل غيرُه كقولهِ: والله لأموتنَّ (٢) أو لا أصعدُ إلى السَّماء (٣)، فليس بيمين؛ لامتناعِ الحنثِ فيه بذاتهِ، بخلاف: والله لأصعدنَّ السَّماء، فإنَّه يمينٌ تلزمُ به الكفَّارة حالًا.

(و) كتاب (النُّذور) جمع: نذر، وهو مصدرُ نذَر -بفتح الذال المعجمة- ينذُِر -بضمها وكسرها-، والنَّذر في اللُّغة: الوعدُ بخيرٍ أو شرٍّ، وشرعًا: التزامُ قُرْبة غيرِ لازمةٍ بأصلِ الشَّرع، وزادَ بعضُهم: مقصودة. وقيل: إيجابُ ما ليس بواجبٍ لحدوث أمرٍ. ومنهم من قال: أن يلزمَ نفسَه بشيءٍ تبرُّعًا من عبادةٍ أو صدقةٍ أو نحوهما. وأمَّا قوله ﷺ: «مَن نذَرَ أنْ يعصِي الله فَلا يعصِهِ» [خ¦٦٦٩٦] فإنَّما سمَّاه نذرًا باعتبار الصُّورة، كما قال في الخمرِ وبائعهَا معَ بُطلان البيعِ، ولذَا (٤) قال في الحديثِ الآخر: «لا (٥) نذَرَ في معصيةِ».

(١) (قَوْلُ اللهِ تَعَالَى) بالرَّفع، وفي نسخة: «باب قول الله تعالى»: (﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾)

مصدر لغَا يَلْغو لغوًا، والباء فيه متعلِّقةٌ بـ ﴿يُؤَاخِذُكُمُ﴾ ومعناها السَّببيَّة، واللَّغو السَّاقط الَّذي لا يُعتدُّ به من كلامٍ وغيره، ولغو اليمين السَّاقط الَّذي لا يعتدُّ به (١) في الأيمان. قال إمامُنا الشَّافعيُّ وغيره: هو قول الرَّجل في عُرْض حديثهِ: «لا والله»، و «بلى والله» من غيرِ قصدٍ لها، وقيل: هو أن يحلفَ على شيءٍ يرى أنَّه صادقٌ ثمَّ يظهرُ أنَّه خلافُ ذلك، وبه قال أبو حنيفة: والمعنى: لا يُعاقبُكم بلغو اليمين الَّذي يحلفُهُ أحدُكم (﴿وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ﴾) أي: بتعقيدِكم الأيمان وهو توثيقُها، والمعنى: ولكنْ يُؤاخذكم بما عقَّدْتم إذا حنثتُم، فحذفَ وقت المؤاخذَةِ؛ لأنَّه كان معلومًا عندَهم، أو بنكثِ ما عقَّدْتُم، فحذفَ المضاف (﴿فَكَفَّارَتُهُ﴾) أي: فكفَّارة الحنثِ الدَّالِّ عليه سياق الكلام وإن لم يَجْرِ له ذكرٌ، أو فكفَّارة (٢) نكثهِ، فتكون «ما» موصولة اسميَّة، وهو على حذفِ مضافٍ، كما قدَّره الزَّمخشريُّ، والكفَّارة الفعلة الَّتي من شأنها أنْ تسترَ الخطيئة (﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾) ﴿إِطْعَامُ﴾ مصدرٌ مضاف لمفعولهِ، وهو أن يملكَ كلُّ واحدٍ منهم مدًّا من حبٍّ من غالبِ قوتِ بلده (﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾) عطف على ﴿إِطْعَامُ﴾ والمراد: ما يسمَّى كسوة ممَّا يعتادُ لبسه كعَرَقِيَّة ومنديلٍ، ولو ملبوسًا لم تذهبْ قوته، ولو لم يصلحْ للمدفوعِ إليه كقميصِ صغيرٍ وعمامته وإزاره وسراويله (٣) لكبيرٍ، وكحريرٍ لرجل، لا نحو خفٍّ ممَّا لا يسمَّى كسوةً كدرعٍ من حديدٍ ونحوه (﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾) عطفٌ على ﴿إِطْعَامُ﴾ وهو مصدرٌ مضاف لمفعوله، أي: أو إعتاق رقبةٍ مؤمنةٍ بلا عيبٍ يخِلُّ بالعملِ والكسبِ، و «أو» للتَّخيير (﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ﴾) إحدى الثَّلاث، أو كان غيرَ رشيدٍ (﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾) ولو مفرَّقة (﴿ذَلِكَ﴾) المذكور (﴿كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾) وحنثتُم (﴿وَاحْفَظُواْ أَيْمَانَكُمْ﴾) فبرُّوا فيها، ولا تحنثُوا إذا لم يكنِ الحنثُ خيرًا، أو فلا تحلفُوا أصلًا (﴿كَذَلِكَ﴾) مثلُ ذلك البيان (﴿يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ﴾) أعلام شريعتهِ وأحكامه (﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٨٩]) نعمتَهُ فيها، يُعلِّمكم ويسهّلُ عليكم المخرجَ منه، وسقط لأبي ذرٍّ قوله

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

الصُّورَة لكنه رَحْمَة من حَيْثُ أَنه يتَضَمَّن مثل أجر الشَّهِيد فَهُوَ سَبَب الرَّحْمَة لهَذِهِ الْأمة.

٦١ - (بابٌ {وَمَا كُنَّا لنهتدي لَوْلَا أَن هدَانَا الله} (الْأَعْرَاف: ٣٤) {لَو أَن الله هَدَانِي لَكُنْت من الْمُتَّقِينَ} (الزمر: ٧٥)

أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: {وَمَا كُنَّا لنهتدي لَوْلَا أَن هدَانَا الله} وَقَوله تَعَالَى: {لَو أَن الله هَدَانِي لَكُنْت من الْمُتَّقِينَ} إِلَى آخِره هَاتَانِ آيتان، وَحَدِيث الْبَاب نَص على أَن الله تَعَالَى انْفَرد بِخلق الْهدى والضلال، وَأَنه قدر الْعباد على اكْتِسَاب مَا أَرَادَ مِنْهُم من إِيمَان وَكفر، وَأَن ذَلِك لَيْسَ بِخلق للعباد، كَمَا زعمت الْقَدَرِيَّة.

٠٢٦٦ - حدّثنا أبُو النُّعْمانِ أخبرنَا جَرِيرٌ هُوَ ابنُ حازِمٍ عنْ أبي إسْحَاقَ عنِ البَراءِ بنِ عازِبٍ قَالَ: رَأيْتُ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْمَ الخَنْدَقِ يَنْقلُ مَعَنا التُّرابَ وهْوَ يَقُولُ:

(وَالله لَوْلَا الله مَا اهْتدَيْنا ... وَلَا صُمْنا وَلَا صَلْينا)

(فأنْزلَنْ سَكِينَةً عَليْنا ... وثَبِّت الأقْدامَ إنْ لاقَيْنا)

(والمُشْركُونَ قَدْ بَغَوْا عَليْنا ... إِذا أرَادوا فِتْنَةً أبَيْنا)

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله:

لَوْلَا الله مَا اهتدينا

وَأَبُو النُّعْمَان مُحَمَّد بن الْفضل السدُوسِي الْبَصْرِيّ، وَجَرِير بن حَازِم بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي، وَأَبُو إِسْحَاق عَمْرو بن عبد الله السبيعِي.

والْحَدِيث مضى فِي الْجِهَاد فِي: بَاب حفر الخَنْدَق فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن حَفْص بن عمر عَن شُعْبَة عَن أبي إِسْحَاق عَن الْبَراء بن عَازِب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.

قَوْله: (قد بغو) أَي: ظلمُوا. قَوْله: (أَبينَا) من الإباء وَهُوَ الِامْتِنَاع. ويروى: أَتَيْنَا، من الْإِتْيَان.

وَالله ولي التَّوْفِيق.

٣٨ - (كِتابُ الأيْمانِ والنُّذُور)

أَي: هَذَا كتاب فِي بَيَان أَنْوَاع الْأَيْمَان وأنواع النذور، والأيمان جمع يَمِين وَهُوَ لُغَة الْقُوَّة، قَالَ الله عز وَجل: { (٦٩) لأخذنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ} (الحاقة: ٥٤) أَي: بِالْقُوَّةِ وَالْقُدْرَة، وَهِي الْجَارِحَة أَيْضا وَفِي الشَّرْع تَقْوِيَة أحد طرفِي الْخَبَر بالمقسم بِهِ، وَقَالَ الْكرْمَانِي: الْيَمين تَحْقِيق مَا يجب وجوده بِذكر الله تَعَالَى والتزام الْمُكَلف قربَة أَو صفتهَا، وَقَالَ أَصْحَابنَا: النّذر إِيجَاب شَيْء من عبَادَة أَو صَدَقَة أَو نَحْوهمَا على نَفسه تَبَرعا، يُقَال: نذرت الشَّيْء أنذر وأنذر بِالضَّمِّ وَالْكَسْر نذرا.

١ - (بابُ قَوْلِ الله تَعَالَى: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِى أَيْمَانِكُمْ وَلَاكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الَاْيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذالِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُو اْ أَيْمَانَكُمْ كَذالِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْءَايَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (الْمَائِدَة: ٩٨)

أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر قَول الله تَعَالَى، هَكَذَا وَقع فِي بعض النّسخ وَلم يَقع لفظ: بَاب عِنْد أَكثر الروَاة، وَذكر الْآيَة كلهَا، إِنَّمَا هُوَ فِي رِوَايَة كَرِيمَة. قَوْله: (بِاللَّغْوِ) ، هُوَ قَول الرجل فِي الْكَلَام من غير قصد: لَا وَالله، وبلى وَالله، هَذَا مَذْهَب الشَّافِعِي. وَقيل: هُوَ فِي الْهزْل، وَقيل: فِي الْمعْصِيَة، وَقيل: على غَلَبَة الظَّن. وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَأحمد، وَقيل: الْيَمين فِي الْغَضَب، وَقيل: فِي النسْيَان. قَوْله: (بِمَا عقدتم الْأَيْمَان) أَي: بِمَا صممتم عَلَيْهِ من الْأَيْمَان وقصدتموها، قرىء بتَشْديد الْقَاف وتخفيفها، وَالْعقد فِي الأَصْل الْجمع بَين أَطْرَاف الشَّيْء، وَيسْتَعْمل فِي الْأَجْسَام ويستعار للمعاني نَحْو: عقد البيع، وَعَن عَطاء معنى: عقدتم الْأَيْمَان أكدتم. قَوْله: (مَسَاكِين) أَي: محاويج من الْفُقَرَاء وَمن لَا يجد مَا يَكْفِيهِ. قَوْله: (من أَوسط مَا تطْعمُونَ أهليكم) قَالَ ابْن عَبَّاس وَسَعِيد بن جُبَير وَعِكْرِمَة: من أعدل مَا تطْعمُونَ أهليكم، وَقَالَ عَطاء الْخُرَاسَانِي: من أمثل مَا تطْعمُونَ أهليكم، وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم بِإِسْنَادِهِ عَن عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: خبز وَلبن وَسمن، وبإسناده عَن ابْن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، أَنه قَالَ: {من أَوسط مَا تطْعمُونَ أهليكم} قَالَ: الْخبز وَاللَّحم والسنم، وَالْخبْز وَاللَّبن، وَالْخبْز وَالزَّيْت، وَالْخبْز والخل. وَاخْتلفُوا فِي مِقْدَار مَا يُطعمهُمْ. فَقَالَ ابْن

أبي حَاتِم بِإِسْنَادِهِ عَن عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: يغديهم ويعشيهم، وَقَالَ الْحسن وَمُحَمّد بن سِيرِين: يَكْفِيهِ أَن يطعم عشرَة مَسَاكِين أَكلَة وَاحِدَة خبْزًا وَلَحْمًا، وَزَاد الْحسن، فَإِن لم يجد فخبزاً وَسمنًا ولبناً، فَإِن لم يجد فخبزاً وزيتاً وخلاً. حَتَّى يشبعوا، وَقَالَ قوم: يطعم كل وَاحِد من الْعشْرَة نصف صَاع من بر أَو تمر وَنَحْوهمَا، وَهَذَا قَول عمر وَعلي وَعَائِشَة وَمُجاهد وَالشعْبِيّ وَسَعِيد بن جُبَير وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَمَنْصُور بن مهْرَان وَمَالك وَالضَّحَّاك وَالْحكم وَمَكْحُول وَأبي قلَابَة وَمُقَاتِل بن حَيَّان، وَقَالَ أَبُو حنيفَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: نصف صَاع من بر أَو صَاع من غَيره، وَهُوَ قَول مُجَاهِد وَمُحَمّد بن سِيرِين وَالشعْبِيّ وَالثَّوْري وَالنَّخَعِيّ وَأحمد، وروى ذَلِك عَن عَليّ وَعَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَقَالَ الشَّافِعِي: الْوَاجِب فِي كَفَّارَة الْيَمين مد بِمد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَوْله: (أَو كسوتهم) قَالَ الشَّافِعِي: لَو دفع إِلَى كل وَاحِد من الْعشْرَة مَا يصدق عَلَيْهِ اسْم الْكسْوَة من قيمص أَو سَرَاوِيل أَو إِزَار أَو عِمَامَة أَو مقنعة أَجزَاء ذَلِك. وَاخْتلف أَصْحَابه فِي القلنسوة: هَل نجزى أم لَا؟ على وَجْهَيْن: وَحكى الشَّيْخ أَبُو حَامِد الإسفرايني فِي الْخُف وَجْهَيْن أَيْضا، وَالصَّحِيح عدم الْإِجْزَاء، وَقَالَ مَالك وَأحمد: لَا بُد أَن يدْفع إِلَى كل وَاحِد مِنْهُم مَا يَصح أَن يُصَلِّي فِيهِ إِن كَانَ رجلا أَو امْرَأَة كل بِحَسبِهِ، وَقَالَ الْعَوْفِيّ عَن ابْن عَبَّاس: عباءة لكل مِسْكين أَو شملة، وَقَالَ مُجَاهِد: أدناه ثوب وَأَعلاهُ مَا شِئْت، وَعَن سعيد بن الْمسيب: عباءة يلف بهَا رَأسه وعباءة يأتزر بهَا. قَوْله: (أَو تَحْرِير رَقَبَة) أَخذ أَبُو حنيفَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، بإطلاقها فجوز الْكَافِرَة، وَقَالَ الشَّافِعِي وَآخَرُونَ: لَا يجوز إلَاّ مُؤمنَة. قَوْله: (فَمن لم يجد) أَي: فَإِن لم يقدر الْمُكَلف على وَاحِدَة من هَذِه الْخِصَال الثَّلَاث (فَصِيَام) أَي: فَعَلَيهِ صِيَام (ثَلَاثَة أَيَّام) . وَاخْتلفُوا فِيهِ: هَل يجب التَّتَابُع أَو يسْتَحبّ؟ فالمنصوص عَن الشَّافِعِي: أَنه لَا يجب التَّتَابُع، وَهُوَ قَول مَالك، وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأحمد: يجب التَّتَابُع، ودلائلهم مَذْكُورَة فِي كتب الْفِقْه. قَوْله: (ذَلِك) إِشَارَة إِلَى الْمَذْكُور قبله. قَوْله: (واحفظوا أَيْمَانكُم) عَن الْحِنْث فَإِذا حنثتم فاحفظوها بِالْكَفَّارَةِ.

١٢٦٦ - حدّثنا مُحمَّدُ بنُ مُقاتِلٍ أبُو الحَسَنِ أخبرنَا عَبْدُ الله أخبرنَا هِشامُ بنُ عُرْوَةَ عنْ أبِيهِ عنْ عائِشَةَ: أنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِي الله عَنهُ، لَمْ يَكُنْ يحْنَثُ فِي يَمِينٍ قَطُّ، حتَّى أنْزَلَ الله تَعَالَى كَفَّارَةَ اليَمِينِ. وَقَالَ: لَا أحْلِفُ عَلى يَمِينٍ فَرَأيْتُ غَيْرَها خَيْراً مِنْها إلاّ أتيْتُ الّذِي هُوَ خَيْرٌ وكَفَّرْتُ عنْ يَمِينِي. (انْظُر الحَدِيث ٤١٦٤) .

مطابقته لِلْآيَةِ الَّتِي هِيَ التَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَشَيْخه مروزي، وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك مروزي أَيْضا، وَهِشَام بن عُرْوَة يروي عَن أَبِيه عُرْوَة بن الزبير عَن عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ. والْحَدِيث من أَفْرَاده.

قَوْله: (أَن أَبَا بكر) الصّديق وَفِي رِوَايَة عبد الله بن نمير عَن هِشَام بِسَنَدِهِ عَن أبي بكر الصّديق. قَوْله: (لم يكن حنث) إِنَّمَا زَادَت لفظ الْكَوْن للْمُبَالَغَة فِيهِ، ولبيان أَنه لم يكن من شَأْنه ذَلِك. قَوْله: (قطّ) ، أَصله: قطط، فأدغمت الطَّاء فى الطَّاء وَمِنْهُم من يَقُول: قطّ، بِضَم الْقَاف تبعا لضم الطَّاء وَمِنْهُم من يخففه. قَوْله: (كَفَّارَة الْيَمين) أَي: آيتها وَهِي الْمَذْكُورَة فِي أول الْبَاب. قَوْله: (لَا أَحْلف على يَمِين) إِلَى آخِره قَالُوا: إِنَّمَا قَالَ أَبُو بكر هَذَا لما حلف أَنه لَا يبرأ مسطحًا لما تكلم فِي قصَّة الْإِفْك، وَأنزل الله تَعَالَى: {أَلا يحبونَ أَن يغْفر الله لكم} (النُّور: ٢٢) قَالَ: بلَى يَا رب {إِنَّا لنحب ذَلِك، ثمَّ عَاد إِلَى بره كَمَا كَانَ أَولا. قَوْله: (غَيرهَا) الضَّمِير يرجع إِلَى الْيَمين بِاعْتِبَار أَن الْمَقْصُود مِنْهَا الْمَحْلُوف عَلَيْهِ مثل الْخصْلَة المفعولة، أَو المتروكة، إِذْ لَا معنى لقَوْله: (لَا أَحْلف) على الْحق.

٢٢٦٦ - حدّثنا أبُو النُّعْمانِ مُحَمدُ بنُ الفَضْلِ حدّثنا جَرِيرُ بنُ حازِمٍ حدّثنا الحَسَنُ حدّثنا عَبْدُ الرَّحْمانِ بنُ سَمرَةَ قَالَ: قَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (يَا عَبْدَ الرَّحْمانِ بنَ سَمُرَةَ} لَا تَسْألِ الإمارَةَ، فإنّكَ إنْ أوتِيتَها عنْ مَسْألَةٍ وُكِلْتَ إلَيْها، وإنْ أُوتِيتَها مِنْ غَيْرِ مَسْألَةٍ أعنْتَ عَلَيْها، وَإِذا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأيْتَ غَيْرَها خَيْراً مِنْها فَكَفِّرْ عنْ يَمِينَكَ وَأْتِ الّذِي هُوَ خَيْرٌ) .

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَكفر عَن يَمِينك) وَالْحسن هُوَ الْبَصْرِيّ، وَعبد الرَّحْمَن بن سَمُرَة بن حبيب وَهُوَ من مسلمة الْفَتْح وَقد شهد فتوح الْعرَاق وَكَانَ فتح سجستان على يَدَيْهِ، أرْسلهُ عبد الله بن عَامر أَمِير الْبَصْرَة وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ إلَاّ هَذَا الحَدِيث.

والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ فِي الْأَحْكَام عَن حجاج بن منهال وَفِي الْكَفَّارَات عَن مُحَمَّد بن عبد الله. وَأخرجه مُسلم فِي الْأَيْمَان عَن شَيبَان بن فروخ وَغَيره، وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْخراج عَن مُحَمَّد بن الصَّباح وَغَيره. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْأَيْمَان عَن مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى. وَأخرج النَّسَائِيّ قصَّة الْإِمَارَة فِي الْقَضَاء وَفِي السّير عَن مُجَاهِد بن مُوسَى، وقصة الْيَمين فِي الْأَيْمَان عَن جمَاعَة آخَرين.

قَوْله: (الْإِمَارَة) بِكَسْر الْهمزَة أَي: لَا تسْأَل أَن تعْمل أَمِيرا أَي: حَاكما. قَوْله: (أوتيتها) على صِيغَة الْمَجْهُول بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيف. قَوْله: (أعنت) ، على صِيغَة الْمَجْهُول أَيْضا.

وَفِيه: كَرَاهَة سُؤال مَا يتَعَلَّق بالحكومة نَحْو الْقَضَاء والحسبة وَنَحْوهمَا، وَإِن من سَأَلَ لَا يكون مَعَه إِعَانَة من الله تَعَالَى، فَلَا يكون لَهُ كِفَايَة لذَلِك الْعَمَل فَيَنْبَغِي أَن لَا يولي.

قلت: إِذا كَانَ عَن مُجَرّد السُّؤَال، فَمَا يكون حَال من يسْأَل بالرشوة ويجتهد فِيهِ؟ خُصُوصا فِي غَالب قُضَاة مصر فَلَا يتولون إلَاّ بالبراطيل والرشى؟ وَلَا يخَاف من اسْتِحْقَاق اللَّعْنَة من الله تَعَالَى فِي ذَلِك، وَقد روى عبد الله بن عَمْرو عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: لعن الله الراشي والمرتشي والرائش. وَفِيه: إِن من حلف على فعل أَو ترك وَكَانَ الْحِنْث خيرا من التَّمَادِي عَلَيْهِ اسْتحبَّ لَهُ الْحِنْث، بل يجب، نظرا لظَاهِر الْأَمر. وَفِيه: جَوَاز التَّكْفِير قبل الْحِنْث، وَبِه أَخذ الشَّافِعِي وَمَالك فِي رِوَايَة، وَلَا يجوز عِنْد الْحَنَفِيَّة لِأَن الْكَفَّارَة لستر الْجِنَايَة وَلَا جِنَايَة قبل الْحِنْث، فَلَا يجوز.

وَحكم الحَدِيث أَنه تعارضه رِوَايَة مُسلم أخرجه عَن أبي هُرَيْرَة: من حلف على يَمِين فَرَأى غَيرهَا خيرا مِنْهَا فليأت الَّذِي هُوَ خير وليكفر عَن يَمِينه، وَكَذَلِكَ فِي حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن سَمُرَة، غير أَن البُخَارِيّ انْفَرد بِتَقْدِيم الْحِنْث قبل الْكَفَّارَة، وَكَذَلِكَ فِي رِوَايَة أبي دَاوُد فِي (سنَنه) تَقْدِيم الْكَفَّارَة قبل الْحِنْث، وَجَاء تَقْدِيم الْحِنْث على الْكَفَّارَة فِي حَدِيث أبي مُوسَى الَّذِي أخرجه البُخَارِيّ وَمُسلم، وَفِي لفظ لَهما تَقْدِيم الْكَفَّارَة فَإِذا كَانَ الْأَمر كَذَلِك فالأخذ بِرِوَايَة تَقْدِيم الْحِنْث على الْكَفَّارَة أولى لما ذكرنَا.

٣٣٦٦ - حدّثنا أبُو النُّعْمانِ حدّثنا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ عَنْ غَيْلانَ بنِ جَرِيرٍ عنْ أبي بُرْدَةَ عنْ أبِيهِ قَالَ: أتَيْتُ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي رَهْطٍ مِنَ الأشْعَرِيِّينَ أسْتَحْمِلُهُ، فَقَالَ: (وَالله لَا أحْمِلُكمْ، وَمَا عِنْدِي مَا أحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ) . قَالَ: ثُمَّ لَبِثْنا مَا شاءَ الله أنْ نَلْبَثَ، ثُمَّ أُتِيَ بِثَلاثِ ذَوْدٍ غُرِّ الذُّرى فَحَمَلَنا عَلَيْها، فَلَمَّا انْطَلَقْنَا قُلْنا أوْ قالَ بَعْضُنا: وَالله لَا يُبارَكَ لَنا، أتَيْنا النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نَسْتَحْمِلُهُ فَحَلَفَ أنْ لَا يَحْمِلَنا ثُمَّ حَمَلَنَا، فارْجِعُوا بِنا إِلَى النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَنُذَكِّرَهُ، فأتَيْناهُ فَقَالَ: (مَا أَنا حَمَلْتُكُمْ، بَلِ الله حَمَلَكمْ وإنِّي وَالله إِن شاءَ الله لَا أحْلِفُ عَلى يَمِينٍ فَأرى غَيْرَهَا خَيْراً مِنْها إلاّ كَفَّرْتُ عنْ يَمِينِي وأتَيْتُ الّذِي هُوَ خَيْرٌ، أوْ أتَيْتُ الّذِي هُوَ خَيْرٌ وكَفَّرْتُ عنْ يَمِينِي) .

مطابقته للتَّرْجَمَة تفهم من معنى الحَدِيث. وَأَبُو النُّعْمَان مُحَمَّد كَمَا مر، وغيلان بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف ابْن جرير بِفَتْح الْجِيم الْأَزْدِيّ الْبَصْرِيّ، وَأَبُو بردة بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الرَّاء، قيل: اسْمه الْحَارِث وَقيل: عَامر يروي عَن أَبِيه أبي مُوسَى عبد الله بن قيس الْأَشْعَرِيّ.

والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي كَفَّارَات الْأَيْمَان عَن قُتَيْبَة، وَأخرجه أَيْضا مطولا فِي كتاب الْخمس فِي: بَاب وَمن الدَّلِيل على أَن الْخمس لنوائب الْمُسلمين، فَلْينْظر فِيهِ. وَأخرجه مُسلم فِي الْأَيْمَان عَن خلف بن هِشَام وَغَيره. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْأَيْمَان عَن سُلَيْمَان بن حَرْب. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْأَيْمَان عَن قُتَيْبَة. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْكَفَّارَات عَن أَحْمد بن عَبدة.

قَوْله: (فِي رَهْط) قد ذكرنَا غير مرّة أَن الرَّهْط مَا دون الْعشْرَة من الرِّجَال لَا يكون فيهم امْرَأَة وَلَا وَاحِد لَهُ من لَفظه. قَوْله: (من الْأَشْعَرِيين) جمع أشعري نِسْبَة

إِلَى الْأَشْعر، واسْمه: نبت بن ادد بن يشخب بن عريب بن زيد بن كهلان، وَإِنَّمَا قيل لَهُ الْأَشْعر لِأَن أمه وَلدته أشعر قَوْله: (استحمله) أَي: أطلب مِنْهُ مَا يحملنا من الْإِبِل وَيحمل أثقالنا، وَذَلِكَ كَانَ فِي غَزْوَة تَبُوك. قَالَ الله تَعَالَى: {وَلَا على الَّذين إِذا مَا أتوك لتحملهم} (التَّوْبَة: ٢٩) الْآيَة. قَوْله: (ثمَّ أُتِي) على صِيغَة الْمَجْهُول أَي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (بِثَلَاث ذود) بِفَتْح الذَّال الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْوَاو وبالدال الْمُهْملَة: وَهُوَ الْإِبِل من الثَّلَاث إِلَى الْعشْرَة، وَهِي مُؤَنّثَة لَيْسَ لَهَا وَاحِد من لَفظهَا، وَالْكثير أذواد، وَقيل: الذود الْوَاحِد من الْإِبِل بِدَلِيل قَوْله: (لَيْسَ فِيمَا دون خمس ذود صَدَقَة) ، وَقَالَ الْقَزاز: الْعَرَب تَقول: الذود من الثَّلَاثَة إِلَى التِّسْعَة، وَقَالَ أَبُو عبيد: هِيَ من الْإِنَاث، فَلذَلِك قَالَ: بِثَلَاث ذود، وَلم يقل: بِثَلَاثَة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: قيل: هُوَ من بَاب إِضَافَة الشَّيْء إِلَى نَفسه. قَوْله: (غر الذرى) ، بِضَم الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الرَّاء وَهُوَ جمع الْأَغَر وَهُوَ الْأَبْيَض الْحسن، والذرى بِضَم الذَّال الْمُعْجَمَة وَفتح الرَّاء وَكسرهَا جمع ذرْوَة بِالْكَسْرِ وَالضَّم، وذروة كل شَيْء أَعْلَاهُ، وَالْمرَاد هُنَا الأسنمة، وَقد تقدم فِي كتاب الْجِهَاد فِي: بَاب الْخمس فِي غَزْوَة تَبُوك، أَنه سِتَّة أَبْعِرَة، وَلَا مُنَافَاة بَينهمَا، إِذْ لَيْسَ فِي ذكر الثَّلَاث نفي السِّتَّة. قَوْله: (فحملنا) بِفَتْح اللَّام أَي: حملنَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَكَذَلِكَ: ثمَّ حملنَا، بِفَتْح اللَّام. قَوْله: (بل الله حملكم) يَعْنِي: لَا معطي إلَاّ الله، وَالْمعْنَى: إِنَّمَا أَعطيتكُم من مَال الله، أَو: بِأَمْر الله لِأَنَّهُ كَانَ يُعْطي بِالْوَحْي. قَوْله: (وَإِنِّي) اسْم: إِن، يَاء الْإِضَافَة، وخبرها قَوْله: (لَا أَحْلف) . . إِلَى آخِره، والجملتان معترضتان بَين اسْم إِن وخبرها. قَوْله: (أَو أتيت) إِمَّا شكّ من الرَّاوِي فِي تَقْدِيم: أتيت، على تَقْدِيم: كفرت، وَالْعَكْس، وَإِمَّا تنويع من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِشَارَة إِلَى جَوَاز تَقْدِيم الْكَفَّارَة على الْحِنْث وتأخيرها.

٤٢٦٦ - حدّثنا إسْحاق بنُ إبْرَاهِيمَ أخبَرنا عبْدُ الرَّزَّاقِ أخبرنَا مَعْمَرٌ عنْ هَمَّامٍ بنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: هاذَا مَا حدّثنا بِهِ أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْم القِيامَةِ) . فَقَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (وَالله لأنْ يَلَجَّ أحَدُكُمْ بِيَمِينِهِ فِي أهْلِهِ آثَمُ لهُ عِنْدَ الله مِنْ أنْ يُعْطِىَ كَفّارَتَهُ الَّتِي افْتَرَضَ الله عَلَيْهِ) . (الحَدِيث ٥٢٦٦ طرفه فِي: ٦٢٦٦) .

مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (لِأَن يلج)

إِلَى آخِره. وَأما وَجه إِدْخَال قَوْله: (نَحن الْآخرُونَ السَّابِقُونَ يَوْم الْقِيَامَة) ، فَهُوَ أَن هَذَا أول حَدِيث فِي صحيفَة همام عَن أبي هُرَيْرَة وَكَانَ همام إِذا روى الصَّحِيفَة استفتح بِذكرِهِ ثمَّ سرد الْأَحَادِيث فَذكره الرَّاوِي أَيْضا كَذَلِك، وَقَالَ ابْن بطال: وَجه ذَلِك أَنه يُمكن أَن يكون سمع أَبَا هُرَيْرَة كَذَلِك من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فِي نسق وَاحِد فَحدث بهما جَمِيعًا كَمَا سمعهما، وَيُمكن أَن الرَّاوِي فعل ذَلِك لِأَنَّهُ سمع من أبي هُرَيْرَة أَحَادِيث. أَولهَا: ذَلِك فَذكرهَا على التَّرْتِيب الَّذِي ذكره.

وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم يحْتَمل أَن يكون ابْن رَاهَوَيْه، وَيحْتَمل أَن يكون إِسْحَاق بن نصر لِأَن كلاًّ مِنْهُمَا روى عَن عبد الرَّزَّاق وَمعمر بِفَتْح الميمين ابْن رَاشد.

والْحَدِيث أخرجه ابْن مَاجَه فِي الْكَفَّارَات عَن سُفْيَان من قَوْله: إِذا استلج.

قَوْله: (نَحن الْآخرُونَ) أَي: آخر الْأُمَم (السَّابِقُونَ) يَوْم الْقِيَامَة فِي الْحساب وَدخُول الْجنَّة.

قَوْله: (فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) بِالْفَاءِ فِي رِوَايَة الْكشميهني بِالْوَاو. قَوْله: (لِأَن يلج) من الإلجاج بالجيمين يَعْنِي: أَقَامَ على يَمِينه وَلَا يكفرهَا فيحللها وَيَزْعُم أَنه صَادِق، وَقيل: هُوَ أَن يحلف وَيرى أَن غَيرهَا خير مِنْهَا، فيقيم على ترك الْكَفَّارَة، وَذَلِكَ إِثْم وَفِي (الصِّحَاح) : لججت، بِالْكَسْرِ يلج لجاجاً ولجاجة، ولججت بِالْفَتْح لُغَة. قَوْله: (بِيَمِينِهِ فِي أَهله) يَعْنِي: إِذا حلف يَمِينا يتَعَلَّق بأَهْله ويتضررون بِعَدَمِ حنثه وَلَا يكون فِي الْحِنْث مَعْصِيّة يَنْبَغِي لَهُ أَن يَحْنَث وَيكفر، فَإِن قَالَ: لَا أحنث وأخاف الْإِثْم، فَهُوَ مخطىء. قَوْله: (آثم لَهُ) بِمد الْهمزَة وَفتح الثَّاء الْمُثَلَّثَة على وزن لفظ أفعل التَّفْضِيل وَهُوَ خير. قَوْله: (لِأَن يلج) لِأَن: أَن مَصْدَرِيَّة وَاللَّام للتَّأْكِيد. تَقْدِيره: لجاجه باستمراره فِي يَمِينه أَشد إِثْمًا من أَن يعْطى ... إِلَى آخِره. وَيجوز كسر إِن. فَقَوله: (آثم) بِالْمدِّ، أَي: أَكثر إِثْمًا قَالَ الْكرْمَانِي: هَذَا يشْعر بِأَن إِعْطَاء الْكَفَّارَة فِيهِ إِثْم لِأَن الصِّيغَة تَقْتَضِي الِاشْتِرَاك، ثمَّ أجَاب بِأَن نفس الْحِنْث فِيهِ إِثْم لِأَنَّهُ يسلتزم عدم تَعْظِيم اسْم الله تَعَالَى، وَبَين إِعْطَاء الْكَفَّارَة وَبَينه مُلَازمَة عَادَة.

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 8 جمادى الأولى
التربيع الأول اليوم 8.8 / 29.5
الإضاءة 65%
البدر بعد 6 يوم
لا إله إلا الله

إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا

سورة الأحزاب 33:56