الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث 6606
الحديث رقم 6606 من كتاب «كتاب القدر» في صحيح البخاري، تحت باب: باب العمل بالخواتيم.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
٦٦٠٦ - حَدَّثَنَا حِبَّانُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:
ذكر أبو هريرة رضي الله عنه شهودهم مع النبي صلى الله عليه وسلم غزوة خيبر، فقال النبي عليه الصلاة والسلام عن رجل يُظهر الإسلام: هذا الرجل من أهل النار، فلما جاء الرجل إلى القتال، قاتل قتالًا شديدًا وأصابته جراح، فقيل: يا رسول الله إن الرجل الذي قلت عنه أنه من أهل النار، قاتل اليوم قتالًا شديدًا، وقد مات بسبب قتاله فهو شهيد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هو في النار؛ لنفاقه أو لأنه سيرتد، ويقتل نفسه مستحلًا لذلك، فقارب بعض الناس أن يشك في صدق النبي عليه الصلاة والسلام، وبينما هم كذلك، قال بعض الناس: إن الرجل لم يمت شهيدًا، ولكن كان به جراح شديدة، ولازال حيًّا، فلما جاء الليل لم يصبر على ألم الجراح فقتل نفسه، فقيل للنبي عليه الصلاة والسلام ذلك، فقال: الله أكبر، أشهد أني عبد الله ورسوله، ثم أمر بلالًا أن ينادي بالناس ويقول: لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة، وإن الله لينصر ويقوي الإسلام بالرجل الفاجر، وفيه إشعار بسلب الإيمان عن الرجل المذكور.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com - شرح مبسّط
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
أَبَدَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ لِأَصْحَابِهِ مِنَ الْحِكَمِ الْمَذْكُورَةِ، وَمُنَاسَبَتُهُ لِلْقِصَّةِ أَنَّ فِيهِ إِشَارَةً إِلَى التَّسْلِيَةِ عَنِ الْمَيِّتِ بِأَنَّهُ مَاتَ بِفَرَاغِ أَجَلِهِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ أَصْلٌ لِأَهْلِ السُّنَّةِ فِي أَنَّ السَّعَادَةَ وَالشَّقَاءَ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ الْقَدِيمِ، وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى الْجَبْرِيَّةِ ; لِأَنَّ التَّيْسِيرَ ضِدُّ الْجَبْرِ ; لِأَنَّ الْجَبْرَ لَا يَكُونُ إِلَّا عَنْ كُرْهٍ، وَلَا يَأْتِي الْإِنْسَانُ الشَّيْءَ بِطَرِيقِ التَّيْسِيرِ إِلَّا وَهُوَ غَيْرُ كَارِهٍ لَهُ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى إِمْكَانِ مَعْرِفَةِ الشَّقِيِّ مِنَ السَّعِيدِ فِي الدُّنْيَا كَمَنِ اشْتُهِرَ لَهُ لِسَانُ صِدْقٍ وَعَكْسُهُ ; لِأَنَّ الْعَمَلَ أَمَارَةٌ عَلَى الْجَزَاءِ عَلَى ظَاهِرِ هَذَا الْخَبَرِ، وَرُدَّ بِمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَنَّ هَذَا الْعَمَلَ الظَّاهِرَ قَدْ يَنْقَلِبُ لِعَكْسِهِ عَلَى وَفْقِ مَا قُدِّرَ، وَالْحَقُّ أَنَّ الْعَمَلَ عَلَامَةٌ وَأَمَارَةٌ، فَيُحْكَمُ بِظَاهِرِ الْأَمْرِ وَأَمْرُ الْبَاطِنِ إِلَى اللَّهِ - تَعَالَى -.
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: لَمَّا أَخْبَرَ ﷺ عَنْ سَبْقِ الْكَائِنَاتِ رَامَ مَنْ تَمَسَّكَ بِالْقَدَرِ أَنْ يَتَّخِذَهُ حُجَّةً فِي تَرْكِ الْعَمَلِ، فَأَعْلَمَهُمْ أَنَّ هُنَا أَمْرَيْنِ لَا يَبْطُلُ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ بَاطِنٌ وَهُوَ الْعِلَّةُ الْمُوجِبَةُ فِي حُكْمِ الرُّبُوبِيَّةِ، وَظَاهِرٌ وَهُوَ الْعَلَامَةُ اللَّازِمَةُ فِي حَقِّ الْعُبُودِيَّةِ، وَإِنَّمَا هِيَ أَمَارَةٌ مُخَيَّلَةٌ فِي مُطَالَعَةِ عِلْمِ الْعَوَاقِبِ غَيْرُ مُفِيدَةٍ حَقِيقَةً، فَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ كُلًّا مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ، وَأَنَّ عَمَلَهُ فِي الْعَاجِلِ دَلِيلٌ عَلَى مَصِيرِهِ فِي الْآجِلِ، وَلِذَلِكَ مَثَّلَ بِالْآيَاتِ، وَنَظِيرُ ذَلِكَ الرِّزْقُ مَعَ الْأَمْرِ بِالْكَسْبِ، وَالْأَجَلُ مَعَ الْإِذْنِ فِي الْمُعَالَجَةِ، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: هَذَا الْحَدِيثُ إِذَا تَأَمَّلْتَهُ وَجَدْتَ فِيهِ الشِّفَاءَ مِمَّا يُتَخَالَجُ فِي الضَّمِيرِ مِنْ أَمْرِ الْقَدَرِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْقَائِلَ: أَفَلَا نَتَّكِلُ، وَنَدَعُ الْعَمَلَ؟ لَمْ يَدَعْ شَيْئًا مِمَّا يَدْخُلُ فِي أَبْوَابِ الْمُطَالَبَاتِ وَالْأَسْئِلَةِ إِلَّا وَقَدْ طَالَبَ بِهِ، وَسَأَلَ عَنْهُ فَأَعْلَمَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّ الْقِيَاسَ فِي هَذَا الْبَابِ مَتْرُوكٌ، وَالْمُطَالَبَةَ سَاقِطَةٌ، وَأَنَّهُ لَا يُشْبِهُ الْأُمُورَ الَّتِي عُقِلَتْ مَعَانِيهَا وَجَرَتْ مُعَامَلَةُ الْبَشَرِ فِيمَا بَيْنَهُمْ عَلَيْهَا، بَلْ طَوَى اللَّهُ عِلْمَ الْغَيْبِ عَنْ خَلْقِهِ، وَحَجَبَهُمْ عَنْ دَرْكِهِ، كَمَا أَخْفَى عَنْهُمْ أَمْرَ السَّاعَةِ، فَلَا يَعْلَمُ أَحَدٌ مَتَى حِينُ قِيَامِهَا. انْتَهَى.
وَقَدْ تَقَدَّمَ كَلَامُ ابْنِ السَّمْعَانِيِّ فِي نَحْوِ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْقَدَرِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: وَجْهُ الِانْفِصَالِ عَنْ شُبْهَةِ الْقَدَرِيَّةِ أَنَّ اللَّهَ أَمَرَنَا بِالْعَمَلِ، فَوَجَبَ عَلَيْنَا الِامْتِثَالَ، وَغَيَّبَ عَنَّا الْمَقَادِيرَ لِقِيَامِ الْحُجَّةِ، وَنَصَبَ الْأَعْمَالَ عَلَامَةً عَلَى مَا سَبَقَ فِي مَشِيئَتِهِ، فَمَنْ عَدَلَ عَنْهُ ضَلَّ وَتَاهَ ; لِأَنَّ الْقَدَرَ سِرٌّ مِنْ أَسْرَارِ اللَّهِ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ إِلَّا هُوَ، فَإِذَا أَدْخَلَ أَهْلَ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ كَشَفَ لَهُمْ عَنْهُ حِينَئِذٍ، وَفِي أَحَادِيثِ هَذَا الْبَابِ أَنَّ أَفْعَالَ الْعِبَادِ وَإِنْ صَدَرَتْ عَنْهُمْ، لَكِنَّهَا قَدْ سَبَقَ عِلْمُ اللَّهِ بِوُقُوعِهَا بِتَقْدِيرِهِ، فَفِيهَا بُطْلَانُ قَوْلِ الْقَدَرِيَّةِ صَرِيحًا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٥ - بَاب الْعَمَلُ بِالْخَوَاتِيمِ
٦٦٠٦ - حَدَّثَنَا حِبَّانُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: شَهِدْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَيْبَرَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِرَجُلٍ مِمَّنْ مَعَهُ يَدَّعِي الْإِسْلَامَ: هَذَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَلَمَّا حَضَرَ الْقِتَالُ قَاتَلَ الرَّجُلُ مِنْ أَشَدِّ الْقِتَالِ وَكَثُرَتْ بِهِ الْجِرَاحُ، فَأَثْبَتَتْهُ فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ الَّذِي تَحَدَّثْتَ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، قَاتَلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مِنْ أَشَدِّ الْقِتَالِ، فَكَثُرَتْ بِهِ الْجِرَاحُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: أَمَا إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَكَادَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ يَرْتَابُ، فَبَيْنَمَا هُوَ عَلَى ذَلِكَ، إِذْ وَجَدَ الرَّجُلُ أَلَمَ الْجِرَاحِ فَأَهْوَى بِيَدِهِ إِلَى كِنَانَتِهِ، فَانْتَزَعَ مِنْهَا سَهْمًا فَانْتَحَرَ بِهَا، فَاشْتَدَّ رِجَالٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ صَدَّقَ اللَّهُ حَدِيثَكَ قَدْ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٦٦٠٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حِبَّانُ بْنُ مُوسَى) بكسر الحاء المهملة وتشديد الموحدة، المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابنُ راشدٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمدِ بن مسلم (عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁) أنَّه (قَالَ: شَهِدْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ خَيْبَرَ) أي: فتح معظمها؛ لأنَّه لم يحضرْ وقعتها (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِرَجُلٍ) عن رجلٍ منافقٍ (مِمَّنْ مَعَهُ يَدَّعِي الإِسْلَامَ) اسمه: قُزْمان -بضم القاف وسكون الزاي- الظَّفريُّ، بفتح المعجمة والفاء (هَذَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ) لنفاقهِ، أو لأنَّه سيرتدُّ ويقتلُ نفسه مستحلًّا لذلك (فَلَمَّا حَضَرَ القِتَالَُ) لم يضبطِ اللَّام في «اليونينية». نعم ضبطها في «المغازي» [خ¦٤٢٠٣] بالرفع مصحِّحًا عليها، وهو على الفاعلية، ويجوزُ النَّصب على المفعوليَّة، أي: فلما حضر الرَّجلُ القتالَ (قَاتَلَ الرَّجُلُ مِنْ أَشَدِّ القِتَالِ) ولفظ: «من» ساقط في «المغازي» (وَكَثُرَتْ) بالواو وضم المثلثة، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «فكثرتْ» (بِهِ الجِرَاحُ) بكسر الجيم (فَأَثْبَتَتْهُ): فأثخنتْهُ وجعلتْهُ ساكنًا غير متحرِّكٍ (فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَرَأَيْتَ الَّذِي) ولأبي ذرٍّ: «أرأيتَ الرَّجل الَّذي» (تَحَدَّثْتَ) بفتح الفوقية والدال بعدها مثلثة ساكنة ففوقية، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «تُحدِّث» بضم الفوقية وكسر الدال وإسقاط الفوقية بعد المثلثة (أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، قَدْ قَاتَلَ فِي سَبِيلِ اللهِ) ﷿ (مِنْ أَشَدِّ القِتَالِ فَكَثُرَتْ بِهِ (١) الجِرَاحُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: أَمَا) بفتح الهمزة وتخفيف الميم (إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَكَادَ (٢)) أي: قارب (بَعْضُ المُسْلِمِينَ يَرْتَابُ) يشكُّ فيما قالهُ ﷺ (فَبَيْنَمَا) بالميم (هُوَ عَلَى ذَلِكَ إِذْ وَجَدَ الرَّجُلُ) قُزْمان المذكور (أَلَمَ الجِرَاحِ، فَأَهْوَى بِيَدِهِ إِلَى كِنَانَتِهِ، فَانْتَزَعَ مِنْهَا سَهْمًا) نشَّابة (فَانْتَحَرَ) نحرَ (بِهَا) نفسَه (فَاشْتَدَّ) أسرعَ (رِجَالٌ مِنَ المُسْلِمِينَ) المشيَ (إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ صَدَّقَ اللهُ حَدِيثَكَ قَدِ انْتَحَرَ فُلَانٌ) الَّذي قلتَ إنَّه من أهل النَّار (فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: يَا بِلَالُ قُمْ فَأَذِّنْ) بتشديد المعجمة المكسورة، أي: أَعْلِم النَّاس أنَّه (لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ إِلَّا مُؤْمِنٌ، وَإِنَّ اللهَ لَيُؤَيِّدُ) بلام التَّأكيد (هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الفَاجِرِ) «أل» للجنس، فيعمُّ كلَّ فاجرٍ (٣)، أو المراد: الرَّجل الَّذي قتلَ نفسَه وهو قُزْمان.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
وَعلي بن أبي طَالب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
والْحَدِيث مضى فِي الْجَنَائِز فِي: بَاب موعظة الرجل عِنْد الْقَبْر، بأطول مِنْهُ، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.
قَوْله: (جُلُوسًا) أَي: جالسين، ويروى عَن الْأَعْمَش: (قعُودا) ، جمع الْقَاعِد. قَوْله: (مَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) عَن الْأَعْمَش: (كُنَّا مَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فِي بَقِيع الْغَرْقَد) ، بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَسُكُون الرَّاء وَفتح الْقَاف وبالدال الْمُهْملَة، وَهِي مَقْبرَة أهل الْمَدِينَة. قَوْله: (وَمَعَهُ عود) وَفِي رِوَايَة شُعْبَة: (وَبِيَدِهِ فَجعل ينكت بهَا فِي الأَرْض) . وَفِي رِوَايَة مَنْصُور: (مَعَه مخصرة) ، بِكَسْر الْمِيم وَهِي عَصا أَو قضيب يمسِكهُ الرئيس ليتوكأ عَلَيْهِ ولغير ذَلِك، وَمعنى: ينكت، بالنُّون بعد الْيَاء يضْرب. قَوْله: (أَو من الْجنَّة) كلمة: أَو، للتنويع وَوَقع فِي رِوَايَة سُفْيَان مَا يشْعر بِأَنَّهَا بِمَعْنى: الْوَاو، وَقد تقدم من حَدِيث ابْن عمر: أَن لكل أحد مقعدين. قَوْله: (فَقَالَ رجل) ، وَهَذَا الرجل وَقع فِي حَدِيث جَابر عِنْد مُسلم أَنه سراقَة بن مَالك بن جعْشم. قَوْله: (أَلا نَتَّكِل؟) أَي: أَلا نعتمد على مَا قدره الله فِي الْأَزَل ونترك الْعَمَل؟ فَقَالَ: لَا إِذْ كل أحد ميسر لما خلق لَهُ، وَحَاصِله: أَن الْوَاجِب عَلَيْكُم مُتَابعَة الشَّرِيعَة لَا تَحْقِيق الْحَقِيقَة، وَالظَّاهِر لَا يتْرك للباطن. قَوْله: {فَأَما من أعْطى وَاتَّقَى} (اللَّيْل: ٥)
الْآيَة، وَفِي رِوَايَة سُفْيَان ووكيع: الْآيَات إِلَى قَوْله: {العسرى} .
٥ - (بابٌ العَمَلُ بالخَواتِيمِ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ الْعَمَل بالخواتيم أَي: بالعواقب، وَهُوَ جمع خَاتِمَة يَعْنِي: الِاعْتِبَار لحَال الشَّخْص عِنْد الْمَوْت قبل المعاينة لملائكة الْعَذَاب.
١٣ - (حَدثنَا حبَان بن مُوسَى أخبرنَا عبد الله أخبرنَا معمر عَن الزُّهْرِيّ عَن سعيد بن الْمسيب عَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ قَالَ شَهِدنَا مَعَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - خَيْبَر فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لرجل مِمَّن مَعَه يَدعِي الْإِسْلَام هَذَا من أهل النَّار فَلَمَّا حضر الْقِتَال قَاتل الرجل من أَشد الْقِتَال وَكَثُرت بِهِ الْجراح فأثبتته فجَاء رجل من أَصْحَاب النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَقَالَ يَا رَسُول الله أَرَأَيْت الَّذِي تحدثت أَنه من أهل النَّار قد قَاتل فِي سَبِيل الله من أَشد الْقِتَال فكثرت بِهِ الْجراح فَقَالَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أما إِنَّه من أهل النَّار فكاد بعض الْمُسلمين يرتاب فَبَيْنَمَا هُوَ على ذَلِك إِذْ وجد الرجل ألم الْجراح فَأَهوى بِيَدِهِ إِلَى كِنَانَته فَانْتزع مِنْهَا سَهْما فانتحر بهَا فَاشْتَدَّ رجال من الْمُسلمين إِلَى رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَقَالُوا يَا رَسُول الله صدق الله حَدِيثك قد انتحر فلَان فَقتل نَفسه فَقَالَ رَسُول الله يَا بِلَال قُم فَأذن لَا يدْخل الْجنَّة إِلَّا مُؤمن وَإِن الله ليؤيد هَذَا الدّين بِالرجلِ الْفَاجِر) مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ أَن الرجل الْمَذْكُور فِيهِ ختم عمله بالسوء وَإِنَّمَا الْعَمَل بالخاتمة وحبان بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة ابْن مُوسَى الْمروزِي وَعبد الله بن الْمُبَارك الْمروزِي وَمعمر بِفَتْح الميمين ابْن رَاشد والْحَدِيث مضى فِي الْجِهَاد فِي بَاب أَن الله يُؤَيّد الدّين بِالرجلِ الْفَاجِر وَمضى الْكَلَام فِيهِ قَوْله " خَيْبَر " أَي غَزْوَة خَيْبَر بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة قَوْله " لرجل اسْمه قزمان " بِضَم الْقَاف وَسُكُون الزَّاي قَوْله " مِمَّن يَدعِي الْإِسْلَام " أَي تلفظ بِهِ قَوْله " فَلَمَّا حضر الْقِتَال " بِالرَّفْع وَالنّصب قَالَه الْكرْمَانِي قلت الرّفْع على أَنه فَاعل حضر وَالنّصب على المفعولية أَي فَلَمَّا حضر الرجل الْقِتَال قَوْله الْجراح جمع جِرَاحَة قَوْله " فأثبتته " أَي أثخنته الْجراح وَجَعَلته سَاكِنا غير متحرك وَقيل صرعته صرعا لَا يقدر مَعَه على الْقيام قَوْله " يرتاب " أَي يشك فِي الدّين لأَنهم رَأَوْا الْوَعيد شَدِيدا قَوْله " فَبَيْنَمَا " أَصله بَين زيدت فِيهِ الْمِيم وَالْألف وَيَقَع بعده جملَة اسمية وَهِي قَوْله هُوَ كَذَلِك وَيحْتَاج إِلَى جَوَاب وَهُوَ قَوْله إِذْ وجد الرجل أَي الرجل الْمَذْكُور قَوْله فَأَهوى بِيَدِهِ أَي مدها
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
أَبَدَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ لِأَصْحَابِهِ مِنَ الْحِكَمِ الْمَذْكُورَةِ، وَمُنَاسَبَتُهُ لِلْقِصَّةِ أَنَّ فِيهِ إِشَارَةً إِلَى التَّسْلِيَةِ عَنِ الْمَيِّتِ بِأَنَّهُ مَاتَ بِفَرَاغِ أَجَلِهِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ أَصْلٌ لِأَهْلِ السُّنَّةِ فِي أَنَّ السَّعَادَةَ وَالشَّقَاءَ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ الْقَدِيمِ، وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى الْجَبْرِيَّةِ ; لِأَنَّ التَّيْسِيرَ ضِدُّ الْجَبْرِ ; لِأَنَّ الْجَبْرَ لَا يَكُونُ إِلَّا عَنْ كُرْهٍ، وَلَا يَأْتِي الْإِنْسَانُ الشَّيْءَ بِطَرِيقِ التَّيْسِيرِ إِلَّا وَهُوَ غَيْرُ كَارِهٍ لَهُ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى إِمْكَانِ مَعْرِفَةِ الشَّقِيِّ مِنَ السَّعِيدِ فِي الدُّنْيَا كَمَنِ اشْتُهِرَ لَهُ لِسَانُ صِدْقٍ وَعَكْسُهُ ; لِأَنَّ الْعَمَلَ أَمَارَةٌ عَلَى الْجَزَاءِ عَلَى ظَاهِرِ هَذَا الْخَبَرِ، وَرُدَّ بِمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَنَّ هَذَا الْعَمَلَ الظَّاهِرَ قَدْ يَنْقَلِبُ لِعَكْسِهِ عَلَى وَفْقِ مَا قُدِّرَ، وَالْحَقُّ أَنَّ الْعَمَلَ عَلَامَةٌ وَأَمَارَةٌ، فَيُحْكَمُ بِظَاهِرِ الْأَمْرِ وَأَمْرُ الْبَاطِنِ إِلَى اللَّهِ - تَعَالَى -.
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: لَمَّا أَخْبَرَ ﷺ عَنْ سَبْقِ الْكَائِنَاتِ رَامَ مَنْ تَمَسَّكَ بِالْقَدَرِ أَنْ يَتَّخِذَهُ حُجَّةً فِي تَرْكِ الْعَمَلِ، فَأَعْلَمَهُمْ أَنَّ هُنَا أَمْرَيْنِ لَا يَبْطُلُ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ بَاطِنٌ وَهُوَ الْعِلَّةُ الْمُوجِبَةُ فِي حُكْمِ الرُّبُوبِيَّةِ، وَظَاهِرٌ وَهُوَ الْعَلَامَةُ اللَّازِمَةُ فِي حَقِّ الْعُبُودِيَّةِ، وَإِنَّمَا هِيَ أَمَارَةٌ مُخَيَّلَةٌ فِي مُطَالَعَةِ عِلْمِ الْعَوَاقِبِ غَيْرُ مُفِيدَةٍ حَقِيقَةً، فَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ كُلًّا مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ، وَأَنَّ عَمَلَهُ فِي الْعَاجِلِ دَلِيلٌ عَلَى مَصِيرِهِ فِي الْآجِلِ، وَلِذَلِكَ مَثَّلَ بِالْآيَاتِ، وَنَظِيرُ ذَلِكَ الرِّزْقُ مَعَ الْأَمْرِ بِالْكَسْبِ، وَالْأَجَلُ مَعَ الْإِذْنِ فِي الْمُعَالَجَةِ، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: هَذَا الْحَدِيثُ إِذَا تَأَمَّلْتَهُ وَجَدْتَ فِيهِ الشِّفَاءَ مِمَّا يُتَخَالَجُ فِي الضَّمِيرِ مِنْ أَمْرِ الْقَدَرِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْقَائِلَ: أَفَلَا نَتَّكِلُ، وَنَدَعُ الْعَمَلَ؟ لَمْ يَدَعْ شَيْئًا مِمَّا يَدْخُلُ فِي أَبْوَابِ الْمُطَالَبَاتِ وَالْأَسْئِلَةِ إِلَّا وَقَدْ طَالَبَ بِهِ، وَسَأَلَ عَنْهُ فَأَعْلَمَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّ الْقِيَاسَ فِي هَذَا الْبَابِ مَتْرُوكٌ، وَالْمُطَالَبَةَ سَاقِطَةٌ، وَأَنَّهُ لَا يُشْبِهُ الْأُمُورَ الَّتِي عُقِلَتْ مَعَانِيهَا وَجَرَتْ مُعَامَلَةُ الْبَشَرِ فِيمَا بَيْنَهُمْ عَلَيْهَا، بَلْ طَوَى اللَّهُ عِلْمَ الْغَيْبِ عَنْ خَلْقِهِ، وَحَجَبَهُمْ عَنْ دَرْكِهِ، كَمَا أَخْفَى عَنْهُمْ أَمْرَ السَّاعَةِ، فَلَا يَعْلَمُ أَحَدٌ مَتَى حِينُ قِيَامِهَا. انْتَهَى.
وَقَدْ تَقَدَّمَ كَلَامُ ابْنِ السَّمْعَانِيِّ فِي نَحْوِ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْقَدَرِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: وَجْهُ الِانْفِصَالِ عَنْ شُبْهَةِ الْقَدَرِيَّةِ أَنَّ اللَّهَ أَمَرَنَا بِالْعَمَلِ، فَوَجَبَ عَلَيْنَا الِامْتِثَالَ، وَغَيَّبَ عَنَّا الْمَقَادِيرَ لِقِيَامِ الْحُجَّةِ، وَنَصَبَ الْأَعْمَالَ عَلَامَةً عَلَى مَا سَبَقَ فِي مَشِيئَتِهِ، فَمَنْ عَدَلَ عَنْهُ ضَلَّ وَتَاهَ ; لِأَنَّ الْقَدَرَ سِرٌّ مِنْ أَسْرَارِ اللَّهِ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ إِلَّا هُوَ، فَإِذَا أَدْخَلَ أَهْلَ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ كَشَفَ لَهُمْ عَنْهُ حِينَئِذٍ، وَفِي أَحَادِيثِ هَذَا الْبَابِ أَنَّ أَفْعَالَ الْعِبَادِ وَإِنْ صَدَرَتْ عَنْهُمْ، لَكِنَّهَا قَدْ سَبَقَ عِلْمُ اللَّهِ بِوُقُوعِهَا بِتَقْدِيرِهِ، فَفِيهَا بُطْلَانُ قَوْلِ الْقَدَرِيَّةِ صَرِيحًا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٥ - بَاب الْعَمَلُ بِالْخَوَاتِيمِ
٦٦٠٦ - حَدَّثَنَا حِبَّانُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: شَهِدْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَيْبَرَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِرَجُلٍ مِمَّنْ مَعَهُ يَدَّعِي الْإِسْلَامَ: هَذَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَلَمَّا حَضَرَ الْقِتَالُ قَاتَلَ الرَّجُلُ مِنْ أَشَدِّ الْقِتَالِ وَكَثُرَتْ بِهِ الْجِرَاحُ، فَأَثْبَتَتْهُ فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ الَّذِي تَحَدَّثْتَ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، قَاتَلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مِنْ أَشَدِّ الْقِتَالِ، فَكَثُرَتْ بِهِ الْجِرَاحُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: أَمَا إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَكَادَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ يَرْتَابُ، فَبَيْنَمَا هُوَ عَلَى ذَلِكَ، إِذْ وَجَدَ الرَّجُلُ أَلَمَ الْجِرَاحِ فَأَهْوَى بِيَدِهِ إِلَى كِنَانَتِهِ، فَانْتَزَعَ مِنْهَا سَهْمًا فَانْتَحَرَ بِهَا، فَاشْتَدَّ رِجَالٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ صَدَّقَ اللَّهُ حَدِيثَكَ قَدْ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٦٦٠٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حِبَّانُ بْنُ مُوسَى) بكسر الحاء المهملة وتشديد الموحدة، المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابنُ راشدٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمدِ بن مسلم (عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁) أنَّه (قَالَ: شَهِدْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ خَيْبَرَ) أي: فتح معظمها؛ لأنَّه لم يحضرْ وقعتها (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِرَجُلٍ) عن رجلٍ منافقٍ (مِمَّنْ مَعَهُ يَدَّعِي الإِسْلَامَ) اسمه: قُزْمان -بضم القاف وسكون الزاي- الظَّفريُّ، بفتح المعجمة والفاء (هَذَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ) لنفاقهِ، أو لأنَّه سيرتدُّ ويقتلُ نفسه مستحلًّا لذلك (فَلَمَّا حَضَرَ القِتَالَُ) لم يضبطِ اللَّام في «اليونينية». نعم ضبطها في «المغازي» [خ¦٤٢٠٣] بالرفع مصحِّحًا عليها، وهو على الفاعلية، ويجوزُ النَّصب على المفعوليَّة، أي: فلما حضر الرَّجلُ القتالَ (قَاتَلَ الرَّجُلُ مِنْ أَشَدِّ القِتَالِ) ولفظ: «من» ساقط في «المغازي» (وَكَثُرَتْ) بالواو وضم المثلثة، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «فكثرتْ» (بِهِ الجِرَاحُ) بكسر الجيم (فَأَثْبَتَتْهُ): فأثخنتْهُ وجعلتْهُ ساكنًا غير متحرِّكٍ (فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَرَأَيْتَ الَّذِي) ولأبي ذرٍّ: «أرأيتَ الرَّجل الَّذي» (تَحَدَّثْتَ) بفتح الفوقية والدال بعدها مثلثة ساكنة ففوقية، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «تُحدِّث» بضم الفوقية وكسر الدال وإسقاط الفوقية بعد المثلثة (أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، قَدْ قَاتَلَ فِي سَبِيلِ اللهِ) ﷿ (مِنْ أَشَدِّ القِتَالِ فَكَثُرَتْ بِهِ (١) الجِرَاحُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: أَمَا) بفتح الهمزة وتخفيف الميم (إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَكَادَ (٢)) أي: قارب (بَعْضُ المُسْلِمِينَ يَرْتَابُ) يشكُّ فيما قالهُ ﷺ (فَبَيْنَمَا) بالميم (هُوَ عَلَى ذَلِكَ إِذْ وَجَدَ الرَّجُلُ) قُزْمان المذكور (أَلَمَ الجِرَاحِ، فَأَهْوَى بِيَدِهِ إِلَى كِنَانَتِهِ، فَانْتَزَعَ مِنْهَا سَهْمًا) نشَّابة (فَانْتَحَرَ) نحرَ (بِهَا) نفسَه (فَاشْتَدَّ) أسرعَ (رِجَالٌ مِنَ المُسْلِمِينَ) المشيَ (إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ صَدَّقَ اللهُ حَدِيثَكَ قَدِ انْتَحَرَ فُلَانٌ) الَّذي قلتَ إنَّه من أهل النَّار (فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: يَا بِلَالُ قُمْ فَأَذِّنْ) بتشديد المعجمة المكسورة، أي: أَعْلِم النَّاس أنَّه (لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ إِلَّا مُؤْمِنٌ، وَإِنَّ اللهَ لَيُؤَيِّدُ) بلام التَّأكيد (هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الفَاجِرِ) «أل» للجنس، فيعمُّ كلَّ فاجرٍ (٣)، أو المراد: الرَّجل الَّذي قتلَ نفسَه وهو قُزْمان.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
وَعلي بن أبي طَالب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
والْحَدِيث مضى فِي الْجَنَائِز فِي: بَاب موعظة الرجل عِنْد الْقَبْر، بأطول مِنْهُ، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.
قَوْله: (جُلُوسًا) أَي: جالسين، ويروى عَن الْأَعْمَش: (قعُودا) ، جمع الْقَاعِد. قَوْله: (مَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) عَن الْأَعْمَش: (كُنَّا مَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فِي بَقِيع الْغَرْقَد) ، بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَسُكُون الرَّاء وَفتح الْقَاف وبالدال الْمُهْملَة، وَهِي مَقْبرَة أهل الْمَدِينَة. قَوْله: (وَمَعَهُ عود) وَفِي رِوَايَة شُعْبَة: (وَبِيَدِهِ فَجعل ينكت بهَا فِي الأَرْض) . وَفِي رِوَايَة مَنْصُور: (مَعَه مخصرة) ، بِكَسْر الْمِيم وَهِي عَصا أَو قضيب يمسِكهُ الرئيس ليتوكأ عَلَيْهِ ولغير ذَلِك، وَمعنى: ينكت، بالنُّون بعد الْيَاء يضْرب. قَوْله: (أَو من الْجنَّة) كلمة: أَو، للتنويع وَوَقع فِي رِوَايَة سُفْيَان مَا يشْعر بِأَنَّهَا بِمَعْنى: الْوَاو، وَقد تقدم من حَدِيث ابْن عمر: أَن لكل أحد مقعدين. قَوْله: (فَقَالَ رجل) ، وَهَذَا الرجل وَقع فِي حَدِيث جَابر عِنْد مُسلم أَنه سراقَة بن مَالك بن جعْشم. قَوْله: (أَلا نَتَّكِل؟) أَي: أَلا نعتمد على مَا قدره الله فِي الْأَزَل ونترك الْعَمَل؟ فَقَالَ: لَا إِذْ كل أحد ميسر لما خلق لَهُ، وَحَاصِله: أَن الْوَاجِب عَلَيْكُم مُتَابعَة الشَّرِيعَة لَا تَحْقِيق الْحَقِيقَة، وَالظَّاهِر لَا يتْرك للباطن. قَوْله: {فَأَما من أعْطى وَاتَّقَى} (اللَّيْل: ٥)
الْآيَة، وَفِي رِوَايَة سُفْيَان ووكيع: الْآيَات إِلَى قَوْله: {العسرى} .
٥ - (بابٌ العَمَلُ بالخَواتِيمِ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ الْعَمَل بالخواتيم أَي: بالعواقب، وَهُوَ جمع خَاتِمَة يَعْنِي: الِاعْتِبَار لحَال الشَّخْص عِنْد الْمَوْت قبل المعاينة لملائكة الْعَذَاب.
١٣ - (حَدثنَا حبَان بن مُوسَى أخبرنَا عبد الله أخبرنَا معمر عَن الزُّهْرِيّ عَن سعيد بن الْمسيب عَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ قَالَ شَهِدنَا مَعَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - خَيْبَر فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لرجل مِمَّن مَعَه يَدعِي الْإِسْلَام هَذَا من أهل النَّار فَلَمَّا حضر الْقِتَال قَاتل الرجل من أَشد الْقِتَال وَكَثُرت بِهِ الْجراح فأثبتته فجَاء رجل من أَصْحَاب النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَقَالَ يَا رَسُول الله أَرَأَيْت الَّذِي تحدثت أَنه من أهل النَّار قد قَاتل فِي سَبِيل الله من أَشد الْقِتَال فكثرت بِهِ الْجراح فَقَالَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أما إِنَّه من أهل النَّار فكاد بعض الْمُسلمين يرتاب فَبَيْنَمَا هُوَ على ذَلِك إِذْ وجد الرجل ألم الْجراح فَأَهوى بِيَدِهِ إِلَى كِنَانَته فَانْتزع مِنْهَا سَهْما فانتحر بهَا فَاشْتَدَّ رجال من الْمُسلمين إِلَى رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَقَالُوا يَا رَسُول الله صدق الله حَدِيثك قد انتحر فلَان فَقتل نَفسه فَقَالَ رَسُول الله يَا بِلَال قُم فَأذن لَا يدْخل الْجنَّة إِلَّا مُؤمن وَإِن الله ليؤيد هَذَا الدّين بِالرجلِ الْفَاجِر) مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ أَن الرجل الْمَذْكُور فِيهِ ختم عمله بالسوء وَإِنَّمَا الْعَمَل بالخاتمة وحبان بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة ابْن مُوسَى الْمروزِي وَعبد الله بن الْمُبَارك الْمروزِي وَمعمر بِفَتْح الميمين ابْن رَاشد والْحَدِيث مضى فِي الْجِهَاد فِي بَاب أَن الله يُؤَيّد الدّين بِالرجلِ الْفَاجِر وَمضى الْكَلَام فِيهِ قَوْله " خَيْبَر " أَي غَزْوَة خَيْبَر بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة قَوْله " لرجل اسْمه قزمان " بِضَم الْقَاف وَسُكُون الزَّاي قَوْله " مِمَّن يَدعِي الْإِسْلَام " أَي تلفظ بِهِ قَوْله " فَلَمَّا حضر الْقِتَال " بِالرَّفْع وَالنّصب قَالَه الْكرْمَانِي قلت الرّفْع على أَنه فَاعل حضر وَالنّصب على المفعولية أَي فَلَمَّا حضر الرجل الْقِتَال قَوْله الْجراح جمع جِرَاحَة قَوْله " فأثبتته " أَي أثخنته الْجراح وَجَعَلته سَاكِنا غير متحرك وَقيل صرعته صرعا لَا يقدر مَعَه على الْقيام قَوْله " يرتاب " أَي يشك فِي الدّين لأَنهم رَأَوْا الْوَعيد شَدِيدا قَوْله " فَبَيْنَمَا " أَصله بَين زيدت فِيهِ الْمِيم وَالْألف وَيَقَع بعده جملَة اسمية وَهِي قَوْله هُوَ كَذَلِك وَيحْتَاج إِلَى جَوَاب وَهُوَ قَوْله إِذْ وجد الرجل أَي الرجل الْمَذْكُور قَوْله فَأَهوى بِيَدِهِ أَي مدها
إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا
سورة الأحزاب 33:56