الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٦٠٦
الحديث رقم ٦٦٠٦ من كتاب «كتاب القدر» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب العمل بالخواتيم.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
٦٦٠٦ - حَدَّثَنَا حِبَّانُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
أَبَدَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ لِأَصْحَابِهِ مِنَ الْحِكَمِ الْمَذْكُورَةِ، وَمُنَاسَبَتُهُ لِلْقِصَّةِ أَنَّ فِيهِ إِشَارَةً إِلَى التَّسْلِيَةِ عَنِ الْمَيِّتِ بِأَنَّهُ مَاتَ بِفَرَاغِ أَجَلِهِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ أَصْلٌ لِأَهْلِ السُّنَّةِ فِي أَنَّ السَّعَادَةَ وَالشَّقَاءَ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ الْقَدِيمِ، وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى الْجَبْرِيَّةِ ; لِأَنَّ التَّيْسِيرَ ضِدُّ الْجَبْرِ ; لِأَنَّ الْجَبْرَ لَا يَكُونُ إِلَّا عَنْ كُرْهٍ، وَلَا يَأْتِي الْإِنْسَانُ الشَّيْءَ بِطَرِيقِ التَّيْسِيرِ إِلَّا وَهُوَ غَيْرُ كَارِهٍ لَهُ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى إِمْكَانِ مَعْرِفَةِ الشَّقِيِّ مِنَ السَّعِيدِ فِي الدُّنْيَا كَمَنِ اشْتُهِرَ لَهُ لِسَانُ صِدْقٍ وَعَكْسُهُ ; لِأَنَّ الْعَمَلَ أَمَارَةٌ عَلَى الْجَزَاءِ عَلَى ظَاهِرِ هَذَا الْخَبَرِ، وَرُدَّ بِمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَنَّ هَذَا الْعَمَلَ الظَّاهِرَ قَدْ يَنْقَلِبُ لِعَكْسِهِ عَلَى وَفْقِ مَا قُدِّرَ، وَالْحَقُّ أَنَّ الْعَمَلَ عَلَامَةٌ وَأَمَارَةٌ، فَيُحْكَمُ بِظَاهِرِ الْأَمْرِ وَأَمْرُ الْبَاطِنِ إِلَى اللَّهِ - تَعَالَى -.
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: لَمَّا أَخْبَرَ ﷺ عَنْ سَبْقِ الْكَائِنَاتِ رَامَ مَنْ تَمَسَّكَ بِالْقَدَرِ أَنْ يَتَّخِذَهُ حُجَّةً فِي تَرْكِ الْعَمَلِ، فَأَعْلَمَهُمْ أَنَّ هُنَا أَمْرَيْنِ لَا يَبْطُلُ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ بَاطِنٌ وَهُوَ الْعِلَّةُ الْمُوجِبَةُ فِي حُكْمِ الرُّبُوبِيَّةِ، وَظَاهِرٌ وَهُوَ الْعَلَامَةُ اللَّازِمَةُ فِي حَقِّ الْعُبُودِيَّةِ، وَإِنَّمَا هِيَ أَمَارَةٌ مُخَيَّلَةٌ فِي مُطَالَعَةِ عِلْمِ الْعَوَاقِبِ غَيْرُ مُفِيدَةٍ حَقِيقَةً، فَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ كُلًّا مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ، وَأَنَّ عَمَلَهُ فِي الْعَاجِلِ دَلِيلٌ عَلَى مَصِيرِهِ فِي الْآجِلِ، وَلِذَلِكَ مَثَّلَ بِالْآيَاتِ، وَنَظِيرُ ذَلِكَ الرِّزْقُ مَعَ الْأَمْرِ بِالْكَسْبِ، وَالْأَجَلُ مَعَ الْإِذْنِ فِي الْمُعَالَجَةِ، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: هَذَا الْحَدِيثُ إِذَا تَأَمَّلْتَهُ وَجَدْتَ فِيهِ الشِّفَاءَ مِمَّا يُتَخَالَجُ فِي الضَّمِيرِ مِنْ أَمْرِ الْقَدَرِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْقَائِلَ: أَفَلَا نَتَّكِلُ، وَنَدَعُ الْعَمَلَ؟ لَمْ يَدَعْ شَيْئًا مِمَّا يَدْخُلُ فِي أَبْوَابِ الْمُطَالَبَاتِ وَالْأَسْئِلَةِ إِلَّا وَقَدْ طَالَبَ بِهِ، وَسَأَلَ عَنْهُ فَأَعْلَمَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّ الْقِيَاسَ فِي هَذَا الْبَابِ مَتْرُوكٌ، وَالْمُطَالَبَةَ سَاقِطَةٌ، وَأَنَّهُ لَا يُشْبِهُ الْأُمُورَ الَّتِي عُقِلَتْ مَعَانِيهَا وَجَرَتْ مُعَامَلَةُ الْبَشَرِ فِيمَا بَيْنَهُمْ عَلَيْهَا، بَلْ طَوَى اللَّهُ عِلْمَ الْغَيْبِ عَنْ خَلْقِهِ، وَحَجَبَهُمْ عَنْ دَرْكِهِ، كَمَا أَخْفَى عَنْهُمْ أَمْرَ السَّاعَةِ، فَلَا يَعْلَمُ أَحَدٌ مَتَى حِينُ قِيَامِهَا. انْتَهَى.
وَقَدْ تَقَدَّمَ كَلَامُ ابْنِ السَّمْعَانِيِّ فِي نَحْوِ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْقَدَرِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: وَجْهُ الِانْفِصَالِ عَنْ شُبْهَةِ الْقَدَرِيَّةِ أَنَّ اللَّهَ أَمَرَنَا بِالْعَمَلِ، فَوَجَبَ عَلَيْنَا الِامْتِثَالَ، وَغَيَّبَ عَنَّا الْمَقَادِيرَ لِقِيَامِ الْحُجَّةِ، وَنَصَبَ الْأَعْمَالَ عَلَامَةً عَلَى مَا سَبَقَ فِي مَشِيئَتِهِ، فَمَنْ عَدَلَ عَنْهُ ضَلَّ وَتَاهَ ; لِأَنَّ الْقَدَرَ سِرٌّ مِنْ أَسْرَارِ اللَّهِ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ إِلَّا هُوَ، فَإِذَا أَدْخَلَ أَهْلَ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ كَشَفَ لَهُمْ عَنْهُ حِينَئِذٍ، وَفِي أَحَادِيثِ هَذَا الْبَابِ أَنَّ أَفْعَالَ الْعِبَادِ وَإِنْ صَدَرَتْ عَنْهُمْ، لَكِنَّهَا قَدْ سَبَقَ عِلْمُ اللَّهِ بِوُقُوعِهَا بِتَقْدِيرِهِ، فَفِيهَا بُطْلَانُ قَوْلِ الْقَدَرِيَّةِ صَرِيحًا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٥ - بَاب الْعَمَلُ بِالْخَوَاتِيمِ
٦٦٠٦ - حَدَّثَنَا حِبَّانُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: شَهِدْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَيْبَرَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِرَجُلٍ مِمَّنْ مَعَهُ يَدَّعِي الْإِسْلَامَ: هَذَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَلَمَّا حَضَرَ الْقِتَالُ قَاتَلَ الرَّجُلُ مِنْ أَشَدِّ الْقِتَالِ وَكَثُرَتْ بِهِ الْجِرَاحُ، فَأَثْبَتَتْهُ فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ الَّذِي تَحَدَّثْتَ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، قَاتَلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مِنْ أَشَدِّ الْقِتَالِ، فَكَثُرَتْ بِهِ الْجِرَاحُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: أَمَا إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَكَادَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ يَرْتَابُ، فَبَيْنَمَا هُوَ عَلَى ذَلِكَ، إِذْ وَجَدَ الرَّجُلُ أَلَمَ الْجِرَاحِ فَأَهْوَى بِيَدِهِ إِلَى كِنَانَتِهِ، فَانْتَزَعَ مِنْهَا سَهْمًا فَانْتَحَرَ بِهَا، فَاشْتَدَّ رِجَالٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ صَدَّقَ اللَّهُ حَدِيثَكَ قَدْ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٦٦٠٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حِبَّانُ بْنُ مُوسَى) بكسر الحاء المهملة وتشديد الموحدة، المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابنُ راشدٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمدِ بن مسلم (عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁) أنَّه (قَالَ: شَهِدْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ خَيْبَرَ) أي: فتح معظمها؛ لأنَّه لم يحضرْ وقعتها (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِرَجُلٍ) عن رجلٍ منافقٍ (مِمَّنْ مَعَهُ يَدَّعِي الإِسْلَامَ) اسمه: قُزْمان -بضم القاف وسكون الزاي- الظَّفريُّ، بفتح المعجمة والفاء (هَذَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ) لنفاقهِ، أو لأنَّه سيرتدُّ ويقتلُ نفسه مستحلًّا لذلك (فَلَمَّا حَضَرَ القِتَالَُ) لم يضبطِ اللَّام في «اليونينية». نعم ضبطها في «المغازي» [خ¦٤٢٠٣] بالرفع مصحِّحًا عليها، وهو على الفاعلية، ويجوزُ النَّصب على المفعوليَّة، أي: فلما حضر الرَّجلُ القتالَ (قَاتَلَ الرَّجُلُ مِنْ أَشَدِّ القِتَالِ) ولفظ: «من» ساقط في «المغازي» (وَكَثُرَتْ) بالواو وضم المثلثة، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «فكثرتْ» (بِهِ الجِرَاحُ) بكسر الجيم (فَأَثْبَتَتْهُ): فأثخنتْهُ وجعلتْهُ ساكنًا غير متحرِّكٍ (فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَرَأَيْتَ الَّذِي) ولأبي ذرٍّ: «أرأيتَ الرَّجل الَّذي» (تَحَدَّثْتَ) بفتح الفوقية والدال بعدها مثلثة ساكنة ففوقية، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «تُحدِّث» بضم الفوقية وكسر الدال وإسقاط الفوقية بعد المثلثة (أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، قَدْ قَاتَلَ فِي سَبِيلِ اللهِ) ﷿ (مِنْ أَشَدِّ القِتَالِ فَكَثُرَتْ بِهِ (١) الجِرَاحُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: أَمَا) بفتح الهمزة وتخفيف الميم (إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَكَادَ (٢)) أي: قارب (بَعْضُ المُسْلِمِينَ يَرْتَابُ) يشكُّ فيما قالهُ ﷺ (فَبَيْنَمَا) بالميم (هُوَ عَلَى ذَلِكَ إِذْ وَجَدَ الرَّجُلُ) قُزْمان المذكور (أَلَمَ الجِرَاحِ، فَأَهْوَى بِيَدِهِ إِلَى كِنَانَتِهِ، فَانْتَزَعَ مِنْهَا سَهْمًا) نشَّابة (فَانْتَحَرَ) نحرَ (بِهَا) نفسَه (فَاشْتَدَّ) أسرعَ (رِجَالٌ مِنَ المُسْلِمِينَ) المشيَ (إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ صَدَّقَ اللهُ حَدِيثَكَ قَدِ انْتَحَرَ فُلَانٌ) الَّذي قلتَ إنَّه من أهل النَّار (فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: يَا بِلَالُ قُمْ فَأَذِّنْ) بتشديد المعجمة المكسورة، أي: أَعْلِم النَّاس أنَّه (لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ إِلَّا مُؤْمِنٌ، وَإِنَّ اللهَ لَيُؤَيِّدُ) بلام التَّأكيد (هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الفَاجِرِ) «أل» للجنس، فيعمُّ كلَّ فاجرٍ (٣)، أو المراد: الرَّجل الَّذي قتلَ نفسَه وهو قُزْمان.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
أَبَدَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ لِأَصْحَابِهِ مِنَ الْحِكَمِ الْمَذْكُورَةِ، وَمُنَاسَبَتُهُ لِلْقِصَّةِ أَنَّ فِيهِ إِشَارَةً إِلَى التَّسْلِيَةِ عَنِ الْمَيِّتِ بِأَنَّهُ مَاتَ بِفَرَاغِ أَجَلِهِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ أَصْلٌ لِأَهْلِ السُّنَّةِ فِي أَنَّ السَّعَادَةَ وَالشَّقَاءَ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ الْقَدِيمِ، وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى الْجَبْرِيَّةِ ; لِأَنَّ التَّيْسِيرَ ضِدُّ الْجَبْرِ ; لِأَنَّ الْجَبْرَ لَا يَكُونُ إِلَّا عَنْ كُرْهٍ، وَلَا يَأْتِي الْإِنْسَانُ الشَّيْءَ بِطَرِيقِ التَّيْسِيرِ إِلَّا وَهُوَ غَيْرُ كَارِهٍ لَهُ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى إِمْكَانِ مَعْرِفَةِ الشَّقِيِّ مِنَ السَّعِيدِ فِي الدُّنْيَا كَمَنِ اشْتُهِرَ لَهُ لِسَانُ صِدْقٍ وَعَكْسُهُ ; لِأَنَّ الْعَمَلَ أَمَارَةٌ عَلَى الْجَزَاءِ عَلَى ظَاهِرِ هَذَا الْخَبَرِ، وَرُدَّ بِمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَنَّ هَذَا الْعَمَلَ الظَّاهِرَ قَدْ يَنْقَلِبُ لِعَكْسِهِ عَلَى وَفْقِ مَا قُدِّرَ، وَالْحَقُّ أَنَّ الْعَمَلَ عَلَامَةٌ وَأَمَارَةٌ، فَيُحْكَمُ بِظَاهِرِ الْأَمْرِ وَأَمْرُ الْبَاطِنِ إِلَى اللَّهِ - تَعَالَى -.
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: لَمَّا أَخْبَرَ ﷺ عَنْ سَبْقِ الْكَائِنَاتِ رَامَ مَنْ تَمَسَّكَ بِالْقَدَرِ أَنْ يَتَّخِذَهُ حُجَّةً فِي تَرْكِ الْعَمَلِ، فَأَعْلَمَهُمْ أَنَّ هُنَا أَمْرَيْنِ لَا يَبْطُلُ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ بَاطِنٌ وَهُوَ الْعِلَّةُ الْمُوجِبَةُ فِي حُكْمِ الرُّبُوبِيَّةِ، وَظَاهِرٌ وَهُوَ الْعَلَامَةُ اللَّازِمَةُ فِي حَقِّ الْعُبُودِيَّةِ، وَإِنَّمَا هِيَ أَمَارَةٌ مُخَيَّلَةٌ فِي مُطَالَعَةِ عِلْمِ الْعَوَاقِبِ غَيْرُ مُفِيدَةٍ حَقِيقَةً، فَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ كُلًّا مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ، وَأَنَّ عَمَلَهُ فِي الْعَاجِلِ دَلِيلٌ عَلَى مَصِيرِهِ فِي الْآجِلِ، وَلِذَلِكَ مَثَّلَ بِالْآيَاتِ، وَنَظِيرُ ذَلِكَ الرِّزْقُ مَعَ الْأَمْرِ بِالْكَسْبِ، وَالْأَجَلُ مَعَ الْإِذْنِ فِي الْمُعَالَجَةِ، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: هَذَا الْحَدِيثُ إِذَا تَأَمَّلْتَهُ وَجَدْتَ فِيهِ الشِّفَاءَ مِمَّا يُتَخَالَجُ فِي الضَّمِيرِ مِنْ أَمْرِ الْقَدَرِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْقَائِلَ: أَفَلَا نَتَّكِلُ، وَنَدَعُ الْعَمَلَ؟ لَمْ يَدَعْ شَيْئًا مِمَّا يَدْخُلُ فِي أَبْوَابِ الْمُطَالَبَاتِ وَالْأَسْئِلَةِ إِلَّا وَقَدْ طَالَبَ بِهِ، وَسَأَلَ عَنْهُ فَأَعْلَمَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّ الْقِيَاسَ فِي هَذَا الْبَابِ مَتْرُوكٌ، وَالْمُطَالَبَةَ سَاقِطَةٌ، وَأَنَّهُ لَا يُشْبِهُ الْأُمُورَ الَّتِي عُقِلَتْ مَعَانِيهَا وَجَرَتْ مُعَامَلَةُ الْبَشَرِ فِيمَا بَيْنَهُمْ عَلَيْهَا، بَلْ طَوَى اللَّهُ عِلْمَ الْغَيْبِ عَنْ خَلْقِهِ، وَحَجَبَهُمْ عَنْ دَرْكِهِ، كَمَا أَخْفَى عَنْهُمْ أَمْرَ السَّاعَةِ، فَلَا يَعْلَمُ أَحَدٌ مَتَى حِينُ قِيَامِهَا. انْتَهَى.
وَقَدْ تَقَدَّمَ كَلَامُ ابْنِ السَّمْعَانِيِّ فِي نَحْوِ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْقَدَرِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: وَجْهُ الِانْفِصَالِ عَنْ شُبْهَةِ الْقَدَرِيَّةِ أَنَّ اللَّهَ أَمَرَنَا بِالْعَمَلِ، فَوَجَبَ عَلَيْنَا الِامْتِثَالَ، وَغَيَّبَ عَنَّا الْمَقَادِيرَ لِقِيَامِ الْحُجَّةِ، وَنَصَبَ الْأَعْمَالَ عَلَامَةً عَلَى مَا سَبَقَ فِي مَشِيئَتِهِ، فَمَنْ عَدَلَ عَنْهُ ضَلَّ وَتَاهَ ; لِأَنَّ الْقَدَرَ سِرٌّ مِنْ أَسْرَارِ اللَّهِ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ إِلَّا هُوَ، فَإِذَا أَدْخَلَ أَهْلَ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ كَشَفَ لَهُمْ عَنْهُ حِينَئِذٍ، وَفِي أَحَادِيثِ هَذَا الْبَابِ أَنَّ أَفْعَالَ الْعِبَادِ وَإِنْ صَدَرَتْ عَنْهُمْ، لَكِنَّهَا قَدْ سَبَقَ عِلْمُ اللَّهِ بِوُقُوعِهَا بِتَقْدِيرِهِ، فَفِيهَا بُطْلَانُ قَوْلِ الْقَدَرِيَّةِ صَرِيحًا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٥ - بَاب الْعَمَلُ بِالْخَوَاتِيمِ
٦٦٠٦ - حَدَّثَنَا حِبَّانُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: شَهِدْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَيْبَرَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِرَجُلٍ مِمَّنْ مَعَهُ يَدَّعِي الْإِسْلَامَ: هَذَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَلَمَّا حَضَرَ الْقِتَالُ قَاتَلَ الرَّجُلُ مِنْ أَشَدِّ الْقِتَالِ وَكَثُرَتْ بِهِ الْجِرَاحُ، فَأَثْبَتَتْهُ فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ الَّذِي تَحَدَّثْتَ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، قَاتَلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مِنْ أَشَدِّ الْقِتَالِ، فَكَثُرَتْ بِهِ الْجِرَاحُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: أَمَا إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَكَادَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ يَرْتَابُ، فَبَيْنَمَا هُوَ عَلَى ذَلِكَ، إِذْ وَجَدَ الرَّجُلُ أَلَمَ الْجِرَاحِ فَأَهْوَى بِيَدِهِ إِلَى كِنَانَتِهِ، فَانْتَزَعَ مِنْهَا سَهْمًا فَانْتَحَرَ بِهَا، فَاشْتَدَّ رِجَالٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ صَدَّقَ اللَّهُ حَدِيثَكَ قَدْ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٦٦٠٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حِبَّانُ بْنُ مُوسَى) بكسر الحاء المهملة وتشديد الموحدة، المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابنُ راشدٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمدِ بن مسلم (عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁) أنَّه (قَالَ: شَهِدْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ خَيْبَرَ) أي: فتح معظمها؛ لأنَّه لم يحضرْ وقعتها (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِرَجُلٍ) عن رجلٍ منافقٍ (مِمَّنْ مَعَهُ يَدَّعِي الإِسْلَامَ) اسمه: قُزْمان -بضم القاف وسكون الزاي- الظَّفريُّ، بفتح المعجمة والفاء (هَذَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ) لنفاقهِ، أو لأنَّه سيرتدُّ ويقتلُ نفسه مستحلًّا لذلك (فَلَمَّا حَضَرَ القِتَالَُ) لم يضبطِ اللَّام في «اليونينية». نعم ضبطها في «المغازي» [خ¦٤٢٠٣] بالرفع مصحِّحًا عليها، وهو على الفاعلية، ويجوزُ النَّصب على المفعوليَّة، أي: فلما حضر الرَّجلُ القتالَ (قَاتَلَ الرَّجُلُ مِنْ أَشَدِّ القِتَالِ) ولفظ: «من» ساقط في «المغازي» (وَكَثُرَتْ) بالواو وضم المثلثة، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «فكثرتْ» (بِهِ الجِرَاحُ) بكسر الجيم (فَأَثْبَتَتْهُ): فأثخنتْهُ وجعلتْهُ ساكنًا غير متحرِّكٍ (فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَرَأَيْتَ الَّذِي) ولأبي ذرٍّ: «أرأيتَ الرَّجل الَّذي» (تَحَدَّثْتَ) بفتح الفوقية والدال بعدها مثلثة ساكنة ففوقية، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «تُحدِّث» بضم الفوقية وكسر الدال وإسقاط الفوقية بعد المثلثة (أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، قَدْ قَاتَلَ فِي سَبِيلِ اللهِ) ﷿ (مِنْ أَشَدِّ القِتَالِ فَكَثُرَتْ بِهِ (١) الجِرَاحُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: أَمَا) بفتح الهمزة وتخفيف الميم (إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَكَادَ (٢)) أي: قارب (بَعْضُ المُسْلِمِينَ يَرْتَابُ) يشكُّ فيما قالهُ ﷺ (فَبَيْنَمَا) بالميم (هُوَ عَلَى ذَلِكَ إِذْ وَجَدَ الرَّجُلُ) قُزْمان المذكور (أَلَمَ الجِرَاحِ، فَأَهْوَى بِيَدِهِ إِلَى كِنَانَتِهِ، فَانْتَزَعَ مِنْهَا سَهْمًا) نشَّابة (فَانْتَحَرَ) نحرَ (بِهَا) نفسَه (فَاشْتَدَّ) أسرعَ (رِجَالٌ مِنَ المُسْلِمِينَ) المشيَ (إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ صَدَّقَ اللهُ حَدِيثَكَ قَدِ انْتَحَرَ فُلَانٌ) الَّذي قلتَ إنَّه من أهل النَّار (فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: يَا بِلَالُ قُمْ فَأَذِّنْ) بتشديد المعجمة المكسورة، أي: أَعْلِم النَّاس أنَّه (لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ إِلَّا مُؤْمِنٌ، وَإِنَّ اللهَ لَيُؤَيِّدُ) بلام التَّأكيد (هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الفَاجِرِ) «أل» للجنس، فيعمُّ كلَّ فاجرٍ (٣)، أو المراد: الرَّجل الَّذي قتلَ نفسَه وهو قُزْمان.