«مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث 6599

الحديث رقم 6599 من كتاب «كتاب القدر» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الله أعلم بما كانوا عاملين.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه…

«مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، وَيُنَصِّرَانِهِ، كَمَا تُنْتِجُونَ الْبَهِيمَةَ هَلْ تَجِدُونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ؟ حَتَّى تَكُونُوا أَنْتُمْ تَجْدَعُونَهَا ٦٦٠٠ - قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ أَفَرَأَيْتَ مَنْ يَمُوتُ وَهْوَ صَغِيرٌ؟ قَالَ: اللهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ.»

سند حديث: ٦٥٩٩ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ أَخْبَرَنَا…

٦٥٩٩ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه…

ما من مولود من بني آدم إلا يولد وهو على الفطرة، وهي قبول الحق، فالله جبله وخلقه على خِلقة مُهيَّأة ومناسبة لتلقي الإسلام، والانقياد لتفاصيله وأحكامه، وكل مَن وُلد على الفطرة، وكان له أبوان على غير الإسلام نقلاه إلى دينهما، فأبوا المولود يهودانه إن كانا يهوديين أو ينصرانه إن كانا نصرانيين، أو يمجسانه إن كانا مجوسيين، إما بتعليمهما إياه أو ترغيبهما فيه، أو كونه تبعًا لهما في الدين، ويقتضي أن يكون حكمه حكمهما فيه، وخص الأبوان بالذكر للغالب، وضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم لذلك مثلًا: كما تلد البهيمة بهيمة تامة الأعضاء غير ناقصة الأطراف، فهل تكون فيها ناقصة الأعضاء أو مقطوعة الأذن أو الأنف؟ الجواب لا، حتى يكون مالكها يجدعها، واستدل أبو هريرة على الحديث بهذه الآية: {فطرة الله التي فطر الناس عليها}.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • المولود يولد على الفطرة.
  • تغيير بعض الآباء لدين أبناءهم.
  • ضرب الأمثال من هدي النبي صلى الله عليه وسلم لتقريب الكلام وفهمه.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com - شرح مبسّط

شرح حديث: «ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه…

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

سُئِلَ رَسُولُ اللهِ (١) ﷺ عَنْ ذَرَارِيِّْ المُشْرِكِينَ) بفتح الذال المعجمة والراء وبعد الألف راء أخرى مكسورة وتشديد التحتية وتخفَّف، أي: أولادهم الَّذين لم يبلغُوا الحلم (فَقَالَ) ﷺ: (اللهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ) أي: إنَّ الله يعلمُ ما لا يكون أنْ لو كان كيفَ يكون، فأحرَى أن يعلمَ ما يكون وما قدَّره وقضاهُ في كونهِ، وهذَا يقوِّي مذهبَ أهل السُّنَّة أنَّ القَدَر هو علمُ الله وغيبه الَّذي استأثر، فلم يُطلع عليه أحدًا من خلقهِ.

٦٥٩٩ - ٦٦٠٠ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (إِسْحَاقُ) ولأبي ذرٍّ: «إسحاق بن إبراهيم». قال في «فتح الباري»: هو ابنُ رَاهُوْيَه. واعترضَه العينيُّ فقال: جوَّز الكلاباذيُّ أن يكون ابنَ إبراهيمَ بنِ نصر السَّعديَّ، وإسحاقَ بنِ إبراهيم الحنظليَّ، وإسحاقَ بنِ إبراهيم الكوسجَ، فالجزمُ بأنَّه ابن رَاهُوْيَه مِن أين؟ وأجابَ في «انتقاض الاعتراض» بأنَّه من القرينةِ الظَّاهرة في قولهِ: «أخبرنا» فإنَّه لا يقول «حَدَّثنا» كما أنَّ إسحاق بن منصور الكوسج يقول: «حدَّثنا» ولا يقول: «أخبرنَا» وهذا يعرف بالاستقراءِ، قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همَّام قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابنُ راشدٍ (عَنْ هَمَّامٍ) بفتح الميم المشددة، ابن منبِّه (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁، أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ) الإسلاميَّة، ففيه القابليَّة للدِّين الحقِّ، فلو تُركَ وطبعَه لَمَا اختارَ دينًا غيره، و «ما مِن مولودٍ» مبتدأٌ، و «يولد» خبرُه؛ لأنَّ «مِن» الاستغراقيَّة في سياق النَّفي تفيدُ العموم كقولك (٢): ما أحدٌ خيرٌ منك، والتَّقدير هنا: ما مِن مولودٍ يُولد (٣) على أمرٍ من الأمورِ إلَّا على الفطرةِ (فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ) يجعلانه يهوديًّا إذا كانا من اليهودِ (وَيُنَصِّرَانِهِ) يجعلانه نصرانيًّا إذا كانا من النَّصارى، والفاء في «فأبواه» للتَّعقيب أو للتَّسبُّب (٤) أي: إذا تقرَّر ذلك فمَن تغيَّر كان

بسببِ أبيه (كَمَا) حالٌ من الضَّمير المنصوب في «يهودانهِ» مثلًا، أي: يهودان المولودَ بعد أن خُلِق على الفطرةِ، كما (تُنْتِجُونَ البَهِيمَةَ) سليمةً، بضم الفوقية الأولى وكسر الثانية بينهما نون ساكنة وضم الجيم، من الإنتاج، يقال: أنتجتِ النَّاقة، إذا أعنتَها على النِّتاج، وقال في «المغرب»: نتَجَ النَّاقة يُنْتِجها نتجًا، إذا وليَ نِتَاجها حتَّى وضعَتْ فهو ناتِجٌ، وهو للبهائمِ كالقابلةِ للنِّساء، أو «كما» صفةُ مصدر (١) محذوف، أي: يغيِّرانه تغييرًا مثل تغييرِهم البهيمةَ السَّليمة، فـ «يُهوِّدانه» و «ينصِّرانه» تنازعًا في «كما» على التَّقديرين (هَلْ تَجِدُونَ فِيهَا) في البهيمةِ (مِنْ جَدْعَاءَ) بفتح الجيم وسكون الدال المهملة والمدِّ، مقطوعةَ الأطرافِ أو أَحَدِها (٢) في موضعِ الحال على التَّقديرين، أي: بهيمة سليمةً مقولًا في حقِّها هذا القول، وفيه نوع من التَّأكيد؛ يعني: أنَّ كلَّ من نظرَ إليها قال هذا القولَ لسلامتِها (حَتَّى تَكُونُوا أَنْتُمْ تَجْدَعُونَهَا) بفتح الفوقيَّة والدال المهملة بينهما جيم ساكنة، أي: تقطعونَ أطرافَها أو شيئًا منها، وشبَّه بالمحسوسِ المشاهدِ؛ ليفيدَ أنَّ ظهوره بلغَ في الكشفِ والبيان مبلغَ هذا المحسوسِ المشاهدِ، ومحصّله: أنَّ العالَم إمَّا عالَمُ الغيب أو عالَم الشَّهادة، فإذا نُزِّلَ الحديثُ على عالَمِ الغيب أشكل معناهُ، وإذا صُرف إلى عالَم الشَّهادة سهل تَعاطيه، فإذا نظرَ النَّاظر إلى المولودِ نفسه من غير اعتبار عالم الغيب، وأنَّه ولدَ على الفطرةِ من الاستعدادِ للمعرفةِ وقبول الحقِّ والتَّأبِّي عن الباطلِ، والتَّمييز بين الخطأِ والصَّواب حَكَمَ بأنَّه لو تركَ علَى ما هو عليهِ ولم يعتورْه من الخارجِ ما يصدُّه، استمرَّ على ما هو عليهِ من الفطرةِ السَّليمةِ، وانظرْ قتلَ الخضرِ الغلامَ؛ إذ كان باعتبارِ النَّظر إلى عالَم الغيبِ، وإنكار موسى عليه (٣) كان باعتبارِ عالَم الشَّهادة وظاهرِ الشَّرع، فلمَّا اعتذرَ الخضرُ بالعلمِ الخفيِّ الغائبِ أمسك موسى ﵇ عن الإنكارِ، فلا عبرةَ بالإيمان الفطريِّ في أحكامِ الدُّنيا، وإنَّما يعتبرُ الإيمان الشَّرعيُّ المكتسب بالإرادةِ والفعلِ. انتهى. ملخّصًا من «شرح المشكاة».

(قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ؛ أَفَرَأَيْتَ) أي: أخبرنا، من إطلاق السَّبب على المسبَّب؛ لأنَّ مشاهدةَ الأشياءِ طريقٌ إلى الإخبارِ عنها، والهمزة فيه مقرِّرة، أي: قد رأيت ذلك فأخبرنَا (مَنْ يَمُوتُ

وَهْوَ صَغِيرٌ) لم يبلغِ الحلم أيدخل الجنة؟ (قَالَ) ﷺ: (اللهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ). قال البيضاويُّ: فيه إشارةٌ إلى أنَّ الثَّواب والعقاب لا لأجلِ الأعمالِ، وإلَّا لزم أن (١) يكون ذرارِي المسلمين والكافرين لا من أهلِ الجنَّة ولا من أهلِ النَّار، بل الموجبُ لهما اللُّطف الرَّبانيُّ، والخذلان الإلهيُّ المقدَّر لهما في الأزلِ، فالأَولى فيهما التَّوقف وعدم الجزمِ بشيءٍ، فإنَّ أعمالَهم موكولةٌ إلى علمِ الله فيما يعودُ إلى أمرِ الآخرةِ من الثَّواب والعقابِ. وقال النَّوويُّ: أجمعَ من يعتبرُ (٢) به من علماءِ المسلمين أنَّ من مات من أطفالِ المسلمين فهو من أهلِ الجنَّة؛ لأنَّه ليس مكلَّفًا، وتوقَّفَ فيهم بعضُ من لا يُعتدُّ به لحديث (٣) عائشةَ في مسلم أنَّه ﷺ دُعي لجنازةِ صبيٍّ من الأنصار فقلتُ: طُوبى لهذا، عصفورٌ من عصافيرِ الجنَّة لم يعملِ السُّوء ولم يدركْه، فقال: «أو غيرَ ذلكَ يا عائشة، إنَّ الله خلقَ للجنَّة أهلًا خلقَهُم لها وهُم فِي أصلابِ آبائهِم، وخلقَ للنَّار أهلًا خلقَهُم لهَا وهُم فِي أصلابِ آبائهِم».

وأجابوا عن هذا بأنَّه لعلَّه ﷺ نهاها عن المسارعةِ إلى القطعِ من غير أن يكونَ عندها دليلٌ قاطعٌ، أو أنَّه ﷺ قال هذا قبلَ أن يعلمَ أنَّ أطفالَ المسلمين (٤) في الجنَّة، وأمَّا أطفال المشركين ففيهم ثلاثة مَذاهب: فالأكثرونَ على أنَّهم في النَّار، وتوقَّفت طائفةٌ، والثَّالث وهو الصَّحيح أنَّهم من أهل الجنَّة.

والحديث سبق في «الجنائز»، وفيه: «أو يمجِّسانه» [خ¦١٣٨٥]، وأخرجه مسلم (٥) في «القدرِ»، والله الموفِّق.

(٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين في «اليونينيَّة» أي: في قولهِ تعالى: (﴿وَكَانَ أَمْرُ اللهِ﴾) الَّذي يريد أن يكونَه (﴿قَدَرًا مَّقْدُورًا﴾ [الأحزاب: ٣٨]) قضاءً مقضيًّا، وحُكْمًا مبتوتًا لا محيدَ عنه، فما شاء كان، وما لم يشأْ لم يكنْ.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

٦٩٥٦ - حدّثنا آدَمُ حدّثنا شُعْبَةُ حَدثنَا يَزِيدُ الرِّشْكُ قَالَ: سَمِعْتُ مُطَرِّفَ بنَ عَبْدِ الله بنِ الشِّخِّيرِ يُحَدِّثُ عنْ عِمْرانَ بن حُصْنٍ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رسولَ الله! أيُعْرَفُ أهْلُ الجَنّةِ مِنْ أهْلِ النّارِ؟ قَالَ: (نَعَمْ) . قَالَ: فَلِمَ يَعْمَلُ العامِلُونَ؟ قَالَ: (كُلٌّ يَعْمَلُ لما خُلِقَ لهُ أوْ لِما يُسِّرَ لهُ) .

الْمُطَابقَة للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وآدَم هُوَ ابْن أبي إِيَاس، وَيزِيد من الزِّيَادَة الرشك بِكَسْر الرَّاء وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة وبالكاف مَعْنَاهُ القسام، وَقَالَ الغساني: هُوَ بِالْفَارِسِيَّةِ الغيور، وَقيل: هُوَ كَبِير اللِّحْيَة، يُقَال: بلغ طول لحيته إِلَى أَن دخلت فِيهَا عقرب وَمَكَثت ثَلَاثَة أَيَّام وَلَا يدْرِي بهَا. وَقَالَ الْكرْمَانِي: الرشك بِالْفَارِسِيَّةِ الْقمل الصَّغِير يلتصق بأصول الشّعْر، فعلى هَذَا الْإِضَافَة إِلَيْهِ أولى من الصّفة، وَمَا ليزِيد فِي البُخَارِيّ إلَاّ هَذَا الحَدِيث هُنَا، وَفِي الِاعْتِصَام، ومطرف على وزن اسْم الْفَاعِل من التطريف ابْن عبد الله بن الشخير بِكَسْر الشين الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالراء، وَهَذَا من صِيغ الْمُبَالغَة لمن يشخر كثيرا كالسكير لمن يسكر كثيرا.

والْحَدِيث أخرجه أَيْضا فِي التَّوْحِيد عَن أبي معمر. وَأخرجه مُسلم فِي الْقدر عَن يحيى بن يحيى وَغَيره. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي السّنة عَن مُسَدّد. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي التَّفْسِير عَن مُحَمَّد بن النَّضر.

قَوْله: (قَالَ: قَالَ رجل) هُوَ عمرَان بن حُصَيْن رَاوِي الْخَبَر، بَينه عبد الْوَارِث بن سعيد عَن يزِيد الرشك عَن عمرَان بن حُصَيْن. قَالَ: قلت: يَا سَوَّلَ الله ... فَذكره. قَوْله: (أيعرف أهل الْجنَّة من أهل النَّار) . أَي: أيميز بَينهمَا؟ قيل: الْمعرفَة إِنَّمَا هِيَ بِالْعَمَلِ لِأَنَّهُ إِمَارَة فَمَا وَجه سُؤَاله؟ وَأجِيب: بِأَن معرفتنا بِالْعَمَلِ أما معرفَة الْمَلَائِكَة مثلا فَهِيَ قبل الْعَمَل، فالغرض من لفظ: أيعرف: أيميز وَيفرق بَينهمَا تَحت قَضَاء الله وَقدره؟ قَوْله: (فَلم يعْمل الْعَامِلُونَ؟) وَفِي رِوَايَة حَمَّاد: فَفِيمَ؟ وَهُوَ اسْتِفْهَام، وَالْمعْنَى: إِذا سبق الْقَلَم بذلك فَلَا يحْتَاج الْعَامِل إِلَى الْعَمَل لِأَنَّهُ سيصير إِلَى مَا قدر لَهُ. قَوْله: (كل يعْمل) أَي: كل أحد يعْمل (لما خلق لَهُ) على صِيغَة الْمَجْهُول، وَكلمَة: مَا، مَوْصُولَة أَي: للَّذي خلق لَهُ، وَفِي رِوَايَة حَمَّاد: (كل ميسر لَهُ خلق لَهُ) وَقد جَاءَ بِهَذَا اللَّفْظ عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة. مِنْهَا: مَا رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد حسن بِلَفْظ: كل امرىء مُهَيَّأ لما خلق لَهُ. قَوْله: (أَو لما يسر لَهُ) شكّ من الرَّاوِي أَي: كل يعْمل لما يسر لَهُ، بِضَم الْيَاء آخر الْحُرُوف وَتَشْديد السِّين الْمَكْسُورَة وَفتح الرَّاء، هَذَا هَكَذَا وَرِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره: لما ييسر لَهُ، بِضَم الْيَاء الأولى وَفتح الثَّانِيَة وَتَشْديد السِّين، وَحَاصِل معنى هَذَا، أَن العَبْد لَا يدْرِي مَا أمره فِي الْمَآل لِأَنَّهُ يعْمل مَا سبق فِي يُعلمهُ تَعَالَى، فَعَلَيهِ أَن يجْتَهد فِي عمل مَا أَمر بِهِ فَإِن عمله إِمَارَة إِلَى مَا يؤول إِلَيْهِ أمره.

٣ - (بابٌ الله أعْلَمُ بِما كانُوا عامِلِينَ)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: الله أعلم بِمَا كَانُوا عاملين، وَالضَّمِير فِي: كَانُوا، يرجع إِلَى أَوْلَاد الْمُشْركين لِأَن صدر الحَدِيث سُؤال عَن أَوْلَاد الْمُشْركين، وَقد مضى فِي آخر كتاب الْجَنَائِز: بَاب مَا قيل فِي أَوْلَاد الْمُشْركين، وَذكر فِيهِ حَدِيث ابْن عَبَّاس الَّذِي ذكر فِي هَذَا الْبَاب.

٧٩٥٦ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّار حَدثنَا غُنْدَرٌ قَالَ: حَدثنَا شُعْبَةُ عنْ أبي بِشرٍ عنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله عَنْهُمَا، قَالَ: سُئِل النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عنْ أوْلادِ المُشْرِكِينَ فَقَالَ: (الله أعْلَمُ بِما كانُوا عامِلينَ) . (انْظُر الحَدِيث ٣٨٣١) .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وغند بِضَم الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَسُكُون النُّون مُحَمَّد بن جَعْفَر، وَأَبُو بشر بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة جَعْفَر بن أبي وحشية إِيَاس الْيَشْكُرِي الوَاسِطِيّ.

والْحَدِيث مضى فِي آخر الْجَنَائِز فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن حبَان عَن عبد الله عَن شُعْبَة عَن أبي بشر عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس ... إِلَى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. وَقَالَ النَّوَوِيّ: أَطْفَال الْمُشْركين فيهم ثَلَاثَة مَذَاهِب: فالأكثرون على أَنهم فِي النَّار، وتوقفت طَائِفَة، وَالثَّالِث وَهُوَ الصَّحِيح: أَنهم من أهل الْجنَّة.

وَقَالَ الْبَيْضَاوِيّ: الثَّوَاب وَالْعِقَاب ليسَا بِالْأَعْمَالِ وإلاّ لزم أَن لَا يكون الذَّرَارِي لَا فِي الْجنَّة وَلَا فِي النَّار، بل الْمُوجب لَهما هُوَ اللطف الرباني والخذلان الإل هِيَ الْمُقدر لَهُم فِي الْأَزَل، فَالْأولى فيهم التَّوَقُّف.

٨٩٥٦ - حدّثنا يحْيَاى بنُ بُكَيْرٍ حَدثنَا اللَّيْثُ عنْ يُونُسَ عنِ ابنِ شِهابٍ قَالَ: وَأَخْبرنِي عَطاءُ بنُ يَزِيدَ أنّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقولُ: سُئِلَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عنْ ذَرارِيِّ المُشْرِكِينَ؟ فَقَالَ: (الله أعْلَمُ بِما كانُوا عامِلينَ) . (انْظُر الحَدِيث ٤٨٣١ وطرفه) .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَيُونُس هُوَ ابْن يزِيد الْأَيْلِي، وَابْن شهَاب هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ.

والْحَدِيث مضى فِي أَوَاخِر كتاب الْجَنَائِز فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أبي الْيَمَان عَن شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ قَالَ أَخْبرنِي عَطاء بن يزِيد اللَّيْثِيّ أَنه سمع أَبَا هُرَيْرَة ... إِلَى آخِره، قَالَ هُنَاكَ: أَخْبرنِي عَطاء بن يزِيد، كَمَا رَأَيْت، وَقَالَ هُنَا: قَالَ: وَأَخْبرنِي عَطاء بن يزِيد، بواو الْعَطف على مَحْذُوف كَأَنَّهُ حدث قبل ذَلِك بِشَيْء ثمَّ حدث بِحَدِيث عَطاء.

قَوْله: (عَن ذَرَارِي الْمُشْركين) بتَشْديد الْيَاء وتخفيفها جمع ذُرِّيَّة وذرية الرجل أَوْلَاده وَيكون وَاحِدًا وجمعاً. قَوْله: (الله أعلم بِمَا كَانُوا عاملين) غَرَض البُخَارِيّ من هَذَا الرَّد على الْجَهْمِية فِي قَوْلهم: إِن الله لَا يعلم أَفعَال الْعباد حَتَّى يعملوها، تَعَالَى الله عَن ذَلِك القَوْل، وَأخْبر الشَّارِع فِي هَذَا الحَدِيث أَن الله يعلم مَا لَا يكون أَن لَو كَانَ كَيفَ يكون، فأحرى أَن يعلم مَا يكون وَمَا قدره وقضاه فِي كَونه، وَهَذَا يُقَوي مَا ذهب إِلَيْهِ أهل السّنة أَن الْقدر هُوَ علم الله وغيبه الَّذِي اسْتَأْثر بِهِ فَلم يطلع عَلَيْهِ ملكا مقرباً وَلَا نَبيا مُرْسلا. وَقَالَ الدَّاودِيّ: لَا أعلم لهَذَا الحَدِيث وَجها إلَاّ أَن الله أعلم بِمَا يعْمل بِهِ، لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ علم أَن هَؤُلَاءِ لَا يتأخرون عَن آجالهم وَلَا يعْملُونَ شَيْئا، قد أخبر أَنهم ولدُوا على الْفطْرَة، أَي: الْإِسْلَام، وَأَن أباءهم يهودونهم وينصرونهم، كَمَا أَن الْبَهِيمَة تولد سليمَة من الجدع والخصا وَغير ذَلِك مِمَّا يعْمل النَّاس بهَا حَتَّى يصنع ذَلِك بهَا، وَكَذَلِكَ الْولدَان.

٩٩٥٦ - حدّثني إسْحَاقُ أخبرنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أخبرنَا مَعْمَرٌ عنْ هَمَّامٍ عنْ أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (مَا مِنْ موْلُودٍ إلَاّ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ فأبَواهُ يُهَوِّدانهِ ويُنَصِّرانِهِ، كَمَا تُنْتِجُونَ البَهِيمَةَ، هَلْ تَجدُونَ فِيها مِنْ جَدْعاءَ حتَّى تَكُونُوا أنْتُمْ تَجْدَعُونَها) . قالُوا: يَا رسولَ الله! أفَرَأيْتَ مَنْ يَمُوتُ وهْوَ صَغِير؟ قَالَ: (الله أعْلَمُ بِمَا كانُوا عامِلِينَ) . (انْظُر الحَدِيث ٤٨٣١ وطرفه) .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَإِسْحَاق قَالَ بَعضهم: هُوَ إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم هُوَ ابْن رَاهَوَيْه الْحَنْظَلِي، وَقَالَ الكلاباذي: يروي البُخَارِيّ عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم بن نصر السَّعْدِيّ، وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الْحَنْظَلِي، وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الكوسج عَن عبد الرَّزَّاق.

قلت: كَلَامه يُشِير إِلَى أَن إِسْحَاق هُنَا يحْتَمل أَن يكون أحد الثَّلَاثَة الْمَذْكُورين، لِأَن كلاًّ مِنْهُم روى عَن عبد الرَّزَّاق بن همام، وَجزم بَعضهم بِأَنَّهُ إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه، من أَيْن؟ وَمعمر بِفَتْح الميمين هُوَ ابْن رَاشد، وَهَمَّام هُوَ ابْن مُنَبّه.

والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْقدر عَن مُحَمَّد بن رَافع. وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا من وَجه آخر عَن أبي هُرَيْرَة فِي آخر الْجَنَائِز فِي: بَاب مَا قيل فِي أَوْلَاد الْمُشْركين، وَفِيه: أَو يُمَجِّسَانِهِ، كَمثل الْبَهِيمَة تنْتج الْبَهِيمَة هَل ترى فِيهَا جَدْعَاء؟ وَاقْتصر على هَذَا الْمِقْدَار.

قَوْله: (مَا من مَوْلُود) مُبْتَدأ (ويولد) خَبره لِأَن: من الاستغراقية فِي سِيَاق النَّفْي تفِيد الْعُمُوم كَقَوْلِك: مَا أحد خير مِنْك، وَالتَّقْدِير: مَا مَوْلُود يُوجد على أَمر من الْأُمُور إلَاّ على هَذَا الْأَمر، وَهُوَ قَوْله: (على الْفطْرَة) أَي: على الْإِسْلَام، وَقيل: الْفطْرَة الْخلقَة وَالْمرَاد هُنَا القابلية لدين الْحق إِذْ لَو تركُوا وطبائعهم لما اخْتَارُوا دينا آخر. قَوْله: (ويهوِّدانه) أَي: يجعلانه يَهُودِيّا إِذا كَانَا من الْيَهُود، وينصِّرانه أَي: يجعلانه نَصْرَانِيّا إِذا كَانَا من النَّصَارَى، وَالْفَاء فِي (فابواه) إِمَّا للتعقيب وَهُوَ ظَاهر وَإِمَّا للتسبب أَي إِذا تقرر ذَلِك فَمن تغير كَانَ بِسَبَب أَبَوَيْهِ. قَوْله: (كَمَا) إِمَّا حَال من الضَّمِير الْمَنْصُوب فِي: يُهَوِّدَانِهِ، مثلا فَالْمَعْنى يهودان الْمَوْلُود بعد أَن خلق على الْفطْرَة شَبِيها بالبهيمة الَّتِي جدعت بعد أَن خلقت سليمَة، وَإِمَّا صفة مصدر

مَحْذُوف، أَي: يُغير أَنه تغييراً مثل تغييرهم الْبَهِيمَة السليمة. قَوْله: (تنتجون) على صِيغَة بِنَاء الْمَعْلُوم، وَقَالَ ابْن التِّين: روينَاهُ: تنتجون، بِضَم أَوله من الإنتاج يُقَال: أنتج إنتاجاً قَالَ أَبُو عَليّ: يُقَال: أنتجت النَّاقة إِذا أعنتها على النِّتَاج، وَيقرب مِنْهُ مَا قَالَه فِي (الْمغرب) : نتج النَّاقة ينتجها نتجاً إِذا ولي نتاجها حَتَّى وضعت فَهُوَ ناتج، وَهُوَ للبهائم كالقابلة للنِّسَاء. قَوْله: (هَل تَجِدُونَ فِيهَا من جَدْعَاء) فِي مَوضِع الْحَال أَي: بَهِيمَة سليمَة مقولاً فِي حَقّهَا هَذَا القَوْل. قَوْله: (جَدْعَاء) أَي: مَقْطُوعَة الطّرف وَهُوَ من الجدع وَهُوَ قطع الْأنف وَقطع الْأذن أَيْضا وَقطع الْيَد والشفة.

٤ - (بابٌ { (٣٣) وَكَانَ أَمر الله قدرا مَقْدُورًا} (الْأَحْزَاب: ٨٣)

أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: {وَكَانَ أَمر الله قدرا مَقْدُورًا} وَالْقدر بِالْفَتْح والسكون مَا يقدره الله من الْقَضَاء، وبالفتح اسْم لما صَدره مَقْدُورًا على فعل الْقَادِر كالهدم لما صدر عَن فعل الهادم، يُقَال: قدرت الشَّيْء بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيف بِمَعْنى فَهُوَ قدر، أَي: مَقْدُور، وَالتَّقْدِير: تبين الشَّيْء. قَوْله: {قدرا مَقْدُورًا} أَي: حكما مَقْطُوعًا بِوُقُوعِهِ، وَقَالَ الْمُهلب: غَرَضه فِي الْبَاب أَن يبين أَن جَمِيع مخلوقات الله عز وَجل بأَمْره بِكَلِمَة: كن، من حَيَوَان أَو غَيره وحركات الْعباد وَاخْتِلَاف إرادتهم وأعمالهم من الْمعاصِي أَو الطَّاعَات كل مُقَدّر بالأزمان والأوقات لَا زِيَادَة فِي شَيْء مِنْهَا وَلَا نُقْصَان عَنْهَا وَلَا تَأْخِير لشَيْء مِنْهَا عَن وقته وَلَا يقدم قبل وقته.

١٠٦٦ - حدّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ أبي الزِّنادِ عنِ الأعْرَجِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لَا تَسألِ المَرْأةُ طَلَاقَ أُخْتِها لِتَسْتَفْرِغَ صَحْفَتَها ولْتَنْكحْ، فإنَّ لَهَا مَا قُدِّرَ لَهَا) .

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَإِن لَهَا مَا قدر لَهَا) أَي: من الرزق، كَانَت للزَّوْج زَوْجَة أُخْرَى أَو لم تكن، وَلَا يحصل لَهَا من ذَلِك إلَاّ مَا كتبه الله لَهَا سَوَاء أجابها الزَّوْج أم لم يجبها.

والْحَدِيث مضى فِي كتاب النِّكَاح فِي: بَاب الشُّرُوط الَّتِي لَا تحل فِي النِّكَاح فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ من حَدِيث أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (لَا يحل لإمرأة تسْأَل طَلَاق أُخْتهَا لتستفرغ صحفتها، فَإِن لَهَا مَا قدر لَهَا. وَهنا أخرجه عَن عبد الله بن يُوسُف التنيسِي عَن مَالك عَن أبي الزِّنَاد بالزاي وَالنُّون عبد الله بن ذكْوَان عَن عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز الْأَعْرَج.

قَوْله: (أُخْتهَا) الْأُخْت أَعم من أُخْت الْقَرَابَة أَو غَيرهَا من الْمُؤْمِنَات لِأَنَّهُنَّ أَخَوَات فِي الدّين، وَنهى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، الْمَرْأَة أَن تسْأَل الرجل طَلَاق زَوجته لينكحها وَيصير لَهَا من نَفَقَته ومعاشرته مَا كَانَ للمطلقة، فَعبر عَن ذَلِك باستفراغ الصحفة، مجَازًا.

٢٢٠٦٦ - حدّثنا مالِكُ بنُ إسْماعِيلَ حَدثنَا إسْرَائِيلُ عنْ عاصمٍ عنْ أبي عثْمانَ عنْ أُسامَةَ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إذْ جاءَهُ رسولُ إحْدَى بَناتِهِ وعِنْدَهُ سَعْد وأبَيُّ بنُ كَعْبٍ ومُعاذٌ أنَّ ابْنَها يَجُودُ بِنَفْسِهِ، فَبَعَثَ إلَيْها: (لله مَا أخَذَو لله مَا أعْطَى، كلٌّ بأجَلِ فَلْتَصْبرْ ولْتَحْتَسِبْ) .

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (كل بِأَجل) من الْأَمر الْمُقدر. وَإِسْرَائِيل هُوَ ابْن يُونُس بن أبي إِسْحَاق، وَعَاصِم هُوَ ابْن سُلَيْمَان الْأَحول، وَأَبُو عُثْمَان عبد الرَّحْمَن النَّهْدِيّ، وَأُسَامَة هُوَ ابْن زيد بن حَارِثَة الْكَلْبِيّ.

والْحَدِيث مضى فِي الْجَنَائِز عَن عَبْدَانِ وَمضى الْكَلَام فِيهِ.

قَوْله: (وَعِنْده سعد) هُوَ سعد بن عبَادَة، ومعاذ هُوَ ابْن جبل. قَوْله: (إِن ابْنهَا) ذكر كَذَلِك: ابْنهَا، فِي الْجَنَائِز وَذكر فِي كتاب المرضى: الْبِنْت. قَالَ ابْن بطال: هَذَا الحَدِيث لم يضبطه الرَّاوِي فَأخْبر مرّة عَن صبي وَمرَّة عَن صبية. قَوْله: (يجود بِنَفسِهِ) يَعْنِي فِي السِّيَاق، يُقَال: جاد بِنَفسِهِ عِنْد الْمَوْت يجود جوداً. قَوْله: (فَلتَصْبِر ولتحتسب) وَلم يقل: فلتصبري لِأَنَّهَا كَانَت غَائِبَة وَالْغَائِب لَا يُخَاطب بِمَا يُخَاطب بِهِ الْحَاضِر، وَقَالَ الدَّاودِيّ: إِنَّمَا خَاطب الرَّسُول وَلَو خَاطب الْمَأْمُور بِالصبرِ لقَالَ: فاصبري واحتسبي.

٣٠٦٦ - حدّثنا حِبَّان بنُ مُوسَى أخبرنَا عبْدُ الله أخبرنَا يُونُسُ عَن الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبرنِي عَبْدُ الله بنُ مُحَيْريزٍ الجُمَحِيُّ أنَّ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ أخْبَرَهُ أنَّهُ: بَيْنَما هُوَ جالِسٌ عِنْدَ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم جاءَ رجُلٌ مِنَ الأنْصارِ، فَقَالَ: يَا رسولَ الله {إِنَّا نُصِيبُ سَبْباً ونحِبُّ المالَ، كَيْف تَرَى فِي العَزْل؟ فَقَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (أوَ إنَّكُمْ تَفْعَلُونَ ذَلِكَ؟ لَا عَلَيْكُمْ أنْ لَا تَفْعَلُوا، فإنّهُ لَيْسَتْ نَسَمَةٌ كَتَبَ الله أنْ تَخْرُجَ إلاّ هِيَ كائِنَةٌ) .

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي آخر الحَدِيث. وحبان بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة ابْن مُوسَى الْمروزِي، وَهُوَ شيخ مُسلم أَيْضا، وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك الْمروزِي، وَيُونُس هُوَ ابْن يزِيد يروي عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ.

والْحَدِيث مضى فِي الْبيُوع عَن أبي الْيَمَان وَفِي النِّكَاح عَن عبد الله بن مُحَمَّد وَفِي الْمَغَازِي عَن قُتَيْبَة وَفِي الْعتْق عَن عبد الله بن يُوسُف وَفِي التَّوْحِيد عَن إِسْحَاق بن عَفَّان. وَأخرجه مُسلم فِي النِّكَاح عَن عبد الله بن مُحَمَّد وَغَيره. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن القعْنبِي. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْعتْق عَن عَليّ بن حجر وَغَيره.

قَوْله: (رجل من الْأَنْصَار) قيل: إِنَّه أَبُو صرمة، وَقيل: مجدي الضمرِي. قَوْله: (سَببا) هُوَ الْجَوَارِي المسببات. قَوْله: (فِي الْعَزْل؟) وَهُوَ نزع الذّكر من الْفرج وَقت الْإِنْزَال. قَوْله: (لَا عَلَيْكُم أَن لَا تَفعلُوا) قيل: هُوَ على النَّهْي، وَقيل: على الْإِبَاحَة للعزل أَي: لكم أَن تعزلوا وَلَيْسَ فعل ذَلِك موؤدة. قَوْله: (فَإِنَّهُ) أَي: فَإِن الشَّأْن. قَوْله: (نسمَة) بِفتْحَتَيْنِ وَهُوَ النَّفس. قَوْله: (كتب الله) أَي: قدر الله (أَن تخرج) أَي: من الْعَدَم إِلَى الْوُجُود.

٤٠٦٦ - حدّثنا مُوسَى بنُ مَسْعُودٍ حَدثنَا سُفْيانُ عنِ الأعْمَشِ عنْ أبي وائِلٍ عنْ حُذَيْفَةَ، رَضِي الله عَنهُ، قَالَ: لَ قَدْ خَطَبَنَا النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خُطْبَةً مَا تَرَكَ فِيها شَيْئاً إِلَى قِيامِ السَّاعَةِ إلاّ ذَكَرَهُ، عَلِمَهُ مَنْ عَلِمْهُ وجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ، إنْ كُنْتُ لأرَى الشَّيءَ قدْ نَسِيتُ فأعْرفُ مَا يَعْرِفُ الرَّجُلُ إذَا غَابَ عنهُ فَرَآهُ فَعَرَفَهُ.

مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (مَا ترك فِيهَا شَيْئا) أَي: من الْأُمُور الْمقدرَة من الكائنات.

ومُوسَى بن مَسْعُود هُوَ أَبُو حُذَيْفَة النَّهْدِيّ، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، وَالْأَعْمَش هُوَ سُلَيْمَان، وَأَبُو وَائِل شَقِيق بن سَلمَة، وَحُذَيْفَة بن الْيَمَان.

والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْفِتَن عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة وَغَيره. وَأخرجه أَبُو دَاوُد عَن عُثْمَان بِهِ.

قَوْله: (إلَاّ ذكره) . وَفِي رِوَايَة: إلَاّ حدث بِهِ. قَوْله: (علمه من علمه وجهله من جَهله) وَفِي رِوَايَة جرير: حفظه من حفظه ونسيه من نَسيَه. قَوْله: (إِن كنت) كلمة: إِن، مُخَفّفَة من الثَّقِيلَة. قَوْله: (قد نسيت) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: نَسِيته. قَوْله: (فأعرف مَا يعرف الرجل) ويروى: فأعرفه كَمَا يعرفهُ الرجل، الْمَعْنى: أنسى شَيْئا ثمَّ أذكرهُ فأعرف أَن ذَلِك بِعَيْنِه.

٥٠٦٦ - حدّثنا عَبْدانُ عنْ أبي حَمْزَةَ عَن الأعْمَشِ عنْ سَعْدِ بنِ عُبَيْدَةَ عنْ أبي عَبْدِ الرَّحْمانِ السُّلَمِيِّ عنْ عَلِيٍّ رَضِي الله عَنهُ، قَالَ: كُنَّا جُلُوساً مَعَ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ومَعَهُ عُودٌ يَنْكُتُ بِهِ فِي الأرْضِ، وَقَالَ: (مَا مِنْكُمْ مِنْ أحَدٍ إلاّ قَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ أوْ مِنَ الجَنّةِ) فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ: ألَا نَتَّكِلُ يَا رسولَ الله؟ قَالَ: (لَا} اعْمَلُوا فكُلٌّ مُيَسَّرٌ، ثُمَّ قَرَأ { (٩٢) فَأَما من أعْطى وَاتَّقَى} (اللَّيْل: ٥) الآيَةَ) .

مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (أَلا نَتَّكِل؟)

إِلَى آخِره، لِأَن مَعْنَاهُ: نعتمد على مَا قدره الله فِي الْأَزَل ونترك الْعَمَل.

وعبدان لقب عبد الله بن عُثْمَان، وَقد تكَرر ذكره، وَأَبُو حَمْزَة بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي اسْمه مُحَمَّد بن مَيْمُون السكرِي، وَسعد بن عُبَيْدَة مصغر عَبدة السّلمِيّ الْكُوفِي وَهُوَ صهر أبي عبد الرَّحْمَن شَيْخه فِي هَذَا الحَدِيث، وَأَبُو عبد الرَّحْمَن عبد الله بن حبيب من كبار التَّابِعين.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

سُئِلَ رَسُولُ اللهِ (١) ﷺ عَنْ ذَرَارِيِّْ المُشْرِكِينَ) بفتح الذال المعجمة والراء وبعد الألف راء أخرى مكسورة وتشديد التحتية وتخفَّف، أي: أولادهم الَّذين لم يبلغُوا الحلم (فَقَالَ) ﷺ: (اللهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ) أي: إنَّ الله يعلمُ ما لا يكون أنْ لو كان كيفَ يكون، فأحرَى أن يعلمَ ما يكون وما قدَّره وقضاهُ في كونهِ، وهذَا يقوِّي مذهبَ أهل السُّنَّة أنَّ القَدَر هو علمُ الله وغيبه الَّذي استأثر، فلم يُطلع عليه أحدًا من خلقهِ.

٦٥٩٩ - ٦٦٠٠ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (إِسْحَاقُ) ولأبي ذرٍّ: «إسحاق بن إبراهيم». قال في «فتح الباري»: هو ابنُ رَاهُوْيَه. واعترضَه العينيُّ فقال: جوَّز الكلاباذيُّ أن يكون ابنَ إبراهيمَ بنِ نصر السَّعديَّ، وإسحاقَ بنِ إبراهيم الحنظليَّ، وإسحاقَ بنِ إبراهيم الكوسجَ، فالجزمُ بأنَّه ابن رَاهُوْيَه مِن أين؟ وأجابَ في «انتقاض الاعتراض» بأنَّه من القرينةِ الظَّاهرة في قولهِ: «أخبرنا» فإنَّه لا يقول «حَدَّثنا» كما أنَّ إسحاق بن منصور الكوسج يقول: «حدَّثنا» ولا يقول: «أخبرنَا» وهذا يعرف بالاستقراءِ، قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همَّام قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابنُ راشدٍ (عَنْ هَمَّامٍ) بفتح الميم المشددة، ابن منبِّه (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁، أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ) الإسلاميَّة، ففيه القابليَّة للدِّين الحقِّ، فلو تُركَ وطبعَه لَمَا اختارَ دينًا غيره، و «ما مِن مولودٍ» مبتدأٌ، و «يولد» خبرُه؛ لأنَّ «مِن» الاستغراقيَّة في سياق النَّفي تفيدُ العموم كقولك (٢): ما أحدٌ خيرٌ منك، والتَّقدير هنا: ما مِن مولودٍ يُولد (٣) على أمرٍ من الأمورِ إلَّا على الفطرةِ (فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ) يجعلانه يهوديًّا إذا كانا من اليهودِ (وَيُنَصِّرَانِهِ) يجعلانه نصرانيًّا إذا كانا من النَّصارى، والفاء في «فأبواه» للتَّعقيب أو للتَّسبُّب (٤) أي: إذا تقرَّر ذلك فمَن تغيَّر كان

بسببِ أبيه (كَمَا) حالٌ من الضَّمير المنصوب في «يهودانهِ» مثلًا، أي: يهودان المولودَ بعد أن خُلِق على الفطرةِ، كما (تُنْتِجُونَ البَهِيمَةَ) سليمةً، بضم الفوقية الأولى وكسر الثانية بينهما نون ساكنة وضم الجيم، من الإنتاج، يقال: أنتجتِ النَّاقة، إذا أعنتَها على النِّتاج، وقال في «المغرب»: نتَجَ النَّاقة يُنْتِجها نتجًا، إذا وليَ نِتَاجها حتَّى وضعَتْ فهو ناتِجٌ، وهو للبهائمِ كالقابلةِ للنِّساء، أو «كما» صفةُ مصدر (١) محذوف، أي: يغيِّرانه تغييرًا مثل تغييرِهم البهيمةَ السَّليمة، فـ «يُهوِّدانه» و «ينصِّرانه» تنازعًا في «كما» على التَّقديرين (هَلْ تَجِدُونَ فِيهَا) في البهيمةِ (مِنْ جَدْعَاءَ) بفتح الجيم وسكون الدال المهملة والمدِّ، مقطوعةَ الأطرافِ أو أَحَدِها (٢) في موضعِ الحال على التَّقديرين، أي: بهيمة سليمةً مقولًا في حقِّها هذا القول، وفيه نوع من التَّأكيد؛ يعني: أنَّ كلَّ من نظرَ إليها قال هذا القولَ لسلامتِها (حَتَّى تَكُونُوا أَنْتُمْ تَجْدَعُونَهَا) بفتح الفوقيَّة والدال المهملة بينهما جيم ساكنة، أي: تقطعونَ أطرافَها أو شيئًا منها، وشبَّه بالمحسوسِ المشاهدِ؛ ليفيدَ أنَّ ظهوره بلغَ في الكشفِ والبيان مبلغَ هذا المحسوسِ المشاهدِ، ومحصّله: أنَّ العالَم إمَّا عالَمُ الغيب أو عالَم الشَّهادة، فإذا نُزِّلَ الحديثُ على عالَمِ الغيب أشكل معناهُ، وإذا صُرف إلى عالَم الشَّهادة سهل تَعاطيه، فإذا نظرَ النَّاظر إلى المولودِ نفسه من غير اعتبار عالم الغيب، وأنَّه ولدَ على الفطرةِ من الاستعدادِ للمعرفةِ وقبول الحقِّ والتَّأبِّي عن الباطلِ، والتَّمييز بين الخطأِ والصَّواب حَكَمَ بأنَّه لو تركَ علَى ما هو عليهِ ولم يعتورْه من الخارجِ ما يصدُّه، استمرَّ على ما هو عليهِ من الفطرةِ السَّليمةِ، وانظرْ قتلَ الخضرِ الغلامَ؛ إذ كان باعتبارِ النَّظر إلى عالَم الغيبِ، وإنكار موسى عليه (٣) كان باعتبارِ عالَم الشَّهادة وظاهرِ الشَّرع، فلمَّا اعتذرَ الخضرُ بالعلمِ الخفيِّ الغائبِ أمسك موسى ﵇ عن الإنكارِ، فلا عبرةَ بالإيمان الفطريِّ في أحكامِ الدُّنيا، وإنَّما يعتبرُ الإيمان الشَّرعيُّ المكتسب بالإرادةِ والفعلِ. انتهى. ملخّصًا من «شرح المشكاة».

(قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ؛ أَفَرَأَيْتَ) أي: أخبرنا، من إطلاق السَّبب على المسبَّب؛ لأنَّ مشاهدةَ الأشياءِ طريقٌ إلى الإخبارِ عنها، والهمزة فيه مقرِّرة، أي: قد رأيت ذلك فأخبرنَا (مَنْ يَمُوتُ

وَهْوَ صَغِيرٌ) لم يبلغِ الحلم أيدخل الجنة؟ (قَالَ) ﷺ: (اللهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ). قال البيضاويُّ: فيه إشارةٌ إلى أنَّ الثَّواب والعقاب لا لأجلِ الأعمالِ، وإلَّا لزم أن (١) يكون ذرارِي المسلمين والكافرين لا من أهلِ الجنَّة ولا من أهلِ النَّار، بل الموجبُ لهما اللُّطف الرَّبانيُّ، والخذلان الإلهيُّ المقدَّر لهما في الأزلِ، فالأَولى فيهما التَّوقف وعدم الجزمِ بشيءٍ، فإنَّ أعمالَهم موكولةٌ إلى علمِ الله فيما يعودُ إلى أمرِ الآخرةِ من الثَّواب والعقابِ. وقال النَّوويُّ: أجمعَ من يعتبرُ (٢) به من علماءِ المسلمين أنَّ من مات من أطفالِ المسلمين فهو من أهلِ الجنَّة؛ لأنَّه ليس مكلَّفًا، وتوقَّفَ فيهم بعضُ من لا يُعتدُّ به لحديث (٣) عائشةَ في مسلم أنَّه ﷺ دُعي لجنازةِ صبيٍّ من الأنصار فقلتُ: طُوبى لهذا، عصفورٌ من عصافيرِ الجنَّة لم يعملِ السُّوء ولم يدركْه، فقال: «أو غيرَ ذلكَ يا عائشة، إنَّ الله خلقَ للجنَّة أهلًا خلقَهُم لها وهُم فِي أصلابِ آبائهِم، وخلقَ للنَّار أهلًا خلقَهُم لهَا وهُم فِي أصلابِ آبائهِم».

وأجابوا عن هذا بأنَّه لعلَّه ﷺ نهاها عن المسارعةِ إلى القطعِ من غير أن يكونَ عندها دليلٌ قاطعٌ، أو أنَّه ﷺ قال هذا قبلَ أن يعلمَ أنَّ أطفالَ المسلمين (٤) في الجنَّة، وأمَّا أطفال المشركين ففيهم ثلاثة مَذاهب: فالأكثرونَ على أنَّهم في النَّار، وتوقَّفت طائفةٌ، والثَّالث وهو الصَّحيح أنَّهم من أهل الجنَّة.

والحديث سبق في «الجنائز»، وفيه: «أو يمجِّسانه» [خ¦١٣٨٥]، وأخرجه مسلم (٥) في «القدرِ»، والله الموفِّق.

(٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين في «اليونينيَّة» أي: في قولهِ تعالى: (﴿وَكَانَ أَمْرُ اللهِ﴾) الَّذي يريد أن يكونَه (﴿قَدَرًا مَّقْدُورًا﴾ [الأحزاب: ٣٨]) قضاءً مقضيًّا، وحُكْمًا مبتوتًا لا محيدَ عنه، فما شاء كان، وما لم يشأْ لم يكنْ.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

٦٩٥٦ - حدّثنا آدَمُ حدّثنا شُعْبَةُ حَدثنَا يَزِيدُ الرِّشْكُ قَالَ: سَمِعْتُ مُطَرِّفَ بنَ عَبْدِ الله بنِ الشِّخِّيرِ يُحَدِّثُ عنْ عِمْرانَ بن حُصْنٍ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رسولَ الله! أيُعْرَفُ أهْلُ الجَنّةِ مِنْ أهْلِ النّارِ؟ قَالَ: (نَعَمْ) . قَالَ: فَلِمَ يَعْمَلُ العامِلُونَ؟ قَالَ: (كُلٌّ يَعْمَلُ لما خُلِقَ لهُ أوْ لِما يُسِّرَ لهُ) .

الْمُطَابقَة للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وآدَم هُوَ ابْن أبي إِيَاس، وَيزِيد من الزِّيَادَة الرشك بِكَسْر الرَّاء وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة وبالكاف مَعْنَاهُ القسام، وَقَالَ الغساني: هُوَ بِالْفَارِسِيَّةِ الغيور، وَقيل: هُوَ كَبِير اللِّحْيَة، يُقَال: بلغ طول لحيته إِلَى أَن دخلت فِيهَا عقرب وَمَكَثت ثَلَاثَة أَيَّام وَلَا يدْرِي بهَا. وَقَالَ الْكرْمَانِي: الرشك بِالْفَارِسِيَّةِ الْقمل الصَّغِير يلتصق بأصول الشّعْر، فعلى هَذَا الْإِضَافَة إِلَيْهِ أولى من الصّفة، وَمَا ليزِيد فِي البُخَارِيّ إلَاّ هَذَا الحَدِيث هُنَا، وَفِي الِاعْتِصَام، ومطرف على وزن اسْم الْفَاعِل من التطريف ابْن عبد الله بن الشخير بِكَسْر الشين الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالراء، وَهَذَا من صِيغ الْمُبَالغَة لمن يشخر كثيرا كالسكير لمن يسكر كثيرا.

والْحَدِيث أخرجه أَيْضا فِي التَّوْحِيد عَن أبي معمر. وَأخرجه مُسلم فِي الْقدر عَن يحيى بن يحيى وَغَيره. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي السّنة عَن مُسَدّد. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي التَّفْسِير عَن مُحَمَّد بن النَّضر.

قَوْله: (قَالَ: قَالَ رجل) هُوَ عمرَان بن حُصَيْن رَاوِي الْخَبَر، بَينه عبد الْوَارِث بن سعيد عَن يزِيد الرشك عَن عمرَان بن حُصَيْن. قَالَ: قلت: يَا سَوَّلَ الله ... فَذكره. قَوْله: (أيعرف أهل الْجنَّة من أهل النَّار) . أَي: أيميز بَينهمَا؟ قيل: الْمعرفَة إِنَّمَا هِيَ بِالْعَمَلِ لِأَنَّهُ إِمَارَة فَمَا وَجه سُؤَاله؟ وَأجِيب: بِأَن معرفتنا بِالْعَمَلِ أما معرفَة الْمَلَائِكَة مثلا فَهِيَ قبل الْعَمَل، فالغرض من لفظ: أيعرف: أيميز وَيفرق بَينهمَا تَحت قَضَاء الله وَقدره؟ قَوْله: (فَلم يعْمل الْعَامِلُونَ؟) وَفِي رِوَايَة حَمَّاد: فَفِيمَ؟ وَهُوَ اسْتِفْهَام، وَالْمعْنَى: إِذا سبق الْقَلَم بذلك فَلَا يحْتَاج الْعَامِل إِلَى الْعَمَل لِأَنَّهُ سيصير إِلَى مَا قدر لَهُ. قَوْله: (كل يعْمل) أَي: كل أحد يعْمل (لما خلق لَهُ) على صِيغَة الْمَجْهُول، وَكلمَة: مَا، مَوْصُولَة أَي: للَّذي خلق لَهُ، وَفِي رِوَايَة حَمَّاد: (كل ميسر لَهُ خلق لَهُ) وَقد جَاءَ بِهَذَا اللَّفْظ عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة. مِنْهَا: مَا رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد حسن بِلَفْظ: كل امرىء مُهَيَّأ لما خلق لَهُ. قَوْله: (أَو لما يسر لَهُ) شكّ من الرَّاوِي أَي: كل يعْمل لما يسر لَهُ، بِضَم الْيَاء آخر الْحُرُوف وَتَشْديد السِّين الْمَكْسُورَة وَفتح الرَّاء، هَذَا هَكَذَا وَرِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره: لما ييسر لَهُ، بِضَم الْيَاء الأولى وَفتح الثَّانِيَة وَتَشْديد السِّين، وَحَاصِل معنى هَذَا، أَن العَبْد لَا يدْرِي مَا أمره فِي الْمَآل لِأَنَّهُ يعْمل مَا سبق فِي يُعلمهُ تَعَالَى، فَعَلَيهِ أَن يجْتَهد فِي عمل مَا أَمر بِهِ فَإِن عمله إِمَارَة إِلَى مَا يؤول إِلَيْهِ أمره.

٣ - (بابٌ الله أعْلَمُ بِما كانُوا عامِلِينَ)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: الله أعلم بِمَا كَانُوا عاملين، وَالضَّمِير فِي: كَانُوا، يرجع إِلَى أَوْلَاد الْمُشْركين لِأَن صدر الحَدِيث سُؤال عَن أَوْلَاد الْمُشْركين، وَقد مضى فِي آخر كتاب الْجَنَائِز: بَاب مَا قيل فِي أَوْلَاد الْمُشْركين، وَذكر فِيهِ حَدِيث ابْن عَبَّاس الَّذِي ذكر فِي هَذَا الْبَاب.

٧٩٥٦ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّار حَدثنَا غُنْدَرٌ قَالَ: حَدثنَا شُعْبَةُ عنْ أبي بِشرٍ عنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله عَنْهُمَا، قَالَ: سُئِل النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عنْ أوْلادِ المُشْرِكِينَ فَقَالَ: (الله أعْلَمُ بِما كانُوا عامِلينَ) . (انْظُر الحَدِيث ٣٨٣١) .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وغند بِضَم الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَسُكُون النُّون مُحَمَّد بن جَعْفَر، وَأَبُو بشر بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة جَعْفَر بن أبي وحشية إِيَاس الْيَشْكُرِي الوَاسِطِيّ.

والْحَدِيث مضى فِي آخر الْجَنَائِز فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن حبَان عَن عبد الله عَن شُعْبَة عَن أبي بشر عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس ... إِلَى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. وَقَالَ النَّوَوِيّ: أَطْفَال الْمُشْركين فيهم ثَلَاثَة مَذَاهِب: فالأكثرون على أَنهم فِي النَّار، وتوقفت طَائِفَة، وَالثَّالِث وَهُوَ الصَّحِيح: أَنهم من أهل الْجنَّة.

وَقَالَ الْبَيْضَاوِيّ: الثَّوَاب وَالْعِقَاب ليسَا بِالْأَعْمَالِ وإلاّ لزم أَن لَا يكون الذَّرَارِي لَا فِي الْجنَّة وَلَا فِي النَّار، بل الْمُوجب لَهما هُوَ اللطف الرباني والخذلان الإل هِيَ الْمُقدر لَهُم فِي الْأَزَل، فَالْأولى فيهم التَّوَقُّف.

٨٩٥٦ - حدّثنا يحْيَاى بنُ بُكَيْرٍ حَدثنَا اللَّيْثُ عنْ يُونُسَ عنِ ابنِ شِهابٍ قَالَ: وَأَخْبرنِي عَطاءُ بنُ يَزِيدَ أنّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقولُ: سُئِلَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عنْ ذَرارِيِّ المُشْرِكِينَ؟ فَقَالَ: (الله أعْلَمُ بِما كانُوا عامِلينَ) . (انْظُر الحَدِيث ٤٨٣١ وطرفه) .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَيُونُس هُوَ ابْن يزِيد الْأَيْلِي، وَابْن شهَاب هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ.

والْحَدِيث مضى فِي أَوَاخِر كتاب الْجَنَائِز فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أبي الْيَمَان عَن شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ قَالَ أَخْبرنِي عَطاء بن يزِيد اللَّيْثِيّ أَنه سمع أَبَا هُرَيْرَة ... إِلَى آخِره، قَالَ هُنَاكَ: أَخْبرنِي عَطاء بن يزِيد، كَمَا رَأَيْت، وَقَالَ هُنَا: قَالَ: وَأَخْبرنِي عَطاء بن يزِيد، بواو الْعَطف على مَحْذُوف كَأَنَّهُ حدث قبل ذَلِك بِشَيْء ثمَّ حدث بِحَدِيث عَطاء.

قَوْله: (عَن ذَرَارِي الْمُشْركين) بتَشْديد الْيَاء وتخفيفها جمع ذُرِّيَّة وذرية الرجل أَوْلَاده وَيكون وَاحِدًا وجمعاً. قَوْله: (الله أعلم بِمَا كَانُوا عاملين) غَرَض البُخَارِيّ من هَذَا الرَّد على الْجَهْمِية فِي قَوْلهم: إِن الله لَا يعلم أَفعَال الْعباد حَتَّى يعملوها، تَعَالَى الله عَن ذَلِك القَوْل، وَأخْبر الشَّارِع فِي هَذَا الحَدِيث أَن الله يعلم مَا لَا يكون أَن لَو كَانَ كَيفَ يكون، فأحرى أَن يعلم مَا يكون وَمَا قدره وقضاه فِي كَونه، وَهَذَا يُقَوي مَا ذهب إِلَيْهِ أهل السّنة أَن الْقدر هُوَ علم الله وغيبه الَّذِي اسْتَأْثر بِهِ فَلم يطلع عَلَيْهِ ملكا مقرباً وَلَا نَبيا مُرْسلا. وَقَالَ الدَّاودِيّ: لَا أعلم لهَذَا الحَدِيث وَجها إلَاّ أَن الله أعلم بِمَا يعْمل بِهِ، لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ علم أَن هَؤُلَاءِ لَا يتأخرون عَن آجالهم وَلَا يعْملُونَ شَيْئا، قد أخبر أَنهم ولدُوا على الْفطْرَة، أَي: الْإِسْلَام، وَأَن أباءهم يهودونهم وينصرونهم، كَمَا أَن الْبَهِيمَة تولد سليمَة من الجدع والخصا وَغير ذَلِك مِمَّا يعْمل النَّاس بهَا حَتَّى يصنع ذَلِك بهَا، وَكَذَلِكَ الْولدَان.

٩٩٥٦ - حدّثني إسْحَاقُ أخبرنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أخبرنَا مَعْمَرٌ عنْ هَمَّامٍ عنْ أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (مَا مِنْ موْلُودٍ إلَاّ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ فأبَواهُ يُهَوِّدانهِ ويُنَصِّرانِهِ، كَمَا تُنْتِجُونَ البَهِيمَةَ، هَلْ تَجدُونَ فِيها مِنْ جَدْعاءَ حتَّى تَكُونُوا أنْتُمْ تَجْدَعُونَها) . قالُوا: يَا رسولَ الله! أفَرَأيْتَ مَنْ يَمُوتُ وهْوَ صَغِير؟ قَالَ: (الله أعْلَمُ بِمَا كانُوا عامِلِينَ) . (انْظُر الحَدِيث ٤٨٣١ وطرفه) .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَإِسْحَاق قَالَ بَعضهم: هُوَ إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم هُوَ ابْن رَاهَوَيْه الْحَنْظَلِي، وَقَالَ الكلاباذي: يروي البُخَارِيّ عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم بن نصر السَّعْدِيّ، وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الْحَنْظَلِي، وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الكوسج عَن عبد الرَّزَّاق.

قلت: كَلَامه يُشِير إِلَى أَن إِسْحَاق هُنَا يحْتَمل أَن يكون أحد الثَّلَاثَة الْمَذْكُورين، لِأَن كلاًّ مِنْهُم روى عَن عبد الرَّزَّاق بن همام، وَجزم بَعضهم بِأَنَّهُ إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه، من أَيْن؟ وَمعمر بِفَتْح الميمين هُوَ ابْن رَاشد، وَهَمَّام هُوَ ابْن مُنَبّه.

والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْقدر عَن مُحَمَّد بن رَافع. وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا من وَجه آخر عَن أبي هُرَيْرَة فِي آخر الْجَنَائِز فِي: بَاب مَا قيل فِي أَوْلَاد الْمُشْركين، وَفِيه: أَو يُمَجِّسَانِهِ، كَمثل الْبَهِيمَة تنْتج الْبَهِيمَة هَل ترى فِيهَا جَدْعَاء؟ وَاقْتصر على هَذَا الْمِقْدَار.

قَوْله: (مَا من مَوْلُود) مُبْتَدأ (ويولد) خَبره لِأَن: من الاستغراقية فِي سِيَاق النَّفْي تفِيد الْعُمُوم كَقَوْلِك: مَا أحد خير مِنْك، وَالتَّقْدِير: مَا مَوْلُود يُوجد على أَمر من الْأُمُور إلَاّ على هَذَا الْأَمر، وَهُوَ قَوْله: (على الْفطْرَة) أَي: على الْإِسْلَام، وَقيل: الْفطْرَة الْخلقَة وَالْمرَاد هُنَا القابلية لدين الْحق إِذْ لَو تركُوا وطبائعهم لما اخْتَارُوا دينا آخر. قَوْله: (ويهوِّدانه) أَي: يجعلانه يَهُودِيّا إِذا كَانَا من الْيَهُود، وينصِّرانه أَي: يجعلانه نَصْرَانِيّا إِذا كَانَا من النَّصَارَى، وَالْفَاء فِي (فابواه) إِمَّا للتعقيب وَهُوَ ظَاهر وَإِمَّا للتسبب أَي إِذا تقرر ذَلِك فَمن تغير كَانَ بِسَبَب أَبَوَيْهِ. قَوْله: (كَمَا) إِمَّا حَال من الضَّمِير الْمَنْصُوب فِي: يُهَوِّدَانِهِ، مثلا فَالْمَعْنى يهودان الْمَوْلُود بعد أَن خلق على الْفطْرَة شَبِيها بالبهيمة الَّتِي جدعت بعد أَن خلقت سليمَة، وَإِمَّا صفة مصدر

مَحْذُوف، أَي: يُغير أَنه تغييراً مثل تغييرهم الْبَهِيمَة السليمة. قَوْله: (تنتجون) على صِيغَة بِنَاء الْمَعْلُوم، وَقَالَ ابْن التِّين: روينَاهُ: تنتجون، بِضَم أَوله من الإنتاج يُقَال: أنتج إنتاجاً قَالَ أَبُو عَليّ: يُقَال: أنتجت النَّاقة إِذا أعنتها على النِّتَاج، وَيقرب مِنْهُ مَا قَالَه فِي (الْمغرب) : نتج النَّاقة ينتجها نتجاً إِذا ولي نتاجها حَتَّى وضعت فَهُوَ ناتج، وَهُوَ للبهائم كالقابلة للنِّسَاء. قَوْله: (هَل تَجِدُونَ فِيهَا من جَدْعَاء) فِي مَوضِع الْحَال أَي: بَهِيمَة سليمَة مقولاً فِي حَقّهَا هَذَا القَوْل. قَوْله: (جَدْعَاء) أَي: مَقْطُوعَة الطّرف وَهُوَ من الجدع وَهُوَ قطع الْأنف وَقطع الْأذن أَيْضا وَقطع الْيَد والشفة.

٤ - (بابٌ { (٣٣) وَكَانَ أَمر الله قدرا مَقْدُورًا} (الْأَحْزَاب: ٨٣)

أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: {وَكَانَ أَمر الله قدرا مَقْدُورًا} وَالْقدر بِالْفَتْح والسكون مَا يقدره الله من الْقَضَاء، وبالفتح اسْم لما صَدره مَقْدُورًا على فعل الْقَادِر كالهدم لما صدر عَن فعل الهادم، يُقَال: قدرت الشَّيْء بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيف بِمَعْنى فَهُوَ قدر، أَي: مَقْدُور، وَالتَّقْدِير: تبين الشَّيْء. قَوْله: {قدرا مَقْدُورًا} أَي: حكما مَقْطُوعًا بِوُقُوعِهِ، وَقَالَ الْمُهلب: غَرَضه فِي الْبَاب أَن يبين أَن جَمِيع مخلوقات الله عز وَجل بأَمْره بِكَلِمَة: كن، من حَيَوَان أَو غَيره وحركات الْعباد وَاخْتِلَاف إرادتهم وأعمالهم من الْمعاصِي أَو الطَّاعَات كل مُقَدّر بالأزمان والأوقات لَا زِيَادَة فِي شَيْء مِنْهَا وَلَا نُقْصَان عَنْهَا وَلَا تَأْخِير لشَيْء مِنْهَا عَن وقته وَلَا يقدم قبل وقته.

١٠٦٦ - حدّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ أبي الزِّنادِ عنِ الأعْرَجِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لَا تَسألِ المَرْأةُ طَلَاقَ أُخْتِها لِتَسْتَفْرِغَ صَحْفَتَها ولْتَنْكحْ، فإنَّ لَهَا مَا قُدِّرَ لَهَا) .

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَإِن لَهَا مَا قدر لَهَا) أَي: من الرزق، كَانَت للزَّوْج زَوْجَة أُخْرَى أَو لم تكن، وَلَا يحصل لَهَا من ذَلِك إلَاّ مَا كتبه الله لَهَا سَوَاء أجابها الزَّوْج أم لم يجبها.

والْحَدِيث مضى فِي كتاب النِّكَاح فِي: بَاب الشُّرُوط الَّتِي لَا تحل فِي النِّكَاح فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ من حَدِيث أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (لَا يحل لإمرأة تسْأَل طَلَاق أُخْتهَا لتستفرغ صحفتها، فَإِن لَهَا مَا قدر لَهَا. وَهنا أخرجه عَن عبد الله بن يُوسُف التنيسِي عَن مَالك عَن أبي الزِّنَاد بالزاي وَالنُّون عبد الله بن ذكْوَان عَن عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز الْأَعْرَج.

قَوْله: (أُخْتهَا) الْأُخْت أَعم من أُخْت الْقَرَابَة أَو غَيرهَا من الْمُؤْمِنَات لِأَنَّهُنَّ أَخَوَات فِي الدّين، وَنهى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، الْمَرْأَة أَن تسْأَل الرجل طَلَاق زَوجته لينكحها وَيصير لَهَا من نَفَقَته ومعاشرته مَا كَانَ للمطلقة، فَعبر عَن ذَلِك باستفراغ الصحفة، مجَازًا.

٢٢٠٦٦ - حدّثنا مالِكُ بنُ إسْماعِيلَ حَدثنَا إسْرَائِيلُ عنْ عاصمٍ عنْ أبي عثْمانَ عنْ أُسامَةَ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إذْ جاءَهُ رسولُ إحْدَى بَناتِهِ وعِنْدَهُ سَعْد وأبَيُّ بنُ كَعْبٍ ومُعاذٌ أنَّ ابْنَها يَجُودُ بِنَفْسِهِ، فَبَعَثَ إلَيْها: (لله مَا أخَذَو لله مَا أعْطَى، كلٌّ بأجَلِ فَلْتَصْبرْ ولْتَحْتَسِبْ) .

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (كل بِأَجل) من الْأَمر الْمُقدر. وَإِسْرَائِيل هُوَ ابْن يُونُس بن أبي إِسْحَاق، وَعَاصِم هُوَ ابْن سُلَيْمَان الْأَحول، وَأَبُو عُثْمَان عبد الرَّحْمَن النَّهْدِيّ، وَأُسَامَة هُوَ ابْن زيد بن حَارِثَة الْكَلْبِيّ.

والْحَدِيث مضى فِي الْجَنَائِز عَن عَبْدَانِ وَمضى الْكَلَام فِيهِ.

قَوْله: (وَعِنْده سعد) هُوَ سعد بن عبَادَة، ومعاذ هُوَ ابْن جبل. قَوْله: (إِن ابْنهَا) ذكر كَذَلِك: ابْنهَا، فِي الْجَنَائِز وَذكر فِي كتاب المرضى: الْبِنْت. قَالَ ابْن بطال: هَذَا الحَدِيث لم يضبطه الرَّاوِي فَأخْبر مرّة عَن صبي وَمرَّة عَن صبية. قَوْله: (يجود بِنَفسِهِ) يَعْنِي فِي السِّيَاق، يُقَال: جاد بِنَفسِهِ عِنْد الْمَوْت يجود جوداً. قَوْله: (فَلتَصْبِر ولتحتسب) وَلم يقل: فلتصبري لِأَنَّهَا كَانَت غَائِبَة وَالْغَائِب لَا يُخَاطب بِمَا يُخَاطب بِهِ الْحَاضِر، وَقَالَ الدَّاودِيّ: إِنَّمَا خَاطب الرَّسُول وَلَو خَاطب الْمَأْمُور بِالصبرِ لقَالَ: فاصبري واحتسبي.

٣٠٦٦ - حدّثنا حِبَّان بنُ مُوسَى أخبرنَا عبْدُ الله أخبرنَا يُونُسُ عَن الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبرنِي عَبْدُ الله بنُ مُحَيْريزٍ الجُمَحِيُّ أنَّ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ أخْبَرَهُ أنَّهُ: بَيْنَما هُوَ جالِسٌ عِنْدَ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم جاءَ رجُلٌ مِنَ الأنْصارِ، فَقَالَ: يَا رسولَ الله {إِنَّا نُصِيبُ سَبْباً ونحِبُّ المالَ، كَيْف تَرَى فِي العَزْل؟ فَقَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (أوَ إنَّكُمْ تَفْعَلُونَ ذَلِكَ؟ لَا عَلَيْكُمْ أنْ لَا تَفْعَلُوا، فإنّهُ لَيْسَتْ نَسَمَةٌ كَتَبَ الله أنْ تَخْرُجَ إلاّ هِيَ كائِنَةٌ) .

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي آخر الحَدِيث. وحبان بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة ابْن مُوسَى الْمروزِي، وَهُوَ شيخ مُسلم أَيْضا، وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك الْمروزِي، وَيُونُس هُوَ ابْن يزِيد يروي عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ.

والْحَدِيث مضى فِي الْبيُوع عَن أبي الْيَمَان وَفِي النِّكَاح عَن عبد الله بن مُحَمَّد وَفِي الْمَغَازِي عَن قُتَيْبَة وَفِي الْعتْق عَن عبد الله بن يُوسُف وَفِي التَّوْحِيد عَن إِسْحَاق بن عَفَّان. وَأخرجه مُسلم فِي النِّكَاح عَن عبد الله بن مُحَمَّد وَغَيره. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن القعْنبِي. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْعتْق عَن عَليّ بن حجر وَغَيره.

قَوْله: (رجل من الْأَنْصَار) قيل: إِنَّه أَبُو صرمة، وَقيل: مجدي الضمرِي. قَوْله: (سَببا) هُوَ الْجَوَارِي المسببات. قَوْله: (فِي الْعَزْل؟) وَهُوَ نزع الذّكر من الْفرج وَقت الْإِنْزَال. قَوْله: (لَا عَلَيْكُم أَن لَا تَفعلُوا) قيل: هُوَ على النَّهْي، وَقيل: على الْإِبَاحَة للعزل أَي: لكم أَن تعزلوا وَلَيْسَ فعل ذَلِك موؤدة. قَوْله: (فَإِنَّهُ) أَي: فَإِن الشَّأْن. قَوْله: (نسمَة) بِفتْحَتَيْنِ وَهُوَ النَّفس. قَوْله: (كتب الله) أَي: قدر الله (أَن تخرج) أَي: من الْعَدَم إِلَى الْوُجُود.

٤٠٦٦ - حدّثنا مُوسَى بنُ مَسْعُودٍ حَدثنَا سُفْيانُ عنِ الأعْمَشِ عنْ أبي وائِلٍ عنْ حُذَيْفَةَ، رَضِي الله عَنهُ، قَالَ: لَ قَدْ خَطَبَنَا النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خُطْبَةً مَا تَرَكَ فِيها شَيْئاً إِلَى قِيامِ السَّاعَةِ إلاّ ذَكَرَهُ، عَلِمَهُ مَنْ عَلِمْهُ وجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ، إنْ كُنْتُ لأرَى الشَّيءَ قدْ نَسِيتُ فأعْرفُ مَا يَعْرِفُ الرَّجُلُ إذَا غَابَ عنهُ فَرَآهُ فَعَرَفَهُ.

مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (مَا ترك فِيهَا شَيْئا) أَي: من الْأُمُور الْمقدرَة من الكائنات.

ومُوسَى بن مَسْعُود هُوَ أَبُو حُذَيْفَة النَّهْدِيّ، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، وَالْأَعْمَش هُوَ سُلَيْمَان، وَأَبُو وَائِل شَقِيق بن سَلمَة، وَحُذَيْفَة بن الْيَمَان.

والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْفِتَن عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة وَغَيره. وَأخرجه أَبُو دَاوُد عَن عُثْمَان بِهِ.

قَوْله: (إلَاّ ذكره) . وَفِي رِوَايَة: إلَاّ حدث بِهِ. قَوْله: (علمه من علمه وجهله من جَهله) وَفِي رِوَايَة جرير: حفظه من حفظه ونسيه من نَسيَه. قَوْله: (إِن كنت) كلمة: إِن، مُخَفّفَة من الثَّقِيلَة. قَوْله: (قد نسيت) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: نَسِيته. قَوْله: (فأعرف مَا يعرف الرجل) ويروى: فأعرفه كَمَا يعرفهُ الرجل، الْمَعْنى: أنسى شَيْئا ثمَّ أذكرهُ فأعرف أَن ذَلِك بِعَيْنِه.

٥٠٦٦ - حدّثنا عَبْدانُ عنْ أبي حَمْزَةَ عَن الأعْمَشِ عنْ سَعْدِ بنِ عُبَيْدَةَ عنْ أبي عَبْدِ الرَّحْمانِ السُّلَمِيِّ عنْ عَلِيٍّ رَضِي الله عَنهُ، قَالَ: كُنَّا جُلُوساً مَعَ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ومَعَهُ عُودٌ يَنْكُتُ بِهِ فِي الأرْضِ، وَقَالَ: (مَا مِنْكُمْ مِنْ أحَدٍ إلاّ قَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ أوْ مِنَ الجَنّةِ) فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ: ألَا نَتَّكِلُ يَا رسولَ الله؟ قَالَ: (لَا} اعْمَلُوا فكُلٌّ مُيَسَّرٌ، ثُمَّ قَرَأ { (٩٢) فَأَما من أعْطى وَاتَّقَى} (اللَّيْل: ٥) الآيَةَ) .

مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (أَلا نَتَّكِل؟)

إِلَى آخِره، لِأَن مَعْنَاهُ: نعتمد على مَا قدره الله فِي الْأَزَل ونترك الْعَمَل.

وعبدان لقب عبد الله بن عُثْمَان، وَقد تكَرر ذكره، وَأَبُو حَمْزَة بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي اسْمه مُحَمَّد بن مَيْمُون السكرِي، وَسعد بن عُبَيْدَة مصغر عَبدة السّلمِيّ الْكُوفِي وَهُوَ صهر أبي عبد الرَّحْمَن شَيْخه فِي هَذَا الحَدِيث، وَأَبُو عبد الرَّحْمَن عبد الله بن حبيب من كبار التَّابِعين.

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 22 جمادى الأولى
التربيع الأخير اليوم 22.6 / 29.5
الإضاءة 45%
الهلال الجديد بعد 7 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله

إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا

سورة الأحزاب 33:56