«لَا تَزَالُ جَهَنَّمُ تَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ حَتَّى يَضَعَ رَبُّ الْعِزَّةِ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٦٦١

الحديث رقم ٦٦٦١ من كتاب «كتاب الأيمان والنذور» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الحلف بعزة الله وصفاته وكلماته.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٦٦٦١ في صحيح البخاري

«لَا تَزَالُ جَهَنَّمُ تَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ حَتَّى يَضَعَ رَبُّ الْعِزَّةِ فِيهَا قَدَمَهُ، فَتَقُولُ قَطْ قَطْ وَعِزَّتِكَ، وَيُزْوَى بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ». رَوَاهُ شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ.

بَابُ قَوْلِ الرَّجُلِ لَعَمْرُ اللهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﴿لَعَمْرُكَ﴾ لَعَيْشُكَ

إسناد حديث رقم ٦٦٦١ من صحيح البخاري

٦٦٦١ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ،

⦗١٣٥⦘

حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ النَّبِيُّ :

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٦٦٦١: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

أُخْرَى غَيْرَ هَذِهِ: كَالْأَمَانِ وَالْوَفَاءِ، وَالْوَصِيَّةِ وَالْيَمِينِ وَرِعَايَةِ الْحُرْمَةِ، وَالْمَعْرِفَةِ وَاللِّقَاءِ عَنْ قُرْبٍ، وَالزَّمَانِ وَالذِّمَّةِ، وَبَعْضُهَا قَدْ يَتَدَاخَلُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: مَنْ حَلَفَ بِالْعَهْدِ فَحَنِثَ لَزِمَهُ الْكَفَّارَةُ سَوَاءً نَوَى أَمْ لَا عِنْدَ مَالِكٍ، وَالْأَوْزَاعِيِّ وَالْكُوفِيِّينَ، وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ، وَالشَّعْبِيُّ، وَطَاوُسٌ وَغَيْرُهُمْ.

قُلْتُ: وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ. وَقَالَ عَطَاءٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو عُبَيْدٍ: لَا تَكُونُ يَمِينًا إِلَّا إِنْ نَوَى، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْإِيمَانِ النَّقْلُ عَنِ الشَّافِعِيِّ فِيمَنْ قَالَ أَمَانَةُ اللَّهِ مِثْلُهُ، وَأَغْرَبَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ فَادَّعَى اتِّفَاقَ الْعُلَمَاءِ عَلَى ذَلِكَ، وَلَعَلَّهُ أَرَادَ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَالْخِلَافُ ثَابِتٌ عِنْدَهُمْ كَمَا حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ، وَاحْتَجَّ لِلْمَذْهَبِ بِأَنَّ عَهْدَ اللَّهِ يُسْتَعْمَلُ فِي وَصِيَّتِهِ لِعِبَادِهِ بِاتِّبَاعِ أَوَامِرِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ كَمَا ذُكِرَ فَلَا يُحْمَلُ عَلَى الْيَمِينِ إِلَّا بِالْقَصْدِ.

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إِذَا قَالَ عَلَيَّ عَهْدُ اللَّهِ احْتَمَلَ أَنْ يُرِيدَ مَعْهُودَهُ وَهُوَ وَصِيَّتُهُ فَيَصِيرُ كَقَوْلِهِ عَلَيَّ فَرْضُ اللَّهِ أَيْ: مَفْرُوضُهُ فَلَا يَكُونُ يَمِينًا ; لِأَنَّ الْيَمِينَ لَا تَنْعَقِدُ بِمُحْدَثٍ، فَإِنْ نَوَى بِقَوْلِهِ عَهْدُ اللَّهِ الْيَمِينَ انْعَقَدَتْ.

وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: قَدْ قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى - ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ فَمَنْ قَالَ: عَلَيَّ عَهْدُ اللَّهِ صَدَقَ ; لِأَنَّ اللَّهَ أَخْبَرَ أَنَّهُ أَخَذَ عَلَيْنَا الْعَهْدَ فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ يَمِينًا إِلَّا إِنْ نَوَاهُ، وَاحْتَجَّ الْأَوَّلُونَ بِأَنَّ الْعُرْفَ قَدْ صَارَ جَارِيًا بِهِ فَحُمِلَ عَلَى الْيَمِينِ.

وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: هَذَا لَفْظٌ يُسْتَعْمَلُ عَلَى خَمْسَةِ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ عَلَيَّ عَهْدُ اللَّهِ، وَالثَّانِي وَعَهْدِ اللَّهِ، الثَّالِثُ عَهْدِ اللَّهِ، الرَّابِعُ أُعَاهِدُ اللَّهَ، الْخَامِسُ عَلَيَّ الْعَهْدُ. وَقَدْ طَرَدَ بَعْضُهُمْ ذَلِكَ فِي الْجَمِيعِ، وَفَصَّلَ بَعْضُهُمْ فَقَالَ: لَا شَيْءَ فِي ذَلِكَ إِلَّا إِنْ قَالَ عَلَيَّ عَهْدُ اللَّهِ وَنَحْوَهَا، وَإِلَّا فَلَيْسَتْ بِيَمِينٍ نَوَى أَوْ لَمْ يَنْوِ.

ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَالْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ فِي نُزُولِ قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ وَسُلَيْمَانُ فِي السَّنَدِ هُوَ الْأَعْمَشُ، وَمَنْصُورٌ هُوَ ابْنُ الْمُعْتَمِرِ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى بَعْدَ خَمْسَةِ أَبْوَابٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

١٢ - بَاب الْحَلِفِ بِعِزَّةِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ وَكَلِمَاتِهِ

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ النَّبِيُّ يَقُولُ: أَعُوذُ بِعِزَّتِكَ. وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ : يَبْقَى رَجُلٌ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ اصْرِفْ وَجْهِي عَنْ النَّارِ، لَا وَعِزَّتِكَ لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا. وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: قَالَ النَّبِيُّ : قَالَ اللَّهُ: لَكَ ذَلِكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ. وَقَالَ أَيُّوبُ: وَعِزَّتِكَ لَا غِنَى لِي عَنْ بَرَكَتِكَ.

٦٦٦١ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ النَّبِيُّ : لَا تَزَالُ جَهَنَّمُ تَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ، حَتَّى يَضَعَ رَبُّ الْعِزَّةِ فِيهَا قَدَمَهُ فَتَقُولُ: قَطْ قَطْ وَعِزَّتِكَ، وَيُزْوَى بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ. رَوَاهُ شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ.

قَوْلُهُ: (بَابُ الْحَلِفُ بِعِزَّةِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ وَكَلَامِهِ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَلِغَيْرِهِ وَكَلِمَاتِهِ وَفِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ عَطْفُ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ، وَالْخَاصُّ عَلَى الْعَامِّ؛ لِأَنَّ الصِّفَاتِ أَعَمُّ مِنَ الْعِزَّةِ وَالْكَلَامِ، وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ فِي آخِرِ بَابُ لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ إِلَى أَنَّ الْأَيْمَانَ تَنْقَسِمُ إِلَى صَرِيحٍ وَكِنَايَةٍ وَمُتَرَدِّدٍ بَيْنَهُمَا وَهُوَ الصِّفَاتُ، وَأَنَّهُ اخْتُلِفَ هَلْ يَلْتَحِقُ بِالصَّرِيحِ فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى قَصْدٍ أَوْ لَا فَيَحْتَاجُ، وَالرَّاجِحُ أَنَّ صِفَاتِ الذَّاتِ مِنْهَا يَلْتَحِقُ بِالصَّرِيحِ فَلَا تَنْفَعُ مَعَهَا التَّوْرِيَةُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

المعجمة وفتح النون مقصورًا، أي: لا استغناءَ أو لابدَّ، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «لا غَناءَ» بفتح الغين (١) المعجمة والمدِّ، والأوَّل أولى؛ لأنَّ معنى الممدود الكفايةُ. يقال: ما عند (٢) فلان غَناءٌ، أي: لا يُغتنى به.

٦٦٦١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بنُ أبي إياسٍ قال: (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ) بفتح الشين المعجمة والموحدة بينهما تحتية ساكنة، ابنُ عبد الرَّحمن النَّحويُّ قال: (حَدَّثَنَا قَتَادَةُ) بن دِعامة (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ، وسقط «ابن مالك» لأبي ذرٍّ، أنَّه قال: (قَالَ النَّبِيُّ : لَا تَزَالُ جَهَنَّمُ تَقُولُ) بلسانِ القال مستفهمةً: (هَلْ مِنْ مَزِيدٍ) فيَّ، أي: لا أسعُ غير ما امتلأتُ به، أو هل من زيادةٍ فأُزاد (حَتَّى يَضَعَ رَبُّ العِزَّةِ) جلَّ وعلا (فِيهَا قَدَمَهُ) هو من المتشابهِ، وقيل فيه: هم الَّذين قدَّمهم الله لها من شرارِ خلقهِ فهُم قدمُ الله للنَّار، كما أنَّ المسلمين قدَمُه للجنَّة، والقدم كلُّ ما قدَّمت من خيرٍ أو شرٍّ، وتقدَّمَتْ لفلانٍ فيه قدَم، أي: تقدَّم من خيرٍ أو شرٍّ، وقيل: وضعُ القدَم على الشَّيء مثلٌ للردعِ والقمعِ، فكأنَّه قال: يأتيها أمرُ الله فيكفيهَا من طلبِ المزيد، وقيل: أرادَ به تسكين فورتِهَا، كما يقال للأمر تريدُ إبطالَه: وضعتُه تحت قدَمي (فَتَقُولُ) جهنَّم إذا وضعَ فيها قدَمه: (قَطِْ قَطِْ) بسكون الطاءين وكسرهما مع التخفيف فيهما، والتِّكرارُ للتَّأكيد، أي: حسبُ حسبُ قد اكتفيتُ (وَعِزَّتِكَ، وَيُزْوَى) بضم التحتية وسكون الزاي وفتح الواو، يجمعُ ويقبضُ (بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، رَوَاهُ) أي: الحديثَ (شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعَامة. قال الحافظُ أبو الفضل ابنُ حجرٍ العسقلانيُّ: وأصل روايتهِ في «تفسير سورة ق» [خ¦٤٨٤٨] وأشار بذلك إلى أنَّ الرِّواية الموصولة عن أنس بالعنعنةِ، لكن شعبة ما كان يأخذُ عن شيوخهِ الَّذين ذكر عنهم التَّدليس إلَّا ما صرَّحوا فيه بالتَّحديث.

والحديث أخرجه مسلمٌ في «صفةِ النَّار»، والتِّرمذيُّ في «التَّفسير»، والنَّسائيُّ في «النُّعوت».

(١٣) (باب قَوْلِ الرَّجُلِ: لَعَمْرُ اللهِ) لأفعلنَّ كذا، لعمرك (١) مبتدأ محذوفُ الخبرِ وجوبًا، ومثلُه أيمن (٢) الله، ولأفعلنَّ جواب القسمِ، وتقديرُه: لعمرُك قسمِي، أو يمينِي. والعَُمر -بالفتح والضم-: هو البقاء إلَّا أنَّهم التزمُوا الفتحَ في القسمِ. قال الزَّجَّاج: لأنَّه أخفُّ عليهم وهم يكثرون القسمَ بـ «لعَمري ولعَمرك» وله أحكام منها: أنَّه متى اقترن بلام الابتداءِ لزم فيه الرَّفع بالابتداء، وحذف خبرُه لسدِّ جواب القسمِ مسدَّه، ومنها أنَّه يصير صريحًا في القسمِ، أي: يتعيَّن فيه بخلافِ غيره نحو عهدُ الله وميثاقه، ومنها أنَّه يلزمُ فتح عينهِ، فإن لم تقترنْ به لام الابتداء جازَ نصبه بفعل مقدَّر نحو: عَمْرُ اللهَُ لأفعلنَّ، ويجوز حينئذٍ في الجلالة الشَّريفة وجهان النَّصب والرَّفع، فالنَّصب على أنَّه مصدرٌ مضاف لفاعلهِ، وفي ذلك معنيان: أحدهما: أنَّ الأصل: أسألك بتعميرِكَ الله، أي: بوصفِكَ الله تعالى بالبقاءِ، ثمَّ حذف زوائد المصدر، والثَّاني: أنَّ المعنى: عبادتك اللهَ، والعَمر العبادةُ. وأمَّا الرَّفع فعلى أنَّه مضاف لمفعوله. قال الفارسيُّ: معناه: عمرك اللهُ تعميرًا، وجاز أيضًا ضمّ عينه، وينشدُ بالوجهين قوله:

أَيُّهَا المُنْكِحُ الثُّرَيَّا سُهَيْلًا … عَُمْرُكَ اللهُ كَيْفَ يَلْتَقِيَانِ

ويجوز دخولُ باء الجرِّ نحو بعمرك لأفعلنَّ، قال:

رُقَيَّ بعَمْرِكُمْ لَا تَهْجُرِينَا … ومَنِّيْنَا المُنَى ثُمَّ امْطُلِينَا

وهو من الأسماءِ اللَّازمة للإضافةِ فلا يقطعُ عنها، وزعمَ بعضُهم أنَّه لا يضافُ إلى اللهِ تعالى، وقد سُمِعَتْ، قال (٣) الشَّاعر:

إِذَا رَضِيَتْ عَلَيَّ بَنُو قُشَيْرٍ … لَعَمْرُ اللهِ أَعْجَبَنِي رِضَاهَا

ومنع بعضهم إضافته إلى ياء (٤) المتكلِّم؛ لأنَّه حلفَ بحياةِ المقسم، وقد وردَ ذلك، قال

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

أُخْرَى غَيْرَ هَذِهِ: كَالْأَمَانِ وَالْوَفَاءِ، وَالْوَصِيَّةِ وَالْيَمِينِ وَرِعَايَةِ الْحُرْمَةِ، وَالْمَعْرِفَةِ وَاللِّقَاءِ عَنْ قُرْبٍ، وَالزَّمَانِ وَالذِّمَّةِ، وَبَعْضُهَا قَدْ يَتَدَاخَلُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: مَنْ حَلَفَ بِالْعَهْدِ فَحَنِثَ لَزِمَهُ الْكَفَّارَةُ سَوَاءً نَوَى أَمْ لَا عِنْدَ مَالِكٍ، وَالْأَوْزَاعِيِّ وَالْكُوفِيِّينَ، وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ، وَالشَّعْبِيُّ، وَطَاوُسٌ وَغَيْرُهُمْ.

قُلْتُ: وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ. وَقَالَ عَطَاءٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو عُبَيْدٍ: لَا تَكُونُ يَمِينًا إِلَّا إِنْ نَوَى، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْإِيمَانِ النَّقْلُ عَنِ الشَّافِعِيِّ فِيمَنْ قَالَ أَمَانَةُ اللَّهِ مِثْلُهُ، وَأَغْرَبَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ فَادَّعَى اتِّفَاقَ الْعُلَمَاءِ عَلَى ذَلِكَ، وَلَعَلَّهُ أَرَادَ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَالْخِلَافُ ثَابِتٌ عِنْدَهُمْ كَمَا حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ، وَاحْتَجَّ لِلْمَذْهَبِ بِأَنَّ عَهْدَ اللَّهِ يُسْتَعْمَلُ فِي وَصِيَّتِهِ لِعِبَادِهِ بِاتِّبَاعِ أَوَامِرِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ كَمَا ذُكِرَ فَلَا يُحْمَلُ عَلَى الْيَمِينِ إِلَّا بِالْقَصْدِ.

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إِذَا قَالَ عَلَيَّ عَهْدُ اللَّهِ احْتَمَلَ أَنْ يُرِيدَ مَعْهُودَهُ وَهُوَ وَصِيَّتُهُ فَيَصِيرُ كَقَوْلِهِ عَلَيَّ فَرْضُ اللَّهِ أَيْ: مَفْرُوضُهُ فَلَا يَكُونُ يَمِينًا ; لِأَنَّ الْيَمِينَ لَا تَنْعَقِدُ بِمُحْدَثٍ، فَإِنْ نَوَى بِقَوْلِهِ عَهْدُ اللَّهِ الْيَمِينَ انْعَقَدَتْ.

وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: قَدْ قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى - ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ فَمَنْ قَالَ: عَلَيَّ عَهْدُ اللَّهِ صَدَقَ ; لِأَنَّ اللَّهَ أَخْبَرَ أَنَّهُ أَخَذَ عَلَيْنَا الْعَهْدَ فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ يَمِينًا إِلَّا إِنْ نَوَاهُ، وَاحْتَجَّ الْأَوَّلُونَ بِأَنَّ الْعُرْفَ قَدْ صَارَ جَارِيًا بِهِ فَحُمِلَ عَلَى الْيَمِينِ.

وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: هَذَا لَفْظٌ يُسْتَعْمَلُ عَلَى خَمْسَةِ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ عَلَيَّ عَهْدُ اللَّهِ، وَالثَّانِي وَعَهْدِ اللَّهِ، الثَّالِثُ عَهْدِ اللَّهِ، الرَّابِعُ أُعَاهِدُ اللَّهَ، الْخَامِسُ عَلَيَّ الْعَهْدُ. وَقَدْ طَرَدَ بَعْضُهُمْ ذَلِكَ فِي الْجَمِيعِ، وَفَصَّلَ بَعْضُهُمْ فَقَالَ: لَا شَيْءَ فِي ذَلِكَ إِلَّا إِنْ قَالَ عَلَيَّ عَهْدُ اللَّهِ وَنَحْوَهَا، وَإِلَّا فَلَيْسَتْ بِيَمِينٍ نَوَى أَوْ لَمْ يَنْوِ.

ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَالْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ فِي نُزُولِ قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ وَسُلَيْمَانُ فِي السَّنَدِ هُوَ الْأَعْمَشُ، وَمَنْصُورٌ هُوَ ابْنُ الْمُعْتَمِرِ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى بَعْدَ خَمْسَةِ أَبْوَابٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

١٢ - بَاب الْحَلِفِ بِعِزَّةِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ وَكَلِمَاتِهِ

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ النَّبِيُّ يَقُولُ: أَعُوذُ بِعِزَّتِكَ. وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ : يَبْقَى رَجُلٌ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ اصْرِفْ وَجْهِي عَنْ النَّارِ، لَا وَعِزَّتِكَ لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا. وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: قَالَ النَّبِيُّ : قَالَ اللَّهُ: لَكَ ذَلِكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ. وَقَالَ أَيُّوبُ: وَعِزَّتِكَ لَا غِنَى لِي عَنْ بَرَكَتِكَ.

٦٦٦١ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ النَّبِيُّ : لَا تَزَالُ جَهَنَّمُ تَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ، حَتَّى يَضَعَ رَبُّ الْعِزَّةِ فِيهَا قَدَمَهُ فَتَقُولُ: قَطْ قَطْ وَعِزَّتِكَ، وَيُزْوَى بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ. رَوَاهُ شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ.

قَوْلُهُ: (بَابُ الْحَلِفُ بِعِزَّةِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ وَكَلَامِهِ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَلِغَيْرِهِ وَكَلِمَاتِهِ وَفِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ عَطْفُ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ، وَالْخَاصُّ عَلَى الْعَامِّ؛ لِأَنَّ الصِّفَاتِ أَعَمُّ مِنَ الْعِزَّةِ وَالْكَلَامِ، وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ فِي آخِرِ بَابُ لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ إِلَى أَنَّ الْأَيْمَانَ تَنْقَسِمُ إِلَى صَرِيحٍ وَكِنَايَةٍ وَمُتَرَدِّدٍ بَيْنَهُمَا وَهُوَ الصِّفَاتُ، وَأَنَّهُ اخْتُلِفَ هَلْ يَلْتَحِقُ بِالصَّرِيحِ فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى قَصْدٍ أَوْ لَا فَيَحْتَاجُ، وَالرَّاجِحُ أَنَّ صِفَاتِ الذَّاتِ مِنْهَا يَلْتَحِقُ بِالصَّرِيحِ فَلَا تَنْفَعُ مَعَهَا التَّوْرِيَةُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

المعجمة وفتح النون مقصورًا، أي: لا استغناءَ أو لابدَّ، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «لا غَناءَ» بفتح الغين (١) المعجمة والمدِّ، والأوَّل أولى؛ لأنَّ معنى الممدود الكفايةُ. يقال: ما عند (٢) فلان غَناءٌ، أي: لا يُغتنى به.

٦٦٦١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بنُ أبي إياسٍ قال: (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ) بفتح الشين المعجمة والموحدة بينهما تحتية ساكنة، ابنُ عبد الرَّحمن النَّحويُّ قال: (حَدَّثَنَا قَتَادَةُ) بن دِعامة (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ، وسقط «ابن مالك» لأبي ذرٍّ، أنَّه قال: (قَالَ النَّبِيُّ : لَا تَزَالُ جَهَنَّمُ تَقُولُ) بلسانِ القال مستفهمةً: (هَلْ مِنْ مَزِيدٍ) فيَّ، أي: لا أسعُ غير ما امتلأتُ به، أو هل من زيادةٍ فأُزاد (حَتَّى يَضَعَ رَبُّ العِزَّةِ) جلَّ وعلا (فِيهَا قَدَمَهُ) هو من المتشابهِ، وقيل فيه: هم الَّذين قدَّمهم الله لها من شرارِ خلقهِ فهُم قدمُ الله للنَّار، كما أنَّ المسلمين قدَمُه للجنَّة، والقدم كلُّ ما قدَّمت من خيرٍ أو شرٍّ، وتقدَّمَتْ لفلانٍ فيه قدَم، أي: تقدَّم من خيرٍ أو شرٍّ، وقيل: وضعُ القدَم على الشَّيء مثلٌ للردعِ والقمعِ، فكأنَّه قال: يأتيها أمرُ الله فيكفيهَا من طلبِ المزيد، وقيل: أرادَ به تسكين فورتِهَا، كما يقال للأمر تريدُ إبطالَه: وضعتُه تحت قدَمي (فَتَقُولُ) جهنَّم إذا وضعَ فيها قدَمه: (قَطِْ قَطِْ) بسكون الطاءين وكسرهما مع التخفيف فيهما، والتِّكرارُ للتَّأكيد، أي: حسبُ حسبُ قد اكتفيتُ (وَعِزَّتِكَ، وَيُزْوَى) بضم التحتية وسكون الزاي وفتح الواو، يجمعُ ويقبضُ (بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، رَوَاهُ) أي: الحديثَ (شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعَامة. قال الحافظُ أبو الفضل ابنُ حجرٍ العسقلانيُّ: وأصل روايتهِ في «تفسير سورة ق» [خ¦٤٨٤٨] وأشار بذلك إلى أنَّ الرِّواية الموصولة عن أنس بالعنعنةِ، لكن شعبة ما كان يأخذُ عن شيوخهِ الَّذين ذكر عنهم التَّدليس إلَّا ما صرَّحوا فيه بالتَّحديث.

والحديث أخرجه مسلمٌ في «صفةِ النَّار»، والتِّرمذيُّ في «التَّفسير»، والنَّسائيُّ في «النُّعوت».

(١٣) (باب قَوْلِ الرَّجُلِ: لَعَمْرُ اللهِ) لأفعلنَّ كذا، لعمرك (١) مبتدأ محذوفُ الخبرِ وجوبًا، ومثلُه أيمن (٢) الله، ولأفعلنَّ جواب القسمِ، وتقديرُه: لعمرُك قسمِي، أو يمينِي. والعَُمر -بالفتح والضم-: هو البقاء إلَّا أنَّهم التزمُوا الفتحَ في القسمِ. قال الزَّجَّاج: لأنَّه أخفُّ عليهم وهم يكثرون القسمَ بـ «لعَمري ولعَمرك» وله أحكام منها: أنَّه متى اقترن بلام الابتداءِ لزم فيه الرَّفع بالابتداء، وحذف خبرُه لسدِّ جواب القسمِ مسدَّه، ومنها أنَّه يصير صريحًا في القسمِ، أي: يتعيَّن فيه بخلافِ غيره نحو عهدُ الله وميثاقه، ومنها أنَّه يلزمُ فتح عينهِ، فإن لم تقترنْ به لام الابتداء جازَ نصبه بفعل مقدَّر نحو: عَمْرُ اللهَُ لأفعلنَّ، ويجوز حينئذٍ في الجلالة الشَّريفة وجهان النَّصب والرَّفع، فالنَّصب على أنَّه مصدرٌ مضاف لفاعلهِ، وفي ذلك معنيان: أحدهما: أنَّ الأصل: أسألك بتعميرِكَ الله، أي: بوصفِكَ الله تعالى بالبقاءِ، ثمَّ حذف زوائد المصدر، والثَّاني: أنَّ المعنى: عبادتك اللهَ، والعَمر العبادةُ. وأمَّا الرَّفع فعلى أنَّه مضاف لمفعوله. قال الفارسيُّ: معناه: عمرك اللهُ تعميرًا، وجاز أيضًا ضمّ عينه، وينشدُ بالوجهين قوله:

أَيُّهَا المُنْكِحُ الثُّرَيَّا سُهَيْلًا … عَُمْرُكَ اللهُ كَيْفَ يَلْتَقِيَانِ

ويجوز دخولُ باء الجرِّ نحو بعمرك لأفعلنَّ، قال:

رُقَيَّ بعَمْرِكُمْ لَا تَهْجُرِينَا … ومَنِّيْنَا المُنَى ثُمَّ امْطُلِينَا

وهو من الأسماءِ اللَّازمة للإضافةِ فلا يقطعُ عنها، وزعمَ بعضُهم أنَّه لا يضافُ إلى اللهِ تعالى، وقد سُمِعَتْ، قال (٣) الشَّاعر:

إِذَا رَضِيَتْ عَلَيَّ بَنُو قُشَيْرٍ … لَعَمْرُ اللهِ أَعْجَبَنِي رِضَاهَا

ومنع بعضهم إضافته إلى ياء (٤) المتكلِّم؛ لأنَّه حلفَ بحياةِ المقسم، وقد وردَ ذلك، قال

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.9 / 29.5
الإضاءة 9%
البدر بعد 12 يوم
أستغفر الله