(ح) وَحَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ النُّمَيْرِيُّ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٦٦٢

الحديث رقم ٦٦٦٢ من كتاب «كتاب الأيمان والنذور» في صحيح البخاري، تحت باب: باب قول الرجل لعمر الله.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٦٦٦٢ في صحيح البخاري

(ح) وَحَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ النُّمَيْرِيُّ، حَدَّثَنَا يُونُسُ قَالَ: سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ قَالَ: سَمِعْتُ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ، وَسَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ، وَعَلْقَمَةَ بْنَ وَقَّاصٍ، وَعُبَيْدَ اللهِ بْنَ عَبْدِ اللهِ، عَنْ «حَدِيثِ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ، حِينَ قَالَ لَهَا أَهْلُ الْإِفْكِ مَا قَالُوا، فَبَرَّأَهَا اللهُ، وَكُلٌّ حَدَّثَنِي طَائِفَةً مِنَ الْحَدِيثِ، فَقَامَ النَّبِيُّ فَاسْتَعْذَرَ مِنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيٍّ، فَقَامَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ، فَقَالَ لِسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ: لَعَمْرُ اللهِ لَنَقْتُلَنَّهُ.»

بَابٌ: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾

إسناد حديث رقم ٦٦٦٢ من صحيح البخاري

٦٦٦٢ - حَدَّثَنَا الْأُوَيْسِيُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٦٦٦٢: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

إِذَا تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ آدَمِيٍّ وَصِفَاتُ الْفِعْلِ تَلْتَحِقُ بِالْكِنَايَةِ، فَعِزَّةُ اللَّهِ مِنْ صِفَاتِ الذَّاتِ وَكَذَا جَلَالُهُ وَعَظَمَتُهُ.

قَالَ الشَّافِعِيُّ فِيمَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ: مَنْ قَالَ: وَحَقِّ اللَّهِ وَعَظَمَةِ اللَّهِ وَجَلَالِ اللَّهِ وَقُدْرَةِ اللَّهِ يُرِيدُ الْيَمِينَ أَوْ لَا يُرِيدُهُ فَهِيَ يَمِينٌ انْتَهَى.

وَقَالَ غَيْرُهُ: وَالْقُدْرَةُ تَحْتَمِلُ صِفَةَ الذَّاتِ فَتَكُونُ الْيَمِينُ صَرِيحَةً، وَتَحْتَمِلُ إِرَادَةَ الْمَقْدُورِ فَتَكُونُ كِنَايَةً كَقَوْلِ مَنْ يَتَعَجَّبُ مِنَ الشَّيْءِ: انْظُرْ إِلَى قُدْرَةِ اللَّهِ، وَكَذَا الْعِلْمُ كَقَوْلِهِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا عِلْمَكَ فِينَا أَيْ مَعْلُومَكَ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ النَّبِيُّ يَقُولُ: أَعُوذُ بِعِزَّتِكَ) هَذَا طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ وَصَلَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي التَّوْحِيدِ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ هُنَاكَ، وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ عَلَى الْحَلِفِ بِعِزَّةِ اللَّهِ أَنَّهُ وَإِنْ كَانَ بِلَفْظِ الدُّعَاءِ لَكِنَّهُ لَا يُسْتَعَاذُ إِلَّا بِاللَّهِ أَوْ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ ذَاتِهِ، وَخَفِيَ هَذَا عَلَى ابْنِ التِّينِ فَقَالَ: لَيْسَ فِيهِ جَوَازُ الْحَلِفِ بِالصِّفَةِ كَمَا بَوبَ عَلَيْهِ. ثُمَّ وَجَدْتُ فِي حَاشِيَةِ ابْنِ الْمُنِيرِ مَا نَصُّهُ، قَوْلُهُ أَعُوذُ بِعِزَّتِكَ دُعَاءٌ وَلَيْسَ بِقَسَمٍ، وَلَكِنَّهُ لَمَّا كَانَ الْمُقَرَّرُ أَنَّهُ لَا يُسْتَعَاذُ إِلَّا بِالْقَدِيمِ ثَبَتَ بِهَذَا أَنَّ الْعِزَّةَ مِنَ الصِّفَاتِ الْقَدِيمَةِ لَا مِنْ صِفَةِ الْفِعْلِ فَتَنْعَقِدُ الْيَمِينُ بِهَا.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ إِلَخْ) وَفِيهِ وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: قَالَ النَّبِيُّ : قَالَ اللَّهُ: لَكَ ذَلِكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ وَهُوَ مُخْتَصَرٌ مِنَ الْحَدِيثِ الطَّوِيلِ فِي صِفَةِ الْحَشْرِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي أَوَاخِرِ الرِّقَاقِ، وَالْغَرَضُ مِنْهَا قَوْلُ الرَّجُلِ لَا وَعِزَّتِكَ لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا، فَإِنَّ النَّبِيَّ ذَكَرَ ذَلِكَ مُقَرِّرًا لَهُ، فَيَكُونُ حُجَّةً فِي ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ أَيُّوبُ) (وَعِزَّتِكَ لَا غِنَى لِي عَنْ بَرَكَتِكَ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَوَقَعَ لِأَبِي ذَرٍّ عَنْ غَيْرِ الْكُشْمِيهَنِيِّ لَا غَنَاءَ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَالْمَدِّ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى فَإِنَّ مَعْنَى الْغَنَاءِ بِالْمَدِّ الْكِفَايَةُ يُقَالُ: مَا عِنْدَ فُلَانٍ غَنَاءٌ أَيْ لَا يُغْتَنَى بِهِ، وَهُوَ أَيْضًا طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَوَّلُهُ أَنَّ أَيُّوبَ كَانَ يَغْتَسِلُ فَخَرَّ عَلَيْهِ جَرَادٌ مِنْ ذَهَبٍ الْحَدِيثَ، وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْهُ أَنَّ أَيُّوبَ لَا يَحْلِفُ إِلَّا بِاللَّهِ، وَقَدْ ذَكَرَ النَّبِيُّ ذَلِكَ عَنْهُ وَأَقَرَّهُ.

قَوْلُهُ: (شَيْبَانُ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ.

قَوْلُهُ: (فَتَقُولُ قَطْ قَطْ وَعِزَّتِكَ) تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ ق وَالْقَوْلُ فِيهِ مَا تَقَدَّمَ، وَحَكَى الدَّاوُدِيُّ عَنْ بَعْضِ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْلِ جَهَنَّمَ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ مَعْنَاهُ لَيْسَ فِي مَزِيدٍ. قَالَ ابْنُ التِّينِ: وَحَدِيثُ الْبَابِ يَرُدُّ عَلَيْهِ.

قَوْلُهُ: (رَوَاهُ شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ) وَصَلَ رِوَايَتُهُ فِي تَفْسِيرِ ق، وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّ الرِّوَايَةَ الْمَوْصُولَةَ عَنْ أَنَسٍ بِالْعَنْعَنَةِ، لَكِنَّ شُعْبَةَ مَا كَانَ يَأْخُذُ عَنْ شُيُوخِهِ الَّذِينَ ذَكَرَ عَنْهُمُ التَّدْلِيسَ إِلَّا مَا صَرَّحُوا فِيهِ بِالتَّحْدِيثِ.

(تَنْبِيهٌ): لَمَحَ الْمُصَنِّفُ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ إِلَى رَدِّ مَا جَاءَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِنَ الزَّجْرِ عَنِ الْحَلِفِ بِعِزَّةِ اللَّهِ، فَفِي تَرْجَمَةِ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ مِنْ الْحِلْيَةِ لِأَبِي نُعَيْمٍ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَجَاءٍ، عَنِ الْمَسْعُودِيِّ، عَنْ عَوْنٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: لَا تَحْلِفُوا بِحَلِفِ الشَّيْطَانِ أَنْ يَقُولَ أَحَدُكُمْ وَعِزَّةِ اللَّهِ، وَلَكِنْ قُولُوا كَمَا قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى - ﴿رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ انْتَهَى. وَفِي الْمَسْعُودِيِّ ضَعْفٌ، وَعَوْنٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ مُنْقَطِعٌ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى الْعِزَّةِ فِي بَابٍ مُفْرَدٍ مِنْ كِتَابِ التَّوْحِيدِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى -.

١٣ - بَاب قَوْلِ الرَّجُلِ: لَعَمْرُ اللَّهِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿لَعَمْرُكَ﴾ لَعَيْشُكَ

٦٦٦٢ - حَدَّثَنَا الْأُوَيْسِيُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ، عَنْ صَالِحٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ح. وَحَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ النُّمَيْرِيُّ، حَدَّثَنَا يُونُسُ قَالَ: سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ قَالَ: سَمِعْتُ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ، وَسَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ، وَعَلْقَمَةَ بْنَ وَقَّاصٍ، وَعُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ حِينَ قَالَ لَهَا أَهْلُ الْإِفْكِ مَا قَالُوا فَبَرَّأَهَا اللَّهُ،

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

النَّابغةُ:

لَعَمْرِي وَمَا عَمْرِي عَلَيَّ بِهَيِّنٍ … لَقَدْ نَطَقَتْ بُطْلًا عَلَيَّ الأَقَارِعُ

وقد اختلفَ هل تنعقدُ بها اليمين؟ فعن المالكية والحنفيَّة تنعقدُ؛ لأنَّ بقاء الله من صفاتِ ذاتهِ.

وعن مالك: لا يعجبنِي اليمين بذلك، وقال الشَّافعيُّ (١): لا يكون يمينًا إلَّا بالنِّيَّة؛ لأنَّه يُطلق على العلمِ وعلى الحقِّ، وقد يرادُ بالعلمِ المعلوم، وبالحقِّ ما أوجبَهُ الله، وعن أحمدَ في الرَّاجح كالشَّافعيِّ، وأُجيب عن الآية بأنَّ للهِ أن يُقْسم من خلقهِ بما يشاءُ وليس ذلك لهم؛ لثبوت النَّهي عن الحلفِ بغير الله.

(قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ، ممَّا وصلهُ ابنُ أبي حاتم: (﴿لَعَمْرُكَ﴾ [الحجر: ٧٢]) أي: (لَعَيْشُكَ) والحياة والعيش واحدٌ.

٦٦٦٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الأُوَيْسِيُّ) بضم الهمزة وفتح الواو وسكون التَّحتية وكسر السين المهملة بعدها تحتية مشدَّدة، عبد العزيز المدنيُّ قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ) بنُ سعد بنِ إبراهيم بنِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ عوف (عَنْ صَالِحٍ) هو ابنُ كَيسان (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلم الزُّهريِّ. (ح) لتحويلِ السَّند. قال البخاريُّ: (وَحَدَّثَنَا حَجَّاجٌ) بن منهالٍ الأنماطيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ النُّمَيْرِيُّ) بضم النون وفتح الميم مصغَّرًا، قال: (حَدَّثَنَا يُونُسُ) بن يزيد الأيليُّ (قَالَ: سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ قَالَ: سَمِعْتُ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام (وَسَعِيدَ بْنَ المُسَيَّبِ، وَعَلْقَمَةَ بْنَ وَقَّاصٍ) الليثيَّ (وَعُبَيْدَ اللهِ) بضم العين (ابْنَ عَبْدِ اللهِ) بن عتبة بنِ مسعودٍ الأربعة يحدِّثون (عَنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ حِينَ قَالَ لَهَا أَهْلُ الإِفْكِ) بكسر الهمزة (مَا قَالُوا، فَبَرَّأَهَا اللهُ) تعالى بما أنزلهُ في

سورة النُّور (وَكُلٌّ) من الأربعةِ عروة ومن بعدَه (حَدَّثَنِي) بالإفراد (طَائِفَةً) قطعة (مِنَ الحَدِيثِ) زاد أبو ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «وفيه» أي: في الحديثِ المرويِّ طويلًا في «المغازي» [خ¦٤١٤١] (فَقَامَ النَّبِيُّ (١) فَاسْتَعْذَرَ) طلبَ من يعذرُه (مِنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيٍّ) بضم الهمزة وفتح الموحدة، ابن سلول، أي: من يُنصف (٢) منه (فَقَامَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ) بالتَّصغير فيهما (فَقَالَ لِسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ) سيِّد الخزرجِ: (لَعَمْرُ اللهِ لَنَقْتُلَنَّهُ) بالنون المفتوحة وسكون القاف ولام التَّأكيد والنون المشدَّدة.

والحديث سبق في «المغازي» [خ¦٤١٤١] و «التَّفسير» [خ¦٤٧٥٠] والغرض منه قول أُسيد (٣): «لعمرُ الله لنقتلنَّه».

(١٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين في قولهِ تعالى في سورة (٤) البقرة: (﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾) ما (٥) يجري على اللِّسان من غير قصدٍ للحلفِ، نحو: لا والله، وبلى والله (﴿وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾) يُعاقبكم بما اقترفتْه قلوبُكم من إثمِ القصدِ إلى الكذبِ في اليمين، وهو أن يحلفَ على ما يعلم أنَّه خلاف ما يقوله، وهو اليمينُ الغموس، وتمسَّك الشَّافعيُّ بهذا النَّصِّ على وجوب الكفَّارة في اليمين (٦) الغَموس؛ لأنَّ كسب القلبِ العزمُ والقصدُ، فذكر المؤاخذة بكسبِ القلب. وقال في آية المائدة: ﴿وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩] وعقدُ اليمين محتملٌ لأن يكون المراد منه عقد القلبِ به، ولأن يكون المرادُ به العقد الَّذي يُضادّه (٧) الحلُّ، فلمَّا ذكر هنا قوله: ﴿بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ علمنا أنَّ المراد من ذلك العقد هو عقدُ القلب، وأيضًا ذكر المؤاخذة هنا، ولم يبيِّن تلك المؤاخذة ما هي، وبيَّنها في آيةِ المائدة بقولهِ: ﴿وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ﴾ [المائدة: ٨٩] فبيَّن أنَّ المؤاخذةَ هي الكفَّارة،

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

إِذَا تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ آدَمِيٍّ وَصِفَاتُ الْفِعْلِ تَلْتَحِقُ بِالْكِنَايَةِ، فَعِزَّةُ اللَّهِ مِنْ صِفَاتِ الذَّاتِ وَكَذَا جَلَالُهُ وَعَظَمَتُهُ.

قَالَ الشَّافِعِيُّ فِيمَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ: مَنْ قَالَ: وَحَقِّ اللَّهِ وَعَظَمَةِ اللَّهِ وَجَلَالِ اللَّهِ وَقُدْرَةِ اللَّهِ يُرِيدُ الْيَمِينَ أَوْ لَا يُرِيدُهُ فَهِيَ يَمِينٌ انْتَهَى.

وَقَالَ غَيْرُهُ: وَالْقُدْرَةُ تَحْتَمِلُ صِفَةَ الذَّاتِ فَتَكُونُ الْيَمِينُ صَرِيحَةً، وَتَحْتَمِلُ إِرَادَةَ الْمَقْدُورِ فَتَكُونُ كِنَايَةً كَقَوْلِ مَنْ يَتَعَجَّبُ مِنَ الشَّيْءِ: انْظُرْ إِلَى قُدْرَةِ اللَّهِ، وَكَذَا الْعِلْمُ كَقَوْلِهِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا عِلْمَكَ فِينَا أَيْ مَعْلُومَكَ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ النَّبِيُّ يَقُولُ: أَعُوذُ بِعِزَّتِكَ) هَذَا طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ وَصَلَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي التَّوْحِيدِ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ هُنَاكَ، وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ عَلَى الْحَلِفِ بِعِزَّةِ اللَّهِ أَنَّهُ وَإِنْ كَانَ بِلَفْظِ الدُّعَاءِ لَكِنَّهُ لَا يُسْتَعَاذُ إِلَّا بِاللَّهِ أَوْ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ ذَاتِهِ، وَخَفِيَ هَذَا عَلَى ابْنِ التِّينِ فَقَالَ: لَيْسَ فِيهِ جَوَازُ الْحَلِفِ بِالصِّفَةِ كَمَا بَوبَ عَلَيْهِ. ثُمَّ وَجَدْتُ فِي حَاشِيَةِ ابْنِ الْمُنِيرِ مَا نَصُّهُ، قَوْلُهُ أَعُوذُ بِعِزَّتِكَ دُعَاءٌ وَلَيْسَ بِقَسَمٍ، وَلَكِنَّهُ لَمَّا كَانَ الْمُقَرَّرُ أَنَّهُ لَا يُسْتَعَاذُ إِلَّا بِالْقَدِيمِ ثَبَتَ بِهَذَا أَنَّ الْعِزَّةَ مِنَ الصِّفَاتِ الْقَدِيمَةِ لَا مِنْ صِفَةِ الْفِعْلِ فَتَنْعَقِدُ الْيَمِينُ بِهَا.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ إِلَخْ) وَفِيهِ وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: قَالَ النَّبِيُّ : قَالَ اللَّهُ: لَكَ ذَلِكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ وَهُوَ مُخْتَصَرٌ مِنَ الْحَدِيثِ الطَّوِيلِ فِي صِفَةِ الْحَشْرِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي أَوَاخِرِ الرِّقَاقِ، وَالْغَرَضُ مِنْهَا قَوْلُ الرَّجُلِ لَا وَعِزَّتِكَ لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا، فَإِنَّ النَّبِيَّ ذَكَرَ ذَلِكَ مُقَرِّرًا لَهُ، فَيَكُونُ حُجَّةً فِي ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ أَيُّوبُ) (وَعِزَّتِكَ لَا غِنَى لِي عَنْ بَرَكَتِكَ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَوَقَعَ لِأَبِي ذَرٍّ عَنْ غَيْرِ الْكُشْمِيهَنِيِّ لَا غَنَاءَ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَالْمَدِّ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى فَإِنَّ مَعْنَى الْغَنَاءِ بِالْمَدِّ الْكِفَايَةُ يُقَالُ: مَا عِنْدَ فُلَانٍ غَنَاءٌ أَيْ لَا يُغْتَنَى بِهِ، وَهُوَ أَيْضًا طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَوَّلُهُ أَنَّ أَيُّوبَ كَانَ يَغْتَسِلُ فَخَرَّ عَلَيْهِ جَرَادٌ مِنْ ذَهَبٍ الْحَدِيثَ، وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْهُ أَنَّ أَيُّوبَ لَا يَحْلِفُ إِلَّا بِاللَّهِ، وَقَدْ ذَكَرَ النَّبِيُّ ذَلِكَ عَنْهُ وَأَقَرَّهُ.

قَوْلُهُ: (شَيْبَانُ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ.

قَوْلُهُ: (فَتَقُولُ قَطْ قَطْ وَعِزَّتِكَ) تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ ق وَالْقَوْلُ فِيهِ مَا تَقَدَّمَ، وَحَكَى الدَّاوُدِيُّ عَنْ بَعْضِ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْلِ جَهَنَّمَ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ مَعْنَاهُ لَيْسَ فِي مَزِيدٍ. قَالَ ابْنُ التِّينِ: وَحَدِيثُ الْبَابِ يَرُدُّ عَلَيْهِ.

قَوْلُهُ: (رَوَاهُ شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ) وَصَلَ رِوَايَتُهُ فِي تَفْسِيرِ ق، وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّ الرِّوَايَةَ الْمَوْصُولَةَ عَنْ أَنَسٍ بِالْعَنْعَنَةِ، لَكِنَّ شُعْبَةَ مَا كَانَ يَأْخُذُ عَنْ شُيُوخِهِ الَّذِينَ ذَكَرَ عَنْهُمُ التَّدْلِيسَ إِلَّا مَا صَرَّحُوا فِيهِ بِالتَّحْدِيثِ.

(تَنْبِيهٌ): لَمَحَ الْمُصَنِّفُ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ إِلَى رَدِّ مَا جَاءَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِنَ الزَّجْرِ عَنِ الْحَلِفِ بِعِزَّةِ اللَّهِ، فَفِي تَرْجَمَةِ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ مِنْ الْحِلْيَةِ لِأَبِي نُعَيْمٍ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَجَاءٍ، عَنِ الْمَسْعُودِيِّ، عَنْ عَوْنٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: لَا تَحْلِفُوا بِحَلِفِ الشَّيْطَانِ أَنْ يَقُولَ أَحَدُكُمْ وَعِزَّةِ اللَّهِ، وَلَكِنْ قُولُوا كَمَا قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى - ﴿رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ انْتَهَى. وَفِي الْمَسْعُودِيِّ ضَعْفٌ، وَعَوْنٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ مُنْقَطِعٌ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى الْعِزَّةِ فِي بَابٍ مُفْرَدٍ مِنْ كِتَابِ التَّوْحِيدِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى -.

١٣ - بَاب قَوْلِ الرَّجُلِ: لَعَمْرُ اللَّهِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿لَعَمْرُكَ﴾ لَعَيْشُكَ

٦٦٦٢ - حَدَّثَنَا الْأُوَيْسِيُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ، عَنْ صَالِحٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ح. وَحَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ النُّمَيْرِيُّ، حَدَّثَنَا يُونُسُ قَالَ: سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ قَالَ: سَمِعْتُ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ، وَسَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ، وَعَلْقَمَةَ بْنَ وَقَّاصٍ، وَعُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ حِينَ قَالَ لَهَا أَهْلُ الْإِفْكِ مَا قَالُوا فَبَرَّأَهَا اللَّهُ،

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

النَّابغةُ:

لَعَمْرِي وَمَا عَمْرِي عَلَيَّ بِهَيِّنٍ … لَقَدْ نَطَقَتْ بُطْلًا عَلَيَّ الأَقَارِعُ

وقد اختلفَ هل تنعقدُ بها اليمين؟ فعن المالكية والحنفيَّة تنعقدُ؛ لأنَّ بقاء الله من صفاتِ ذاتهِ.

وعن مالك: لا يعجبنِي اليمين بذلك، وقال الشَّافعيُّ (١): لا يكون يمينًا إلَّا بالنِّيَّة؛ لأنَّه يُطلق على العلمِ وعلى الحقِّ، وقد يرادُ بالعلمِ المعلوم، وبالحقِّ ما أوجبَهُ الله، وعن أحمدَ في الرَّاجح كالشَّافعيِّ، وأُجيب عن الآية بأنَّ للهِ أن يُقْسم من خلقهِ بما يشاءُ وليس ذلك لهم؛ لثبوت النَّهي عن الحلفِ بغير الله.

(قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ، ممَّا وصلهُ ابنُ أبي حاتم: (﴿لَعَمْرُكَ﴾ [الحجر: ٧٢]) أي: (لَعَيْشُكَ) والحياة والعيش واحدٌ.

٦٦٦٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الأُوَيْسِيُّ) بضم الهمزة وفتح الواو وسكون التَّحتية وكسر السين المهملة بعدها تحتية مشدَّدة، عبد العزيز المدنيُّ قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ) بنُ سعد بنِ إبراهيم بنِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ عوف (عَنْ صَالِحٍ) هو ابنُ كَيسان (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلم الزُّهريِّ. (ح) لتحويلِ السَّند. قال البخاريُّ: (وَحَدَّثَنَا حَجَّاجٌ) بن منهالٍ الأنماطيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ النُّمَيْرِيُّ) بضم النون وفتح الميم مصغَّرًا، قال: (حَدَّثَنَا يُونُسُ) بن يزيد الأيليُّ (قَالَ: سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ قَالَ: سَمِعْتُ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام (وَسَعِيدَ بْنَ المُسَيَّبِ، وَعَلْقَمَةَ بْنَ وَقَّاصٍ) الليثيَّ (وَعُبَيْدَ اللهِ) بضم العين (ابْنَ عَبْدِ اللهِ) بن عتبة بنِ مسعودٍ الأربعة يحدِّثون (عَنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ حِينَ قَالَ لَهَا أَهْلُ الإِفْكِ) بكسر الهمزة (مَا قَالُوا، فَبَرَّأَهَا اللهُ) تعالى بما أنزلهُ في

سورة النُّور (وَكُلٌّ) من الأربعةِ عروة ومن بعدَه (حَدَّثَنِي) بالإفراد (طَائِفَةً) قطعة (مِنَ الحَدِيثِ) زاد أبو ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «وفيه» أي: في الحديثِ المرويِّ طويلًا في «المغازي» [خ¦٤١٤١] (فَقَامَ النَّبِيُّ (١) فَاسْتَعْذَرَ) طلبَ من يعذرُه (مِنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيٍّ) بضم الهمزة وفتح الموحدة، ابن سلول، أي: من يُنصف (٢) منه (فَقَامَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ) بالتَّصغير فيهما (فَقَالَ لِسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ) سيِّد الخزرجِ: (لَعَمْرُ اللهِ لَنَقْتُلَنَّهُ) بالنون المفتوحة وسكون القاف ولام التَّأكيد والنون المشدَّدة.

والحديث سبق في «المغازي» [خ¦٤١٤١] و «التَّفسير» [خ¦٤٧٥٠] والغرض منه قول أُسيد (٣): «لعمرُ الله لنقتلنَّه».

(١٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين في قولهِ تعالى في سورة (٤) البقرة: (﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾) ما (٥) يجري على اللِّسان من غير قصدٍ للحلفِ، نحو: لا والله، وبلى والله (﴿وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾) يُعاقبكم بما اقترفتْه قلوبُكم من إثمِ القصدِ إلى الكذبِ في اليمين، وهو أن يحلفَ على ما يعلم أنَّه خلاف ما يقوله، وهو اليمينُ الغموس، وتمسَّك الشَّافعيُّ بهذا النَّصِّ على وجوب الكفَّارة في اليمين (٦) الغَموس؛ لأنَّ كسب القلبِ العزمُ والقصدُ، فذكر المؤاخذة بكسبِ القلب. وقال في آية المائدة: ﴿وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩] وعقدُ اليمين محتملٌ لأن يكون المراد منه عقد القلبِ به، ولأن يكون المرادُ به العقد الَّذي يُضادّه (٧) الحلُّ، فلمَّا ذكر هنا قوله: ﴿بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ علمنا أنَّ المراد من ذلك العقد هو عقدُ القلب، وأيضًا ذكر المؤاخذة هنا، ولم يبيِّن تلك المؤاخذة ما هي، وبيَّنها في آيةِ المائدة بقولهِ: ﴿وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ﴾ [المائدة: ٨٩] فبيَّن أنَّ المؤاخذةَ هي الكفَّارة،

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.9 / 29.5
الإضاءة 10%
البدر بعد 12 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله