الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٦٧١
الحديث رقم ٦٦٧١ من كتاب «كتاب الأيمان والنذور» في صحيح البخاري، تحت باب: باب إذا حنث ناسيا في الأيمان يت.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
٦٦٧١ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: سَمِعَ عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ عَبْدِ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
تَسْلِيمَهُ فَكَبَّرَ وَسَجَدَ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ ثُمَّ كَبَّرَ وَسَجَدَ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَسَلَّمَ"
٦٦٧١ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ سَمِعَ عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ عَبْدِ الصَّمَدِ حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ "عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ صَلَّى بِهِمْ صَلَاةَ الظُّهْرِ فَزَادَ أَوْ نَقَصَ مِنْهَا قَالَ مَنْصُورٌ لَا أَدْرِي إِبْرَاهِيمُ وَهِمَ أَمْ عَلْقَمَةُ قَالَ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَقَصُرَتْ الصَّلَاةُ أَمْ نَسِيتَ قَالَ "وَمَا ذَاكَ" قَالُوا صَلَّيْتَ كَذَا وَكَذَا قَالَ فَسَجَدَ بِهِمْ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ قَالَ "هَاتَانِ السَّجْدَتَانِ لِمَنْ لَا يَدْرِي زَادَ فِي صَلَاتِهِ أَمْ نَقَصَ فَيَتَحَرَّى الصَّوَابَ فَيُتِمُّ مَا بَقِيَ ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ"
٦٦٧٢ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ قَالَ قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ "حَدَّثَنَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: "لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا قَالَ كَانَتْ الأُولَى مِنْ مُوسَى نِسْيَانًا"
٦٦٧٣ - قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ كَتَبَ إِلَيَّ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ "قَالَ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ وَكَانَ عِنْدَهُمْ ضَيْفٌ لَهُمْ فَأَمَرَ أَهْلَهُ أَنْ يَذْبَحُوا قَبْلَ أَنْ يَرْجِعَ لِيَأْكُلَ ضَيْفُهُمْ فَذَبَحُوا قَبْلَ الصَّلَاةِ فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَأَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ الذَّبْحَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ عِنْدِي عَنَاقٌ جَذَعٌ عَنَاقُ لَبَنٍ هِيَ خَيْرٌ مِنْ شَاتَيْ لَحْمٍ فَكَانَ ابْنُ عَوْنٍ يَقِفُ فِي هَذَا الْمَكَانِ عَنْ حَدِيثِ الشَّعْبِيِّ وَيُحَدِّثُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ بِمِثْلِ هَذَا الْحَدِيثِ وَيَقِفُ فِي هَذَا الْمَكَانِ وَيَقُولُ لَا أَدْرِي أَبَلَغَتْ الرُّخْصَةُ غَيْرَهُ أَمْ لَا رَوَاهُ أَيُّوبُ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ أَنَسٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ"
٦٦٧٤ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ "سَمِعْتُ جُنْدَبًا قَالَ شَهِدْتُ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى يَوْمَ عِيدٍ ثُمَّ خَطَبَ ثُمَّ قَالَ "مَنْ ذَبَحَ فَلْيُبَدِّلْ مَكَانَهَا وَمَنْ لَمْ يَكُنْ ذَبَحَ فَلْيَذْبَحْ بِاسْمِ اللَّهِ"
قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا حَنِثَ نَاسِيًا فِي الْأَيْمَانِ) أَيْ هَلْ تَجِبُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ أَوْ لَا؟
قَوْلُهُ: (وَقَوْلُ اللَّهِ - تَعَالَى - ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَلِغَيْرِهِ وَلَيْسَ بِثُبُوتِ الْوَاوِ فِي أَوَّلِهِ، وَقَدْ تَمَسَّكَ بِهَذِهِ الْآيَةِ مَنْ قَالَ بِعَدَمِ حِنْثِ مَنْ لَمْ يَتَعَمَّدْ وَفَعَلَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ نَاسِيًا أَوْ مُكْرَهًا، وَوُجِّهَ بِأَنَّهُ لَا يُنْسَبُ فِعْلُهُ إِلَيْهِ شَرْعًا لِرَفْعِ حُكْمِهِ عَنْهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ فَكَأَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْهُ.
قَوْلُهُ: ﴿لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾ قَالَ الْمُهَلَّبُ: حَاوَلَ الْبُخَارِيُّ فِي إِثْبَاتِ الْعُذْرِ بِالْجَهْلِ وَالنِّسْيَانِ لِيُسْقِطَ الْكَفَّارَةَ، وَالَّذِي يُلَائِمُ مَقْصُودَهُ مِنْ أَحَادِيثِ الْبَابِ الْأَوَّلِ وَحَدِيثِ مَنْ أَكْلَ نَاسِيًا وَحَدِيثِ نِسْيَانِ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ وَقِصَّةِ مُوسَى فَإِنَّ الْخَضِرَ عَذَرَهُ بِالنِّسْيَانِ وَهُوَ عَبْدٌ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ فَاللَّهُ أَحَقُّ بِالْمُسَامَحَةِ، قَالَ: وَأَمَّا
بَقِيَّةُ الْأَحَادِيثِ فَفِي مُسَاعَدَتِهَا عَلَى مُرَادِهِ نَظَرٌ.
قُلْتُ: وَيُسَاعِدُهُ أَيْضًا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي تَقْدِيمِ بَعْضِ النُّسُكِ عَلَى بَعْضٍ، فَإِنَّهُ لَمْ يَأْمُرْ فِيهِ بِالْإِعَادَةِ بَلْ عَذَرَ فَاعِلَهُ بِجَهْلِ الْحُكْمِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: بَلْ أَوْرَدَ الْبُخَارِيُّ أَحَادِيثَ الْبَابِ عَلَى الِاخْتِلَافِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّهَا أُصُولُ أَدِلَّةِ الْفَرِيقَيْنِ لِيَسْتَنْبِطَ كُلُّ أَحَدٍ مِنْهَا مَا يُوَافِقُ مَذْهَبُهُ كَمَا صَنَعَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ فِي قِصَّةِ جَمَلِهِ، فَإِنَّهُ أَوْرَدَ الطُّرُقَ عَلَى اخْتِلَافِهَا، وَإِنْ كَانَ قَدْ بَيَّنَ فِي الْآخِرِ أَنَّ إِسْنَادَ الِاشْتِرَاطِ أَصَحُّ، وَكَذَا قَوْلُ الشَّعْبِيِّ فِي قَدْرِ الثَّمَنِ ; وَبِهَذَا جَزَمَ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي الْحَاشِيَةِ فَقَالَ: أَوْرَدَ الْأَحَادِيثَ الْمُتَجَاذِبَةَ لِيُفِيدَ النَّاظِرَ مَظَانَّ النَّظَرِ، وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يَذْكُرِ الْحُكْمَ فِي التَّرْجَمَةِ، بَلْ أَفَادَ مُرَادَ الْحُكْمِ وَالْأُصُولِ الَّتِي تَصْلُحُ أَنْ يُقَاسَ عَلَيْهَا، وَهُوَ أَكْثَرُ إِفَادَةً مِنْ قَوْلِ الْمُجْتَهِدِ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ، وَإِنْ كَانَ لِذَلِكَ فَائِدَةٌ أَيْضًا انْتَهَى مُلَخَّصًا.
وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ الْبُخَارِيَّ يَقُولُ بِعَدَمِ الْكَفَّارَةِ مُطْلَقًا، وَتَوْجِيهُ الدَّلَالَةِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي سَاقَهَا مُمْكِنٌ. وَأَمَّا مَا يُخَالِفُ ظَاهِرَ ذَلِكَ فَالْجَوَابُ عَنْهُ مُمْكِنٌ: فَمِنْهَا الدِّيَةُ فِي قَتْلِ الْخَطَأِ، وَلَوْلَا أَنَّ حُذَيْفَةَ أَسْقَطَهَا لَكَانَتْ لَهُ الْمُطَالَبَةُ بِهَا، وَالْجَوَابُ أَنَّهَا مِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ وَلَيْسَ الْكَلَامُ فِيهِ. وَمِنْهَا إِبْدَالُ الْأُضْحِيَّةِ الَّتِي ذُبِحَتْ قَبْلَ الْوَقْتِ، وَالْجَوَابُ أَنَّهَا مِنْ جِنْسِ الَّذِي قَبْلَهُ.
وَمِنْهَا حَدِيثُ الْمُسِيءِ صَلَاتَهُ، فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يَعْذُرْهُ بِالْجَهْلِ لَمَا أَقَرَّهُ عَلَى إِتْمَامِ الصَّلَاةِ الْمُخْتَلَّةِ، لَكِنَّهُ لَمَّا رَجَا أَنَّهُ يَتَفَطَّنُ لِمَا عَابَهُ عَلَيْهِ أَمَرَهُ بِالْإِعَادَةِ، فَلَمَّا عَلِمَ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ عَنْ جَهْلٍ بِالْحُكْمِ عَلَّمَهُ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ مُتَمَسَّكٌ لِمَنْ قَالَ بِوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ فِي صُورَةِ النِّسْيَانِ، وَأَيْضًا فَالصَّلَاةُ إِنَّمَا تَتَقَوَّمُ بِالْأَرْكَانِ فَكُلُّ رُكْنٍ اخْتَلَّ مِنْهَا اخْتَلَّتْ بِهِ مَا لَمْ يُتَدَارَكْ، وَإِنَّمَا الَّذِي يُنَاسِبُ مَا لَوْ فَعَلَ مَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ بَعْدَهُ أَوْ تَكَلَّمَ بِهِ فَإِنَّهَا لَا تَبْطُلُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْبَابِ مَنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ نَاسِيًا قَالَ ابْنُ التِّينِ: أَجْرَى الْبُخَارِيُّ قَوْلَهُ - تَعَالَى -: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ فِي كُلِّ شَيْءٍ. وَقَالَ غَيْرُهُ: هِيَ فِي قِصَّةٍ مَخْصُوصَةٍ وَهِيَ مَا إِذَا قَالَ الرَّجُلُ يَا بُنَيَّ وَلَيْسَ هُوَ ابْنَهُ، وَقِيلَ: إِذَا أَتَى امْرَأَتَهُ حَائِضًا وَهُوَ لَا يَعْلَمُ، قَالَ: وَالدَّلِيلُ عَلَى عَدَمِ التَّعْمِيمِ أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا قَتَلَ خَطَأً تَلْزَمُهُ الدِّيَةُ، وَإِذَا أَتْلَفَ مَالَ غَيْرِهِ خَطَأً فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ انْتَهَى.
وَانْفَصَلَ غَيْرُهُ بِأَنَّ الْمُتْلَفَاتِ مِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ وَالَّذِي يَتَعَلَّقُ بِالْآيَةِ مَا يَدْخُلُ فِي خِطَابِ التَّكْلِيفِ، وَلَوْ سُلِّمَ أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِيمَا ذُكِرَ لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ مِنَ الِاسْتِدْلَالِ بِعُمُومِهَا، وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى الْعَمَلِ بِعُمُومِهَا فِي سُقُوطِ الْإِثْمِ، وَقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي ذَلِكَ عَلَى مَذَاهِبَ ثَالِثُهَا التَّفْرِقَةُ بَيْنَ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ فَتَجِبُ فِيهِ الْكَفَّارَةُ مَعَ الْجَهْلِ وَالنِّسْيَانِ بِخِلَافِ غَيْرِهِمَا مِنَ الْأَيْمَانِ فَلَا تَجِبُ، وَهَذَا قَوْلٌ عَنِ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، وَالرَّاجِحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْجَمِيعِ فِي عَدَمِ الْوُجُوبِ، وَعَنِ الْحَنَابِلَةِ عَكْسُهُ وَهُوَ قَوْلُ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ، وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: كَانَ أَحْمَدُ يُوقِعُ الْحِنْثَ فِي النِّسْيَانِ فِي الطَّلَاقِ حَسْبُ وَيَقِفُ عَمَّا سِوَى ذَلِكَ. وَالْمَذْكُورُ فِي الْبَابِ اثْنَا عَشَرَ حَدِيثًا:
الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ قَوْلُهُ: (زُرَارَةَ بْنَ أَبِي أَوْفَى) هُوَ قَاضِي الْبَصْرَةِ مَاتَ وَهُوَ سَاجِدٌ، أَوْرَدَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَكَانَ ذَلِكَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ.
قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يَرْفَعُهُ) سَبَقَ فِي الْعِتْقِ مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ، عَنْ مِسْعَرٍ بِلَفْظٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بَدَلَ قَوْلِهِ هُنَا يَرْفَعُهُ، وَكَذَا لِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ. وَلِلنَّسَائِيِّ، وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِدْرِيسَ كِلَاهُمَا عَنْ مِسْعَرٍ بِلَفْظِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ: إِنَّمَا قَالَ يَرْفَعُهُ لِيَكُونَ أَعَمَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ سَمِعَهُ مِنْهُ أَوْ مِنْ صَحَابِيٍّ آخَرَ سَمِعَهُ مِنْهُ. قُلْتُ: وَلَا اخْتِصَاصَ لِذَلِكَ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ بَلْ مِثْلُهُ فِي قَوْلِهِ قَالَ وَعَنْ، وَإِنَّمَا يَرْتَفِعُ الِاحْتِمَالُ إِذَا قَالَ: سَمِعْتُ وَنَحْوَهَا، وَذَكَرَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ أَنَّ وَكِيعًا رَوَاهُ عَنْ مِسْعَرٍ فَلَمْ يَرْفَعْهُ قَالَ: وَالَّذِي رَفَعَهُ ثِقَةٌ فَيَجِبُ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) لَمْ أَقِفْ عَلَى التَّصْرِيحِ بِسَمَاعِ زُرَارَةَ لِهَذَا الْحَدِيثِ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، لَكِنَّهُ لَمْ
يُوصَفْ بِالتَّدْلِيسِ فَيُحْمَلُ عَلَى السَّمَاعِ. وَذَكَرَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ أَنَّ الْفُرَاتَ بْنَ خَالِدٍ أَدْخَلَ بَيْنَ زُرَارَةَ وَبَيْنَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ رَجُلًا مِنْ بَنِي عَامِرٍ، وَهُوَ خَطَأٌ فَإِنَّ زُرَارَةَ مِنْ بَنِي عَامِرٍ فَكَأَنَّهُ كَانَ فِيهِ عَنْ زُرَارَةَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَامِرٍ، فَظَنَّهُ آخَرَ أُبْهِمَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (لِأُمَّتِي) فِي رِوَايَةِ هِشَامٍ، عَنْ قَتَادَةَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي.
قَوْلُهُ: (عَمَّا وَسْوَسَتْ أَوْ حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا) فِي رِوَايَةِ هِشَامٍ مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا وَلَمْ يَتَرَدَّدْ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ سَعِيدٍ، وَأَبِي عَوَانَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ مَا وَسْوَسَتْ بِهَا صُدُورُهَا وَلَمْ يَتَرَدَّدْ أَيْضًا، وَضَبْطُ أَنْفُسِهَا بِالنَّصْبِ لِلْأَكْثَرِ وَلِبَعْضِهِمْ بِالرَّفْعِ، وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ بِالثَّانِي وَبِهِ جَزَمَ أَهْلُ اللُّغَةِ يُرِيدُونَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهَا كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾
قَوْلُهُ: (مَا لَمْ تَعْمَلْ بِهِ أَوْ تَكَلَّمْ) فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِدْرِيسَ أَوْ تَتَكَلَّمْ بِهِ، قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: لَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ذِكْرُ النِّسْيَانِ، وَإِنَّمَا فِيهِ ذِكْرُ مَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ الْإِنْسَانِ. قُلْتُ: مُرَادُ الْبُخَارِيِّ إِلْحَاقُ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى النِّسْيَانِ بِالتَّجَاوُزِ ; لِأَنَّ النِّسْيَانَ مِنْ مُتَعَلَّقَاتِ عَمَلِ الْقَلْبِ. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ: قَاسَ الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ عَلَى الْوَسْوَسَةِ، فَكَمَا أَنَّهَا لَا اعْتِبَارَ لَهَا عِنْدَ عَدَمِ التَّوَطُّنِ فَكَذَا النَّاسِي وَالْمُخْطِئُ لَا تَوْطِينَ لَهُمَا.
وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ عَمَّارٍ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ مِسْعَرٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بَعْدَ قَوْلِهِ أَوْ تَكَلَّمْ بِهِ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ مُنْكَرَةٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَإِنَّمَا تُعْرَفُ مِنْ رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِلَفْظِ إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ وَقَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ عَقِبَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ رِوَايَةِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، وَالْحَدِيثُ عِنْدَ هِشَامِ بْنِ عَمَّارٍ، عَنِ الْوَلِيدِ فَلَعَلَّهُ دَخَلَ لَهُ بَعْضُ حَدِيثٍ فِي حَدِيثٍ، وَقَدْ رَوَاهُ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، الْحُمَيْدِيُّ وَهُوَ أَعْرَفُ أَصْحَابِ ابْنِ عُيَيْنَةَ بِحَدِيثِهِ، وَتَقَدَّمَ فِي الْعِتْقِ عَنْهُ بِدُونِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ رِوَايَةِ زِيَادِ بْنِ أَيُّوبَ، وَابْنِ الْمُقْرِي، وَسَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمِنَ الْمَخْزُومِيِّ، كُلُّهُمْ عَنْ سُفْيَانَ بِدُونِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ.
قَالَ الْكَرْمَانِيُّ: فِيهِ أَنَّ الْوُجُودَ الذِّهْنِيَّ لَا أَثَرَ لَهُ، وَإِنَّمَا الِاعْتِبَارُ بِالْوُجُودِ الْقَوْلِيِّ فِي الْقَوْلِيَّاتِ وَالْعَمَلِيِّ فِي الْعَمَلِيَّاتِ، وَقَدِ احْتَجَّ بِهِ مَنْ لَا يَرَى الْمُؤَاخَذَةَ بِمَا وَقَعَ فِي النَّفْسِ وَلَوْ عَزَمَ عَلَيْهِ، وَانْفَصَلَ مَنْ قَالَ يُؤَاخَذُ بِالْعَزْمِ بِأَنَّهُ نَوْعٌ مِنَ الْعَمَلِ يَعْنِي عَمَلَ الْقَلْبِ. قُلْتُ: وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعَمَلِ عَمَلُ الْجَوَارِحِ لِأَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ لَفْظِ مَا لَمْ يَعْمَلْ يُشْعِرُ بِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ فِي الصَّدْرِ لَا يُؤَاخَذُ بِهِ سَوَاءٌ تَوَطَّنَ بِهِ أَمْ لَمْ يَتَوَطَّنْ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِي ذَلِكَ فِي أَوَاخِرِ الرِّقَاقِ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ مَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ لَا تُكْتَبُ عَلَيْهِ.
وَفِي الْحَدِيثِ إِشَارَةٌ إِلَى عَظِيمِ قَدْرِ الْأُمَّةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ لِأَجْلِ نَبِيِّهَا ﷺ لِقَوْلِهِ: تَجَاوَزَ لِي وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِاخْتِصَاصِهَا بِذَلِكَ، بَلْ صَرَّحَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ كَانَ حُكْمَ النَّاسِي كَالْعَامِدِ فِي الْإِثْمِ، وَأَنَّ ذَلِكَ مِنَ الْإِصْرِ الَّذِي كَانَ عَلَى مَنْ قَبْلَنَا، وَيُؤَيِّدُهُ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ اشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى الصَّحَابَةِ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ فِي شَكْوَاهُمْ ذَلِكَ، وَقَوْلُهُ ﷺ لَهُمْ: تُرِيدُونَ أَنْ تَقُولُوا مِثْلَ مَا قَالَ أَهْلُ الْكِتَابِ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا، بَلْ قُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا، فَقَالُوهَا فَنَزَلَتْ ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ إِلَى آخِرِ السُّورَةِ، وَفِيهِ قَوْلُهُ: ﴿لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ قَالَ نَعَمْ. وَأَخْرَجَهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِنَحْوِهِ، وَفِيهِ قَالَ قَدْ فَعَلْتُ.
الْحَدِيثُ الثَّانِي قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ الْهَيْثَمِ أَوْ مُحَمَّدٌ عَنْهُ) وَقَعَ مِثْلُ هَذَا فِي بَابُ الذَّرِيرَةِ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ اللِّبَاسِ، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ هُنَاكَ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْهَيْثَمِ بِهِ.
قَوْلُهُ: (كُنْتُ أَحْسَبُ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَذَا وَكَذَا قَبْلَ كَذَا وَكَذَا) فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ إِنِّي كُنْتُ أَحْسَبُ أَنَّ كَذَا قَبْلَ كَذَا.
قَوْلُهُ (لِهَؤُلَاءِ الثَّلَاثُ) قَدْ كُنْتُ أَظُنُّ ذَلِكَ خَاصًّا بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَأَنَّ
الْبُخَارِيَّ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى مَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي يَلِيهِ فَإِنَّهُ فِيهِ الْحَلْقُ وَالنَّحْرُ وَالرَّمْيُ، لَكِنْ وَجَدْتُهُ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ بِالْإِبْهَامِ كَمَا أَشَرْتُ إِلَيْهِ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ عِيسَى بْنِ يُونُسَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ مِثْلُ رِوَايَةِ عُثْمَانَ بْنِ الْهَيْثَمِ سَوَاءٌ، إِلَّا أَنَّ ابْنَ بَكْرٍ لَمْ يَقُلْ لِهَؤُلَاءِ الثَّلَاثِ وَمِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأُمَوِيِّ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ بِلَفْظِ حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَنْحَرَ، وَنَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْإِشَارَةَ الْمَذْكُورَةَ مِنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ شَيْخِ ابْنِ جُرَيْجٍ فِيهِ مُفَسَّرًا كَمَا تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْحَجِّ مَعَ شَرْحِهِ.
الْحَدِيثُ الثَّالِثُ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي ذَلِكَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ بِسَنَدِهِ وَمَتْنِهِ مَشْرُوحًا فِي كِتَابِ الْحَجِّ.
الْحَدِيثُ الرَّابِعُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قِصَّةِ الْمُسِيءِ صَلَاتَهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ.
قَوْلُهُ (حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ) هُوَ الْعُمَرِيُّ وَسَعِيدٌ هُوَ الْمَقْبُرِيُّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الِاسْتِئْذَانِ بِهَذَا السَّنَدِ سَوَاءً لَكِنْ فِيهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ بَدَلَ أَبِي أُسَامَةَ، وَفِي بَعْضِ سِيَاقِهِمَا اخْتِلَافٌ بَيَّنْتُهُ هُنَاكَ، فَكَأَنَّ لِإِسْحَاقَ بْنِ مَنْصُورٍ فِيهِ شَيْخَيْنِ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ مَنْصُورٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ وَحْدَهُ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ جَمِيعًا، وَلَهُ طُرُقٌ عَنْ هَذَيْنِ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ.
الْحَدِيثُ الْخَامِسُ حَدِيثُ حُذَيْفَةَ فِي قِصَّةِ قَتْلِ أَبِيهِ الْيَمَانِ يَوْمَ أُحُدٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي أَوَاخِرِ الْمَنَاقِبِ وَفِي غَزْوَةِ أُحُدٍ، وَقَوْلُهُ فِي آخِرِهِ بَقِيَّةُ خَيْرٍ بِالْإِضَافَةِ لِلْأَكْثَرِ أَيِ اسْتَمَرَّ الْخَيْرُ فِيهِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ بَقِيَّةٌ بِالتَّنْوِينِ وَسَقَطَ عِنْدَهُ لَفْظُ خَيْرٍ وَعَلَيْهَا شَرْحُ الْكَرْمَانِيِّ فَقَالَ: أَيْ بَقِيَّةُ حُزْنٍ وَتَحَسُّرٍ مِنْ قَتْلِ أَبِيهِ بِذَلِكَ الْوَجْهِ، وَهُوَ وَهْمٌ سَبَقَهُ غَيْرُهُ إِلَيْهِ، وَالصَّوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ حَصَلَ لَهُ خَيْرٌ بِقَوْلِهِ لِلْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَبَاهُ خَطَأً عَفَا اللَّهُ عَنْكُمْ وَاسْتَمَرَّ ذَلِكَ الْخَيْرُ فِيهِ إِلَى أَنْ مَاتَ.
الْحَدِيثُ السَّادِسُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ مَنْ أَكَلَ نَاسِيًا وَهُوَ صَائِمٌ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ الْحَدِيثَ ; وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي بَابُ الصَّائِمِ إِذَا أَكَلَ أَوْ شَرِبَ نَاسِيًا مِنْ كِتَابِ الصِّيَامِ، وَعَوْفٌ فِي السَّنَدِ هُوَ الْأَعْرَابِيُّ وَخِلَاسٌ بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَتَخْفِيفِ اللَّامِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ وَهُوَ ابْنُ عَمْرٍو، وَمُحَمَّدٌ هُوَ ابْنُ سِيرِينَ، وَالْبُخَارِيُّ لَا يُخَرِّجُ لِخِلَاسٍ إِلَّا مَقْرُونًا. وَمِمَّا يُنَبَّهُ عَلَيْهِ هُنَا أَنَّ الْمِزِّيَّ فِي الْأَطْرَافِ ذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ فِي تَرْجَمَةِ خِلَاسٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَقَالَ خِلَاسٌ فِي الصِّيَامِ عَنْ يُوسُفَ بْنِ مُوسَى فَوَهِمَ فِي ذَلِكَ، وَإِنَّمَا هُوَ فِي الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ، وَلَمْ يُورِدْهُ فِي الصِّيَامِ مِنْ طَرِيقِ خِلَاسٍ أَصْلًا، وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي الْحَاشِيَةِ: أَوْجَبَ مَالِكٌ الْحِنْثَ عَلَى النَّاسِي، وَلَمْ يُخَالِفْ ذَلِكَ فِي ظَاهِرِ الْأَمْرِ إِلَّا فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ مَنْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ لَيَصُومَنَّ غَدًا فَأَكَلَ نَاسِيًا بَعْدَ أَنْ بَيَّتَ الصِّيَامَ مِنَ اللَّيْلِ، فَقَالَ مَالِكٌ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، فَاخْتُلِفَ عَنْهُ فَقِيلَ: لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: لَا حِنْثَ وَلَا قَضَاءَ وَهُوَ الرَّاجِحُ، أَمَّا عَدَمُ الْقَضَاءِ فَلِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَمَّدْ إِبْطَالَ الْعِبَادَةِ، وَأَمَّا عَدَمُ الْحِنْثِ فَهُوَ عَلَى تَقْدِيرِ صِحَّةِ الصَّوْمِ ; لِأَنَّهُ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ، وَقَدْ صَحَّحَ الشَّارِعُ صَوْمَهُ، فَإِذَا صَحَّ صَوْمُهُ لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ حِنْثٌ.
الْحَدِيثُ السَّابِعُ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُحَيْنَةَ فِي سُجُودِ السَّهْوِ قَبْلَ السَّلَامِ لِتَرْكِ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَبْوَابِ سُجُودِ السَّهْوِ مِنْ أَوَاخِرِ كِتَابِ الصَّلَاةِ مَعَ شَرْحِهِ.
الْحَدِيثُ الثَّامِنُ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي سُجُودِ السَّهْوِ بَعْدَ السَّلَامِ لِزِيَادَةِ رَكْعَةٍ فِي الصَّلَاةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ أَيْضًا هُنَاكَ عَقِبَ حَدِيثِ ابْنِ بُحَيْنَةَ وَقَوْلُهُ هُنَا: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ هُوَ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ رَاهْوَيْهِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي مُسْتَخْرَجِهِ مِنْ مُسْنَدِهِ، وَقَوْلُهُ سَمِعَ عَبْدُ الْعَزِيزِ أَيْ إِنَّهُ سَمِعَ وَلَفْظَةُ إِنَّهُ يُسْقِطُونَهَا فِي الْخَطِّ أَحْيَانًا، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ الْمَذْكُورِ هُوَ الْعَمِّيُّ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالتَّثْقِيلِ، وَمَنْصُورٌ هُوَ ابْنُ الْمُعْتَمِرِ، وَإِبْرَاهِيمُ هُوَ النَّخَعِيُّ، وَعَلْقَمَةُ هُوَ ابْنُ
قَيْسٍ.
وَقَوْلُهُ فِيهِ فَزَادَ أَوْ نَقَصَ قَالَ مَنْصُورٌ: لَا أَدْرِي إِبْرَاهِيمُ وَهِمَ أَمْ عَلْقَمَةُ كَذَا أَطْلَقَ وَهِمَ مَوْضِعَ شَكَّ وَتَوْجِيهُهُ أَنَّ الشَّكَّ يَنْشَأُ عَنِ النِّسْيَانِ ; إِذْ لَوْ كَانَ ذَاكِرًا لِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ لَمَا وَقَعَ لَهُ التَّرَدُّدُ، يُقَالُ: وَهِمَ فِي كَذَا إِذَا غَلِطَ فِيهِ وَوَهِمَ إِلَى كَذَا إِذَا ذَهَبَ وَهْمُهُ إِلَيْهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَبْوَابِ الْقِبْلَةِ مِنْ رِوَايَةِ جَرِيرٍ، عَنْ مَنْصُورٍ قَالَ: قَالَ إِبْرَاهِيمُ: لَا أَدْرِي زَادَ أَوْ نَقَصَ فَجَزَمَ بِأَنَّ إِبْرَاهِيمَ هُوَ الَّذِي تَرَدَّدَ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْصُورًا حِينَ حَدَّثَ عَبْدَ الْعَزِيزِ كَانَ مُتَرَدِّدًا هَلْ عَلْقَمَةُ قَالَ ذَلِكَ أَمْ إِبْرَاهِيمُ، وَحِينَ حَدَّثَ جَرِيرًا كَانَ جَازِمًا بِإِبْرَاهِيمَ.
وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ: لَفْظُ أَقَصُرَتْ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ نَقَصَ، وَلَكِنَّهُ وَهْمٌ مِنَ الرَّاوِي وَالصَّوَابُ مَا تَقَدَّمَ فِي الصَّلَاةِ بِلَفْظِ أَحَدَثَ فِي الصَّلَاةِ شَيْءٌ وَقَدْ تَقَدَّمَتْ مُبَاحِثُ هَذَا الْحَدِيثِ هُنَاكَ أَيْضًا وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
الْحَدِيثُ التَّاسِعُ ذَكَرَ فِيهِ طَرَفًا يَسِيرًا مِنْ حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فِي قِصَّةِ مُوسَى وَالْخَضِرِ. وَقَوْلُهُ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: حَدَّثَنَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ هَكَذَا حَذَفَ مَقُولَ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَقَدْ ذَكَرَهُ فِي تَفْسِيرِ الْكَهْفِ بِلَفْظِ قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ نَوْفًا الْبِكَالِيَّ فَذَكَرَ قِصَّةً، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَادًّا عَلَيْهِ حَدَّثَنَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ إِلَخْ فَحَذَفَهَا الْبُخَارِيُّ هُنَا كَمَا حَذَفَ أَكْثَرَ الْحَدِيثِ، إِلَى أَنْ قَالَ: لَا تُؤَاخِذْنِي.
قَوْلُهُ (إِنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: قَالَ: لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ) فِيهِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: يَقُولُ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿قَالَ لا تُؤَاخِذْنِي﴾ إِلَخْ.
قَوْلُهُ (كَانَتِ الْأُولَى مِنْ مُوسَى نِسْيَانًا) يَعْنِي أَنَّهُ كَانَ عِنْدَ إِنْكَارِهِ خَرْقَ السَّفِينَةِ كَانَ نَاسِيًا لِمَا شَرَطَ عَلَيْهِ الْخَضِرُ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ فَإِنْ قِيلَ تَرْكُ مُؤَاخَذَتِهِ بِالنِّسْيَانِ مُتَّجِهٌ وَكَيْفَ وَأَخَذَهُ؟ قُلْنَا: عَمَلًا بِعُمُومِ شَرْطِهِ الَّذِي الْتَزَمَهُ، فَلَمَّا اعْتَذَرَ لَهُ بِالنِّسْيَانِ عَلِمَ أَنَّهُ خَارِجٌ بِحُكْمِ الشَّرْعِ مِنْ عُمُومِ الشَّرْطِ، وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ يَتَّجِهُ إِيرَادُ هَذَا الْحَدِيثِ فِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ. فَإِنْ قِيلَ: فَالْقِصَّةُ الثَّانِيَةُ لَمْ تَكُنْ إِلَّا عَمْدًا فَمَا الْحَامِلُ لَهُ عَلَى خَلْفِ الشَّرْطِ؟ قُلْنَا: لِأَنَّهُ فِي الْأُولَى كَانَ يَتَوَقَّعُ هَلَاكَ أَهْلِ السَّفِينَةِ فَبَادَرَ لِلْإِنْكَارِ فَكَانَ مَا كَانَ، وَاعْتَذَرَ بِالنِّسْيَانِ وَقَدَّرَ اللَّهُ سَلَامَتَهُمْ، وَفِي الثَّانِيَةِ كَانَ قَتْلُ الْغُلَامِ فِيهَا مُحَقَّقًا فَلَمْ يَصْبِرْ عَلَى الْإِنْكَارِ فَأَنْكَرَ ذَاكِرًا لِلشَّرْطِ عَامِدًا لِإِخْلَافِهِ تَقْدِيمًا لِحُكْمِ الشَّرْعِ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَعْتَذِرْ بِالنِّسْيَانِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنْ يُجَرِّبَ نَفْسَهُ فِي الثَّالِثَةِ لِأَنَّهَا الْحَدُّ الْمُبَيِّنُ غَالِبًا لِمَا يَخْفَى مِنَ الْأُمُورِ. فَإِنْ قِيلَ: فَهَلْ كَانَتِ الثَّالِثَةُ عَمْدًا أَوْ نِسْيَانًا؟ قُلْنَا: يَظْهَرُ أَنَّهَا كَانَتْ نِسْيَانًا، وَإِنَّمَا أَخَذَهُ صَاحِبُهُ بِشَرْطِهِ الَّذِي شَرَطَهُ عَلَى نَفْسِهِ مِنَ الْمُفَارَقَةِ فِي الثَّالِثَةِ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ ابْنُ التِّينِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَقُلْ إِنَّهَا كَانَتْ عَمْدًا اسْتِبْعَادًا لِأَنْ يَقَعَ مِنْ مُوسَى ﵇ إِنْكَارُ أَمْرٍ مَشْرُوعٍ وَهُوَ الْإِحْسَانُ لِمَنْ أَسَاءَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْحَدِيثُ الْعَاشِرُ وَالْحَادِيَ عَشَرَ حَدِيثُ الْبَرَاءِ، وحديثُ أنسٍ فِي تَقْدِيمِ صَلَاةِ الْعِيدِ عَلَى الذَّبْحِ، وَقَدْ سَبَقَ شَرْحُهُمَا مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْأَضَاحِيِّ.
قَوْلُهُ (كَتَبَ إِلَيَّ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) لَمْ تَقَعْ هَذِهِ الصِّيغَةُ لِلْبُخَارِيِّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَحَدٍ مِنْ مَشَايِخِهِ إِلَّا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، وَقَدْ أَخْرَجَ بِصِيغَةِ الْمُكَاتَبَةِ فِيهِ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً لَكِنْ مِنْ رِوَايَةِ التَّابِعِيِّ عَنِ الصَّحَابِيِّ، أَوْ مِنْ رِوَايَةِ غَيْرِ التَّابِعِيِّ، عَنِ التَّابِعِيِّ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ هَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ بِبُنْدَارٍ، وَقَدْ أَكْثَرَ عَنْهُ الْبُخَارِيُّ، وَكَأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ هَذَا الْحَدِيثَ فَرَوَاهُ عَنْهُ بِالْمُكَاتَبَةِ. وَقَدْ أَخْرَجَ أَصْلَ الْحَدِيثِ مِنْ عِدَّةِ طُرُقٍ أُخْرَى مَوْصُولَةٍ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْعِيدَيْنِ وَغَيْرِهِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى بُنْدَارٍ فَذَكَرَهُ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ مِنْ رِوَايَةِ حُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَمَّادٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ بُنْدَارٌ.
قَوْلُهُ (قَالَ: قَالَ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ وَكَانَ عِنْدَهُمْ ضَيْفٌ) فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ كَانَ عِنْدَهُمْ ضَيْفٌ بِغَيْرِ وَاوٍ، وَظَاهِرُ السِّيَاقِ أَنَّ الْقِصَّةَ وَقَعَتْ لِلْبَرَاءِ، لَكِنَّ الْمَشْهُورَ أَنَّهَا وَقَعَتْ لِخَالِهِ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ نِيَارٍ كَمَا تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْأَضَاحِيِّ مِنْ طَرِيقِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٦٦٧١ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ بالجمع (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن رَاهُوْيَه، أنَّه (سَمِعَ عَبْدَ العَزِيزِ بْنَ عَبْدِ الصَّمَدِ) العَمِّيَّ -بفتح العين المهملة وتشديد الميم المكسورة- وسقطَ لفظ «أنَّه» اختصارًا على عادتهم، قال: (حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ) هو ابنُ المعتمر (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (عَنْ عَلْقَمَةَ) بنِ قيس (عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ) عبد الله (﵁ أَنَّ نَبِيَّ اللهِ (١) ﷺ صَلَّى بِهِمْ صَلَاةَ الظُّهْرِ فَزَادَ -أَوْ: نَقَصَ مِنْهَا- قَالَ مَنْصُورٌ) هو (٢) ابنُ المعتمر المذكور: (لَا أَدْرِي إِبْرَاهِيمُ) النَّخعيُّ (وَهِمَ) بفتح الواو وكسر الهاء، أي: غلط وسها في الزِّيادة والنُّقصان (أَمْ عَلْقَمَةُ) بنُ قيس وهمَ، وجزمَ في رواية جرير عن منصورٍ المذكورة في «أبوابِ القبلةِ» بأنَّ إبراهيمَ هو الَّذي تردَّد، ولفظه: قال: «قالَ إبراهيمُ: لا أدْري زادَ أو نقصَ» [خ¦٤٠١] (قَالَ: قِيلَ) له لمَّا سلَّم: (يَا رَسُولَ اللهِ (٣) أَقَصُرَتِ الصَّلَاةُ أَمْ نَسِيتَ؟) بهمزة الاستفهام الاستخباريّ (٤) (قَالَ) ﷺ: (وَمَا ذَاكَ؟ قَالُوا: صَلَّيْتَ كَذَا وَكَذَا) كناية عمَّا وقع إمَّا زائد على المعهودِ أو ناقص منه (قَالَ) ابنُ مسعود: (فَسَجَدَ بِهِمْ سَجْدَتَيْنِ) لمَّا تذكَّر أنَّه نسيَ (ثُمَّ قَالَ) ﵊: (هَاتَانِ السَّجْدَتَانِ لِمَنْ لَا يَدْرِي زَادَ فِي صَلَاتِهِ أَمْ نَقَصَ فَيَتَحَرَّى) بإثبات الياء خطًّا، ولأبي ذرٍّ: «فيتحرَّ» (الصَّوَابَ) بإسقاطِها، أي: يجهدُ في تحقيقِ الحقِّ بأن يأخذَ بالأقلِّ (فَيُتِمُّ) بضم الميم مشدَّدة، ولأبي ذرٍّ: مفتوحة، ولأبي الوقت: «ثمَّ يتمُّ» (مَا بَقِيَ) عليه (ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ) للسَّهو ندبًا.
قيل: والمطابقة بين الحديث والتَّرجمة من قولهِ: «أنسيتَ؟» ولا يخفى ما فيهِ. وقيل: ذكر هذا الحديث استطرادًا بعد الحديث السَّابق. وقال في «الكواكب» بعد قولهِ: «وَهِمَ» (٥) أي: في الزِّيادة والنُّقصان: لفظُ «أقصرتْ» صريحٌ في أنَّه نقصٌ، ولكنَّه وهمٌ من الرَّاوي، والصَّواب ما تقدَّم في «الصَّلاة» [خ¦٤٠١] بلفظ: أحدثَ في الصَّلاة شيءٌ. قال: «وما ذاك؟» قالوا: صليتَ كذا (٦) … إلى
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
تَسْلِيمَهُ فَكَبَّرَ وَسَجَدَ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ ثُمَّ كَبَّرَ وَسَجَدَ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَسَلَّمَ"
٦٦٧١ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ سَمِعَ عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ عَبْدِ الصَّمَدِ حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ "عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ صَلَّى بِهِمْ صَلَاةَ الظُّهْرِ فَزَادَ أَوْ نَقَصَ مِنْهَا قَالَ مَنْصُورٌ لَا أَدْرِي إِبْرَاهِيمُ وَهِمَ أَمْ عَلْقَمَةُ قَالَ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَقَصُرَتْ الصَّلَاةُ أَمْ نَسِيتَ قَالَ "وَمَا ذَاكَ" قَالُوا صَلَّيْتَ كَذَا وَكَذَا قَالَ فَسَجَدَ بِهِمْ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ قَالَ "هَاتَانِ السَّجْدَتَانِ لِمَنْ لَا يَدْرِي زَادَ فِي صَلَاتِهِ أَمْ نَقَصَ فَيَتَحَرَّى الصَّوَابَ فَيُتِمُّ مَا بَقِيَ ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ"
٦٦٧٢ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ قَالَ قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ "حَدَّثَنَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: "لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا قَالَ كَانَتْ الأُولَى مِنْ مُوسَى نِسْيَانًا"
٦٦٧٣ - قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ كَتَبَ إِلَيَّ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ "قَالَ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ وَكَانَ عِنْدَهُمْ ضَيْفٌ لَهُمْ فَأَمَرَ أَهْلَهُ أَنْ يَذْبَحُوا قَبْلَ أَنْ يَرْجِعَ لِيَأْكُلَ ضَيْفُهُمْ فَذَبَحُوا قَبْلَ الصَّلَاةِ فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَأَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ الذَّبْحَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ عِنْدِي عَنَاقٌ جَذَعٌ عَنَاقُ لَبَنٍ هِيَ خَيْرٌ مِنْ شَاتَيْ لَحْمٍ فَكَانَ ابْنُ عَوْنٍ يَقِفُ فِي هَذَا الْمَكَانِ عَنْ حَدِيثِ الشَّعْبِيِّ وَيُحَدِّثُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ بِمِثْلِ هَذَا الْحَدِيثِ وَيَقِفُ فِي هَذَا الْمَكَانِ وَيَقُولُ لَا أَدْرِي أَبَلَغَتْ الرُّخْصَةُ غَيْرَهُ أَمْ لَا رَوَاهُ أَيُّوبُ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ أَنَسٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ"
٦٦٧٤ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ "سَمِعْتُ جُنْدَبًا قَالَ شَهِدْتُ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى يَوْمَ عِيدٍ ثُمَّ خَطَبَ ثُمَّ قَالَ "مَنْ ذَبَحَ فَلْيُبَدِّلْ مَكَانَهَا وَمَنْ لَمْ يَكُنْ ذَبَحَ فَلْيَذْبَحْ بِاسْمِ اللَّهِ"
قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا حَنِثَ نَاسِيًا فِي الْأَيْمَانِ) أَيْ هَلْ تَجِبُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ أَوْ لَا؟
قَوْلُهُ: (وَقَوْلُ اللَّهِ - تَعَالَى - ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَلِغَيْرِهِ وَلَيْسَ بِثُبُوتِ الْوَاوِ فِي أَوَّلِهِ، وَقَدْ تَمَسَّكَ بِهَذِهِ الْآيَةِ مَنْ قَالَ بِعَدَمِ حِنْثِ مَنْ لَمْ يَتَعَمَّدْ وَفَعَلَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ نَاسِيًا أَوْ مُكْرَهًا، وَوُجِّهَ بِأَنَّهُ لَا يُنْسَبُ فِعْلُهُ إِلَيْهِ شَرْعًا لِرَفْعِ حُكْمِهِ عَنْهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ فَكَأَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْهُ.
قَوْلُهُ: ﴿لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾ قَالَ الْمُهَلَّبُ: حَاوَلَ الْبُخَارِيُّ فِي إِثْبَاتِ الْعُذْرِ بِالْجَهْلِ وَالنِّسْيَانِ لِيُسْقِطَ الْكَفَّارَةَ، وَالَّذِي يُلَائِمُ مَقْصُودَهُ مِنْ أَحَادِيثِ الْبَابِ الْأَوَّلِ وَحَدِيثِ مَنْ أَكْلَ نَاسِيًا وَحَدِيثِ نِسْيَانِ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ وَقِصَّةِ مُوسَى فَإِنَّ الْخَضِرَ عَذَرَهُ بِالنِّسْيَانِ وَهُوَ عَبْدٌ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ فَاللَّهُ أَحَقُّ بِالْمُسَامَحَةِ، قَالَ: وَأَمَّا
بَقِيَّةُ الْأَحَادِيثِ فَفِي مُسَاعَدَتِهَا عَلَى مُرَادِهِ نَظَرٌ.
قُلْتُ: وَيُسَاعِدُهُ أَيْضًا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي تَقْدِيمِ بَعْضِ النُّسُكِ عَلَى بَعْضٍ، فَإِنَّهُ لَمْ يَأْمُرْ فِيهِ بِالْإِعَادَةِ بَلْ عَذَرَ فَاعِلَهُ بِجَهْلِ الْحُكْمِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: بَلْ أَوْرَدَ الْبُخَارِيُّ أَحَادِيثَ الْبَابِ عَلَى الِاخْتِلَافِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّهَا أُصُولُ أَدِلَّةِ الْفَرِيقَيْنِ لِيَسْتَنْبِطَ كُلُّ أَحَدٍ مِنْهَا مَا يُوَافِقُ مَذْهَبُهُ كَمَا صَنَعَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ فِي قِصَّةِ جَمَلِهِ، فَإِنَّهُ أَوْرَدَ الطُّرُقَ عَلَى اخْتِلَافِهَا، وَإِنْ كَانَ قَدْ بَيَّنَ فِي الْآخِرِ أَنَّ إِسْنَادَ الِاشْتِرَاطِ أَصَحُّ، وَكَذَا قَوْلُ الشَّعْبِيِّ فِي قَدْرِ الثَّمَنِ ; وَبِهَذَا جَزَمَ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي الْحَاشِيَةِ فَقَالَ: أَوْرَدَ الْأَحَادِيثَ الْمُتَجَاذِبَةَ لِيُفِيدَ النَّاظِرَ مَظَانَّ النَّظَرِ، وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يَذْكُرِ الْحُكْمَ فِي التَّرْجَمَةِ، بَلْ أَفَادَ مُرَادَ الْحُكْمِ وَالْأُصُولِ الَّتِي تَصْلُحُ أَنْ يُقَاسَ عَلَيْهَا، وَهُوَ أَكْثَرُ إِفَادَةً مِنْ قَوْلِ الْمُجْتَهِدِ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ، وَإِنْ كَانَ لِذَلِكَ فَائِدَةٌ أَيْضًا انْتَهَى مُلَخَّصًا.
وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ الْبُخَارِيَّ يَقُولُ بِعَدَمِ الْكَفَّارَةِ مُطْلَقًا، وَتَوْجِيهُ الدَّلَالَةِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي سَاقَهَا مُمْكِنٌ. وَأَمَّا مَا يُخَالِفُ ظَاهِرَ ذَلِكَ فَالْجَوَابُ عَنْهُ مُمْكِنٌ: فَمِنْهَا الدِّيَةُ فِي قَتْلِ الْخَطَأِ، وَلَوْلَا أَنَّ حُذَيْفَةَ أَسْقَطَهَا لَكَانَتْ لَهُ الْمُطَالَبَةُ بِهَا، وَالْجَوَابُ أَنَّهَا مِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ وَلَيْسَ الْكَلَامُ فِيهِ. وَمِنْهَا إِبْدَالُ الْأُضْحِيَّةِ الَّتِي ذُبِحَتْ قَبْلَ الْوَقْتِ، وَالْجَوَابُ أَنَّهَا مِنْ جِنْسِ الَّذِي قَبْلَهُ.
وَمِنْهَا حَدِيثُ الْمُسِيءِ صَلَاتَهُ، فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يَعْذُرْهُ بِالْجَهْلِ لَمَا أَقَرَّهُ عَلَى إِتْمَامِ الصَّلَاةِ الْمُخْتَلَّةِ، لَكِنَّهُ لَمَّا رَجَا أَنَّهُ يَتَفَطَّنُ لِمَا عَابَهُ عَلَيْهِ أَمَرَهُ بِالْإِعَادَةِ، فَلَمَّا عَلِمَ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ عَنْ جَهْلٍ بِالْحُكْمِ عَلَّمَهُ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ مُتَمَسَّكٌ لِمَنْ قَالَ بِوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ فِي صُورَةِ النِّسْيَانِ، وَأَيْضًا فَالصَّلَاةُ إِنَّمَا تَتَقَوَّمُ بِالْأَرْكَانِ فَكُلُّ رُكْنٍ اخْتَلَّ مِنْهَا اخْتَلَّتْ بِهِ مَا لَمْ يُتَدَارَكْ، وَإِنَّمَا الَّذِي يُنَاسِبُ مَا لَوْ فَعَلَ مَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ بَعْدَهُ أَوْ تَكَلَّمَ بِهِ فَإِنَّهَا لَا تَبْطُلُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْبَابِ مَنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ نَاسِيًا قَالَ ابْنُ التِّينِ: أَجْرَى الْبُخَارِيُّ قَوْلَهُ - تَعَالَى -: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ فِي كُلِّ شَيْءٍ. وَقَالَ غَيْرُهُ: هِيَ فِي قِصَّةٍ مَخْصُوصَةٍ وَهِيَ مَا إِذَا قَالَ الرَّجُلُ يَا بُنَيَّ وَلَيْسَ هُوَ ابْنَهُ، وَقِيلَ: إِذَا أَتَى امْرَأَتَهُ حَائِضًا وَهُوَ لَا يَعْلَمُ، قَالَ: وَالدَّلِيلُ عَلَى عَدَمِ التَّعْمِيمِ أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا قَتَلَ خَطَأً تَلْزَمُهُ الدِّيَةُ، وَإِذَا أَتْلَفَ مَالَ غَيْرِهِ خَطَأً فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ انْتَهَى.
وَانْفَصَلَ غَيْرُهُ بِأَنَّ الْمُتْلَفَاتِ مِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ وَالَّذِي يَتَعَلَّقُ بِالْآيَةِ مَا يَدْخُلُ فِي خِطَابِ التَّكْلِيفِ، وَلَوْ سُلِّمَ أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِيمَا ذُكِرَ لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ مِنَ الِاسْتِدْلَالِ بِعُمُومِهَا، وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى الْعَمَلِ بِعُمُومِهَا فِي سُقُوطِ الْإِثْمِ، وَقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي ذَلِكَ عَلَى مَذَاهِبَ ثَالِثُهَا التَّفْرِقَةُ بَيْنَ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ فَتَجِبُ فِيهِ الْكَفَّارَةُ مَعَ الْجَهْلِ وَالنِّسْيَانِ بِخِلَافِ غَيْرِهِمَا مِنَ الْأَيْمَانِ فَلَا تَجِبُ، وَهَذَا قَوْلٌ عَنِ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، وَالرَّاجِحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْجَمِيعِ فِي عَدَمِ الْوُجُوبِ، وَعَنِ الْحَنَابِلَةِ عَكْسُهُ وَهُوَ قَوْلُ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ، وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: كَانَ أَحْمَدُ يُوقِعُ الْحِنْثَ فِي النِّسْيَانِ فِي الطَّلَاقِ حَسْبُ وَيَقِفُ عَمَّا سِوَى ذَلِكَ. وَالْمَذْكُورُ فِي الْبَابِ اثْنَا عَشَرَ حَدِيثًا:
الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ قَوْلُهُ: (زُرَارَةَ بْنَ أَبِي أَوْفَى) هُوَ قَاضِي الْبَصْرَةِ مَاتَ وَهُوَ سَاجِدٌ، أَوْرَدَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَكَانَ ذَلِكَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ.
قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يَرْفَعُهُ) سَبَقَ فِي الْعِتْقِ مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ، عَنْ مِسْعَرٍ بِلَفْظٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بَدَلَ قَوْلِهِ هُنَا يَرْفَعُهُ، وَكَذَا لِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ. وَلِلنَّسَائِيِّ، وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِدْرِيسَ كِلَاهُمَا عَنْ مِسْعَرٍ بِلَفْظِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ: إِنَّمَا قَالَ يَرْفَعُهُ لِيَكُونَ أَعَمَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ سَمِعَهُ مِنْهُ أَوْ مِنْ صَحَابِيٍّ آخَرَ سَمِعَهُ مِنْهُ. قُلْتُ: وَلَا اخْتِصَاصَ لِذَلِكَ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ بَلْ مِثْلُهُ فِي قَوْلِهِ قَالَ وَعَنْ، وَإِنَّمَا يَرْتَفِعُ الِاحْتِمَالُ إِذَا قَالَ: سَمِعْتُ وَنَحْوَهَا، وَذَكَرَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ أَنَّ وَكِيعًا رَوَاهُ عَنْ مِسْعَرٍ فَلَمْ يَرْفَعْهُ قَالَ: وَالَّذِي رَفَعَهُ ثِقَةٌ فَيَجِبُ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) لَمْ أَقِفْ عَلَى التَّصْرِيحِ بِسَمَاعِ زُرَارَةَ لِهَذَا الْحَدِيثِ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، لَكِنَّهُ لَمْ
يُوصَفْ بِالتَّدْلِيسِ فَيُحْمَلُ عَلَى السَّمَاعِ. وَذَكَرَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ أَنَّ الْفُرَاتَ بْنَ خَالِدٍ أَدْخَلَ بَيْنَ زُرَارَةَ وَبَيْنَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ رَجُلًا مِنْ بَنِي عَامِرٍ، وَهُوَ خَطَأٌ فَإِنَّ زُرَارَةَ مِنْ بَنِي عَامِرٍ فَكَأَنَّهُ كَانَ فِيهِ عَنْ زُرَارَةَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَامِرٍ، فَظَنَّهُ آخَرَ أُبْهِمَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (لِأُمَّتِي) فِي رِوَايَةِ هِشَامٍ، عَنْ قَتَادَةَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي.
قَوْلُهُ: (عَمَّا وَسْوَسَتْ أَوْ حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا) فِي رِوَايَةِ هِشَامٍ مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا وَلَمْ يَتَرَدَّدْ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ سَعِيدٍ، وَأَبِي عَوَانَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ مَا وَسْوَسَتْ بِهَا صُدُورُهَا وَلَمْ يَتَرَدَّدْ أَيْضًا، وَضَبْطُ أَنْفُسِهَا بِالنَّصْبِ لِلْأَكْثَرِ وَلِبَعْضِهِمْ بِالرَّفْعِ، وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ بِالثَّانِي وَبِهِ جَزَمَ أَهْلُ اللُّغَةِ يُرِيدُونَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهَا كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾
قَوْلُهُ: (مَا لَمْ تَعْمَلْ بِهِ أَوْ تَكَلَّمْ) فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِدْرِيسَ أَوْ تَتَكَلَّمْ بِهِ، قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: لَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ذِكْرُ النِّسْيَانِ، وَإِنَّمَا فِيهِ ذِكْرُ مَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ الْإِنْسَانِ. قُلْتُ: مُرَادُ الْبُخَارِيِّ إِلْحَاقُ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى النِّسْيَانِ بِالتَّجَاوُزِ ; لِأَنَّ النِّسْيَانَ مِنْ مُتَعَلَّقَاتِ عَمَلِ الْقَلْبِ. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ: قَاسَ الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ عَلَى الْوَسْوَسَةِ، فَكَمَا أَنَّهَا لَا اعْتِبَارَ لَهَا عِنْدَ عَدَمِ التَّوَطُّنِ فَكَذَا النَّاسِي وَالْمُخْطِئُ لَا تَوْطِينَ لَهُمَا.
وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ عَمَّارٍ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ مِسْعَرٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بَعْدَ قَوْلِهِ أَوْ تَكَلَّمْ بِهِ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ مُنْكَرَةٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَإِنَّمَا تُعْرَفُ مِنْ رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِلَفْظِ إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ وَقَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ عَقِبَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ رِوَايَةِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، وَالْحَدِيثُ عِنْدَ هِشَامِ بْنِ عَمَّارٍ، عَنِ الْوَلِيدِ فَلَعَلَّهُ دَخَلَ لَهُ بَعْضُ حَدِيثٍ فِي حَدِيثٍ، وَقَدْ رَوَاهُ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، الْحُمَيْدِيُّ وَهُوَ أَعْرَفُ أَصْحَابِ ابْنِ عُيَيْنَةَ بِحَدِيثِهِ، وَتَقَدَّمَ فِي الْعِتْقِ عَنْهُ بِدُونِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ رِوَايَةِ زِيَادِ بْنِ أَيُّوبَ، وَابْنِ الْمُقْرِي، وَسَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمِنَ الْمَخْزُومِيِّ، كُلُّهُمْ عَنْ سُفْيَانَ بِدُونِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ.
قَالَ الْكَرْمَانِيُّ: فِيهِ أَنَّ الْوُجُودَ الذِّهْنِيَّ لَا أَثَرَ لَهُ، وَإِنَّمَا الِاعْتِبَارُ بِالْوُجُودِ الْقَوْلِيِّ فِي الْقَوْلِيَّاتِ وَالْعَمَلِيِّ فِي الْعَمَلِيَّاتِ، وَقَدِ احْتَجَّ بِهِ مَنْ لَا يَرَى الْمُؤَاخَذَةَ بِمَا وَقَعَ فِي النَّفْسِ وَلَوْ عَزَمَ عَلَيْهِ، وَانْفَصَلَ مَنْ قَالَ يُؤَاخَذُ بِالْعَزْمِ بِأَنَّهُ نَوْعٌ مِنَ الْعَمَلِ يَعْنِي عَمَلَ الْقَلْبِ. قُلْتُ: وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعَمَلِ عَمَلُ الْجَوَارِحِ لِأَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ لَفْظِ مَا لَمْ يَعْمَلْ يُشْعِرُ بِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ فِي الصَّدْرِ لَا يُؤَاخَذُ بِهِ سَوَاءٌ تَوَطَّنَ بِهِ أَمْ لَمْ يَتَوَطَّنْ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِي ذَلِكَ فِي أَوَاخِرِ الرِّقَاقِ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ مَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ لَا تُكْتَبُ عَلَيْهِ.
وَفِي الْحَدِيثِ إِشَارَةٌ إِلَى عَظِيمِ قَدْرِ الْأُمَّةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ لِأَجْلِ نَبِيِّهَا ﷺ لِقَوْلِهِ: تَجَاوَزَ لِي وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِاخْتِصَاصِهَا بِذَلِكَ، بَلْ صَرَّحَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ كَانَ حُكْمَ النَّاسِي كَالْعَامِدِ فِي الْإِثْمِ، وَأَنَّ ذَلِكَ مِنَ الْإِصْرِ الَّذِي كَانَ عَلَى مَنْ قَبْلَنَا، وَيُؤَيِّدُهُ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ اشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى الصَّحَابَةِ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ فِي شَكْوَاهُمْ ذَلِكَ، وَقَوْلُهُ ﷺ لَهُمْ: تُرِيدُونَ أَنْ تَقُولُوا مِثْلَ مَا قَالَ أَهْلُ الْكِتَابِ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا، بَلْ قُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا، فَقَالُوهَا فَنَزَلَتْ ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ إِلَى آخِرِ السُّورَةِ، وَفِيهِ قَوْلُهُ: ﴿لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ قَالَ نَعَمْ. وَأَخْرَجَهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِنَحْوِهِ، وَفِيهِ قَالَ قَدْ فَعَلْتُ.
الْحَدِيثُ الثَّانِي قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ الْهَيْثَمِ أَوْ مُحَمَّدٌ عَنْهُ) وَقَعَ مِثْلُ هَذَا فِي بَابُ الذَّرِيرَةِ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ اللِّبَاسِ، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ هُنَاكَ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْهَيْثَمِ بِهِ.
قَوْلُهُ: (كُنْتُ أَحْسَبُ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَذَا وَكَذَا قَبْلَ كَذَا وَكَذَا) فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ إِنِّي كُنْتُ أَحْسَبُ أَنَّ كَذَا قَبْلَ كَذَا.
قَوْلُهُ (لِهَؤُلَاءِ الثَّلَاثُ) قَدْ كُنْتُ أَظُنُّ ذَلِكَ خَاصًّا بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَأَنَّ
الْبُخَارِيَّ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى مَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي يَلِيهِ فَإِنَّهُ فِيهِ الْحَلْقُ وَالنَّحْرُ وَالرَّمْيُ، لَكِنْ وَجَدْتُهُ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ بِالْإِبْهَامِ كَمَا أَشَرْتُ إِلَيْهِ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ عِيسَى بْنِ يُونُسَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ مِثْلُ رِوَايَةِ عُثْمَانَ بْنِ الْهَيْثَمِ سَوَاءٌ، إِلَّا أَنَّ ابْنَ بَكْرٍ لَمْ يَقُلْ لِهَؤُلَاءِ الثَّلَاثِ وَمِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأُمَوِيِّ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ بِلَفْظِ حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَنْحَرَ، وَنَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْإِشَارَةَ الْمَذْكُورَةَ مِنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ شَيْخِ ابْنِ جُرَيْجٍ فِيهِ مُفَسَّرًا كَمَا تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْحَجِّ مَعَ شَرْحِهِ.
الْحَدِيثُ الثَّالِثُ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي ذَلِكَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ بِسَنَدِهِ وَمَتْنِهِ مَشْرُوحًا فِي كِتَابِ الْحَجِّ.
الْحَدِيثُ الرَّابِعُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قِصَّةِ الْمُسِيءِ صَلَاتَهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ.
قَوْلُهُ (حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ) هُوَ الْعُمَرِيُّ وَسَعِيدٌ هُوَ الْمَقْبُرِيُّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الِاسْتِئْذَانِ بِهَذَا السَّنَدِ سَوَاءً لَكِنْ فِيهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ بَدَلَ أَبِي أُسَامَةَ، وَفِي بَعْضِ سِيَاقِهِمَا اخْتِلَافٌ بَيَّنْتُهُ هُنَاكَ، فَكَأَنَّ لِإِسْحَاقَ بْنِ مَنْصُورٍ فِيهِ شَيْخَيْنِ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ مَنْصُورٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ وَحْدَهُ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ جَمِيعًا، وَلَهُ طُرُقٌ عَنْ هَذَيْنِ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ.
الْحَدِيثُ الْخَامِسُ حَدِيثُ حُذَيْفَةَ فِي قِصَّةِ قَتْلِ أَبِيهِ الْيَمَانِ يَوْمَ أُحُدٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي أَوَاخِرِ الْمَنَاقِبِ وَفِي غَزْوَةِ أُحُدٍ، وَقَوْلُهُ فِي آخِرِهِ بَقِيَّةُ خَيْرٍ بِالْإِضَافَةِ لِلْأَكْثَرِ أَيِ اسْتَمَرَّ الْخَيْرُ فِيهِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ بَقِيَّةٌ بِالتَّنْوِينِ وَسَقَطَ عِنْدَهُ لَفْظُ خَيْرٍ وَعَلَيْهَا شَرْحُ الْكَرْمَانِيِّ فَقَالَ: أَيْ بَقِيَّةُ حُزْنٍ وَتَحَسُّرٍ مِنْ قَتْلِ أَبِيهِ بِذَلِكَ الْوَجْهِ، وَهُوَ وَهْمٌ سَبَقَهُ غَيْرُهُ إِلَيْهِ، وَالصَّوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ حَصَلَ لَهُ خَيْرٌ بِقَوْلِهِ لِلْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَبَاهُ خَطَأً عَفَا اللَّهُ عَنْكُمْ وَاسْتَمَرَّ ذَلِكَ الْخَيْرُ فِيهِ إِلَى أَنْ مَاتَ.
الْحَدِيثُ السَّادِسُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ مَنْ أَكَلَ نَاسِيًا وَهُوَ صَائِمٌ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ الْحَدِيثَ ; وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي بَابُ الصَّائِمِ إِذَا أَكَلَ أَوْ شَرِبَ نَاسِيًا مِنْ كِتَابِ الصِّيَامِ، وَعَوْفٌ فِي السَّنَدِ هُوَ الْأَعْرَابِيُّ وَخِلَاسٌ بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَتَخْفِيفِ اللَّامِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ وَهُوَ ابْنُ عَمْرٍو، وَمُحَمَّدٌ هُوَ ابْنُ سِيرِينَ، وَالْبُخَارِيُّ لَا يُخَرِّجُ لِخِلَاسٍ إِلَّا مَقْرُونًا. وَمِمَّا يُنَبَّهُ عَلَيْهِ هُنَا أَنَّ الْمِزِّيَّ فِي الْأَطْرَافِ ذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ فِي تَرْجَمَةِ خِلَاسٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَقَالَ خِلَاسٌ فِي الصِّيَامِ عَنْ يُوسُفَ بْنِ مُوسَى فَوَهِمَ فِي ذَلِكَ، وَإِنَّمَا هُوَ فِي الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ، وَلَمْ يُورِدْهُ فِي الصِّيَامِ مِنْ طَرِيقِ خِلَاسٍ أَصْلًا، وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي الْحَاشِيَةِ: أَوْجَبَ مَالِكٌ الْحِنْثَ عَلَى النَّاسِي، وَلَمْ يُخَالِفْ ذَلِكَ فِي ظَاهِرِ الْأَمْرِ إِلَّا فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ مَنْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ لَيَصُومَنَّ غَدًا فَأَكَلَ نَاسِيًا بَعْدَ أَنْ بَيَّتَ الصِّيَامَ مِنَ اللَّيْلِ، فَقَالَ مَالِكٌ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، فَاخْتُلِفَ عَنْهُ فَقِيلَ: لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: لَا حِنْثَ وَلَا قَضَاءَ وَهُوَ الرَّاجِحُ، أَمَّا عَدَمُ الْقَضَاءِ فَلِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَمَّدْ إِبْطَالَ الْعِبَادَةِ، وَأَمَّا عَدَمُ الْحِنْثِ فَهُوَ عَلَى تَقْدِيرِ صِحَّةِ الصَّوْمِ ; لِأَنَّهُ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ، وَقَدْ صَحَّحَ الشَّارِعُ صَوْمَهُ، فَإِذَا صَحَّ صَوْمُهُ لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ حِنْثٌ.
الْحَدِيثُ السَّابِعُ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُحَيْنَةَ فِي سُجُودِ السَّهْوِ قَبْلَ السَّلَامِ لِتَرْكِ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَبْوَابِ سُجُودِ السَّهْوِ مِنْ أَوَاخِرِ كِتَابِ الصَّلَاةِ مَعَ شَرْحِهِ.
الْحَدِيثُ الثَّامِنُ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي سُجُودِ السَّهْوِ بَعْدَ السَّلَامِ لِزِيَادَةِ رَكْعَةٍ فِي الصَّلَاةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ أَيْضًا هُنَاكَ عَقِبَ حَدِيثِ ابْنِ بُحَيْنَةَ وَقَوْلُهُ هُنَا: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ هُوَ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ رَاهْوَيْهِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي مُسْتَخْرَجِهِ مِنْ مُسْنَدِهِ، وَقَوْلُهُ سَمِعَ عَبْدُ الْعَزِيزِ أَيْ إِنَّهُ سَمِعَ وَلَفْظَةُ إِنَّهُ يُسْقِطُونَهَا فِي الْخَطِّ أَحْيَانًا، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ الْمَذْكُورِ هُوَ الْعَمِّيُّ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالتَّثْقِيلِ، وَمَنْصُورٌ هُوَ ابْنُ الْمُعْتَمِرِ، وَإِبْرَاهِيمُ هُوَ النَّخَعِيُّ، وَعَلْقَمَةُ هُوَ ابْنُ
قَيْسٍ.
وَقَوْلُهُ فِيهِ فَزَادَ أَوْ نَقَصَ قَالَ مَنْصُورٌ: لَا أَدْرِي إِبْرَاهِيمُ وَهِمَ أَمْ عَلْقَمَةُ كَذَا أَطْلَقَ وَهِمَ مَوْضِعَ شَكَّ وَتَوْجِيهُهُ أَنَّ الشَّكَّ يَنْشَأُ عَنِ النِّسْيَانِ ; إِذْ لَوْ كَانَ ذَاكِرًا لِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ لَمَا وَقَعَ لَهُ التَّرَدُّدُ، يُقَالُ: وَهِمَ فِي كَذَا إِذَا غَلِطَ فِيهِ وَوَهِمَ إِلَى كَذَا إِذَا ذَهَبَ وَهْمُهُ إِلَيْهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَبْوَابِ الْقِبْلَةِ مِنْ رِوَايَةِ جَرِيرٍ، عَنْ مَنْصُورٍ قَالَ: قَالَ إِبْرَاهِيمُ: لَا أَدْرِي زَادَ أَوْ نَقَصَ فَجَزَمَ بِأَنَّ إِبْرَاهِيمَ هُوَ الَّذِي تَرَدَّدَ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْصُورًا حِينَ حَدَّثَ عَبْدَ الْعَزِيزِ كَانَ مُتَرَدِّدًا هَلْ عَلْقَمَةُ قَالَ ذَلِكَ أَمْ إِبْرَاهِيمُ، وَحِينَ حَدَّثَ جَرِيرًا كَانَ جَازِمًا بِإِبْرَاهِيمَ.
وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ: لَفْظُ أَقَصُرَتْ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ نَقَصَ، وَلَكِنَّهُ وَهْمٌ مِنَ الرَّاوِي وَالصَّوَابُ مَا تَقَدَّمَ فِي الصَّلَاةِ بِلَفْظِ أَحَدَثَ فِي الصَّلَاةِ شَيْءٌ وَقَدْ تَقَدَّمَتْ مُبَاحِثُ هَذَا الْحَدِيثِ هُنَاكَ أَيْضًا وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
الْحَدِيثُ التَّاسِعُ ذَكَرَ فِيهِ طَرَفًا يَسِيرًا مِنْ حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فِي قِصَّةِ مُوسَى وَالْخَضِرِ. وَقَوْلُهُ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: حَدَّثَنَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ هَكَذَا حَذَفَ مَقُولَ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَقَدْ ذَكَرَهُ فِي تَفْسِيرِ الْكَهْفِ بِلَفْظِ قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ نَوْفًا الْبِكَالِيَّ فَذَكَرَ قِصَّةً، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَادًّا عَلَيْهِ حَدَّثَنَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ إِلَخْ فَحَذَفَهَا الْبُخَارِيُّ هُنَا كَمَا حَذَفَ أَكْثَرَ الْحَدِيثِ، إِلَى أَنْ قَالَ: لَا تُؤَاخِذْنِي.
قَوْلُهُ (إِنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: قَالَ: لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ) فِيهِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: يَقُولُ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿قَالَ لا تُؤَاخِذْنِي﴾ إِلَخْ.
قَوْلُهُ (كَانَتِ الْأُولَى مِنْ مُوسَى نِسْيَانًا) يَعْنِي أَنَّهُ كَانَ عِنْدَ إِنْكَارِهِ خَرْقَ السَّفِينَةِ كَانَ نَاسِيًا لِمَا شَرَطَ عَلَيْهِ الْخَضِرُ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ فَإِنْ قِيلَ تَرْكُ مُؤَاخَذَتِهِ بِالنِّسْيَانِ مُتَّجِهٌ وَكَيْفَ وَأَخَذَهُ؟ قُلْنَا: عَمَلًا بِعُمُومِ شَرْطِهِ الَّذِي الْتَزَمَهُ، فَلَمَّا اعْتَذَرَ لَهُ بِالنِّسْيَانِ عَلِمَ أَنَّهُ خَارِجٌ بِحُكْمِ الشَّرْعِ مِنْ عُمُومِ الشَّرْطِ، وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ يَتَّجِهُ إِيرَادُ هَذَا الْحَدِيثِ فِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ. فَإِنْ قِيلَ: فَالْقِصَّةُ الثَّانِيَةُ لَمْ تَكُنْ إِلَّا عَمْدًا فَمَا الْحَامِلُ لَهُ عَلَى خَلْفِ الشَّرْطِ؟ قُلْنَا: لِأَنَّهُ فِي الْأُولَى كَانَ يَتَوَقَّعُ هَلَاكَ أَهْلِ السَّفِينَةِ فَبَادَرَ لِلْإِنْكَارِ فَكَانَ مَا كَانَ، وَاعْتَذَرَ بِالنِّسْيَانِ وَقَدَّرَ اللَّهُ سَلَامَتَهُمْ، وَفِي الثَّانِيَةِ كَانَ قَتْلُ الْغُلَامِ فِيهَا مُحَقَّقًا فَلَمْ يَصْبِرْ عَلَى الْإِنْكَارِ فَأَنْكَرَ ذَاكِرًا لِلشَّرْطِ عَامِدًا لِإِخْلَافِهِ تَقْدِيمًا لِحُكْمِ الشَّرْعِ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَعْتَذِرْ بِالنِّسْيَانِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنْ يُجَرِّبَ نَفْسَهُ فِي الثَّالِثَةِ لِأَنَّهَا الْحَدُّ الْمُبَيِّنُ غَالِبًا لِمَا يَخْفَى مِنَ الْأُمُورِ. فَإِنْ قِيلَ: فَهَلْ كَانَتِ الثَّالِثَةُ عَمْدًا أَوْ نِسْيَانًا؟ قُلْنَا: يَظْهَرُ أَنَّهَا كَانَتْ نِسْيَانًا، وَإِنَّمَا أَخَذَهُ صَاحِبُهُ بِشَرْطِهِ الَّذِي شَرَطَهُ عَلَى نَفْسِهِ مِنَ الْمُفَارَقَةِ فِي الثَّالِثَةِ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ ابْنُ التِّينِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَقُلْ إِنَّهَا كَانَتْ عَمْدًا اسْتِبْعَادًا لِأَنْ يَقَعَ مِنْ مُوسَى ﵇ إِنْكَارُ أَمْرٍ مَشْرُوعٍ وَهُوَ الْإِحْسَانُ لِمَنْ أَسَاءَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْحَدِيثُ الْعَاشِرُ وَالْحَادِيَ عَشَرَ حَدِيثُ الْبَرَاءِ، وحديثُ أنسٍ فِي تَقْدِيمِ صَلَاةِ الْعِيدِ عَلَى الذَّبْحِ، وَقَدْ سَبَقَ شَرْحُهُمَا مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْأَضَاحِيِّ.
قَوْلُهُ (كَتَبَ إِلَيَّ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) لَمْ تَقَعْ هَذِهِ الصِّيغَةُ لِلْبُخَارِيِّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَحَدٍ مِنْ مَشَايِخِهِ إِلَّا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، وَقَدْ أَخْرَجَ بِصِيغَةِ الْمُكَاتَبَةِ فِيهِ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً لَكِنْ مِنْ رِوَايَةِ التَّابِعِيِّ عَنِ الصَّحَابِيِّ، أَوْ مِنْ رِوَايَةِ غَيْرِ التَّابِعِيِّ، عَنِ التَّابِعِيِّ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ هَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ بِبُنْدَارٍ، وَقَدْ أَكْثَرَ عَنْهُ الْبُخَارِيُّ، وَكَأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ هَذَا الْحَدِيثَ فَرَوَاهُ عَنْهُ بِالْمُكَاتَبَةِ. وَقَدْ أَخْرَجَ أَصْلَ الْحَدِيثِ مِنْ عِدَّةِ طُرُقٍ أُخْرَى مَوْصُولَةٍ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْعِيدَيْنِ وَغَيْرِهِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى بُنْدَارٍ فَذَكَرَهُ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ مِنْ رِوَايَةِ حُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَمَّادٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ بُنْدَارٌ.
قَوْلُهُ (قَالَ: قَالَ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ وَكَانَ عِنْدَهُمْ ضَيْفٌ) فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ كَانَ عِنْدَهُمْ ضَيْفٌ بِغَيْرِ وَاوٍ، وَظَاهِرُ السِّيَاقِ أَنَّ الْقِصَّةَ وَقَعَتْ لِلْبَرَاءِ، لَكِنَّ الْمَشْهُورَ أَنَّهَا وَقَعَتْ لِخَالِهِ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ نِيَارٍ كَمَا تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْأَضَاحِيِّ مِنْ طَرِيقِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٦٦٧١ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ بالجمع (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن رَاهُوْيَه، أنَّه (سَمِعَ عَبْدَ العَزِيزِ بْنَ عَبْدِ الصَّمَدِ) العَمِّيَّ -بفتح العين المهملة وتشديد الميم المكسورة- وسقطَ لفظ «أنَّه» اختصارًا على عادتهم، قال: (حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ) هو ابنُ المعتمر (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (عَنْ عَلْقَمَةَ) بنِ قيس (عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ) عبد الله (﵁ أَنَّ نَبِيَّ اللهِ (١) ﷺ صَلَّى بِهِمْ صَلَاةَ الظُّهْرِ فَزَادَ -أَوْ: نَقَصَ مِنْهَا- قَالَ مَنْصُورٌ) هو (٢) ابنُ المعتمر المذكور: (لَا أَدْرِي إِبْرَاهِيمُ) النَّخعيُّ (وَهِمَ) بفتح الواو وكسر الهاء، أي: غلط وسها في الزِّيادة والنُّقصان (أَمْ عَلْقَمَةُ) بنُ قيس وهمَ، وجزمَ في رواية جرير عن منصورٍ المذكورة في «أبوابِ القبلةِ» بأنَّ إبراهيمَ هو الَّذي تردَّد، ولفظه: قال: «قالَ إبراهيمُ: لا أدْري زادَ أو نقصَ» [خ¦٤٠١] (قَالَ: قِيلَ) له لمَّا سلَّم: (يَا رَسُولَ اللهِ (٣) أَقَصُرَتِ الصَّلَاةُ أَمْ نَسِيتَ؟) بهمزة الاستفهام الاستخباريّ (٤) (قَالَ) ﷺ: (وَمَا ذَاكَ؟ قَالُوا: صَلَّيْتَ كَذَا وَكَذَا) كناية عمَّا وقع إمَّا زائد على المعهودِ أو ناقص منه (قَالَ) ابنُ مسعود: (فَسَجَدَ بِهِمْ سَجْدَتَيْنِ) لمَّا تذكَّر أنَّه نسيَ (ثُمَّ قَالَ) ﵊: (هَاتَانِ السَّجْدَتَانِ لِمَنْ لَا يَدْرِي زَادَ فِي صَلَاتِهِ أَمْ نَقَصَ فَيَتَحَرَّى) بإثبات الياء خطًّا، ولأبي ذرٍّ: «فيتحرَّ» (الصَّوَابَ) بإسقاطِها، أي: يجهدُ في تحقيقِ الحقِّ بأن يأخذَ بالأقلِّ (فَيُتِمُّ) بضم الميم مشدَّدة، ولأبي ذرٍّ: مفتوحة، ولأبي الوقت: «ثمَّ يتمُّ» (مَا بَقِيَ) عليه (ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ) للسَّهو ندبًا.
قيل: والمطابقة بين الحديث والتَّرجمة من قولهِ: «أنسيتَ؟» ولا يخفى ما فيهِ. وقيل: ذكر هذا الحديث استطرادًا بعد الحديث السَّابق. وقال في «الكواكب» بعد قولهِ: «وَهِمَ» (٥) أي: في الزِّيادة والنُّقصان: لفظُ «أقصرتْ» صريحٌ في أنَّه نقصٌ، ولكنَّه وهمٌ من الرَّاوي، والصَّواب ما تقدَّم في «الصَّلاة» [خ¦٤٠١] بلفظ: أحدثَ في الصَّلاة شيءٌ. قال: «وما ذاك؟» قالوا: صليتَ كذا (٦) … إلى