«أَنَّ رَجُلًا لَاعَنَ امْرَأَتَهُ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَانْتَفَى مِنْ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٧٤٨

الحديث رقم ٦٧٤٨ من كتاب «كتاب الفرائض» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب ميراث الملاعنة.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٦٧٤٨ في صحيح البخاري

«أَنَّ رَجُلًا لَاعَنَ امْرَأَتَهُ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ وَانْتَفَى مِنْ وَلَدِهَا، فَفَرَّقَ النَّبِيُّ بَيْنَهُمَا، وَأَلْحَقَ الْوَلَدَ بِالْمَرْأَةِ.»

بَابٌ: الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ حُرَّةً كَانَتْ أَوْ أَمَةً

إسناد حديث البخاري رقم ٦٧٤٨

٦٧٤٨ - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٦٧٤٨: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، عَنْ هَارُونَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ النِّسَاءِ عِدَّةُ طُرُقٍ لِذَلِكَ مَعَ إِعْرَابِ الْآيَةِ، وَالْكَلَامُ عَلَى حُكْمِ الْمُعَاقَدَةِ الْمَذْكُورَةِ وَنَسْخِهَا بِمَا يُغْنِي عَنْ إِعَادَتِهِ، وَالْمُرَادُ بِإِيرَادِ الْحَدِيثِ هُنَا أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ نَسَخَ حُكْمَ الْمِيرَاثِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى أَنَّ النَّاسِخَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي الْأَنْفَالِ: ﴿وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ وَبِذَلِكَ جَزَمَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ.

قُلْتُ: كَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: كَانَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ يَرْوُونَ الْحَدِيثَ مِنْ حِفْظِهِمْ فَتَقْصُرُ عِبَارَاتُهُمْ خُصُوصًا الْعَجَمُ فَلَا يَبِينُ لِلْكَلَامِ رَوْنَقٌ مِثْلَ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ مُرَادَ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ أَنَّ النَّبِيَّ كَانَ آخَى بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ فَكَانُوا يَتَوَارَثُونَ بِتِلْكَ الْأُخُوَّةِ وَيَرَوْنَهَا دَاخِلَةً فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَلَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ نُسِخَ الْمِيرَاثُ بَيْنَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ وَبَقِيَ النَّصْرُ وَالرِّفَادَةُ وَجَوَازُ الْوَصِيَّةِ لَهُمْ، وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْعَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بَيَانُ السَّبَبِ فِي إِرْثِهِمْ قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَلْحَقُ بِهِ الرَّجُلُ فَيَكُونُ تَابِعَهُ، فَإِذَا مَاتَ الرَّجُلُ صَارَ لِأَقَارِبِهِ الْمِيرَاثُ وَبَقِيَ تَابِعُهُ لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ، فَنَزَلَتْ وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ فَكَانُوا يُعْطُونَهُ مِنْ مِيرَاثِهِ، ثُمَّ نَزَلَتْ ﴿وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ فَنُسِخَ ذَلِكَ.

قُلْتُ: وَالْعَوْفِيُّ ضَعِيفٌ، وَالَّذِي فِي الْبُخَارِيِّ هُوَ الصَّحِيحُ الْمُعْتَمَدُ، وَتَصْحِيحُ السِّيَاقِ قَدْ ظَهَرَ مِنْ نَفْسِ الرِّوَايَةِ، وَأَنَّ بَعْضَ الرُّوَاةِ قَدَّمَ بَعْضَ الْأَلْفَاظِ عَلَى بَعْضٍ، وَحَذَفَ مِنْهَا شَيْئًا، وَأَنَّ بَعْضَهُمْ سَاقَهَا عَلَى الِاسْتِقَامَةِ، وَذَلِكَ هُوَ الْمُعْتَمَدُ.

قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَوْرِيثِ ذَوِي الْأَرْحَامِ وَهُمْ مَنْ لَا سَهْمَ لَهُ، وَلَيْسَ بِعَصَبَةٍ، فَذَهَبَ أَهْلُ الْحِجَازِ وَالشَّامِ إِلَى مَنْعِهِمُ الْمِيرَاثَ، وَذَهَبَ الْكُوفِيُّونَ وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ إِلَى تَوْرِيثِهِمْ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ وَاحْتَجَّ الْآخَرُونَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِهَا مَنْ لَهُ سَهْمٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ ; لِأَنَّ آيَةَ الْأَنْفَالِ مُجْمَلَةٌ وَآيَةَ الْمَوَارِيثِ مُفَسِّرَةٌ، وَبِقَوْلِهِ : مَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِعَصَبَتِهِ وَأَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى تَرْكِ الْقَوْلِ بِظَاهِرِهَا فَجَعَلُوا مَا يَخْلُفُهُ الْمَعْتُوقُ إِرْثًا لِعَصَبَتِهِ دُونَ مَوَالِيهِ فَإِنْ فُقِدُوا فَلِمَوَالِيهِ دُونَ ذَوِي رَحِمِهِ.

وَاخْتَلَفُوا فِي تَوْرِيثِهِمْ، فَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: رَأَى أَهْلُ الْعِرَاقِ رَدَّ مَا بَقِيَ مِنْ ذَوِي الْفُرُوضِ إِذَا لَمْ تَكُنْ عَصَبَةٌ عَلَى ذَوِي الْفُرُوضِ، وَإِلَّا فَعَلَيْهِمْ وَعَلَى الْعَصَبَةِ، فَإِنْ فُقِدُوا أَعْطَوْا ذَوِي الْأَرْحَامِ، وَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يُنَزِّلُ كُلَّ ذِي رَحِمٍ مَنْزِلَةَ مَنْ يَجُرُّ إِلَيْهِ، وَأَخْرَجَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ جَعَلَ الْعَمَّةَ كَالْأَبِ وَالْخَالَةَ كَالْأُمِّ فَقَسَمَ الْمَالَ بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا، وَعَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرُدُّ عَلَى الْبِنْتِ دُونَ الْأُمِّ، وَمِنْ أَدِلَّتِهِمْ حَدِيثُ الْخَالُ وَارِثُ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ، وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ، وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ إِذَا كَانَ عَصَبَةً، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ السَّلْبَ كَقَوْلِهِمُ: الصَّبْرُ حِيلَةُ مَنْ لَا حِيلَةَ لَهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ السُّلْطَانَ ; لِأَنَّهُ خَالُ الْمُسْلِمِينَ، حَكَى هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتِ ابْنُ الْعَرَبِيِّ.

١٧ - بَاب مِيرَاثِ الْمُلَاعَنَةِ

٦٧٤٨ - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَجُلًا لَاعَنَ امْرَأَتَهُ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ وَانْتَفَى مِنْ وَلَدِهَا فَفَرَّقَ النَّبِيُّ بَيْنَهُمَا، وَأَلْحَقَ الْوَلَدَ بِالْمَرْأَةِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ مِيرَاثِ الْمُلَاعَنَةِ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَيَجُوزُ كَسْرُهَا، وَالْمُرَادُ بَيَانُ مَا تَرِثُهُ مِنْ وَلَدِهَا الَّذِي لَاعَنَتْ عَلَيْهِ.

ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ الْمُخْتَصَرَ فِي الْمُلَاعَنَةِ، وَقَدْ مَضَى شَرْحُهُ فِي كِتَابِ اللِّعَانِ، وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ مُطَوَّلٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَمِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ هُنَا قَوْلُهُ: وَأَلْحَقَ الْوَلَدَ بِالْمَرْأَةِ وَقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي مَعْنَى إِلْحَاقِهِ بِأُمِّهِ مَعَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّهُ لَا مِيرَاثَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الَّذِي نَفَاهُ، فَجَاءَ عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُمَا قَالَا فِي ابْنِ الْمُلَاعَنَةِ: عَصَبَتُهُ عَصَبَةُ أُمِّهِ يَرِثُهُمْ وَيَرِثُونَهُ أَخْرَجَهُ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ وَبِهِ قَالَ النَّخَعِيُّ، وَالشَّعْبِيُّ، وَجَاءَ عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُمَا كَانَا يَجْعَلَانِ أُمَّهُ عَصَبَةً وَحْدَهَا فَتُعْطَى الْمَالَ كُلَّهُ، فَإِنْ مَاتَتْ أُمُّهُ قَبْلَهُ فَمَالُهُ لِعَصَبَتِهَا، وَبِهِ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمُ الْحَسَنُ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَمَكْحُولٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ.

وَجَاءَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّ ابْنَ الْمُلَاعَنَةِ تَرِثُهُ أُمُّهُ وَإِخْوَتُهُ مِنْهَا، فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ فَهُوَ لِبَيْتِ الْمَالِ، وَهَذَا قَوْلُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَجُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ وَأَكْثَرِ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ، قَالَ مَالِكٌ: وَعَلَى هَذَا أَدْرَكْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ. وَأَخْرَجَ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: بَعَثَ أَهْلُ الْكُوفَةِ إِلَى الْحِجَازِ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ يَسْأَلُونَ عَنْ مِيرَاثِ ابْنِ الْمُلَاعَنَةِ فَأَخْبَرُوهُمْ أَنَّهُ لِأُمِّهِ وَعَصَبَتِهَا، وَجَاءَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ أَعْطَى الْمُلَاعَنَةَ الْمِيرَاثَ وَجَعَلَهَا عَصَبَةً، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: الرِّوَايَةُ الْأُولَى أَشْهَرُ عِنْدَ أَهْلِ الْفَرَائِضِ.

قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: هَذَا الْخِلَافُ إِنَّمَا نَشَأَ مِنْ حَدِيثِ الْبَابِ؛ حَيْثُ جَاءَ فِيهِ: وَأَلْحَقَ الْوَلَدَ بِالْمَرْأَةِ لِأَنَّهُ لَمَّا أُلْحِقَ بِهَا قَطَعَ نَسَبَ أَبِيهِ فَصَارَ كَمَنْ لَا أَبَ لَهُ مِنْ أَوْلَادِ الْبَغِيِّ، وَتَمَسَّكَ الْآخَرُونَ بِأَنَّ مَعْنَاهُ إِقَامَتُهَا مَقَامَ أَبِيهِ فَجَعَلُوا عَصَبَةَ أُمِّهِ عَصَبَةَ أَبِيهِ.

قُلْتُ: وَقَدْ جَاءَ فِي الْمَرْفُوعِ مَا يُقَوِّي الْقَوْلَ الْأَوَّلَ، فَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ رِوَايَةِ مَكْحُولٍ مُرْسَلًا، وَمِنْ رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: جَعَلَ النَّبِيُّ مِيرَاثَ ابْنِ الْمُلَاعَنَةِ لِأُمِّهِ وَلِوَرَثَتِهَا مِنْ بَعْدِهَا.

وَلِأَصْحَابِ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ عَنْ وَاثِلَةَ رَفَعَهُ تَحُوزُ الْمَرْأَةُ ثَلَاثَةَ مَوَارِيثَ: عَتِيقَهَا وَلَقِيطَهَا وَوَلَدَهَا الَّذِي لَاعَنَتْ عَلَيْهِ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: لَيْسَ بِثَابِتٍ.

قُلْتُ: وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ، وَلَيْسَ فِيهِ سِوَى عُمَرَ بْنِ رُؤْبَةَ بِضَمِّ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْوَاوِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، قَالَ الْبُخَارِيُّ: فِيهِ نَظَرٌ، وَوَثَّقَهُ جَمَاعَةٌ، وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَ ابْنِ الْمُنْذِرِ وَمِنْ طَرِيقِ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ أَنَّ النَّبِيَّ قَضَى بِهِ لِأَمَةٍ هِيَ بِمَنْزِلَةِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ، وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُبَيْدٍ كَتَبَ إِلَى صِدِّيقٍ لَهُ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ يَسْأَلُهُ عَنْ وَلَدِ الْمُلَاعَنَةِ فَكَتَبَ إِلَيْهِ: إِنِّي سَأَلْتُ فَأُخْبِرْتُ أَنَّ النَّبِيّ قَضَى بِهِ لِأُمِّهِ وَهَذِهِ طُرُقٌ يَقْوَى بَعْضُهَا بِبَعْضٍ.

قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: تَمَسَّكَ بَعْضُهُمْ بِالْحَدِيثِ الَّذِي جَاءَ أَنَّ الْمُلَاعَنَةَ بِمَنْزِلَةِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ، وَلَيْسَ فِيهِ حُجَّةٌ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ فِي تَرْبِيَتِهِ وَتَأْدِيبِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَتَوَلَّاهُ أَبُوهُ، فَأَمَّا الْمِيرَاثُ فَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّ ابْنَ الْمُلَاعَنَةِ لَوْ لَمْ تُلَاعَنْ أُمُّهُ وَتَرَكَ أُمَّهُ وَأَبَاهُ كَانَ لِأُمِّهِ السُّدُسُ، فَلَوْ كَانَتْ بِمَنْزِلَةِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ لَوَرِثَتْ سُدُسَيْنِ فَقَطْ؛ سُدُسًا بِالْأُمُومَةِ وَسُدُسًا بِالْأُبُوَّةِ، كَذَا قَالَ وَفِيهِ نَظَرٌ تَصْوِيرًا وَاسْتِدْلَالًا، وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ مَا تَقَدَّمَ فِي اللِّعَانِ أَنَّ فِي رِوَايَةِ فُلَيْحٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَهْلٍ فِي آخِرِهِ: فَكَانَتُ السُّنَّةُ فِي الْمِيرَاثِ أَنْ يَرِثَهَا وَتَرِثَ مِنْهُ مَا فُرِضَ لَهَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَهُوَ لِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ فَإِنَّهُ جُعِلَ مَا فَضَلَ عَنْ أَهْلِ الْفَرَائِضِ لِعَصَبَةِ الْمَيِّتِ دُونَ عَصَبَةِ أُمِّهِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لِوَلَدِ الْمُلَاعَنَةِ عَصَبَةٌ مِنْ قِبَلِ أَبِيهِ فَالْمُسْلِمُونَ عَصَبَتُهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: وَمَنْ تَرَكَ مَالًا فَلْيَرِثْهُ عَصَبَتُهُ مَنْ كَانُوا.

١٨ - بَاب الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ حُرَّةً كَانَتْ أَوْ أَمَةً

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ بدل من الضَّمير، وأصلُ الكلام: لمَّا نزلتْ: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ نَسَخَتْ ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. وقال الكِرْمانيُّ: فاعلُ «نسختها» آية ﴿جَعَلْنَا﴾ ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ﴾ منصوبٌ بإضمارِ أعني. انتهى.

والمرادُ بإيراد الحديث هنا أنَّ قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ نسخ حكم الميراث الَّذي دلَّ عليه ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾.

وقال ابنُ الجوزيِّ: مرادُ الحديث المذكور: أنَّ النَّبيَّ كانَ آخى بين المهاجرين والأنصار، فكانوا يتوارثونَ بتلك الأخوَّة ويرونها داخلةً في قولهِ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ فلمَّا نزلَ قوله تعالى: ﴿وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللّهِ﴾ [الأنفال: ٧٥] نسخ الميراث بين (١) المتعاقدين، وبقيَ النُّصرةُ والرِّفادةُ (٢) وجوازُ الوصيَّةِ لهم.

والحديث أخرجه النَّسائيُّ وأبو داود جميعًا في «الفرائضِ».

(١٧) (باب مِيرَاثِ المُلَاعَِنَةِ) بفتح العين في الفرعِ كأصلهِ. وقال الحافظ ابنُ حجرٍ: بفتح العين المهملة ويجوز كسرها، وقال العينيُّ: بكسرها، وهي الَّتي وقعَ اللِّعان بينها وبين زوجها. قال: وقولُ بعضهم -يعني: الحافظَ ابن حجرٍ-: بالفتح ويجوز الكسر، الأمرُ بالعكس. انتهى.

والمراد: بيان ما ترثهُ من ولدِها الَّذي لا عَنَتْ عليه.

٦٧٤٨ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفرادِ، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (٣) (يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ) بفتح القاف والزاي

والعين المهملة، الحجازيُّ قال: (حَدَّثَنَا مَالِكٌ) الإمامُ (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابنِ عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّ رَجُلًا) اسمه: عُويمر (لَاعَنَ امْرَأَتَهُ) خولةَ بنت قيسٍ (فِي زَمَنِ النَّبِيِّ) بغير ألفٍ بعد الميم في «زمنِ» ولأبي ذرٍّ: «في زمان النَّبيِّ» ( وَانْتَفَى مِنْ وَلَدِهَا، فَفَرَّقَ النَّبِيُّ بَيْنَهُمَا) بين المتلاعِنَيْن (وَأَلْحَقَ الوَلَدَ بِالمَرْأَةِ) فترثهُ أمُّه وإخوته منها، فإن فضلَ شيءٌ فهو لبيتِ المال، وهذا قول زيدِ بن ثابتٍ وجمهور العلماء وأكثر فقهاء الأمصارِ، قال الإمامُ مالك: وعلى ذلك أدركتُ أهل العلمِ.

وعند أبي داود من مرسلِ مكحولٍ، ومن رواية عَمرو بن شعيبٍ، عن أبيهِ، عن جدِّه، قال: جعلَ النَّبيُّ ميراثَ ابنِ الملاعنةِ لأمِّه ولورثتِهَا من بعدِهَا. وعند أصحابِ «السُّنن الأربعة» وحسَّنه التِّرمذيُّ وصحَّحه الحاكمُ، عن واثلةَ رفعه: «تحوزُ المرأةُ ثلاثةَ مَوَاريث: عتيقَها، ولقيطَها، وولدَهَا الَّذي لاعنَتْ عليهِ» وفيه عمر بن رُؤْبة -بضم الراء وسكون الواو بعدها موحدة- مختلفٌ فيه، ووثَّقهُ أحمدُ، وله شاهدٌ من حديثِ ابن عمر عند ابنِ المنذرِ، وفي «اللِّعان» [خ¦٥٣٠٩] من حديث سهلِ بن سعدٍ: «ثمَّ جرتِ السُّنَّة في مِيراثها أنَّها ترثهُ ويرثُ منها ما فرضَ الله له».

وحديث الباب سبقَ في مواضع كـ «التَّفسير» [خ¦٤٧٤٨] و «الملاعنة» [خ¦٥٣١٥].

(١٨) هذا (١) (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه (الوَلَدُ لِلْفِرَاشِ) بكسر الفاء، أي: لصاحبِ الفراش (حُرَّةً كَانَتْ) أي: المُستَفْرَشَة (أَوْ أَمَةً).

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، عَنْ هَارُونَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ النِّسَاءِ عِدَّةُ طُرُقٍ لِذَلِكَ مَعَ إِعْرَابِ الْآيَةِ، وَالْكَلَامُ عَلَى حُكْمِ الْمُعَاقَدَةِ الْمَذْكُورَةِ وَنَسْخِهَا بِمَا يُغْنِي عَنْ إِعَادَتِهِ، وَالْمُرَادُ بِإِيرَادِ الْحَدِيثِ هُنَا أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ نَسَخَ حُكْمَ الْمِيرَاثِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى أَنَّ النَّاسِخَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي الْأَنْفَالِ: ﴿وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ وَبِذَلِكَ جَزَمَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ.

قُلْتُ: كَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: كَانَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ يَرْوُونَ الْحَدِيثَ مِنْ حِفْظِهِمْ فَتَقْصُرُ عِبَارَاتُهُمْ خُصُوصًا الْعَجَمُ فَلَا يَبِينُ لِلْكَلَامِ رَوْنَقٌ مِثْلَ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ مُرَادَ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ أَنَّ النَّبِيَّ كَانَ آخَى بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ فَكَانُوا يَتَوَارَثُونَ بِتِلْكَ الْأُخُوَّةِ وَيَرَوْنَهَا دَاخِلَةً فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَلَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ نُسِخَ الْمِيرَاثُ بَيْنَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ وَبَقِيَ النَّصْرُ وَالرِّفَادَةُ وَجَوَازُ الْوَصِيَّةِ لَهُمْ، وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْعَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بَيَانُ السَّبَبِ فِي إِرْثِهِمْ قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَلْحَقُ بِهِ الرَّجُلُ فَيَكُونُ تَابِعَهُ، فَإِذَا مَاتَ الرَّجُلُ صَارَ لِأَقَارِبِهِ الْمِيرَاثُ وَبَقِيَ تَابِعُهُ لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ، فَنَزَلَتْ وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ فَكَانُوا يُعْطُونَهُ مِنْ مِيرَاثِهِ، ثُمَّ نَزَلَتْ ﴿وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ فَنُسِخَ ذَلِكَ.

قُلْتُ: وَالْعَوْفِيُّ ضَعِيفٌ، وَالَّذِي فِي الْبُخَارِيِّ هُوَ الصَّحِيحُ الْمُعْتَمَدُ، وَتَصْحِيحُ السِّيَاقِ قَدْ ظَهَرَ مِنْ نَفْسِ الرِّوَايَةِ، وَأَنَّ بَعْضَ الرُّوَاةِ قَدَّمَ بَعْضَ الْأَلْفَاظِ عَلَى بَعْضٍ، وَحَذَفَ مِنْهَا شَيْئًا، وَأَنَّ بَعْضَهُمْ سَاقَهَا عَلَى الِاسْتِقَامَةِ، وَذَلِكَ هُوَ الْمُعْتَمَدُ.

قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَوْرِيثِ ذَوِي الْأَرْحَامِ وَهُمْ مَنْ لَا سَهْمَ لَهُ، وَلَيْسَ بِعَصَبَةٍ، فَذَهَبَ أَهْلُ الْحِجَازِ وَالشَّامِ إِلَى مَنْعِهِمُ الْمِيرَاثَ، وَذَهَبَ الْكُوفِيُّونَ وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ إِلَى تَوْرِيثِهِمْ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ وَاحْتَجَّ الْآخَرُونَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِهَا مَنْ لَهُ سَهْمٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ ; لِأَنَّ آيَةَ الْأَنْفَالِ مُجْمَلَةٌ وَآيَةَ الْمَوَارِيثِ مُفَسِّرَةٌ، وَبِقَوْلِهِ : مَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِعَصَبَتِهِ وَأَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى تَرْكِ الْقَوْلِ بِظَاهِرِهَا فَجَعَلُوا مَا يَخْلُفُهُ الْمَعْتُوقُ إِرْثًا لِعَصَبَتِهِ دُونَ مَوَالِيهِ فَإِنْ فُقِدُوا فَلِمَوَالِيهِ دُونَ ذَوِي رَحِمِهِ.

وَاخْتَلَفُوا فِي تَوْرِيثِهِمْ، فَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: رَأَى أَهْلُ الْعِرَاقِ رَدَّ مَا بَقِيَ مِنْ ذَوِي الْفُرُوضِ إِذَا لَمْ تَكُنْ عَصَبَةٌ عَلَى ذَوِي الْفُرُوضِ، وَإِلَّا فَعَلَيْهِمْ وَعَلَى الْعَصَبَةِ، فَإِنْ فُقِدُوا أَعْطَوْا ذَوِي الْأَرْحَامِ، وَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يُنَزِّلُ كُلَّ ذِي رَحِمٍ مَنْزِلَةَ مَنْ يَجُرُّ إِلَيْهِ، وَأَخْرَجَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ جَعَلَ الْعَمَّةَ كَالْأَبِ وَالْخَالَةَ كَالْأُمِّ فَقَسَمَ الْمَالَ بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا، وَعَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرُدُّ عَلَى الْبِنْتِ دُونَ الْأُمِّ، وَمِنْ أَدِلَّتِهِمْ حَدِيثُ الْخَالُ وَارِثُ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ، وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ، وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ إِذَا كَانَ عَصَبَةً، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ السَّلْبَ كَقَوْلِهِمُ: الصَّبْرُ حِيلَةُ مَنْ لَا حِيلَةَ لَهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ السُّلْطَانَ ; لِأَنَّهُ خَالُ الْمُسْلِمِينَ، حَكَى هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتِ ابْنُ الْعَرَبِيِّ.

١٧ - بَاب مِيرَاثِ الْمُلَاعَنَةِ

٦٧٤٨ - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَجُلًا لَاعَنَ امْرَأَتَهُ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ وَانْتَفَى مِنْ وَلَدِهَا فَفَرَّقَ النَّبِيُّ بَيْنَهُمَا، وَأَلْحَقَ الْوَلَدَ بِالْمَرْأَةِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ مِيرَاثِ الْمُلَاعَنَةِ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَيَجُوزُ كَسْرُهَا، وَالْمُرَادُ بَيَانُ مَا تَرِثُهُ مِنْ وَلَدِهَا الَّذِي لَاعَنَتْ عَلَيْهِ.

ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ الْمُخْتَصَرَ فِي الْمُلَاعَنَةِ، وَقَدْ مَضَى شَرْحُهُ فِي كِتَابِ اللِّعَانِ، وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ مُطَوَّلٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَمِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ هُنَا قَوْلُهُ: وَأَلْحَقَ الْوَلَدَ بِالْمَرْأَةِ وَقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي مَعْنَى إِلْحَاقِهِ بِأُمِّهِ مَعَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّهُ لَا مِيرَاثَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الَّذِي نَفَاهُ، فَجَاءَ عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُمَا قَالَا فِي ابْنِ الْمُلَاعَنَةِ: عَصَبَتُهُ عَصَبَةُ أُمِّهِ يَرِثُهُمْ وَيَرِثُونَهُ أَخْرَجَهُ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ وَبِهِ قَالَ النَّخَعِيُّ، وَالشَّعْبِيُّ، وَجَاءَ عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُمَا كَانَا يَجْعَلَانِ أُمَّهُ عَصَبَةً وَحْدَهَا فَتُعْطَى الْمَالَ كُلَّهُ، فَإِنْ مَاتَتْ أُمُّهُ قَبْلَهُ فَمَالُهُ لِعَصَبَتِهَا، وَبِهِ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمُ الْحَسَنُ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَمَكْحُولٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ.

وَجَاءَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّ ابْنَ الْمُلَاعَنَةِ تَرِثُهُ أُمُّهُ وَإِخْوَتُهُ مِنْهَا، فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ فَهُوَ لِبَيْتِ الْمَالِ، وَهَذَا قَوْلُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَجُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ وَأَكْثَرِ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ، قَالَ مَالِكٌ: وَعَلَى هَذَا أَدْرَكْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ. وَأَخْرَجَ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: بَعَثَ أَهْلُ الْكُوفَةِ إِلَى الْحِجَازِ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ يَسْأَلُونَ عَنْ مِيرَاثِ ابْنِ الْمُلَاعَنَةِ فَأَخْبَرُوهُمْ أَنَّهُ لِأُمِّهِ وَعَصَبَتِهَا، وَجَاءَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ أَعْطَى الْمُلَاعَنَةَ الْمِيرَاثَ وَجَعَلَهَا عَصَبَةً، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: الرِّوَايَةُ الْأُولَى أَشْهَرُ عِنْدَ أَهْلِ الْفَرَائِضِ.

قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: هَذَا الْخِلَافُ إِنَّمَا نَشَأَ مِنْ حَدِيثِ الْبَابِ؛ حَيْثُ جَاءَ فِيهِ: وَأَلْحَقَ الْوَلَدَ بِالْمَرْأَةِ لِأَنَّهُ لَمَّا أُلْحِقَ بِهَا قَطَعَ نَسَبَ أَبِيهِ فَصَارَ كَمَنْ لَا أَبَ لَهُ مِنْ أَوْلَادِ الْبَغِيِّ، وَتَمَسَّكَ الْآخَرُونَ بِأَنَّ مَعْنَاهُ إِقَامَتُهَا مَقَامَ أَبِيهِ فَجَعَلُوا عَصَبَةَ أُمِّهِ عَصَبَةَ أَبِيهِ.

قُلْتُ: وَقَدْ جَاءَ فِي الْمَرْفُوعِ مَا يُقَوِّي الْقَوْلَ الْأَوَّلَ، فَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ رِوَايَةِ مَكْحُولٍ مُرْسَلًا، وَمِنْ رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: جَعَلَ النَّبِيُّ مِيرَاثَ ابْنِ الْمُلَاعَنَةِ لِأُمِّهِ وَلِوَرَثَتِهَا مِنْ بَعْدِهَا.

وَلِأَصْحَابِ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ عَنْ وَاثِلَةَ رَفَعَهُ تَحُوزُ الْمَرْأَةُ ثَلَاثَةَ مَوَارِيثَ: عَتِيقَهَا وَلَقِيطَهَا وَوَلَدَهَا الَّذِي لَاعَنَتْ عَلَيْهِ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: لَيْسَ بِثَابِتٍ.

قُلْتُ: وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ، وَلَيْسَ فِيهِ سِوَى عُمَرَ بْنِ رُؤْبَةَ بِضَمِّ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْوَاوِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، قَالَ الْبُخَارِيُّ: فِيهِ نَظَرٌ، وَوَثَّقَهُ جَمَاعَةٌ، وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَ ابْنِ الْمُنْذِرِ وَمِنْ طَرِيقِ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ أَنَّ النَّبِيَّ قَضَى بِهِ لِأَمَةٍ هِيَ بِمَنْزِلَةِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ، وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُبَيْدٍ كَتَبَ إِلَى صِدِّيقٍ لَهُ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ يَسْأَلُهُ عَنْ وَلَدِ الْمُلَاعَنَةِ فَكَتَبَ إِلَيْهِ: إِنِّي سَأَلْتُ فَأُخْبِرْتُ أَنَّ النَّبِيّ قَضَى بِهِ لِأُمِّهِ وَهَذِهِ طُرُقٌ يَقْوَى بَعْضُهَا بِبَعْضٍ.

قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: تَمَسَّكَ بَعْضُهُمْ بِالْحَدِيثِ الَّذِي جَاءَ أَنَّ الْمُلَاعَنَةَ بِمَنْزِلَةِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ، وَلَيْسَ فِيهِ حُجَّةٌ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ فِي تَرْبِيَتِهِ وَتَأْدِيبِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَتَوَلَّاهُ أَبُوهُ، فَأَمَّا الْمِيرَاثُ فَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّ ابْنَ الْمُلَاعَنَةِ لَوْ لَمْ تُلَاعَنْ أُمُّهُ وَتَرَكَ أُمَّهُ وَأَبَاهُ كَانَ لِأُمِّهِ السُّدُسُ، فَلَوْ كَانَتْ بِمَنْزِلَةِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ لَوَرِثَتْ سُدُسَيْنِ فَقَطْ؛ سُدُسًا بِالْأُمُومَةِ وَسُدُسًا بِالْأُبُوَّةِ، كَذَا قَالَ وَفِيهِ نَظَرٌ تَصْوِيرًا وَاسْتِدْلَالًا، وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ مَا تَقَدَّمَ فِي اللِّعَانِ أَنَّ فِي رِوَايَةِ فُلَيْحٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَهْلٍ فِي آخِرِهِ: فَكَانَتُ السُّنَّةُ فِي الْمِيرَاثِ أَنْ يَرِثَهَا وَتَرِثَ مِنْهُ مَا فُرِضَ لَهَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَهُوَ لِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ فَإِنَّهُ جُعِلَ مَا فَضَلَ عَنْ أَهْلِ الْفَرَائِضِ لِعَصَبَةِ الْمَيِّتِ دُونَ عَصَبَةِ أُمِّهِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لِوَلَدِ الْمُلَاعَنَةِ عَصَبَةٌ مِنْ قِبَلِ أَبِيهِ فَالْمُسْلِمُونَ عَصَبَتُهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: وَمَنْ تَرَكَ مَالًا فَلْيَرِثْهُ عَصَبَتُهُ مَنْ كَانُوا.

١٨ - بَاب الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ حُرَّةً كَانَتْ أَوْ أَمَةً

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ بدل من الضَّمير، وأصلُ الكلام: لمَّا نزلتْ: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ نَسَخَتْ ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. وقال الكِرْمانيُّ: فاعلُ «نسختها» آية ﴿جَعَلْنَا﴾ ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ﴾ منصوبٌ بإضمارِ أعني. انتهى.

والمرادُ بإيراد الحديث هنا أنَّ قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ نسخ حكم الميراث الَّذي دلَّ عليه ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾.

وقال ابنُ الجوزيِّ: مرادُ الحديث المذكور: أنَّ النَّبيَّ كانَ آخى بين المهاجرين والأنصار، فكانوا يتوارثونَ بتلك الأخوَّة ويرونها داخلةً في قولهِ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ فلمَّا نزلَ قوله تعالى: ﴿وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللّهِ﴾ [الأنفال: ٧٥] نسخ الميراث بين (١) المتعاقدين، وبقيَ النُّصرةُ والرِّفادةُ (٢) وجوازُ الوصيَّةِ لهم.

والحديث أخرجه النَّسائيُّ وأبو داود جميعًا في «الفرائضِ».

(١٧) (باب مِيرَاثِ المُلَاعَِنَةِ) بفتح العين في الفرعِ كأصلهِ. وقال الحافظ ابنُ حجرٍ: بفتح العين المهملة ويجوز كسرها، وقال العينيُّ: بكسرها، وهي الَّتي وقعَ اللِّعان بينها وبين زوجها. قال: وقولُ بعضهم -يعني: الحافظَ ابن حجرٍ-: بالفتح ويجوز الكسر، الأمرُ بالعكس. انتهى.

والمراد: بيان ما ترثهُ من ولدِها الَّذي لا عَنَتْ عليه.

٦٧٤٨ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفرادِ، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (٣) (يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ) بفتح القاف والزاي

والعين المهملة، الحجازيُّ قال: (حَدَّثَنَا مَالِكٌ) الإمامُ (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابنِ عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّ رَجُلًا) اسمه: عُويمر (لَاعَنَ امْرَأَتَهُ) خولةَ بنت قيسٍ (فِي زَمَنِ النَّبِيِّ) بغير ألفٍ بعد الميم في «زمنِ» ولأبي ذرٍّ: «في زمان النَّبيِّ» ( وَانْتَفَى مِنْ وَلَدِهَا، فَفَرَّقَ النَّبِيُّ بَيْنَهُمَا) بين المتلاعِنَيْن (وَأَلْحَقَ الوَلَدَ بِالمَرْأَةِ) فترثهُ أمُّه وإخوته منها، فإن فضلَ شيءٌ فهو لبيتِ المال، وهذا قول زيدِ بن ثابتٍ وجمهور العلماء وأكثر فقهاء الأمصارِ، قال الإمامُ مالك: وعلى ذلك أدركتُ أهل العلمِ.

وعند أبي داود من مرسلِ مكحولٍ، ومن رواية عَمرو بن شعيبٍ، عن أبيهِ، عن جدِّه، قال: جعلَ النَّبيُّ ميراثَ ابنِ الملاعنةِ لأمِّه ولورثتِهَا من بعدِهَا. وعند أصحابِ «السُّنن الأربعة» وحسَّنه التِّرمذيُّ وصحَّحه الحاكمُ، عن واثلةَ رفعه: «تحوزُ المرأةُ ثلاثةَ مَوَاريث: عتيقَها، ولقيطَها، وولدَهَا الَّذي لاعنَتْ عليهِ» وفيه عمر بن رُؤْبة -بضم الراء وسكون الواو بعدها موحدة- مختلفٌ فيه، ووثَّقهُ أحمدُ، وله شاهدٌ من حديثِ ابن عمر عند ابنِ المنذرِ، وفي «اللِّعان» [خ¦٥٣٠٩] من حديث سهلِ بن سعدٍ: «ثمَّ جرتِ السُّنَّة في مِيراثها أنَّها ترثهُ ويرثُ منها ما فرضَ الله له».

وحديث الباب سبقَ في مواضع كـ «التَّفسير» [خ¦٤٧٤٨] و «الملاعنة» [خ¦٥٣١٥].

(١٨) هذا (١) (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه (الوَلَدُ لِلْفِرَاشِ) بكسر الفاء، أي: لصاحبِ الفراش (حُرَّةً كَانَتْ) أي: المُستَفْرَشَة (أَوْ أَمَةً).

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.7 / 29.5
الإضاءة 8%
البدر بعد 12 يوم
اللهم صل على محمد