الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٧٨٥
الحديث رقم ٦٧٨٥ من كتاب «كتاب الحدود وما يحذر من الحدود» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب ظهر المؤمن حمى إلا في حد أو حق.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
⦗١٦٠⦘
أَلَا شَهْرُنَا هَذَا، قَالَ: أَلَا أَيُّ بَلَدٍ تَعْلَمُونَهُ أَعْظَمُ حُرْمَةً، قَالُوا: أَلَا بَلَدُنَا هَذَا، قَالَ: أَلَا أَيُّ يَوْمٍ تَعْلَمُونَهُ أَعْظَمُ حُرْمَةً قَالُوا: أَلَا يَوْمُنَا هَذَا، قَالَ: فَإِنَّ اللهَ ﵎ قَدْ حَرَّمَ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ ثَلَاثًا، كُلُّ ذَلِكَ يُجِيبُونَهُ: أَلَا نَعَمْ. قَالَ: وَيْحَكُمْ، أَوْ وَيْلَكُمْ، لَا تَرْجِعُنَّ بَعْدِي كُفَّارًا، يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ.»
بَابُ إِقَامَةِ الْحُدُودِ وَالِانْتِقَامِ لِحُرُمَاتِ اللهِ
٦٧٨٥ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ وَاقِدِ بْنِ مُحَمَّدٍ: سَمِعْتُ أَبِي قَالَ عَبْدُ اللهِ :
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ قَوْلَ مَنْ قَالَ: يَبْقَى لِلْمَقْتُولِ حَقُّ التَّشَفِّي، وَهُوَ أَقْرَبُ مِنْ إِطْلَاقِ ابْنِ الْعَرَبِيِّ هُنَا.
قَالَ: وَأَمَّا السَّرِقَةُ فَتَتَوَقَّفُ بَرَاءَةُ السَّارِقِ فِيهَا عَلَى رَدِّ الْمَسْرُوقِ لِمُسْتَحِقِّهِ، وَأَمَّا الزِّنَا فَأَطْلَقَ الْجُمْهُورُ أَنَّهُ حَقُّ اللَّهِ، وَهِيَ غَفْلَةٌ؛ لِأَنَّ لِآلِ الْمزَنِيِّ بِهَا فِي ذَلِكَ حَقًّا لِمَا يَلْزَمُ مِنْهُ مِنْ دُخُولِ الْعَارِ عَلَى أَبِيهَا وَزَوْجِهَا وَغَيْرِهِمَا. وَمُحَصَّلُ ذَلِكَ أَنَّ الْكَفَّارَةَ تَخْتَصُّ بِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى دُونَ حَقِّ الْآدَمِيِّ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ.
٩ - بَاب ظَهْرُ الْمُؤْمِنِ حِمًى، إِلَّا فِي حَدٍّ أَوْ حَقٍّ
٦٧٨٥ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ وَاقِدِ بْنِ مُحَمَّدٍ، سَمِعْتُ أَبِي، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: أَلَا أَيُّ شَهْرٍ تَعْلَمُونَهُ أَعْظَمُ حُرْمَةً؟ قَالُوا: أَلَا شَهْرُنَا هَذَا، قَالَ: أَلَا أَيُّ بَلَدٍ تَعْلَمُونَهُ أَعْظَمُ حُرْمَةً؟ قَالُوا: أَلَا بَلَدُنَا هَذَا، قَالَ: أَلَا أَيُّ يَوْمٍ تَعْلَمُونَهُ أَعْظَمُ حُرْمَةً؟ قَالُوا: أَلَا يَوْمُنَا هَذَا، قَالَ: فَإِنَّ اللَّهَ ﵎ قَدْ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ - إِلَّا بِحَقِّهَا - كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ (ثَلَاثًا)؟ كُلُّ ذَلِكَ يُجِيبُونَهُ: أَلَا نَعَمْ، قَالَ: وَيْحَكُمْ - أَوْ وَيْلَكُمْ - لَا تَرْجِعُنَّ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ.
قَوْلُهُ: (بَابٌ ظَهْرُ الْمُؤْمِنِ حِمًى) أَيْ مَحْمِيٌّ مَعْصُومٌ مِنَ الْإِيذَاءِ.
قَوْلُهُ: (إِلَّا فِي حَدٍّ أَوْ فِي حَقٍّ) أَيْ لَا يُضْرَبُ وَلَا يُذَلُّ إِلَّا عَلَى سَبِيلِ الْحَدِّ وَالتَّعْزِيرِ تَأْدِيبًا، وَهَذِهِ التَّرْجَمَةُ لَفْظُ حَدِيثٍ أَخْرَجَهُ أَبُو الشَّيْخِ فِي كِتَابِ السَّرِقَةِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عُمَرَ الزُّهْرِيِّ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ظُهُورُ الْمُسْلِمِينَ حِمًى إِلَّا فِي حُدُودِ اللَّهِ، وَفِي مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ضَعْفٌ، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ عِصْمَةَ بْنِ مَالِكٍ الْخَطْمِيِّ بِلَفْظِ: ظَهْرُ الْمُؤْمِنِ حِمًى إِلَّا بِحَقِّهِ وَفِي سَنَدِهِ الْفَضْلُ بْنُ الْمُخْتَارِ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ مَنْ جَرَّدَ ظَهْرَ مُسْلِمٍ بِغَيْرِ حَقٍّ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ وَفِي سَنَدِهِ أَيْضًا مَقَالٌ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) فِي رِوَايَةِ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ: حَدَّثَنِي، قَالَ الْحَاكِمُ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ هَذَا هُوَ الذُّهْلِيُّ، وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْجَيَّانِيُّ: لَمْ أَرَهُ مَنْسُوبًا فِي شَيْءٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ.
قُلْتُ: وَعَلَى قَوْلِ الْحَاكِمِ فَيَكُونُ نُسِبَ لِجَدِّهِ؛ لِأَنَّهُ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدِ بْنِ فَارِسٍ، وَقَدْ حَدَّثَ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ الْمَخْزُومِيِّ، وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الثَّلْجِ - بِالْمُثَلَّثَةِ وَالْجِيمِ - وَعَنْ غَيْرِهِمَا، وَقَدْ بَيَّنْتُ ذَلِكَ مُوَضَّحًا فِي آخِرِ حَدِيثٍ فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ، وَقَدْ سَقَطَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي أَحْمَدَ الْجُرْجَانِيِّ، عَنِ الْفَرَبْرِيِّ، وَاعْتَمَدَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي مُسْتَخْرَجِهِ عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ: رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عَلِيٍّ، وَعَاصِمٌ الْمَذْكُورُ هُوَ ابْنُ عَاصِمٍ الْوَاسِطِيُّ، وَشَيْخُهُ عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَيِ ابْنُ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَشَيْخُهُ وَاقِدٌ هُوَ أَخُوهُ.
قَوْلُهُ: (قَالَ عَبْدُ اللَّهِ) هُوَ ابْنُ عُمَرَ جَدُّ الرَّاوِي عَنْهُ.
قَوْلُهُ: (أَلَا أَيُّ شَهْرٍ تَعْلَمُونَهُ؟) هُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَتَخْفِيفِ اللَّامِ حَرْفُ افْتِتَاحٍ لِلتَّنْبِيهِ لِمَا يُقَالُ، وَقَدْ كُرِّرَتْ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ سُؤَالًا وَجَوَابًا، وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ: أَيُّ يَوْمٍ تَعْلَمُونَهُ أَعْظَمُ حُرْمَةً؟ قَالُوا: يَوْمُنَا هَذَا، يُعَارِضُهُ أَنَّ يَوْمَ عَرَفَةَ أَعْظَمُ الْأَيَّامِ، وَأَجَابَ الْكِرْمَانِيُّ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْيَوْمِ الْوَقْتُ الَّذِي تُؤَدَّى فِيهِ الْمَنَاسِكُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَخْتَصَّ يَوْمُ النَّحْرِ بِمَزِيدِ الْحُرْمَةِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ حُصُولُ الْمَزِيَّةِ الَّتِي اخْتُصَّ بِهَا يَوْمُ عَرَفَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُ الْكَلَامِ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ،
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
حذف المفعول ليدلَّ على العموم (وَلَا تَزْنُوا، وَقَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ كُلَّهَا) وهو قوله تعالى في سورةِ المُمتحنة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ﴾ [الممتحنة: ١٢] الآيةَ (فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ) بتخفيف الفاء (فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ) فضلًا (وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا) غير الشِّرك (فَعُوقِبَ بِهِ) أي: بسببهِ (فَهْوَ) أي: العقاب (كَفَّارَتُهُ) فلا يعاقب عليهِ في الآخرةِ، زاد التِّرمذيُّ من حديثِ عليٍّ وصحَّحه: «فاللهُ أكرمُ من أن يثنِّي العقوبةَ على عبدِهِ في الآخرِةِ»، واستُشكل بحديثِ أبي هُريرة عند البزَّار وصحَّحه الحاكم أنَّه ﷺ، قال: «لَا أَدْري الحدودُ كفَّارة لأهلِهَا أمْ لَا» وأُجيب بأنَّ حديث الباب أصحُّ إسنادًا، وبأنَّ الحاكم لا يخفَى تساهلهُ في التَّصحيح، وسبقَ في «كتابِ الإيمان» [خ¦١٨] مزيد بحثٍ لذلك فليراجَعْ (وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَسَتَرَهُ اللهُ عَلَيْهِ إِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ) بفضلهِ (وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ) بعدلهِ (١).
والحديث سبقَ في «الإيمانِ» كما مرَّ [خ¦١٨].
(٩) هذا (٢) (بابٌ) بالتَّنوين: (ظَهْرُ المُؤْمِنِ حِمًى) أي: محميٌّ (٣) محفوظٌ عن الإيذاءِ (إِلَّا فِي حَدٍّ) وجبَ عليهِ (أَوْ حَقٍّ) لآدميٍّ.
٦٧٨٥ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) قالَ الحاكم: هو الذُّهليُّ، فيكون نسبهُ لجدِّه، واسمُ أبيه يَحيى بن عبدِ الله بنِ خالد بنِ فارس، أو هو محمَّد بنُ
عبدِ الله بنِ أبي الثَّلج؛ بالمثلثة والجيم، قال: (حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ) الواسطيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ) أخيهِ (وَاقِدِ بْنِ مُحَمَّدٍ) بالقاف، أنَّه قال: (سَمِعْتُ أَبِي) محمَّد بنُ زيد بنِ عبدِ الله بنِ عمر بنِ الخطَّاب (قَالَ عَبْدُ اللهِ) بنُ عمر بنِ الخطَّاب ﵄: (قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ) بمنى في خطبتهِ الَّتي خطبها يوم النَّحر:
(أَلَا) بالتَّخفيف للتَّنبيه: (أَيُّ شَهْرٍ تَعْلَمُونَهُ أَعْظَمُ حُرْمَةً؟) برفع «أيُّ» (قَالُوا: أَلَا) بالتَّخفيف (شَهْرُنَا هَذَا) الحجَّة (قَالَ) ﷺ: (أَلَا أَيُّ بَلَدٍ تَعْلَمُونَهُ أَعْظَمُ حُرْمَةً؟ قَالُوا: أَلَا بَلَدُنَا هَذَا) البلدُ الحرام (قَالَ: أَلَا أَيُّ يَوْمٍ تَعْلَمُونَهُ أَعْظَمُ حُرْمَةً؟ قَالُوا: أَلَا يَوْمُنَا هَذَا) يوم النَّحر، قال في «الكواكب»: فإن قلت: صحَّ أنَّ أفضلَ الأيَّام يوم عرفة؟ وأجاب بأنَّ المراد باليوم: وقتُ أداءِ المناسك، وهما في حكمِ شيءٍ واحدٍ. (قَالَ) ﷺ: (فَإِنَّ اللهَ ﵎ سقطَ لأبي ذرٍّ ما بعد الجلالةِ الشَّريفة (قَدْ حَرَّمَ دِمَاءَكُمْ) ولأبي ذرٍّ: «قد حرَّم عليكُم دماءكُم» (وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ) بفتح الهمزة (إِلَّا بِحَقِّهَا كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، أَلَا) بالتَّخفيف (هَلْ (١) بَلَّغْتُ) قال ذلك (ثَلَاثًا، كُلُّ ذَلِكَ يُجِيبُونَهُ) أي: الصَّحابة: (أَلَا نَعَمْ) بلَّغت (قَالَ) ﷺ: (وَيْحَكُمْ) بالحاء المهملة، كلمةُ رحمة (أَوْ) قال: (وَيْلَكُمْ) كلمةُ عذابٍ (لَا تَرْجِعُنَّ) بضم العين وبالنُّون الثَّقيلة، خطابٌ للجماعةِ، ولمسلمٍ: «لا ترجعُوا» (بَعْدِي) بعد موقِفي هذا، أو بعد وفاتِي (كُفَّارًا) أي: لا يكفِّر بعضُكم بعضًا، فتستحِلُّوا القتال (٢)، أو لا تكن (٣) أفعالُكم أفعال الكفَّار (يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ) برفع «يضربُ» جملة مستأنفة مبيِّنة لقولهِ: «لا ترجعُوا بعدي كفَّارًا».
والحديثُ سبق في «الحجِّ» في «بابِ الخطبة أيَّام منى» [خ¦١٧٤٢]، والله أعلم.
(١٠) (باب) وجوبِ (إِقَامَةِ الحُدُودِ وَ) وجوبِ (الاِنْتِقَامِ لِحُرُمَاتِ اللهِ).
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ قَوْلَ مَنْ قَالَ: يَبْقَى لِلْمَقْتُولِ حَقُّ التَّشَفِّي، وَهُوَ أَقْرَبُ مِنْ إِطْلَاقِ ابْنِ الْعَرَبِيِّ هُنَا.
قَالَ: وَأَمَّا السَّرِقَةُ فَتَتَوَقَّفُ بَرَاءَةُ السَّارِقِ فِيهَا عَلَى رَدِّ الْمَسْرُوقِ لِمُسْتَحِقِّهِ، وَأَمَّا الزِّنَا فَأَطْلَقَ الْجُمْهُورُ أَنَّهُ حَقُّ اللَّهِ، وَهِيَ غَفْلَةٌ؛ لِأَنَّ لِآلِ الْمزَنِيِّ بِهَا فِي ذَلِكَ حَقًّا لِمَا يَلْزَمُ مِنْهُ مِنْ دُخُولِ الْعَارِ عَلَى أَبِيهَا وَزَوْجِهَا وَغَيْرِهِمَا. وَمُحَصَّلُ ذَلِكَ أَنَّ الْكَفَّارَةَ تَخْتَصُّ بِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى دُونَ حَقِّ الْآدَمِيِّ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ.
٩ - بَاب ظَهْرُ الْمُؤْمِنِ حِمًى، إِلَّا فِي حَدٍّ أَوْ حَقٍّ
٦٧٨٥ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ وَاقِدِ بْنِ مُحَمَّدٍ، سَمِعْتُ أَبِي، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: أَلَا أَيُّ شَهْرٍ تَعْلَمُونَهُ أَعْظَمُ حُرْمَةً؟ قَالُوا: أَلَا شَهْرُنَا هَذَا، قَالَ: أَلَا أَيُّ بَلَدٍ تَعْلَمُونَهُ أَعْظَمُ حُرْمَةً؟ قَالُوا: أَلَا بَلَدُنَا هَذَا، قَالَ: أَلَا أَيُّ يَوْمٍ تَعْلَمُونَهُ أَعْظَمُ حُرْمَةً؟ قَالُوا: أَلَا يَوْمُنَا هَذَا، قَالَ: فَإِنَّ اللَّهَ ﵎ قَدْ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ - إِلَّا بِحَقِّهَا - كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ (ثَلَاثًا)؟ كُلُّ ذَلِكَ يُجِيبُونَهُ: أَلَا نَعَمْ، قَالَ: وَيْحَكُمْ - أَوْ وَيْلَكُمْ - لَا تَرْجِعُنَّ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ.
قَوْلُهُ: (بَابٌ ظَهْرُ الْمُؤْمِنِ حِمًى) أَيْ مَحْمِيٌّ مَعْصُومٌ مِنَ الْإِيذَاءِ.
قَوْلُهُ: (إِلَّا فِي حَدٍّ أَوْ فِي حَقٍّ) أَيْ لَا يُضْرَبُ وَلَا يُذَلُّ إِلَّا عَلَى سَبِيلِ الْحَدِّ وَالتَّعْزِيرِ تَأْدِيبًا، وَهَذِهِ التَّرْجَمَةُ لَفْظُ حَدِيثٍ أَخْرَجَهُ أَبُو الشَّيْخِ فِي كِتَابِ السَّرِقَةِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عُمَرَ الزُّهْرِيِّ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ظُهُورُ الْمُسْلِمِينَ حِمًى إِلَّا فِي حُدُودِ اللَّهِ، وَفِي مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ضَعْفٌ، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ عِصْمَةَ بْنِ مَالِكٍ الْخَطْمِيِّ بِلَفْظِ: ظَهْرُ الْمُؤْمِنِ حِمًى إِلَّا بِحَقِّهِ وَفِي سَنَدِهِ الْفَضْلُ بْنُ الْمُخْتَارِ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ مَنْ جَرَّدَ ظَهْرَ مُسْلِمٍ بِغَيْرِ حَقٍّ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ وَفِي سَنَدِهِ أَيْضًا مَقَالٌ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) فِي رِوَايَةِ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ: حَدَّثَنِي، قَالَ الْحَاكِمُ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ هَذَا هُوَ الذُّهْلِيُّ، وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْجَيَّانِيُّ: لَمْ أَرَهُ مَنْسُوبًا فِي شَيْءٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ.
قُلْتُ: وَعَلَى قَوْلِ الْحَاكِمِ فَيَكُونُ نُسِبَ لِجَدِّهِ؛ لِأَنَّهُ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدِ بْنِ فَارِسٍ، وَقَدْ حَدَّثَ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ الْمَخْزُومِيِّ، وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الثَّلْجِ - بِالْمُثَلَّثَةِ وَالْجِيمِ - وَعَنْ غَيْرِهِمَا، وَقَدْ بَيَّنْتُ ذَلِكَ مُوَضَّحًا فِي آخِرِ حَدِيثٍ فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ، وَقَدْ سَقَطَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي أَحْمَدَ الْجُرْجَانِيِّ، عَنِ الْفَرَبْرِيِّ، وَاعْتَمَدَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي مُسْتَخْرَجِهِ عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ: رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عَلِيٍّ، وَعَاصِمٌ الْمَذْكُورُ هُوَ ابْنُ عَاصِمٍ الْوَاسِطِيُّ، وَشَيْخُهُ عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَيِ ابْنُ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَشَيْخُهُ وَاقِدٌ هُوَ أَخُوهُ.
قَوْلُهُ: (قَالَ عَبْدُ اللَّهِ) هُوَ ابْنُ عُمَرَ جَدُّ الرَّاوِي عَنْهُ.
قَوْلُهُ: (أَلَا أَيُّ شَهْرٍ تَعْلَمُونَهُ؟) هُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَتَخْفِيفِ اللَّامِ حَرْفُ افْتِتَاحٍ لِلتَّنْبِيهِ لِمَا يُقَالُ، وَقَدْ كُرِّرَتْ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ سُؤَالًا وَجَوَابًا، وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ: أَيُّ يَوْمٍ تَعْلَمُونَهُ أَعْظَمُ حُرْمَةً؟ قَالُوا: يَوْمُنَا هَذَا، يُعَارِضُهُ أَنَّ يَوْمَ عَرَفَةَ أَعْظَمُ الْأَيَّامِ، وَأَجَابَ الْكِرْمَانِيُّ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْيَوْمِ الْوَقْتُ الَّذِي تُؤَدَّى فِيهِ الْمَنَاسِكُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَخْتَصَّ يَوْمُ النَّحْرِ بِمَزِيدِ الْحُرْمَةِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ حُصُولُ الْمَزِيَّةِ الَّتِي اخْتُصَّ بِهَا يَوْمُ عَرَفَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُ الْكَلَامِ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ،
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
حذف المفعول ليدلَّ على العموم (وَلَا تَزْنُوا، وَقَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ كُلَّهَا) وهو قوله تعالى في سورةِ المُمتحنة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ﴾ [الممتحنة: ١٢] الآيةَ (فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ) بتخفيف الفاء (فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ) فضلًا (وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا) غير الشِّرك (فَعُوقِبَ بِهِ) أي: بسببهِ (فَهْوَ) أي: العقاب (كَفَّارَتُهُ) فلا يعاقب عليهِ في الآخرةِ، زاد التِّرمذيُّ من حديثِ عليٍّ وصحَّحه: «فاللهُ أكرمُ من أن يثنِّي العقوبةَ على عبدِهِ في الآخرِةِ»، واستُشكل بحديثِ أبي هُريرة عند البزَّار وصحَّحه الحاكم أنَّه ﷺ، قال: «لَا أَدْري الحدودُ كفَّارة لأهلِهَا أمْ لَا» وأُجيب بأنَّ حديث الباب أصحُّ إسنادًا، وبأنَّ الحاكم لا يخفَى تساهلهُ في التَّصحيح، وسبقَ في «كتابِ الإيمان» [خ¦١٨] مزيد بحثٍ لذلك فليراجَعْ (وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَسَتَرَهُ اللهُ عَلَيْهِ إِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ) بفضلهِ (وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ) بعدلهِ (١).
والحديث سبقَ في «الإيمانِ» كما مرَّ [خ¦١٨].
(٩) هذا (٢) (بابٌ) بالتَّنوين: (ظَهْرُ المُؤْمِنِ حِمًى) أي: محميٌّ (٣) محفوظٌ عن الإيذاءِ (إِلَّا فِي حَدٍّ) وجبَ عليهِ (أَوْ حَقٍّ) لآدميٍّ.
٦٧٨٥ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) قالَ الحاكم: هو الذُّهليُّ، فيكون نسبهُ لجدِّه، واسمُ أبيه يَحيى بن عبدِ الله بنِ خالد بنِ فارس، أو هو محمَّد بنُ
عبدِ الله بنِ أبي الثَّلج؛ بالمثلثة والجيم، قال: (حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ) الواسطيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ) أخيهِ (وَاقِدِ بْنِ مُحَمَّدٍ) بالقاف، أنَّه قال: (سَمِعْتُ أَبِي) محمَّد بنُ زيد بنِ عبدِ الله بنِ عمر بنِ الخطَّاب (قَالَ عَبْدُ اللهِ) بنُ عمر بنِ الخطَّاب ﵄: (قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ) بمنى في خطبتهِ الَّتي خطبها يوم النَّحر:
(أَلَا) بالتَّخفيف للتَّنبيه: (أَيُّ شَهْرٍ تَعْلَمُونَهُ أَعْظَمُ حُرْمَةً؟) برفع «أيُّ» (قَالُوا: أَلَا) بالتَّخفيف (شَهْرُنَا هَذَا) الحجَّة (قَالَ) ﷺ: (أَلَا أَيُّ بَلَدٍ تَعْلَمُونَهُ أَعْظَمُ حُرْمَةً؟ قَالُوا: أَلَا بَلَدُنَا هَذَا) البلدُ الحرام (قَالَ: أَلَا أَيُّ يَوْمٍ تَعْلَمُونَهُ أَعْظَمُ حُرْمَةً؟ قَالُوا: أَلَا يَوْمُنَا هَذَا) يوم النَّحر، قال في «الكواكب»: فإن قلت: صحَّ أنَّ أفضلَ الأيَّام يوم عرفة؟ وأجاب بأنَّ المراد باليوم: وقتُ أداءِ المناسك، وهما في حكمِ شيءٍ واحدٍ. (قَالَ) ﷺ: (فَإِنَّ اللهَ ﵎ سقطَ لأبي ذرٍّ ما بعد الجلالةِ الشَّريفة (قَدْ حَرَّمَ دِمَاءَكُمْ) ولأبي ذرٍّ: «قد حرَّم عليكُم دماءكُم» (وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ) بفتح الهمزة (إِلَّا بِحَقِّهَا كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، أَلَا) بالتَّخفيف (هَلْ (١) بَلَّغْتُ) قال ذلك (ثَلَاثًا، كُلُّ ذَلِكَ يُجِيبُونَهُ) أي: الصَّحابة: (أَلَا نَعَمْ) بلَّغت (قَالَ) ﷺ: (وَيْحَكُمْ) بالحاء المهملة، كلمةُ رحمة (أَوْ) قال: (وَيْلَكُمْ) كلمةُ عذابٍ (لَا تَرْجِعُنَّ) بضم العين وبالنُّون الثَّقيلة، خطابٌ للجماعةِ، ولمسلمٍ: «لا ترجعُوا» (بَعْدِي) بعد موقِفي هذا، أو بعد وفاتِي (كُفَّارًا) أي: لا يكفِّر بعضُكم بعضًا، فتستحِلُّوا القتال (٢)، أو لا تكن (٣) أفعالُكم أفعال الكفَّار (يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ) برفع «يضربُ» جملة مستأنفة مبيِّنة لقولهِ: «لا ترجعُوا بعدي كفَّارًا».
والحديثُ سبق في «الحجِّ» في «بابِ الخطبة أيَّام منى» [خ¦١٧٤٢]، والله أعلم.
(١٠) (باب) وجوبِ (إِقَامَةِ الحُدُودِ وَ) وجوبِ (الاِنْتِقَامِ لِحُرُمَاتِ اللهِ).