(هَلْ رَجَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: قَبْلَ) نزول (سُورَةِ النُّورِ) يريد قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] (أَمْ بَعْدُ؟) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «أم بعدها» (قَالَ) ابنُ أبي أوفى: (لَا أَدْرِي) رجمَ قبل نزولها أم بعدَه، وقد قام الدَّليل على أنَّ الرَّجم وقع بعدَ نزول سورة النُّور؛ لأنَّ نزولها كان في قصَّة الإفك سنة أربعٍ أو خمسٍ أو ستٍّ، والرَّجم كان بعد ذلك؛ لأنَّ أبا هريرة حضرَه وإنَّما أسلم سنة سبعٍ، وابن عبَّاس إنَّما جاء مع أمِّه إلى المدينة سنةَ تسعٍ، وفائدة هذا السُّؤال: أنَّ الرَّجم إن كان وقع قبلَها فيُحتمل أن يُدَّعى نَسْخُه بالتَّنصيصِ فيها (١) على أنَّ حدَّ الزَّاني الجلد، وإن كان بعدَها فيستدلُّ به على نسخِ الجلد في حقِّ المحصَن، لكن عُورض بأنَّه من نسخ الكتاب بالسُّنَّة، وفيه خلافٌ.
وأجيب بأنَّ الممنوعَ نسخُ الكتاب بالسُّنَّة إذا جاءتْ من طريق الآحاد، وأما السُّنَّة المشهورة فلا، وأيضًا فلا نسخَ وإنَّما هو مخصَّصٌ بغير المحصَن.
والحديث أخرجه مسلمٌ في «الحدود».
٦٨١٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «أَخبَرنا» (مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ) المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) ابن المبارك المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا يُونُسُ) بن يزيد الأيليُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنِي) ولأبي ذرٍّ: «أَخْبرني» بالإفراد فيهما (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) ابن عوف (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِيِّ) ﵄ (أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ) اسمُه ماعز بنُ مالك الأسلميُّ (أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ فَحَدَّثَهُ أنَّه) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «أنْ» (قَدْ زَنَى، فَشَهِدَ) أي: أقرَّ (عَلَى نَفْسِهِ) بالزِّنا (أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ، فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَرُجِمَ، وَكَانَ قَدْ أُحْصِنَ) بالبناء للمفعول فيهما، ولأبي ذرٍّ: «أَحْصَن» بفتح الهمزة والصاد.
والحديث أخرجه مسلمٌ وأبو داود والتِّرمذيُّ في «الحدود»، والنَّسائيُّ في «الجنائز».
(٢٢) هذا (١) (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه: (لَا يُرْجَمُ) الرَّجل (المَجْنُونُ وَ) لا المرأةُ (المَجْنُونَةُ) إذا زَنيا في حالة (٢) الجنون إجماعًا، فلو طرأ الجنونُ بعده، فالجمهور أنَّه لا يؤخَّر إلى الإفاقة؛ لأنَّه يُراد به التَّلف، فلا معنى للتَّأخير بخلافِ الجلد، فإنَّه يُرادُ به الإيلام فيؤخَّر.
(وَقَالَ عَلِيٌّ) هو: ابنُ أبي طالب (لِعُمَرَ) بن الخطَّاب ﵄، وقد أُتي بمجنونةٍ وهي حُبلى، فأراد أن يرجمَها: (أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ القَلَمَ رُفِعَ عَنِ المَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ) من جنونهِ (وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يُدْرِكَ) الحلم (وَعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ) من نومه، وصله البغويُّ في «الجعديات» موقوفًا، وهو مرفوع حكمًا، وهو عند أبي داود والنَّسائيِّ وابن حبَّان مرفوعًا عن ابن عبَّاس: مرَّ عليُّ بن أبي طالبٍ بمجنونةِ بني فلان قد زنتْ، فأمر عمرُ برجمها فردَّها عليٌّ، وقال لعمر: أما تذكرُ أنَّ رسول الله ﷺ قال: «رُفع القلمُ عن ثلاثةٍ: عن المجنونِ المغلوبِ على عقلهِ، وعن الصَّبيِّ حتَّى يحتلمَ، وعن النَّائم حتَّى يستيقظَ» قال: صدقتَ فخلَّى عنها، هذه رواية جريرِ بن حازم عن الأعمش عن أبي ظبيان عن ابن عبَّاس، عند أبي داود، وسندُها متَّصلٌ لكن أعلَّه النَّسائيُّ بأنَّ جرير بن حازم حدَّث بمصر أحاديثَ غَلِط فيها، لكن له شاهدٌ من حديث أبي إدريس الخولانيِّ أخبرني غيرُ واحدٍ من الصَّحابة منهم شدَّاد بن أوس وثوبان: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «رُفع القلمُ في الحدِّ عن الصَّغير حتَّى يَكْبر، وعن النَّائم حتَّى يستيقظَ، وعن المجنونِ حتَّى يفيقَ، وعن المعتوهِ الهالكِ» أخرجه الطَّبرانيُّ. وقد أخذَ العلماء بمقتضى ذلك، لكن ذكر ابن حبَّان أنَّ المراد برفع القلم: ترك كتابة الشَّرِّ عنهم دون الخير. قال الحافظ زين الدِّين العراقيُّ: هو ظاهرٌ في الصَّبيِّ دون المجنون والنَّائم؛ لأنَّهما في حيِّزِ من ليس قابلًا لصحَّة العبادة منه؛ لزوال الشُّعور، فالَّذي ارتفع عن الصَّبيِّ قلم المؤاخذة لا قلم