الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٨٣٥
الحديث رقم ٦٨٣٥ من كتاب «كتاب الحدود وما يحذر من الحدود» في صحيح البخاري، تحت باب: باب من أمر غير الإمام بإقامة الحد غائبا عنه.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
بَابٌ: إِذَا زَنَتِ الْأَمَةُ
٦٨٣٥ - ٦٨٣٦ - حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ :
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ تُخْرِجُنِي فَإِلَى الْبَصْرَةِ حَيْثُ أَخْرَجْتَ يَا عُمَرُ، نَصْرَ بْنَ حَجَّاجٍ، وَذَكَرَ قِصَّةَ نَصْرِ بْنِ حَجَّاجٍ وَهِيَ مَشْهُورَةٌ، وَسَاقَ قِصَّةَ جَعْدَةَ السُّلَمِيِّ وَأَنَّهُ كَانَ يَخْرُجُ مَعَ النِّسَاءِ إِلَى الْبَقِيعِ وَيَتَحَدَّثُ إِلَيْهِنَّ حَتَّى كَتَبَ بَعْضُ الْغُزَاةِ إِلَى عُمَرَ يَشْكُو ذَلِكَ فَأَخْرَجَهُ. وَعَنْ مَسْلَمَةَ بْنِ مُحَارِبٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ: أَنَّ أُمَيَّةَ بْنَ يَزِيدَ الْأَسَدِيَّ وَمَوْلَى مُزَيْنَةَ كَانَا يَحْتَكِرَانِ الطَّعَامَ بِالْمَدِينَةِ فَأَخْرَجَهُمَا عُمَرُ، ثُمَّ ذَكَرَ عِدَّةَ قِصَصٍ لِمُبْهَمٍ وَمُعَيَّنٍ، فَيُمْكِنُ التَّفْسِيرُ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ بِبَعْضِ هَؤُلَاءِ.
قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: أَشَارَ الْبُخَارِيُّ بِإِيرَادِ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ عَقِبَ تَرْجَمَةِ الزَّانِي إِلَى أَنَّ النَّفْيَ إِذَا شُرِعَ فِي حَقِّ مَنْ أَتَى مَعْصِيَةً لَا حَدَّ فِيهَا فَلَأَنْ يُشْرَعَ فِي حَقِّ مَنْ أَتَى مَا فِيهِ حَدٌّ أَوْلَى، فَتَتَأَكَّدُ السُّنَّةُ الثَّابِتَةُ بِالْقِيَاسِ لِيُرَدَّ بِهِ عَلَى مَنْ عَارَضَ السُّنَّةَ بِالْقِيَاسِ، فَإِذَا تَعَارَضَ الْقِيَاسَانِ بَقِيَتِ السُّنَّةُ بِلَا مُعَارِضٍ.
وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُخَنَّثِينَ الْمُتَشَبِّهُونَ بِالنِّسَاءِ لَا مَنْ يُؤْتَى، فَإِنَّ ذَلِكَ حَدُّهُ الرَّجْمُ، وَمَنْ وَجَبَ رَجْمُهُ لَا يُنْفَى، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ حَدَّهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَالْأَكْثَرُ أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الزَّانِي، فَإِنْ ثَبَتَ عَلَيْهِ جُلِدَ وَنُفِيَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ الْإِحْصَانُ، وَإِنْ كَانَ يَتَشَبَّهُ فَقَطْ نُفِيَ فَقَطْ.
وَقِيلَ: إِنَّ فِي التَّرْجَمَةِ إِشَارَةٌ إِلَى ضَعْفِ الْقَوْلِ الصَّائِرِ إِلَى رَجْمِ الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ بِهِ، وَأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ الصَّحِيحَ لَمْ يَأْتِ فِيهِ إِلَّا النَّفْيُ، وَفِي هَذَا نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عَنْ أَحَدٍ مِمَّنْ أَخْرَجَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يُؤْتَى، وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي هَاشِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أُتِيَ بِمُخَنَّثٍ قَدْ خَضَّبَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ، فَقَالُوا: مَا بَالُ هَذَا؟ قِيلَ: يَتَشَبَّهُ بِالنِّسَاءِ، فَأَمَرَ بِهِ فَنُفِيَ إِلَى النَّقِيعِ يَعْنِي بِالنُّونِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٣٤ - بَاب مَنْ أَمَرَ غَيْرَ الْإِمَامِ بِإِقَامَةِ الْحَدِّ غَائِبًا عَنْهُ
٦٨٣٥، ٦٨٣٦ - حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَعْرَابِ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ جَالِسٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اقْضِ بِكِتَابِ اللَّهِ، فَقَامَ خَصْمُهُ، فَقَالَ: صَدَقَ، اقْضِ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ بِكِتَابِ اللَّهِ، إِنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفًا عَلَى هَذَا، فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ، فَأَخْبَرُونِي أَنَّ عَلَى ابْنِي الرَّجْمَ. فَافْتَدَيْتُ بِمِائَةٍ مِنْ الْغَنَمِ وَوَلِيدَةٍ، ثُمَّ سَأَلْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ فَزَعَمُوا أَنَّ مَا عَلَى ابْنِي جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، فَقَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ، أَمَّا الْغَنَمُ وَالْوَلِيدَةُ فَرَدٌّ عَلَيْكَ، وَعَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ. وَأَمَّا أَنْتَ يَا أُنَيْسُ فَاغْدُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا فَارْجُمْهَا. فَغَدَا أُنَيْسٌ، فَرَجَمَهَا.
قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ أَمَرَ غَيْرَ الْإِمَامِ بِإِقَامَةِ الْحَدِّ غَائِبًا عَنْهُ) قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: فِي هَذَا التَّرْكِيبِ قَلَقٌ، وَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يُبْدِلَ لَفْظَ غَيْرَ بِالضَّمِيرِ فَيَقُولَ: مَنْ أَمَرَهُ الْإِمَامُ إِلَخْ.
وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: قَدْ تَرْجَمَ بَعْدُ، يَعْنِي فِي آخِرِ أَبْوَابِ الْحُدُودِ: هَلْ يَأْمُرُ الْإِمَامُ رَجُلًا فَيَضْرِبُ الْحَدَّ غَائِبًا عَنْهُ وَمَعْنَى التَّرْجَمَتَيْنِ وَاحِدٌ، كَذَا قَالَ، وَيَظْهَرُ لِي أَنَّ بَيْنَهُمَا تَغَايُرًا مِنْ جِهَةِ أَنَّ قَوْلَهُ فِي الْأَوَّلِ غَائِبًا عَنْهُ حَالٌ مِنَ الْمَأْمُورِ وَهُوَ الَّذِي يُقِيمُ الْحَدَّ، وَفِي الْآخَرِ حَالٌ مِنَ الَّذِي يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ.
ثم ذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ فِي قِصَّةِ الْعَسِيفِ، وَقَدْ مَضَى شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى قَرِيبًا.
وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ: فَقَامَ خَصْمُهُ فَقَالَ: صَدَقَ، اقْضِ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ بِكِتَابِ اللَّهِ، إِنَّ ابْنِي … ، قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: الْقَائِلُ هُوَ الْأَعْرَابِيُّ لَا خَصْمُهُ؛ لِأَنَّهُ وَقَعَ فِي كِتَابِ الصُّلْحِ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، اقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ فَقَامَ خَصْمُهُ وَقَالَ: صَدَقَ؛ اقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ، فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ: إِنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفًا.
قُلْتُ: بَلِ الَّذِي قَالَ اقْضِ بَيْنَنَا هُوَ
وَالِدُ الْعَسِيفِ، فَفِي الرِّوَايَةِ الْمَاضِيَةِ قَرِيبًا فِي بَابِ الِاعْتِرَافِ بِالزِّنَا: فَقَامَ خَصْمُهُ وَكَانَ أَفْقَهَ مِنْهُ فَقَالَ: اقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ وَأْذَنْ لِي إِلَخْ هَذِهِ رِوَايَةُ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ وَوَافَقَهُ الْجُمْهُورُ، فَتَقَدَّمَتْ رِوَايَةُ مَالِكٍ فِي الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ وَرِوَايَةُ اللَّيْثِ فِي الشُّرُوطِ وَتَأْتِي رِوَايَةُ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، وَشُعَيْبِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ فِي خَبَرِ الْوَاحِدِ.
وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ اللَّيْثِ، وَصَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، وَمَعْمَرٍ وَسَاقَهُ عَلَى لَفْظِ اللَّيْثِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَالِاخْتِلَافُ فِي هَذَا عَلَى ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ؛ فَإِنَّهُ رَوَاهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ هُنَا وَفِي الصُّلْحِ، فَالرَّاوِي لَهُ فِي الصُّلْحِ عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ وَهُنَا عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ فَوَافَقَ عَاصِمَ بْنَ عَلِيٍّ وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَإِنَّ قَوْلَهُ فِي رِوَايَةِ آدَمَ: فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ زِيَادَةٌ إِلَّا إِنْ كَانَ كُلٌّ مِنَ الْخَصْمَيْنِ مُتَّصِفًا بِهَذَا الْوَصْفِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِبَعِيدٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٣٥ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ الْآيَةَ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَسَاقَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
قَالَ الْوَاحِدِيُّ: قُرِئَ الْمُحْصَنَاتِ فِي الْقُرْآنِ بِكَسْرِ الصَّادِ وَفَتْحِهَا إِلَّا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ فَبِالْفَتْحِ جَزْمًا، وَقُرِئَ فَإِذَا أُحْصِنَّ بِالضَّمِّ وَبِالْفَتْحِ، فَبِالضَّمِّ مَعْنَاهُ التَّزْوِيجُ وَبِالْفَتْحِ مَعْنَاهُ الْإِسْلَامُ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: اخْتُلِفَ فِي إِحْصَانِ الْأَمَةِ، فَقَالَ الْأَكْثَرُ: إِحْصَانُهَا التَّزْوِيجُ، وَقِيلَ الْعِتْقُ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَطَائِفَةٍ: إِحْصَانُهَا التَّزْوِيجُ، وَنَصَرَهُ أَبُو عُبَيْدٍ، وَإِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي وَاحْتَجَّ لَهُ بِأَنَّهُ تَقَدَّمَ فِي الْآيَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ فَيَبْعُدُ أَنْ يَقُولَ بَعْدَهُ فَإِذَا أَسْلَمْنَ، قَالَ: فَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ التَّزْوِيجَ كَانَ مَفْهُومُهُ أَنَّهَا قَبْلَ أَنْ تَتَزَوَّجَ لَا يَجِبُ عَلَيْهَا الْحَدُّ إِذَا زَنَتْ، وَقَدْ أَخَذَ بِهِ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ: لَا حَدَّ عَلَى الْأَمَةِ إِذَا زَنَتْ قَبْلَ أَنْ تَتَزَوَّجَ، وَبِهِ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدٍ الْقَاسِمِ بْنِ سَلَّامٍ، وَهُوَ وَجْهٌ لِلشَّافِعِيَّةِ، وَاحْتَجَّ بِمَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَيْسَ عَلَى الْأَمَةِ حَدٌّ حَتَّى تُحْصَنَ، وَسَنَدُهُ حَسَنٌ لَكِنِ اخْتُلِفَ فِي رَفْعِهِ وَوَقْفِهِ، وَالْأَرْجَحُ وَقْفُهُ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَغَيْرُهُ.
وَادَّعَى ابْنُ شَاهِينَ فِي النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ بِحَدِيثِ الْبَابِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ النَّسْخَ يَحْتَاجُ إِلَى التَّارِيخِ وَهُوَ لَمْ يُعْلَمْ، وَقَدْ عَارَضَهُ حَدِيثُ عَلِيٍّ: أَقِيمُوا الْحُدُودَ عَلَى أَرِقَّائِكُمْ؛ مَنْ أُحْصِنَ مِنْهُمْ وَمَنْ لَمْ يُحْصَنْ، وَاخْتُلِفَ أَيْضًا فِي رَفْعِهِ وَوَقْفِهِ، وَالرَّاجِحُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ، لَكِنَّ سِيَاقَهُ فِي مُسْلِمٍ يَدُلُّ عَلَى رَفْعِهِ فَالتَّمَسُّكُ بِهِ أَقْوَى، وَإِذَا حُمِلَ الْإِحْصَانُ فِي الْحَدِيثِ عَلَى التَّزْوِيجِ وَفِي الْآيَةِ عَلَى الْإِسْلَامِ حَصَلَ الْجَمْعُ، وَقَدْ بَيَّنَتِ السُّنَّةُ أَنَّهَا إِذَا زَنَتْ قَبْلَ الْإِحْصَانِ تُجْلَدُ، وَقَالَ غَيْرُهُ: التَّقْيِيدُ بِالْإِحْصَانِ يُفِيدُ أَنَّ الْحُكْمَ فِي حَقِّهَا الْجَلْدُ لَا الرَّجْمُ، فَأُخِذَ حُكْمُ زِنَاهَا بَعْدَ الْإِحْصَانِ مِنَ الْكِتَابِ وَحُكْمُ زِنَاهَا قَبْلَ الْإِحْصَانِ مِنَ السُّنَّةِ، وَالْحِكْمَةُ فِيهِ أَنَّ الرَّجْمَ لَا يَتَنَصَّفُ فَاسْتَمَرَّ حُكْمُ الْجَلْدِ فِي حَقِّهَا.
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ نُصَّ عَلَى الْجَلْدِ فِي أَكْمَلِ حَالَيْهَا لِيُسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى سُقُوطِ الرَّجْمِ عَنْهَا لَا عَلَى إِرَادَةِ إِسْقَاطِ الْجَلْدِ عَنْهَا إِذَا لَمْ تَتَزَوَّجْ، وَقَدْ بَيَّنَتِ السُّنَّةُ أَنَّ عَلَيْهَا الْجَلْدَ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
كانا يحتكران الطَّعام بالمدينةِ فأخرجَهما عمر ﵁.
والحديث سبقَ في «اللِّباس» [خ¦٥٨٨٦]، وأخرجَه أبو داود في «الأدب»، وأخرجه التِّرمذيُّ والنَّسائيُّ أيضًا.
(٣٤) (باب مَنْ أَمَرَ غَيْرَ الإِمَامِ) الأوجَهُ -كما نبَّه عليه في «الكواكب» - أن يقول: من أمرهُ الإمام (بِإِقَامَةِ الحَدِّ) على مستحقِّه حال كون الغير أو المقام عليه الحدُّ (غَائِبًا عَنْهُ) عن الإمام.
وقولُ الكِرْمانيِّ: إنَّ في قول البخاريِّ: «مَن أمرَ غير الإمام» تعجرفًا، قال البَرْماويُّ: لا عجرفةَ فيه؛ إذ عادةُ البخاريِّ التَّعميم في المعنى، فيقول: بابُ من فعلَ كذا، فيكون الفاعلُ لذلك معيَّنًا إشارةً إلى أنَّ الحكم عامٌّ، فقوله: «مَن أمرَ» هو الإمام، وقولهِ: «غير الإمام» أي: غيره، فأقام الظَّاهر مقام المضمر؛ لأنَّه لم يكن قد صرَّح به، ولكن التَّركيب غير واضحٍ.
٦٨٣٥ - ٦٨٣٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ) الواسطيُّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) محمَّد بن عبد الرَّحمن (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّدِ بن مسلمٍ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضم العين، ابن عبد الله بنِ عتبةَ بن مسعودٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ) الجهنيِّ ﵄ (أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَعْرَابِ) لم يُسمَّ (جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهْوَ جَالِسٌ) في المسجد (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ اقْضِ) أي: بيننا (بِكِتَابِ اللهِ) أي: بحكمِ الله الَّذي قضى به على المكلَّفين (فَقَامَ خَصْمُهُ) لم يُسمَّ (فَقَالَ: صَدَقَ، اقْضِ لَهُ يَا رَسُولَ اللهِ بِكِتَابِ اللهِ، إِنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفًا) أجيرًا (عَلَى هَذَا) أي: له، فـ «على» بمعنى اللام،
وهذا من قولِ الخصمِ لا من قول الأعرابيِّ خلافًا لما قرَّره الكِرْمانيُّ وتبعَهُ العينيُّ والبَرْماويُّ، كما نبَّه عليه في «الفتح»، وسبقَ قريبًا في «باب الاعترافِ بالزِّنا» [خ¦٦٨٢٧] (فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ، فَأَخْبَرُونِي أَنَّ عَلَى ابْنِي الرَّجْمَ، فَافْتَدَيْتُ) أي: منه (بمِئَةٍ مِنَ الغَنَمِ وَوَلِيدَةٍ) وفي «باب الاعتراف بالزِّنا»: وخادم [خ¦٦٨٢٦] (ثُمَّ سَأَلْتُ أَهْلَ العِلْمِ فَزَعَمُوا) وفي الباب المذكور: فأخبروني [خ¦٦٨٢٦] (أَنَّ مَا (١) عَلَى ابْنِي جَلْدُ مِئَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ) لأنَّه كان بكرًا، وأقرَّ بالزِّنا (فَقَالَ) رسول الله ﷺ: (و) الله (الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللهِ، أَمَّا الغَنَمُ وَالوَلِيدَةُ فَرَدٌّ) فمردودٌ (عَلَيْكَ، وَعَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِئَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَأَمَّا أَنْتَ يَا أُنَيْسُ) بضم الهمزة وفتح النون، مصغَّرًا (فَاغْدُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا) فاذهب إليها فإن اعترفت بالزِّنا (فَارْجُمْهَا (٢) فَغَدَا) فذهب (أُنَيْسٌ) إليها فاعترفتْ بالزِّنا (٣) (فَرَجَمَهَا) لأنَّها كانت محصنةً، ولم يكن بعثه إليها لطلبِ إقامة حدِّ الزِّنا؛ لأنَّ حدَّ الزِّنا لا يتجسَّس له بل يستحبُّ تلقين المقرِّ الرُّجوع عنه، وإنَّما بعثه ليُعلمها بأنَّ الرَّجل قذفها بابنهِ، فلها عليه حدُّ القذف فتطالبُه به، أو تعفو عنه، والله أعلم.
والحديث أخرجه في مواضع كثيرة كـ «الأحكام» [خ¦٧١٩٣] و «الوكالة» [خ¦٢٣١٤] و «الشُّروط» [خ¦٢٧٢٤]، وأخرجه بقيَّة (٤) أصحاب الكتب السِّتَّة.
(٣٥) (باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً﴾) غنًى واعتلاءً، وأصله الفضل والزِّيادة، وهو مفعول ﴿يَسْتَطِعْ﴾ (﴿أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾) في موضعِ نصب بـ ﴿طَوْلاً﴾ أو بفعل
يقدر (١) صفة له، أي: ومَن لم يستطعْ منكم أن يعتليَ نكاح المحصناتِ، أو مَن لم يستطعْ غنًى يبلغ به نكاحَ المحصنات، يعني: الحرائر؛ لقولهِ: (﴿فَمِن مِّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾) إمائكم المؤمناتِ، وفي ظاهره حجَّة للشَّافعيِّ حيث حرَّم نكاح الأمةِ على من ملكَ صداق حرَّةٍ، ومنع نكاح الأمة الكتابيَّة مطلقًا، وجوَّزه أبو حنيفة، وأوَّل التَّقييد في النَّصِّ للاستحبابِ (٢)، واستدلَّ بأنَّ الإيمان ليس بشرطٍ في الحرائر اتِّفاقًا مع التَّقييد به (﴿وَاللّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ﴾) فاكتفوا بظاهر الإيمان، فإنَّه العالم بالسَّرائر، وبتفاضل ما بينكم في الإيمان (٣)، فَرُبَّ أَمَةٍ تفضل الحرَّة فيه، فمن حقِّكم أن تعتبروا فضلَ الإيمان لا فضل النَّسب، والمراد: تأنيسهم بنكاح الإماءِ، ومنعُهم عن الاستنكافِ عنه، ويؤيدُه (﴿بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ﴾) أي: أنتم وأرقَّاؤكم متناسبون، نسبُكم من آدم، ودينُكم الإسلام (﴿فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾) أي: أربابهنَّ، واعتبار إذنهنَّ مطلقًا لا إشعار له على أنَّ لهنَّ أن يباشرنَ العقدَ بأنفسهنَّ حتَّى يحتجَّ (٤) به الحنفيَّة، فالسَّيِّد هو وليُّ أَمَتهِ لا تزوَّج إلَّا بإذنهِ، وكذلك هو وليُّ عبدِه ليس له أن يتزوَّج بغير إذنهِ، كما في الحديث: «أيُّما عبدٍ تزوَّج بغيرِ مَواليه فهو مجاهرٌ (٥)» أي: زانٍ. وفي الحديث أيضًا: «لا تُزوِّج المرأةُ نفسَها، فإنَّ الزَّانية هي الَّتي تُزوِّج نفسَها» (﴿وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾) وأدُّوا إليهنَّ مهورهنَّ بغير مطلٍ وضِرَارٍ، وملَّاك مهورهنَّ مواليهنَّ، فكان أداؤها إليهنَّ أداءً إلى الموالي؛ لأنهنَّ وما في أيديهنَّ مال الموالي؛ إذ التَّقدير: فآتوا مواليهنَّ، فحذف المضاف (﴿مُحْصَنَاتٍ﴾) عفائف، حالٌ من المفعول في ﴿وَآتُوهُنَّ﴾ (﴿غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ﴾) زوانٍ علانية (﴿وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾) زوانٍ سرًّا، والأخدان: الأخلَّاء في السِّرِّ (﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾) بالتَّزويج (﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ﴾) زنا (﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ﴾) الحرائرِ (﴿مِنَ الْعَذَابِ﴾) من الحدِّ، وهو يدلُّ على أنَّ حدَّ العبدِ نصف حدِّ الحرِّ، وأنَّه لا يرجم لأنَّ الرَّجم لا يتنصف (﴿ذَلِكَ﴾) أي: نكاح الإماء (﴿لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾) لمن خاف الإثم الَّذي يؤدِّي إليه غلبة الشَّهوة (﴿وَأَن تَصْبِرُواْ﴾) أي: وصبركم عن نكاحِ الإماء متعفِّفين (﴿خَيْرٌ لَّكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ﴾) لمن يصبر (﴿رَّحِيمٌ﴾ [النساء: ٢٥])
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ تُخْرِجُنِي فَإِلَى الْبَصْرَةِ حَيْثُ أَخْرَجْتَ يَا عُمَرُ، نَصْرَ بْنَ حَجَّاجٍ، وَذَكَرَ قِصَّةَ نَصْرِ بْنِ حَجَّاجٍ وَهِيَ مَشْهُورَةٌ، وَسَاقَ قِصَّةَ جَعْدَةَ السُّلَمِيِّ وَأَنَّهُ كَانَ يَخْرُجُ مَعَ النِّسَاءِ إِلَى الْبَقِيعِ وَيَتَحَدَّثُ إِلَيْهِنَّ حَتَّى كَتَبَ بَعْضُ الْغُزَاةِ إِلَى عُمَرَ يَشْكُو ذَلِكَ فَأَخْرَجَهُ. وَعَنْ مَسْلَمَةَ بْنِ مُحَارِبٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ: أَنَّ أُمَيَّةَ بْنَ يَزِيدَ الْأَسَدِيَّ وَمَوْلَى مُزَيْنَةَ كَانَا يَحْتَكِرَانِ الطَّعَامَ بِالْمَدِينَةِ فَأَخْرَجَهُمَا عُمَرُ، ثُمَّ ذَكَرَ عِدَّةَ قِصَصٍ لِمُبْهَمٍ وَمُعَيَّنٍ، فَيُمْكِنُ التَّفْسِيرُ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ بِبَعْضِ هَؤُلَاءِ.
قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: أَشَارَ الْبُخَارِيُّ بِإِيرَادِ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ عَقِبَ تَرْجَمَةِ الزَّانِي إِلَى أَنَّ النَّفْيَ إِذَا شُرِعَ فِي حَقِّ مَنْ أَتَى مَعْصِيَةً لَا حَدَّ فِيهَا فَلَأَنْ يُشْرَعَ فِي حَقِّ مَنْ أَتَى مَا فِيهِ حَدٌّ أَوْلَى، فَتَتَأَكَّدُ السُّنَّةُ الثَّابِتَةُ بِالْقِيَاسِ لِيُرَدَّ بِهِ عَلَى مَنْ عَارَضَ السُّنَّةَ بِالْقِيَاسِ، فَإِذَا تَعَارَضَ الْقِيَاسَانِ بَقِيَتِ السُّنَّةُ بِلَا مُعَارِضٍ.
وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُخَنَّثِينَ الْمُتَشَبِّهُونَ بِالنِّسَاءِ لَا مَنْ يُؤْتَى، فَإِنَّ ذَلِكَ حَدُّهُ الرَّجْمُ، وَمَنْ وَجَبَ رَجْمُهُ لَا يُنْفَى، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ حَدَّهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَالْأَكْثَرُ أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الزَّانِي، فَإِنْ ثَبَتَ عَلَيْهِ جُلِدَ وَنُفِيَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ الْإِحْصَانُ، وَإِنْ كَانَ يَتَشَبَّهُ فَقَطْ نُفِيَ فَقَطْ.
وَقِيلَ: إِنَّ فِي التَّرْجَمَةِ إِشَارَةٌ إِلَى ضَعْفِ الْقَوْلِ الصَّائِرِ إِلَى رَجْمِ الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ بِهِ، وَأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ الصَّحِيحَ لَمْ يَأْتِ فِيهِ إِلَّا النَّفْيُ، وَفِي هَذَا نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عَنْ أَحَدٍ مِمَّنْ أَخْرَجَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يُؤْتَى، وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي هَاشِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أُتِيَ بِمُخَنَّثٍ قَدْ خَضَّبَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ، فَقَالُوا: مَا بَالُ هَذَا؟ قِيلَ: يَتَشَبَّهُ بِالنِّسَاءِ، فَأَمَرَ بِهِ فَنُفِيَ إِلَى النَّقِيعِ يَعْنِي بِالنُّونِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٣٤ - بَاب مَنْ أَمَرَ غَيْرَ الْإِمَامِ بِإِقَامَةِ الْحَدِّ غَائِبًا عَنْهُ
٦٨٣٥، ٦٨٣٦ - حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَعْرَابِ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ جَالِسٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اقْضِ بِكِتَابِ اللَّهِ، فَقَامَ خَصْمُهُ، فَقَالَ: صَدَقَ، اقْضِ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ بِكِتَابِ اللَّهِ، إِنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفًا عَلَى هَذَا، فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ، فَأَخْبَرُونِي أَنَّ عَلَى ابْنِي الرَّجْمَ. فَافْتَدَيْتُ بِمِائَةٍ مِنْ الْغَنَمِ وَوَلِيدَةٍ، ثُمَّ سَأَلْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ فَزَعَمُوا أَنَّ مَا عَلَى ابْنِي جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، فَقَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ، أَمَّا الْغَنَمُ وَالْوَلِيدَةُ فَرَدٌّ عَلَيْكَ، وَعَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ. وَأَمَّا أَنْتَ يَا أُنَيْسُ فَاغْدُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا فَارْجُمْهَا. فَغَدَا أُنَيْسٌ، فَرَجَمَهَا.
قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ أَمَرَ غَيْرَ الْإِمَامِ بِإِقَامَةِ الْحَدِّ غَائِبًا عَنْهُ) قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: فِي هَذَا التَّرْكِيبِ قَلَقٌ، وَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يُبْدِلَ لَفْظَ غَيْرَ بِالضَّمِيرِ فَيَقُولَ: مَنْ أَمَرَهُ الْإِمَامُ إِلَخْ.
وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: قَدْ تَرْجَمَ بَعْدُ، يَعْنِي فِي آخِرِ أَبْوَابِ الْحُدُودِ: هَلْ يَأْمُرُ الْإِمَامُ رَجُلًا فَيَضْرِبُ الْحَدَّ غَائِبًا عَنْهُ وَمَعْنَى التَّرْجَمَتَيْنِ وَاحِدٌ، كَذَا قَالَ، وَيَظْهَرُ لِي أَنَّ بَيْنَهُمَا تَغَايُرًا مِنْ جِهَةِ أَنَّ قَوْلَهُ فِي الْأَوَّلِ غَائِبًا عَنْهُ حَالٌ مِنَ الْمَأْمُورِ وَهُوَ الَّذِي يُقِيمُ الْحَدَّ، وَفِي الْآخَرِ حَالٌ مِنَ الَّذِي يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ.
ثم ذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ فِي قِصَّةِ الْعَسِيفِ، وَقَدْ مَضَى شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى قَرِيبًا.
وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ: فَقَامَ خَصْمُهُ فَقَالَ: صَدَقَ، اقْضِ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ بِكِتَابِ اللَّهِ، إِنَّ ابْنِي … ، قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: الْقَائِلُ هُوَ الْأَعْرَابِيُّ لَا خَصْمُهُ؛ لِأَنَّهُ وَقَعَ فِي كِتَابِ الصُّلْحِ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، اقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ فَقَامَ خَصْمُهُ وَقَالَ: صَدَقَ؛ اقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ، فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ: إِنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفًا.
قُلْتُ: بَلِ الَّذِي قَالَ اقْضِ بَيْنَنَا هُوَ
وَالِدُ الْعَسِيفِ، فَفِي الرِّوَايَةِ الْمَاضِيَةِ قَرِيبًا فِي بَابِ الِاعْتِرَافِ بِالزِّنَا: فَقَامَ خَصْمُهُ وَكَانَ أَفْقَهَ مِنْهُ فَقَالَ: اقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ وَأْذَنْ لِي إِلَخْ هَذِهِ رِوَايَةُ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ وَوَافَقَهُ الْجُمْهُورُ، فَتَقَدَّمَتْ رِوَايَةُ مَالِكٍ فِي الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ وَرِوَايَةُ اللَّيْثِ فِي الشُّرُوطِ وَتَأْتِي رِوَايَةُ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، وَشُعَيْبِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ فِي خَبَرِ الْوَاحِدِ.
وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ اللَّيْثِ، وَصَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، وَمَعْمَرٍ وَسَاقَهُ عَلَى لَفْظِ اللَّيْثِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَالِاخْتِلَافُ فِي هَذَا عَلَى ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ؛ فَإِنَّهُ رَوَاهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ هُنَا وَفِي الصُّلْحِ، فَالرَّاوِي لَهُ فِي الصُّلْحِ عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ وَهُنَا عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ فَوَافَقَ عَاصِمَ بْنَ عَلِيٍّ وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَإِنَّ قَوْلَهُ فِي رِوَايَةِ آدَمَ: فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ زِيَادَةٌ إِلَّا إِنْ كَانَ كُلٌّ مِنَ الْخَصْمَيْنِ مُتَّصِفًا بِهَذَا الْوَصْفِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِبَعِيدٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٣٥ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ الْآيَةَ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَسَاقَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
قَالَ الْوَاحِدِيُّ: قُرِئَ الْمُحْصَنَاتِ فِي الْقُرْآنِ بِكَسْرِ الصَّادِ وَفَتْحِهَا إِلَّا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ فَبِالْفَتْحِ جَزْمًا، وَقُرِئَ فَإِذَا أُحْصِنَّ بِالضَّمِّ وَبِالْفَتْحِ، فَبِالضَّمِّ مَعْنَاهُ التَّزْوِيجُ وَبِالْفَتْحِ مَعْنَاهُ الْإِسْلَامُ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: اخْتُلِفَ فِي إِحْصَانِ الْأَمَةِ، فَقَالَ الْأَكْثَرُ: إِحْصَانُهَا التَّزْوِيجُ، وَقِيلَ الْعِتْقُ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَطَائِفَةٍ: إِحْصَانُهَا التَّزْوِيجُ، وَنَصَرَهُ أَبُو عُبَيْدٍ، وَإِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي وَاحْتَجَّ لَهُ بِأَنَّهُ تَقَدَّمَ فِي الْآيَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ فَيَبْعُدُ أَنْ يَقُولَ بَعْدَهُ فَإِذَا أَسْلَمْنَ، قَالَ: فَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ التَّزْوِيجَ كَانَ مَفْهُومُهُ أَنَّهَا قَبْلَ أَنْ تَتَزَوَّجَ لَا يَجِبُ عَلَيْهَا الْحَدُّ إِذَا زَنَتْ، وَقَدْ أَخَذَ بِهِ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ: لَا حَدَّ عَلَى الْأَمَةِ إِذَا زَنَتْ قَبْلَ أَنْ تَتَزَوَّجَ، وَبِهِ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدٍ الْقَاسِمِ بْنِ سَلَّامٍ، وَهُوَ وَجْهٌ لِلشَّافِعِيَّةِ، وَاحْتَجَّ بِمَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَيْسَ عَلَى الْأَمَةِ حَدٌّ حَتَّى تُحْصَنَ، وَسَنَدُهُ حَسَنٌ لَكِنِ اخْتُلِفَ فِي رَفْعِهِ وَوَقْفِهِ، وَالْأَرْجَحُ وَقْفُهُ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَغَيْرُهُ.
وَادَّعَى ابْنُ شَاهِينَ فِي النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ بِحَدِيثِ الْبَابِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ النَّسْخَ يَحْتَاجُ إِلَى التَّارِيخِ وَهُوَ لَمْ يُعْلَمْ، وَقَدْ عَارَضَهُ حَدِيثُ عَلِيٍّ: أَقِيمُوا الْحُدُودَ عَلَى أَرِقَّائِكُمْ؛ مَنْ أُحْصِنَ مِنْهُمْ وَمَنْ لَمْ يُحْصَنْ، وَاخْتُلِفَ أَيْضًا فِي رَفْعِهِ وَوَقْفِهِ، وَالرَّاجِحُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ، لَكِنَّ سِيَاقَهُ فِي مُسْلِمٍ يَدُلُّ عَلَى رَفْعِهِ فَالتَّمَسُّكُ بِهِ أَقْوَى، وَإِذَا حُمِلَ الْإِحْصَانُ فِي الْحَدِيثِ عَلَى التَّزْوِيجِ وَفِي الْآيَةِ عَلَى الْإِسْلَامِ حَصَلَ الْجَمْعُ، وَقَدْ بَيَّنَتِ السُّنَّةُ أَنَّهَا إِذَا زَنَتْ قَبْلَ الْإِحْصَانِ تُجْلَدُ، وَقَالَ غَيْرُهُ: التَّقْيِيدُ بِالْإِحْصَانِ يُفِيدُ أَنَّ الْحُكْمَ فِي حَقِّهَا الْجَلْدُ لَا الرَّجْمُ، فَأُخِذَ حُكْمُ زِنَاهَا بَعْدَ الْإِحْصَانِ مِنَ الْكِتَابِ وَحُكْمُ زِنَاهَا قَبْلَ الْإِحْصَانِ مِنَ السُّنَّةِ، وَالْحِكْمَةُ فِيهِ أَنَّ الرَّجْمَ لَا يَتَنَصَّفُ فَاسْتَمَرَّ حُكْمُ الْجَلْدِ فِي حَقِّهَا.
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ نُصَّ عَلَى الْجَلْدِ فِي أَكْمَلِ حَالَيْهَا لِيُسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى سُقُوطِ الرَّجْمِ عَنْهَا لَا عَلَى إِرَادَةِ إِسْقَاطِ الْجَلْدِ عَنْهَا إِذَا لَمْ تَتَزَوَّجْ، وَقَدْ بَيَّنَتِ السُّنَّةُ أَنَّ عَلَيْهَا الْجَلْدَ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
كانا يحتكران الطَّعام بالمدينةِ فأخرجَهما عمر ﵁.
والحديث سبقَ في «اللِّباس» [خ¦٥٨٨٦]، وأخرجَه أبو داود في «الأدب»، وأخرجه التِّرمذيُّ والنَّسائيُّ أيضًا.
(٣٤) (باب مَنْ أَمَرَ غَيْرَ الإِمَامِ) الأوجَهُ -كما نبَّه عليه في «الكواكب» - أن يقول: من أمرهُ الإمام (بِإِقَامَةِ الحَدِّ) على مستحقِّه حال كون الغير أو المقام عليه الحدُّ (غَائِبًا عَنْهُ) عن الإمام.
وقولُ الكِرْمانيِّ: إنَّ في قول البخاريِّ: «مَن أمرَ غير الإمام» تعجرفًا، قال البَرْماويُّ: لا عجرفةَ فيه؛ إذ عادةُ البخاريِّ التَّعميم في المعنى، فيقول: بابُ من فعلَ كذا، فيكون الفاعلُ لذلك معيَّنًا إشارةً إلى أنَّ الحكم عامٌّ، فقوله: «مَن أمرَ» هو الإمام، وقولهِ: «غير الإمام» أي: غيره، فأقام الظَّاهر مقام المضمر؛ لأنَّه لم يكن قد صرَّح به، ولكن التَّركيب غير واضحٍ.
٦٨٣٥ - ٦٨٣٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ) الواسطيُّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) محمَّد بن عبد الرَّحمن (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّدِ بن مسلمٍ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضم العين، ابن عبد الله بنِ عتبةَ بن مسعودٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ) الجهنيِّ ﵄ (أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَعْرَابِ) لم يُسمَّ (جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهْوَ جَالِسٌ) في المسجد (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ اقْضِ) أي: بيننا (بِكِتَابِ اللهِ) أي: بحكمِ الله الَّذي قضى به على المكلَّفين (فَقَامَ خَصْمُهُ) لم يُسمَّ (فَقَالَ: صَدَقَ، اقْضِ لَهُ يَا رَسُولَ اللهِ بِكِتَابِ اللهِ، إِنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفًا) أجيرًا (عَلَى هَذَا) أي: له، فـ «على» بمعنى اللام،
وهذا من قولِ الخصمِ لا من قول الأعرابيِّ خلافًا لما قرَّره الكِرْمانيُّ وتبعَهُ العينيُّ والبَرْماويُّ، كما نبَّه عليه في «الفتح»، وسبقَ قريبًا في «باب الاعترافِ بالزِّنا» [خ¦٦٨٢٧] (فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ، فَأَخْبَرُونِي أَنَّ عَلَى ابْنِي الرَّجْمَ، فَافْتَدَيْتُ) أي: منه (بمِئَةٍ مِنَ الغَنَمِ وَوَلِيدَةٍ) وفي «باب الاعتراف بالزِّنا»: وخادم [خ¦٦٨٢٦] (ثُمَّ سَأَلْتُ أَهْلَ العِلْمِ فَزَعَمُوا) وفي الباب المذكور: فأخبروني [خ¦٦٨٢٦] (أَنَّ مَا (١) عَلَى ابْنِي جَلْدُ مِئَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ) لأنَّه كان بكرًا، وأقرَّ بالزِّنا (فَقَالَ) رسول الله ﷺ: (و) الله (الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللهِ، أَمَّا الغَنَمُ وَالوَلِيدَةُ فَرَدٌّ) فمردودٌ (عَلَيْكَ، وَعَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِئَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَأَمَّا أَنْتَ يَا أُنَيْسُ) بضم الهمزة وفتح النون، مصغَّرًا (فَاغْدُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا) فاذهب إليها فإن اعترفت بالزِّنا (فَارْجُمْهَا (٢) فَغَدَا) فذهب (أُنَيْسٌ) إليها فاعترفتْ بالزِّنا (٣) (فَرَجَمَهَا) لأنَّها كانت محصنةً، ولم يكن بعثه إليها لطلبِ إقامة حدِّ الزِّنا؛ لأنَّ حدَّ الزِّنا لا يتجسَّس له بل يستحبُّ تلقين المقرِّ الرُّجوع عنه، وإنَّما بعثه ليُعلمها بأنَّ الرَّجل قذفها بابنهِ، فلها عليه حدُّ القذف فتطالبُه به، أو تعفو عنه، والله أعلم.
والحديث أخرجه في مواضع كثيرة كـ «الأحكام» [خ¦٧١٩٣] و «الوكالة» [خ¦٢٣١٤] و «الشُّروط» [خ¦٢٧٢٤]، وأخرجه بقيَّة (٤) أصحاب الكتب السِّتَّة.
(٣٥) (باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً﴾) غنًى واعتلاءً، وأصله الفضل والزِّيادة، وهو مفعول ﴿يَسْتَطِعْ﴾ (﴿أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾) في موضعِ نصب بـ ﴿طَوْلاً﴾ أو بفعل
يقدر (١) صفة له، أي: ومَن لم يستطعْ منكم أن يعتليَ نكاح المحصناتِ، أو مَن لم يستطعْ غنًى يبلغ به نكاحَ المحصنات، يعني: الحرائر؛ لقولهِ: (﴿فَمِن مِّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾) إمائكم المؤمناتِ، وفي ظاهره حجَّة للشَّافعيِّ حيث حرَّم نكاح الأمةِ على من ملكَ صداق حرَّةٍ، ومنع نكاح الأمة الكتابيَّة مطلقًا، وجوَّزه أبو حنيفة، وأوَّل التَّقييد في النَّصِّ للاستحبابِ (٢)، واستدلَّ بأنَّ الإيمان ليس بشرطٍ في الحرائر اتِّفاقًا مع التَّقييد به (﴿وَاللّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ﴾) فاكتفوا بظاهر الإيمان، فإنَّه العالم بالسَّرائر، وبتفاضل ما بينكم في الإيمان (٣)، فَرُبَّ أَمَةٍ تفضل الحرَّة فيه، فمن حقِّكم أن تعتبروا فضلَ الإيمان لا فضل النَّسب، والمراد: تأنيسهم بنكاح الإماءِ، ومنعُهم عن الاستنكافِ عنه، ويؤيدُه (﴿بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ﴾) أي: أنتم وأرقَّاؤكم متناسبون، نسبُكم من آدم، ودينُكم الإسلام (﴿فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾) أي: أربابهنَّ، واعتبار إذنهنَّ مطلقًا لا إشعار له على أنَّ لهنَّ أن يباشرنَ العقدَ بأنفسهنَّ حتَّى يحتجَّ (٤) به الحنفيَّة، فالسَّيِّد هو وليُّ أَمَتهِ لا تزوَّج إلَّا بإذنهِ، وكذلك هو وليُّ عبدِه ليس له أن يتزوَّج بغير إذنهِ، كما في الحديث: «أيُّما عبدٍ تزوَّج بغيرِ مَواليه فهو مجاهرٌ (٥)» أي: زانٍ. وفي الحديث أيضًا: «لا تُزوِّج المرأةُ نفسَها، فإنَّ الزَّانية هي الَّتي تُزوِّج نفسَها» (﴿وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾) وأدُّوا إليهنَّ مهورهنَّ بغير مطلٍ وضِرَارٍ، وملَّاك مهورهنَّ مواليهنَّ، فكان أداؤها إليهنَّ أداءً إلى الموالي؛ لأنهنَّ وما في أيديهنَّ مال الموالي؛ إذ التَّقدير: فآتوا مواليهنَّ، فحذف المضاف (﴿مُحْصَنَاتٍ﴾) عفائف، حالٌ من المفعول في ﴿وَآتُوهُنَّ﴾ (﴿غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ﴾) زوانٍ علانية (﴿وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾) زوانٍ سرًّا، والأخدان: الأخلَّاء في السِّرِّ (﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾) بالتَّزويج (﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ﴾) زنا (﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ﴾) الحرائرِ (﴿مِنَ الْعَذَابِ﴾) من الحدِّ، وهو يدلُّ على أنَّ حدَّ العبدِ نصف حدِّ الحرِّ، وأنَّه لا يرجم لأنَّ الرَّجم لا يتنصف (﴿ذَلِكَ﴾) أي: نكاح الإماء (﴿لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾) لمن خاف الإثم الَّذي يؤدِّي إليه غلبة الشَّهوة (﴿وَأَن تَصْبِرُواْ﴾) أي: وصبركم عن نكاحِ الإماء متعفِّفين (﴿خَيْرٌ لَّكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ﴾) لمن يصبر (﴿رَّحِيمٌ﴾ [النساء: ٢٥])