«أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ جَاءَهُ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٨٤٧

الحديث رقم ٦٨٤٧ من كتاب «كتاب الحدود وما يحذر من الحدود» في صحيح البخاري، تحت باب: باب ما جاء في التعريض.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٦٨٤٧ في صحيح البخاري

«أَنَّ رَسُولَ اللهِ جَاءَهُ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ غُلَامًا أَسْوَدَ، فَقَالَ: هَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ؟، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: مَا أَلْوَانُهَا؟، قَالَ: حُمْرٌ، قَالَ: فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ؟، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَأَنَّى كَانَ ذَلِكَ؟، قَالَ: أُرَاهُ عِرْقٌ نَزَعَهُ، قَالَ: فَلَعَلَّ ابْنَكَ هَذَا نَزَعَهُ عِرْقٌ.»

بَابٌ: كَمِ التَّعْزِيرُ

⦗١٧٤⦘

وَالْأَدَبُ

إسناد حديث رقم ٦٨٤٧ من صحيح البخاري

٦٨٤٧ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ :

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٦٨٤٧: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

٤١ - بَاب مَا جَاءَ فِي التَّعْرِيضِ

٦٨٤٧ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ جَاءَهُ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ غُلَامًا أَسْوَدَ، فَقَالَ: هَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: مَا أَلْوَانُهَا؟ قَالَ: حُمْرٌ، قَالَ: فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَأَنَّى كَانَ ذَلِكَ؟ قَالَ: أُرَاهُ عِرْقٌ نَزَعَهُ، قَالَ: فَلَعَلَّ ابْنَكَ هَذَا نَزَعَهُ عِرْقٌ.

قَوْلُهُ: (بَابُ مَا جَاءَ فِي التَّعْرِيضِ) بِعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ وَضَادٍ مُعْجَمَةٍ، قَالَ الرَّاغِبُ: هُوَ كَلَامٌ لَهُ وَجْهَانِ ظَاهِرٌ وَبَاطِنٌ، فَيَقْصِدُ قَائِلُهُ الْبَاطِنَ وَيُظْهِرُ إِرَادَةَ الظَّاهِرِ، وَتَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنَ الْكَلَامِ فِيهِ فِي بَابِ التَّعْرِيضِ بِنَفْيِ الْوَلَدِ مِنْ كِتَابِ اللِّعَانِ فِي شَرْحِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قِصَّةِ الْأَعْرَابِيِّ الَّذِي قَالَ: إِنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ غُلَامًا أَسْوَدَ الْحَدِيثَ.

وَذَكَرْتُ هُنَاكَ مَا قِيلَ فِي اسْمِهِ وَبَيَانَ الِاخْتِلَافِ فِي حُكْمِ التَّعْرِيضِ، وَأَنَّ الشَّافِعِيَّ اسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ التَّعْرِيضَ بِالْقَذْفِ لَا يُعْطَى حُكْمَ التَّصْرِيحِ، فَتَبِعَهُ الْبُخَارِيُّ حَيْثُ أَوْرَدَ هَذَا الْحَدِيثَ فِي الْمَوْضُوعَيْنِ، وَقَدْ وَقَعَ فِي آخِرِ رِوَايَةِ مَعْمَرٍ الَّتِي أَشَرْتُ إِلَيْهَا هُنَاكَ وَلَمْ يُرَخِّصْ لَهُ فِي الِانْتِفَاءِ مِنْهُ، وَقَوْلُ الزُّهْرِيِّ: إِنَّمَا تَكُونُ الْمُلَاعَنَةُ إِذَا قَالَ رَأَيْتُ الْفَاحِشَةَ.

قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: احْتَجَّ الشَّافِعِيُّ بِأَنَّ التَّعْرِيضَ فِي خِطْبَةِ الْمُعْتَدَّةِ جَائِزٌ مَعَ تَحْرِيمِ التَّصْرِيحِ بِخِطْبَتِهَا، فَدَلَّ عَلَى افْتِرَاقِ حُكْمِهَا، قَالَ: وَأَجَابَ الْقَاضِي إِسْمَاعِيلُ بِأَنَّ التَّعْرِيضَ بِالْخِطْبَةِ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ لَا يَكُونُ إِلَّا بَيْنَ اثْنَيْنِ، فَإِذَا صَرَّحَ بِالْخِطْبَةِ وَقَعَ عَلَيْهِ الْجَوَابُ بِالْإِيجَابِ أَوِ الْوَعْدُ فَمُنِعَ، وَإِذَا عَرَّضَ فَأَفْهَمَ أَنَّ الْمَرْأَةَ مِنْ حَاجَتِهِ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى جَوَابٍ، وَالتَّعْرِيضُ بِالْقَذْفِ يَقَعُ مِنَ الْوَاحِدِ وَلَا يَفْتَقِرُ إِلَى جَوَابٍ، فَهُوَ قَاذِفٌ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُخْفِيَهُ عَنْ أَحَدٍ فَقَامَ مَقَامَ الصَّرِيحِ، كَذَا فَرَّقَ، وَيُعَكِّرُ عَلَيْهِ أَنَّ الْحَدَّ يُدْفَعُ بِالشُّبْهَةِ وَالتَّعْرِيضُ يَحْتَمِلُ الْأَمْرَيْنِ، بَلْ عَدَمُ الْقَذْفِ فِيهِ هُوَ الظَّاهِرُ، وَإِلَّا لَمَا كَانَ تَعْرِيضًا، وَمَنْ لَمْ يَقُلْ بِالْحَدِّ فِي التَّعْرِيضِ يَقُولُ بِالتَّأْدِيبِ فِيهِ لِأَنَّ فِي التَّعْرِيضِ أَذَى الْمُسْلِمِ.

وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى تَأْدِيبِ مَنْ وُجِدَ مَعَ امْرَأَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ فِي بَيْتٍ وَالْبَابُ مُغْلَقٌ عَلَيْهِمَا، وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: فِي التَّعْرِيضِ عُقُوبَةٌ، وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَنْبَأَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قُلْتُ لِعَطَاءٍ: فَالتَّعْرِيضُ؟ قَالَ: لَيْسَ فِيهِ حَدٌّ، قَالَ عَطَاءٌ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ: فِيهِ نَكَالٌ.

وَنَقَلَ ابْنُ التِّينِ، عَنِ الدَّاوُدِيِّ أَنَّهُ قَالَ: تَبْوِيبُ الْبُخَارِيِّ غَيْرُ مُعْتَدِلٍ، قَالَ: وَلَوْ قَالَ: مَا جَاءَ فِي ذِكْرِ مَا يَقَعُ فِي النُّفُوسِ عِنْدَمَا يَرَى مَا يُنْكِرُهُ لَكَانَ صَوَابًا.

قُلْتُ: وَلَوْ سَكَتَ عَنْ هَذَا لَكَانَ هُوَ الصَّوَابَ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: وَقَدِ انْفَصَلَ الْمَالِكِيَّةُ عَنْ حَدِيثِ الْبَابِ بِأَنَّ الْأَعْرَابِيَّ إِنَّمَا جَاءَ مُسْتَفْتِيًا وَلَمْ يُرِدْ بِتَعْرِيضِهِ قَذْفًا.

وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْقَذْفَ فِي التَّعْرِيضِ إِنَّمَا يَثْبُتُ عَلَى مَنْ عُرِفَ مِنْ إِرَادَتِهِ الْقَذْفُ، وَهَذَا يُقَوِّي أَنْ لَا حَدَّ فِي التَّعْرِيضِ لِتَعَذُّرِ الِاطِّلَاعِ عَلَى الْإِرَادَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٤٢ - بَاب كَمْ التَّعْزِيرُ وَالْأَدَبُ؟

٦٨٤٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي بُرْدةَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٦٨٤٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويس قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) إمام دار الهجرة (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّدِ بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ جَاءَهُ أَعْرَابِيٌّ) اسمه: ضَمضم بنُ قتادة، رواه عبد الغنيِّ بن سعيد في «المبهمات» وابن فتحون من طريقهِ، وأبو موسى في «الذيل»، وعند أبي داود من روايةِ ابن وهبٍ: أنَّ أعرابيًا من فزارةَ، وكذا عند بقيَّة أصحابِ الكتب السِّتَّة (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ امْرَأَتِي) لم أقفْ على اسمها (وَلَدَتْ غُلَامًا) لم أقفْ على اسمه أيضًا (أَسْوَدَ) صفة لغلام، وهو لا ينصرفُ للوزن والصِّفة، أي: وأنا أبيض، فكيف يكون ابني؟ فعرَّضَ بأنَّ أمَّه أتت به من الزِّنا (فَقَالَ) النَّبيُّ له: (هَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ؟ قَالَ) الرَّجل: (نَعَمْ. قَالَ) : (مَا أَلْوَانُهَا؟) «ما» مبتدأ من أسماءِ الاستفهام، و «ألوانها» الخبر (قَالَ) الرَّجل: ألوانها (حُمْرٌ) جمع: أحمر، وأفعل فعلاء لا يجمع إلَّا على فُعْلٌ (قَالَ) : (فِيهَا) ولأبي ذرٍّ: «هل فيها» أي: جمل (أَوْرَقُ) لا ينصرفُ كأسود في لونه بياضٌ إلى سوادٍ من الورقة وهو اللَّون الرَّماديُّ، ومنه قيل للحمامةِ: ورقاءُ، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي: «مِن أورق» بزيادة «من» في اسم كان (١) الَّذي هو أورق، وزيدتْ هنا لتقدُّم الاستفهام الَّذي هو (٢) بمعنى النَّفي، وصحَّ ذلك فيها كما صحَّ في قولهِ تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ﴾ [الأحقاف: ٣٣] قالوا: الباء زائدة في خبر «أنَّ» لتقدُّم معنى النَّفي على الجملة (قَالَ) الرَّجل: (نَعَمْ) فيها أورق (قَالَ) : (فَأَنَّى) بفتح الهمزة والنون المشددة، أي: من أين (كَانَ ذَلِكَ) اللَّون الأورقُ وأبواها (٣) ليسا بهذا اللَّون (قَالَ) الرَّجل: (أُرَاهُ) بضم الهمزة، أي: أظنُّه (عِرْقٌ) بكسر العين المهملة وسكون الراء بعدها قاف، أي: أصلٌ من النَّسب، ومنه فلان معرَّقٌ في النَّسب والحسبِ، وفي المثل: العرق نزَّاع، والعرق الأصل مأخوذ من عرق الشَّجرة (٤) (نَزَعَهُ) بفتح النون والزاي والعين، جذبَه إليه وقلبه، وأخرجه من لون أبويهِ، والمعنى: أنَّ وَرْقَها إنَّما جاء لأنَّه كان في أصولها البعيدةِ ما كان في هذا اللَّون (قَالَ) : (فَلَعَلَّ ابْنَكَ هَذَا نَزَعَهُ عِرْقٌ). قال

الخطابيُّ: وإنَّما سأله عن ألوان الإبلِ؛ لأنَّ الحيوانات تجري طباعُ بعضِها على مشاكلةِ (١) بعض في اللَّون والخلقة، وقد يندرُ منها شيءٌ لعارض، فكذلك الآدميُّ يختلفُ بحسب نوادر الطِّباع ونوازعِ العروق. انتهى.

وفائدة الحديث: المنع عن نفي الولد بمجرَّد الأمارات الضَّعيفة بل لابدَّ من تحقُّق وظهور (٢) دليلٍ قويٍّ كأن لا (٣) يكون وطئها، أو أتت بولد قبل ستَّة أشهرٍ من مبدأ وطئها، واستدلَّ به الشَّافعيُّ على أنَّ التَّعريض بالقذف لا يُعطى حكم التَّصريح، فتبعه البخاريُّ حيث أورد هذا الحديث فليس التَّعريض قذفًا وإلَّا لما كان تعريضًا. وقال المالكيَّة: التَّعريض من غير الأب إذا أفهم الرَّمي بالزِّنا أو اللِّواط أو نفي النَّسب، كالتَّصريح (٤) في ترتب الحدِّ، كقولهِ لمن يخاصمه: أمَّا أنا فلست بزانٍ، أو لست بلائطٍ، أو أبي (٥) معروفٌ، وهو ثمانون جلدة.

والحديث سبق في «الطَّلاق» [خ¦٥٣٠٥].

(٤٢) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (كَمِ التَّعْزِيرُ وَالأَدَبُ؟) تنقسم «كم» إلى: استفهاميَّة بمعنى أيّ عدد قليلًا كان (٦) أو كثيرًا، وإلى خبريَّة بمعنى عددٍ كثير، والمراد هنا الأول، والتَّعزير مصدر عزَّر. قال في «الصِّحاح»: التَّعزيرُ: التَّأديب، ومنه سُمِّي الضَّرب دون الحدِّ تعزيرًا. وقال في «المدارك»: وأصل العَزْر المنع، ومنه التَّعزير؛ لأنَّه منع عن (٧) معاودةِ القبيح. انتهى. ومنه عزَّره القاضي، أي: أدَّبه؛ لئلَّا يعودَ إلى القبيح، ويكون بالقول والفعل وبحسب ما يليقُ به، وأمَّا الأدب فبمعنى التَّأديب، وهو أعمُّ من التَّعزير؛ لأنَّ التَّعزير يكون بسببِ المعصيةِ بخلاف الأدب،

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

٤١ - بَاب مَا جَاءَ فِي التَّعْرِيضِ

٦٨٤٧ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ جَاءَهُ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ غُلَامًا أَسْوَدَ، فَقَالَ: هَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: مَا أَلْوَانُهَا؟ قَالَ: حُمْرٌ، قَالَ: فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَأَنَّى كَانَ ذَلِكَ؟ قَالَ: أُرَاهُ عِرْقٌ نَزَعَهُ، قَالَ: فَلَعَلَّ ابْنَكَ هَذَا نَزَعَهُ عِرْقٌ.

قَوْلُهُ: (بَابُ مَا جَاءَ فِي التَّعْرِيضِ) بِعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ وَضَادٍ مُعْجَمَةٍ، قَالَ الرَّاغِبُ: هُوَ كَلَامٌ لَهُ وَجْهَانِ ظَاهِرٌ وَبَاطِنٌ، فَيَقْصِدُ قَائِلُهُ الْبَاطِنَ وَيُظْهِرُ إِرَادَةَ الظَّاهِرِ، وَتَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنَ الْكَلَامِ فِيهِ فِي بَابِ التَّعْرِيضِ بِنَفْيِ الْوَلَدِ مِنْ كِتَابِ اللِّعَانِ فِي شَرْحِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قِصَّةِ الْأَعْرَابِيِّ الَّذِي قَالَ: إِنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ غُلَامًا أَسْوَدَ الْحَدِيثَ.

وَذَكَرْتُ هُنَاكَ مَا قِيلَ فِي اسْمِهِ وَبَيَانَ الِاخْتِلَافِ فِي حُكْمِ التَّعْرِيضِ، وَأَنَّ الشَّافِعِيَّ اسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ التَّعْرِيضَ بِالْقَذْفِ لَا يُعْطَى حُكْمَ التَّصْرِيحِ، فَتَبِعَهُ الْبُخَارِيُّ حَيْثُ أَوْرَدَ هَذَا الْحَدِيثَ فِي الْمَوْضُوعَيْنِ، وَقَدْ وَقَعَ فِي آخِرِ رِوَايَةِ مَعْمَرٍ الَّتِي أَشَرْتُ إِلَيْهَا هُنَاكَ وَلَمْ يُرَخِّصْ لَهُ فِي الِانْتِفَاءِ مِنْهُ، وَقَوْلُ الزُّهْرِيِّ: إِنَّمَا تَكُونُ الْمُلَاعَنَةُ إِذَا قَالَ رَأَيْتُ الْفَاحِشَةَ.

قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: احْتَجَّ الشَّافِعِيُّ بِأَنَّ التَّعْرِيضَ فِي خِطْبَةِ الْمُعْتَدَّةِ جَائِزٌ مَعَ تَحْرِيمِ التَّصْرِيحِ بِخِطْبَتِهَا، فَدَلَّ عَلَى افْتِرَاقِ حُكْمِهَا، قَالَ: وَأَجَابَ الْقَاضِي إِسْمَاعِيلُ بِأَنَّ التَّعْرِيضَ بِالْخِطْبَةِ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ لَا يَكُونُ إِلَّا بَيْنَ اثْنَيْنِ، فَإِذَا صَرَّحَ بِالْخِطْبَةِ وَقَعَ عَلَيْهِ الْجَوَابُ بِالْإِيجَابِ أَوِ الْوَعْدُ فَمُنِعَ، وَإِذَا عَرَّضَ فَأَفْهَمَ أَنَّ الْمَرْأَةَ مِنْ حَاجَتِهِ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى جَوَابٍ، وَالتَّعْرِيضُ بِالْقَذْفِ يَقَعُ مِنَ الْوَاحِدِ وَلَا يَفْتَقِرُ إِلَى جَوَابٍ، فَهُوَ قَاذِفٌ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُخْفِيَهُ عَنْ أَحَدٍ فَقَامَ مَقَامَ الصَّرِيحِ، كَذَا فَرَّقَ، وَيُعَكِّرُ عَلَيْهِ أَنَّ الْحَدَّ يُدْفَعُ بِالشُّبْهَةِ وَالتَّعْرِيضُ يَحْتَمِلُ الْأَمْرَيْنِ، بَلْ عَدَمُ الْقَذْفِ فِيهِ هُوَ الظَّاهِرُ، وَإِلَّا لَمَا كَانَ تَعْرِيضًا، وَمَنْ لَمْ يَقُلْ بِالْحَدِّ فِي التَّعْرِيضِ يَقُولُ بِالتَّأْدِيبِ فِيهِ لِأَنَّ فِي التَّعْرِيضِ أَذَى الْمُسْلِمِ.

وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى تَأْدِيبِ مَنْ وُجِدَ مَعَ امْرَأَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ فِي بَيْتٍ وَالْبَابُ مُغْلَقٌ عَلَيْهِمَا، وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: فِي التَّعْرِيضِ عُقُوبَةٌ، وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَنْبَأَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قُلْتُ لِعَطَاءٍ: فَالتَّعْرِيضُ؟ قَالَ: لَيْسَ فِيهِ حَدٌّ، قَالَ عَطَاءٌ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ: فِيهِ نَكَالٌ.

وَنَقَلَ ابْنُ التِّينِ، عَنِ الدَّاوُدِيِّ أَنَّهُ قَالَ: تَبْوِيبُ الْبُخَارِيِّ غَيْرُ مُعْتَدِلٍ، قَالَ: وَلَوْ قَالَ: مَا جَاءَ فِي ذِكْرِ مَا يَقَعُ فِي النُّفُوسِ عِنْدَمَا يَرَى مَا يُنْكِرُهُ لَكَانَ صَوَابًا.

قُلْتُ: وَلَوْ سَكَتَ عَنْ هَذَا لَكَانَ هُوَ الصَّوَابَ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: وَقَدِ انْفَصَلَ الْمَالِكِيَّةُ عَنْ حَدِيثِ الْبَابِ بِأَنَّ الْأَعْرَابِيَّ إِنَّمَا جَاءَ مُسْتَفْتِيًا وَلَمْ يُرِدْ بِتَعْرِيضِهِ قَذْفًا.

وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْقَذْفَ فِي التَّعْرِيضِ إِنَّمَا يَثْبُتُ عَلَى مَنْ عُرِفَ مِنْ إِرَادَتِهِ الْقَذْفُ، وَهَذَا يُقَوِّي أَنْ لَا حَدَّ فِي التَّعْرِيضِ لِتَعَذُّرِ الِاطِّلَاعِ عَلَى الْإِرَادَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٤٢ - بَاب كَمْ التَّعْزِيرُ وَالْأَدَبُ؟

٦٨٤٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي بُرْدةَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٦٨٤٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويس قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) إمام دار الهجرة (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّدِ بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ جَاءَهُ أَعْرَابِيٌّ) اسمه: ضَمضم بنُ قتادة، رواه عبد الغنيِّ بن سعيد في «المبهمات» وابن فتحون من طريقهِ، وأبو موسى في «الذيل»، وعند أبي داود من روايةِ ابن وهبٍ: أنَّ أعرابيًا من فزارةَ، وكذا عند بقيَّة أصحابِ الكتب السِّتَّة (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ امْرَأَتِي) لم أقفْ على اسمها (وَلَدَتْ غُلَامًا) لم أقفْ على اسمه أيضًا (أَسْوَدَ) صفة لغلام، وهو لا ينصرفُ للوزن والصِّفة، أي: وأنا أبيض، فكيف يكون ابني؟ فعرَّضَ بأنَّ أمَّه أتت به من الزِّنا (فَقَالَ) النَّبيُّ له: (هَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ؟ قَالَ) الرَّجل: (نَعَمْ. قَالَ) : (مَا أَلْوَانُهَا؟) «ما» مبتدأ من أسماءِ الاستفهام، و «ألوانها» الخبر (قَالَ) الرَّجل: ألوانها (حُمْرٌ) جمع: أحمر، وأفعل فعلاء لا يجمع إلَّا على فُعْلٌ (قَالَ) : (فِيهَا) ولأبي ذرٍّ: «هل فيها» أي: جمل (أَوْرَقُ) لا ينصرفُ كأسود في لونه بياضٌ إلى سوادٍ من الورقة وهو اللَّون الرَّماديُّ، ومنه قيل للحمامةِ: ورقاءُ، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي: «مِن أورق» بزيادة «من» في اسم كان (١) الَّذي هو أورق، وزيدتْ هنا لتقدُّم الاستفهام الَّذي هو (٢) بمعنى النَّفي، وصحَّ ذلك فيها كما صحَّ في قولهِ تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ﴾ [الأحقاف: ٣٣] قالوا: الباء زائدة في خبر «أنَّ» لتقدُّم معنى النَّفي على الجملة (قَالَ) الرَّجل: (نَعَمْ) فيها أورق (قَالَ) : (فَأَنَّى) بفتح الهمزة والنون المشددة، أي: من أين (كَانَ ذَلِكَ) اللَّون الأورقُ وأبواها (٣) ليسا بهذا اللَّون (قَالَ) الرَّجل: (أُرَاهُ) بضم الهمزة، أي: أظنُّه (عِرْقٌ) بكسر العين المهملة وسكون الراء بعدها قاف، أي: أصلٌ من النَّسب، ومنه فلان معرَّقٌ في النَّسب والحسبِ، وفي المثل: العرق نزَّاع، والعرق الأصل مأخوذ من عرق الشَّجرة (٤) (نَزَعَهُ) بفتح النون والزاي والعين، جذبَه إليه وقلبه، وأخرجه من لون أبويهِ، والمعنى: أنَّ وَرْقَها إنَّما جاء لأنَّه كان في أصولها البعيدةِ ما كان في هذا اللَّون (قَالَ) : (فَلَعَلَّ ابْنَكَ هَذَا نَزَعَهُ عِرْقٌ). قال

الخطابيُّ: وإنَّما سأله عن ألوان الإبلِ؛ لأنَّ الحيوانات تجري طباعُ بعضِها على مشاكلةِ (١) بعض في اللَّون والخلقة، وقد يندرُ منها شيءٌ لعارض، فكذلك الآدميُّ يختلفُ بحسب نوادر الطِّباع ونوازعِ العروق. انتهى.

وفائدة الحديث: المنع عن نفي الولد بمجرَّد الأمارات الضَّعيفة بل لابدَّ من تحقُّق وظهور (٢) دليلٍ قويٍّ كأن لا (٣) يكون وطئها، أو أتت بولد قبل ستَّة أشهرٍ من مبدأ وطئها، واستدلَّ به الشَّافعيُّ على أنَّ التَّعريض بالقذف لا يُعطى حكم التَّصريح، فتبعه البخاريُّ حيث أورد هذا الحديث فليس التَّعريض قذفًا وإلَّا لما كان تعريضًا. وقال المالكيَّة: التَّعريض من غير الأب إذا أفهم الرَّمي بالزِّنا أو اللِّواط أو نفي النَّسب، كالتَّصريح (٤) في ترتب الحدِّ، كقولهِ لمن يخاصمه: أمَّا أنا فلست بزانٍ، أو لست بلائطٍ، أو أبي (٥) معروفٌ، وهو ثمانون جلدة.

والحديث سبق في «الطَّلاق» [خ¦٥٣٠٥].

(٤٢) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (كَمِ التَّعْزِيرُ وَالأَدَبُ؟) تنقسم «كم» إلى: استفهاميَّة بمعنى أيّ عدد قليلًا كان (٦) أو كثيرًا، وإلى خبريَّة بمعنى عددٍ كثير، والمراد هنا الأول، والتَّعزير مصدر عزَّر. قال في «الصِّحاح»: التَّعزيرُ: التَّأديب، ومنه سُمِّي الضَّرب دون الحدِّ تعزيرًا. وقال في «المدارك»: وأصل العَزْر المنع، ومنه التَّعزير؛ لأنَّه منع عن (٧) معاودةِ القبيح. انتهى. ومنه عزَّره القاضي، أي: أدَّبه؛ لئلَّا يعودَ إلى القبيح، ويكون بالقول والفعل وبحسب ما يليقُ به، وأمَّا الأدب فبمعنى التَّأديب، وهو أعمُّ من التَّعزير؛ لأنَّ التَّعزير يكون بسببِ المعصيةِ بخلاف الأدب،

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.9 / 29.5
الإضاءة 9%
البدر بعد 12 يوم
اللهم صل على محمد