«لَمَّا تُوُفِّيَ النَّبِيُّ ﷺ وَاسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ، وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٩٢٤

الحديث رقم ٦٩٢٤ من كتاب «كتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب قتل من أبى قبول الفرائض وما نسبوا إلى الردة.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٦٩٢٤ في صحيح البخاري

«لَمَّا تُوُفِّيَ النَّبِيُّ وَاسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ، وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنَ الْعَرَبِ، قَالَ عُمَرُ: يَا أَبَا بَكْرٍ، كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ : أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَمَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ إِلَّا بِحَقِّهِ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللهِ. ٦٩٢٥ - قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَاللهِ لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ، وَاللهِ لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إِلَى رَسُولِ اللهِ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهَا. قَالَ عُمَرُ: فَوَاللهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ رَأَيْتُ أَنْ قَدْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ لِلْقِتَالِ فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَقُّ.»

بَابٌ: إِذَا عَرَّضَ الذِّمِّيُّ وَغَيْرُهُ بِسَبِّ النَّبِيِّ وَلَمْ يُصَرِّحْ نَحْوَ قَوْلِهِ السَّامُ عَلَيْكَ

إسناد حديث البخاري رقم ٦٩٢٤

٦٩٢٤ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٦٩٢٤: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَإِحْرَاقِ الْمَيِّتِ بِالنَّارِ مُبَالَغَةً فِي إِهَانَتِهِ وَتَرْهِيبًا عَنِ الِاقْتِدَاءِ بِهِ.

وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى، وَيَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَدِمَ عَلَى مُعَاذٍ فَذَكَرَ قِصَّةَ الْيَهُودِيِّ وَفِيهِ: فَقَالَ: لَا أَنْزِلُ عَنْ دَابَّتِي حَتَّى يُقْتَلَ فَقُتِلَ. قَالَ أَحَدُهُمَا: وَكَانَ قَدِ اسْتُتِيبَ قَبْلَ ذَلِكَ.

وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ: أُتِيَ أَبُو مُوسَى بِرَجُلٍ قَدِ ارْتَدَّ عَنِ الْإِسْلَامِ فَدَعَاهُ فَأَبَى عِشْرِينَ لَيْلَةً أَوْ قَرِيبًا مِنْهَا، وَجَاءَ مُعَاذٌ فَدَعَاهُ فَأَبَى فَضَرَبَ عُنُقَهُ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ فَلَمْ يَذْكُرِ الِاسْتِتَابَةَ، وَكَذَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ، وَقَالَ الْمَسْعُودِيُّ، عَنِ الْقَاسِمِ يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ: فَلَمْ يَنْزِلْ حَتَّى ضَرَبَ عُنُقَهُ وَمَا اسْتَتَابَهُ. وَهَذَا يُعَارِضُهُ الرِّوَايَةُ الْمُثْبِتَةُ لِأَنَّ مُعَاذًا اسْتَتَابَهُ، وَهِيَ أَقْوَى مِنْ هَذِهِ، وَالرِّوَايَاتُ السَّاكِتَةُ عَنْهَا لَا تُعَارِضُهَا، وَعَلَى تَقْدِيرِ تَرْجِيحِ رِوَايَةِ الْمَسْعُودِيِّ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِمَنْ قَالَ: يُقْتَلُ الْمُرْتَدُّ بِلَا اسْتِتَابَةٍ؛ لِأَنَّ مُعَاذًا يَكُونُ اكْتَفَى بِمَا تَقَدَّمَ مِنِ اسْتِتَابَةِ أَبِي مُوسَى، وَقَدْ ذَكَرْتُ قَرِيبًا أَنَّ مُعَاذًا رَوَى الْأَمْرَ بِاسْتِتَابَةِ الْمُرْتَدِّ وَالْمُرْتَدَّةِ.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ تَذَاكَرَا قِيَامَ اللَّيْلِ) فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ: فَقَالَ كَيْفَ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ أَيْ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ أَحَدُهُمَا) هُوَ مُعَاذٌ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ: فَقَالَ أَبُو مُوسَى أَقْرَؤُهُ قَائِمًا وَقَاعِدًا وَعَلَى رَاحِلَتِي وَأَتَفَوَّقُهُ بِفَاءٍ وَقَافٍ بَيْنَهُمَا وَاوٌ ثَقِيلَةٌ، أَيْ: أُلَازِمُ قِرَاءَتَهُ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ، وَفِي أُخْرَى: فَقَالَ أبو مُوسَى كَيْفَ تَقْرَأُ أَنْتَ يَا مُعَاذُ؟ قَالَ: أَنَامُ أَوَّلَ اللَّيْلِ فَأَقُومُ وَقَدْ قَضَيْتُ حَاجَتِي فَأَقْرَأُ مَا كَتَبَ اللَّهُ لِي.

قَوْلُهُ: (وَأَرْجُو فِي نَوْمَتِي مَا أَرْجُو فِي قَوْمَتِي) فِي رِوَايَةِ سَعِيدٍ: وَأَحْتَسِبُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي الْمَغَازِي، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ يَرْجُو الْأَجْرَ فِي تَرْوِيحِ نَفْسِهِ بِالنَّوْمِ لِيَكُونَ أَنْشَطَ عِنْدَ الْقِيَامِ.

وَفِي الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ غَيْرُ م اتَقَدَّمَ: تَوْلِيَةُ أَمِيرَيْنِ عَلَى الْبَلَدِ الْوَاحِدِ، وَقِسْمَةُ الْبَلَدِ بَيْنَ أَمِيرَيْنِ، وَفِيهِ كَرَاهَةُ سُؤَالِ الْإِمَارَةِ وَالْحِرْصِ عَلَيْهَا وَمَنْعُ الْحَرِيصِ مِنْهَا كَمَا سَيَأْتِي بَسْطُهُ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ، وَفِيهِ تَزَاوُرُ الْإِخْوَانِ وَالْأُمَرَاءِ وَالْعُلَمَاءِ، وَإِكْرَامُ الضَّيْفِ، وَالْمُبَادَرَةُ إِلَى إِنْكَارِ الْمُنْكَرِ، وَإِقَامَةُ الْحَدِّ عَلَى مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ، وَأَنَّ الْمُبَاحَاتِ يُؤْجَرُ عَلَيْهَا بِالنِّيَّةِ إِذَا صَارَتْ وَسَائِلَ لِلْمَقَاصِدِ الْوَاجِبَةِ أَوِ الْمَنْدُوبَةِ أَوْ تَكْمِيلًا لِشَيْءٍ مِنْهُمَا.

٣ - بَابُ قَتْلِ مَنْ أَبَى قَبُولَ الْفَرَائِضِ وَمَا نُسِبُوا إِلَى الرِّدَّةِ

٦٩٢٤ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ النَّبِيُّ وَاسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنْ الْعَرَبِ. قَالَ عُمَرُ: يَا أَبَا بَكْرٍ، كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَمَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ إِلَّا بِحَقِّهِ وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ.

٦٩٢٥ - قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَاللَّهِ لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ، وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهَا. قَالَ عُمَرُ: فَوَاللَّهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ رَأَيْتُ أَنْ قَدْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ لِلْقِتَالِ، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَقُّ.

قَوْلُهُ: (بَابُ قَتْلِ مَنْ أَبَى قَبُولَ الْفَرَائِضِ) أَيْ جَوَازُ قَتْلِ مَنِ امْتَنَعَ مِنِ الْتِزَامِ الْأَحْكَامِ الْوَاجِبَةِ وَالْعَمَلِ بِهَا،

قَالَ الْمُهَلَّبُ: مَنِ امْتَنَعَ مِنْ قَبُولِ الْفَرَائِضِ نُظِرَ فَإِنْ أَقَرَّ بِوُجُوبِ الزَّكَاةِ مَثَلًا أُخِذَتْ مِنْهُ قَهْرًا وَلَا يُقْتَلُ، فَإِنْ أَضَافَ إِلَى امْتِنَاعِهِ نَصْبَ الْقِتَالِ قُوتِلَ إِلَى أَنْ يَرْجِعَ، قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ: الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِيمَنْ مَنَعَ فَرِيضَةً مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ تَعَالَى فَلَمْ يَسْتَطِعِ الْمُسْلِمُونَ أَخْذَهَا مِنْهُ كَانَ حَقًّا عَلَيْهِمْ جِهَادُهُ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: مُرَادُهُ إِذَا أَقَرَّ بِوُجُوبِهَا لَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (وَمَا نُسِبُوا إِلَى الرِّدَّةِ) أَيْ أُطْلِقَ عَلَيْهِمُ اسْمُ الْمُرْتَدِّينَ، قَالَ الْكِرْمَانِيُّ مَا فِي قَوْلِهِ: وَمَا نُسِبُوا نَافِيَةٌ كَذَا قَالَ، وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّهَا مَصْدَرِيَّةٌ أَيْ وَنِسْبَتُهُمْ إِلَى الرِّدَّةِ وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ الَّذِي أَوْرَدَهُ كَمَا سَأُبَيِّنُهُ، قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ: كَانَ أَهْلُ الرِّدَّةِ ثَلَاثَةَ أَصْنَافٍ: صِنْفٌ عَادُوا إِلَى عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ وَصِنْفٌ تَبِعُوا مُسَيْلِمَةَ، وَالْأَسْوَدَ الْعَنْسِيَّ وَكَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا ادَّعَى النُّبُوَّةَ قَبْلَ مَوْتِ النَّبِيِّ فَصَدَّقَ مُسَيْلِمَةَ أَهْلُ الْيَمَامَةِ وَجَمَاعَةٌ غَيْرُهُمْ وَصَدَّقَ الْأَسْوَدَ أَهْلُ صَنْعَاءَ وَجَمَاعَةٌ غَيْرُهُمْ، فَقُتِلَ الْأَسْوَدُ قَبْلَ مَوْتِ النَّبِيِّ بِقَلِيلٍ وَبَقِيَ بَعْضُ مَنْ آمَنَ بِهِ فَقَاتَلَهُمْ عُمَّالُ النَّبِيِّ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ، وَأَمَّا مُسَيْلِمَةُ فَجَهَّزَ إِلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ الْجَيْشَ وَعَلَيْهِمْ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فَقَتَلُوهُ.

وَصِنْفٌ ثَالِثٌ اسْتَمَرُّوا عَلَى الْإِسْلَامِ لَكِنَّهُمْ جَحَدُوا الزَّكَاةَ وَتَأَوَّلُوا بِأَنَّهَا خَاصَّةٌ بِزَمَنِ النَّبِيِّ ، وَهُمُ الَّذِينَ نَاظَرَ عُمَرُ، أَبَا بَكْرٍ فِي قِتَالِهِمْ كَمَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ، وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ فِي الْمِلَلِ وَالنِّحَلِ: انْقَسَمَتِ الْعَرَبُ بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: طَائِفَةٌ بَقِيَتْ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ فِي حَيَاتِهِ وَهُمُ الْجُمْهُورُ، وَطَائِفَةٌ بَقِيَتْ عَلَى الْإِسْلَامِ أَيْضًا إِلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا نُقِيمُ الشَّرَائِعَ إِلَّا الزَّكَاةَ وَهُمْ كَثِيرٌ لَكِنَّهُمْ قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الطَّائِفَةِ الْأُولَى، وَالثَّالِثَةُ أَعْلَنَتْ بِالْكُفْرِ وَالرِّدَّةِ كَأَصْحَابِ طُلَيْحَةَ وَسَجَاحٍ وَهُمْ قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ قَبْلَهُمْ، إِلَّا أَنَّهُ كَانَ فِي كُلِّ قَبِيلَةٍ مَنْ يُقَاوِمُ مَنِ ارْتَدَّ، وَطَائِفَةٌ تَوَقَّفَتْ فَلَمْ تُطِعْ أَحَدًا مِنَ الطَّوَائِفِ الثَّلَاثَةِ وَتَرَبَّصُوا لِمَنْ تَكُونُ الْغَلَبَةُ فَأَخْرَجَ أَبُو بَكْرٍ إِلَيْهِمُ الْبُعُوثَ وَكَانَ فَيْرُوزٌ وَمَنْ مَعَهُ غَلَبُوا عَلَى بِلَادِ الْأَسْوَدِ وَقَتَلُوهُ وَقُتِلَ مُسَيْلِمَةُ بِالْيَمَامَةِ، وَعَادَ طُلَيْحَةُ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَكَذَا سَجَاحٌ، وَرَجَعَ غَالِبُ مَنْ كَانَ ارْتَدَّ إِلَى الْإِسْلَامِ فَلَمْ يَحُلِ الْحَوْلُ إِلَّا وَالْجَمِيعُ قَدْ رَاجَعُوا دِينَ الْإِسْلَامِ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.

قَوْلُهُ: (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَهَكَذَا رَوَاهُ الْأَكْثَرُ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا السَّنَدِ عَلَى أَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ عُمَرَ وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَقَالَ يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ الْحَدِيثَ، فَسَاقَهُ عَلَى أَنَّهُ مِنْ مُسْنَدِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَلَمْ يَذْكُرْ أَبَا بَكْرٍ وَلَا عُمَرَ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ سَمِعَ أَصْلَ الْحَدِيثِ مِنَ النَّبِيِّ وَحَضَرَ مُنَاظَرَةَ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ فَقَصَّهَا كَمَا هِيَ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ جَاءَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ بِلَا وَاسِطَةٍ مِنْ طُرُقٍ، فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ عَنْ أَبِيهِ.

وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي صَالِحٍ ذَكْوَانُ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْعَنْبَسِ سَعِيدِ بْنِ كَثِيرِ بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ أَبِيهِ، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، وَرَوَاهُ مَالِكٌ خَارِجَ الْمُوَطَّإِ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، وَذَكَرَهُ ابْنُ مَنْدَهْ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ كُلُّهُمْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَرَوَاهُ عَنِ النَّبِيِّ أَيْضًا ابْنُ عُمَرَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَائِلِ الْكِتَابِ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ، وَجَابِرٌ، وَطَارِقٌ الْأَشْجَعِيُّ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ وَأَصْلُهُ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَائِلِ الصَّلَاةِ.

وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَنَسٍ، وَهُوَ عِنْدَ ابْنِ خُزَيْمَةَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْهُ لَكِنْ قَالَ: عَنْ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَأَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَجَرِيرٍ الْبَجَلِيِّ، وَفِي الْأَوْسَطِ مِنْ حَدِيثِ سَمُرَةَ، وَسَأَذْكُرُ مَا فِي رِوَايَاتِهِمْ مِنْ فَائِدَةٍ زَائِدَةٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (وَكَفَرَ مَنْ

كَفَرَ مِنَ الْعَرَبِ) فِي حَدِيثِ أَنَسٍ عِنْدَ ابْنِ خُزَيْمَةَ: لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ارْتَدَّ عَامَّةُ الْعَرَبِ.

قَوْلُهُ: (يَا أَبَا بَكْرٍ كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ) فِي حَدِيثِ أَنَسٍ: أَتُرِيدُ أَنْ تُقَاتِلَ الْعَرَبَ.

قَوْلُهُ: (أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) كَذَا سَاقَهُ الْأَكْثَرُ، وَفِي رِوَايَةِ طَارِقٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ: مَنْ وَحَّدَ اللَّهَ وَكَفَرَ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِهِ حَرُمَ دَمُهُ وَمَالُهُ.

وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِهِ كَرِوَايَةِ الْجُمْهُورِ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَنَحْوُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي الْعَنْبَسِ وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ، عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ: حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنْ يَسْتَقْبِلُوا قِبْلَتَنَا، وَيَأْكُلُوا ذَبِيحَتَنَا، وَيُصَلُّوا صَلَاتَنَا، وَفِي رِوَايَةِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَيُؤْمِنُوا بِي وَبِمَا جِئْتُ بِهِ.

قَالَ الْخَطَّابِيُّ: زَعَمَ الرَّوَافِضُ أَنَّ حَدِيثَ الْبَابِ مُتَنَاقِضٌ؛ لِأَنَّ فِي أَوَّلِهِ أَنَّهُمْ كَفَرُوا وَفِي آخِرِهِ أَنَّهُمْ ثَبَتُوا عَلَى الْإِسْلَامِ، إِلَّا أَنَّهُمْ مَنَعُوا الزَّكَاةَ، فَإِنْ كَانُوا مُسْلِمِينَ فَكَيْفَ اسْتَحَلَّ قِتَالَهُمْ وَسَبْيَ ذَرَارِيِّهِمْ، وَإِنْ كَانُوا كُفَّارًا فَكَيْفَ احْتَجَّ عَلَى عُمَرَ بِالتَّفْرِقَةِ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، فَإِنَّ فِي جَوَابِهِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّهُمْ كَانُوا مُقِرِّينَ بِالصَّلَاةِ.

قَالَ: وَالْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ أَنَّ الَّذِينَ نُسِبُوا إِلَى الرِّدَّةِ كَانُوا صِنْفَيْنِ، صِنْفٌ رَجَعُوا إِلَى عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ، وَصِنْفٌ مَنَعُوا الزَّكَاةَ وَتَأَوَّلُوا قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ فَزَعَمُوا أَنَّ دَفْعَ الزَّكَاةِ خَاصٌّ بِهِ لِأَنَّ غَيْرَهُ لَا يُطَهِّرُهُمْ وَلَا يُصَلِّي عَلَيْهِمْ فَكَيْفَ تَكُونُ صَلَاتُهُ سَكَنًا لَهُمْ، وَإِنَّمَا أَرَادَ عُمَرُ بِقَوْلِهِ: تُقَاتِلُ النَّاسَ الصِّنْفَ الثَّانِيَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَرَدَّدُ فِي جَوَازِ قَتْلِ الصِّنْفِ الْأَوَّلِ، كَمَا أَنَّهُ لَا يَتَرَدَّدُ فِي قِتَالِ غَيْرِهِمْ مِنْ عُبَّادِ الْأَوْثَانِ وَالنِّيرَانِ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى.

قَالَ: وَكَأَنَّهُ لَمْ يَسْتَحْضِرْ مِنَ الْحَدِيثِ إِلَّا الْقَدْرَ الَّذِي ذَكَرَهُ، وَقَدْ حَفِظَ غَيْرُهُ فِي الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَعًا، وَقَدْ رَوَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَعْقُوبَ بِلَفْظٍ يَعُمُّ جَمِيعَ الشَّرِيعَةِ حَيْثُ قَالَ فِيهَا: وَيُؤْمِنُوا بِي وَبِمَا جِئْتُ بِهِ فَإِنَّ مُقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ مَنْ جَحَدَ شَيْئًا مِمَّا جَاءَ بِهِ وَدُعِيَ إِلَيْهِ فَامْتَنَعَ وَنَصَبَ الْقِتَالَ أَنَّهُ يَجِبُ قِتَالُهُ وَقَتْلُهُ إِذَا أَصَرَّ، قَالَ: وَإِنَّمَا عَرَضَتِ الشُّبْهَةُ لِمَا دَخَلَهُ مِنَ الِاخْتِصَارِ، وَكَأَنَّ رَاوِيهِ لَمْ يَقْصِدْ سِيَاقَ الْحَدِيثِ عَلَى وَجْهِهِ وَإِنَّمَا أَرَادَ سِيَاقَ مُنَاظَرَةِ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ وَاعْتَمَدَ عَلَى مَعْرِفَةِ السَّامِعِينَ بِأَصْلِ الْحَدِيثِ، انْتَهَى مُلَخَّصًا.

قُلْتُ: وَفِي هَذَا الْجَوَابِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عِنْدَ عُمَرَ فِي الْحَدِيثِ حَتَّى يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ مَا اسْتَشْكَلَ قِتَالَهُمْ لِلتَّسْوِيَةِ فِي كَوْنِ غَايَةِ الْقِتَالِ تَرْكَ كُلٍّ مِنَ التَّلَفُّظِ بِالشَّهَادَتَيْنِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ.

قَالَ عِيَاضٌ: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ نَصٌّ فِي قِتَالِ مَنْ لَمْ يُصَلِّ وَلَمْ يُزَكِّ كَمَنْ لَمْ يُقِرَّ بِالشَّهَادَتَيْنِ، وَاحْتِجَاجِ عُمَرَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَجَوَابُ أَبِي بَكْرٍ دَلَّ عَلَى أَنَّهُمَا لَمْ يَسْمَعَا فِي الْحَدِيثِ الصَّلَاةَ وَالزَّكَاةَ؛ إِذْ لَوْ سَمِعَهُ عُمَرُ لَمْ يَحْتَجَّ عَلَى أَبِي بَكْرٍ، وَلَوْ سَمِعَهُ أَبُو بَكْرٍ لَرَدَّ بِهِ عَلَى عُمَرَ وَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى الِاحْتِجَاجِ بِعُمُومِ قَوْلِهِ: إِلَّا بِحَقِّهِ.

قُلْتُ: إِنْ كَانَ الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: بِحَقِّهِ لِلْإِسْلَامِ فَمَهْمَا ثَبَتَ أَنَّهُ مِنْ حَقِّ الْإِسْلَامِ تَنَاوَلَهُ، وَلِذَلِكَ اتَّفَقَ الصَّحَابَةُ عَلَى قِتَالِ مَنْ جَحَدَ الزَّكَاةَ.

قَوْلُهُ: (لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ) يَجُوزُ تَشْدِيدُ فَرَّقَ وَتَخْفِيفُهُ، وَالْمُرَادُ بِالْفَرْقِ مَنْ أَقَرَّ بِالصَّلَاةِ وَأَنْكَرَ الزَّكَاةَ جَاحِدًا أَوْ مَانِعًا مَعَ الِاعْتِرَافِ، وَإِنَّمَا أُطْلِقَ فِي أَوَّلِ الْقِصَّةِ الْكُفْرُ لِيَشْمَلَ الصِّنْفَيْنِ، فَهُوَ فِي حَقِّ مَنْ جَحَدَ حَقِيقَةً وَفِي حَقِّ الْآخَرِينَ مَجَازٌ تَغْلِيبًا، وَإِنَّمَا قَاتَلَهُمُ الصِّدِّيقُ وَلَمْ يَعْذِرْهُمْ بِالْجَهْلِ لِأَنَّهُمْ نَصَبُوا الْقِتَالَ فَجَهَّزَ إِلَيْهِمْ مَنْ دَعَاهُمْ إِلَى الرُّجُوعِ، فَلَمَّا أَصَرُّوا قَاتَلَهُمْ.

قَالَ الْمَازِرِيُّ: ظَاهِرُ السِّيَاقِ أَنَّ عُمَرَ كَانَ مُوَافِقًا عَلَى قِتَالِ مَنْ جَحَدَ الصَّلَاةَ فَأَلْزَمَهُ الصِّدِّيقُ بِمِثْلِهِ فِي الزَّكَاةِ لِوُرُودِهِمَا فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مَوْرِدًا وَاحِدًا.

قَوْلُهُ: (فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ) يُشِيرُ إِلَى دَلِيلِ مَنْعِ

التَّفْرِقَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا أَنَّ حَقَّ النَّفْسِ الصَّلَاةُ وَحَقَّ الْمَالِ الزَّكَاةُ، فَمَنْ صَلَّى عَصَمَ نَفْسَهُ، وَمَنْ زَكَّى عَصَمَ مَالَهُ، فَإِنْ لَمْ يُصَلِّ قُوتِلَ عَلَى تَرْكِ الصَّلَاةِ، وَمَنْ لَمْ يُزَكِّ أُخِذَتِ الزَّكَاةُ مِنْ مَالِهِ قَهْرًا، وَإِنْ نَصَبَ الْحَرْبَ لِذَلِكَ قُوتِلَ. وَهَذَا يُوَضِّحُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ سَمِعَ فِي الْحَدِيثِ: وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ لَمَا احْتَاجَ إِلَى هَذَا الِاسْتِنْبَاطِ، لَكِنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ سَمِعَهُ وَاسْتَظْهَرَ بِهَذَا الدَّلِيلِ النَّظَرِيِّ.

قَوْلُهُ: (وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا) تَقَدَّمَ ضَبْطُهَا فِي بَابِ أَخْذِ الْعَنَاقِ وَفِي الصَّدَقَةِ مِنْ كِتَابِ الزَّكَاةِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ قُتَيْبَةَ، عَنِ اللَّيْثِ عِنْدَ مُسْلِمٍ عِقَالًا، وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ الِاعْتِصَامِ عَنْ قُتَيْبَةَ فَكَنَّى بِهَذِهِ اللَّفْظَةِ فَقَالَ: لَوْ مَنَعُونِي كَذَا، وَاخْتُلِفَ فِي هَذِهِ اللَّفْظَةِ، فَقَالَ قَوْمٌ: هِيَ وَهْمٌ، وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ الْبُخَارِيُّ بِقَوْلِهِ فِي الِاعْتِصَامِ عَقِبَ إِيرَادِهِ: قَالَ لِي ابْنُ بُكَيْرٍ يَعْنِي شَيْخَهُ فِيهِ هُنَا، وَعَبْدُ اللَّهِ يَعْنِي ابْنَ صَالِحٍ، عَنِ اللَّيْثِ: عَنَاقًا وَهُوَ أَصَحُّ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ ذَكَرَهَا أَبُو عُبَيْدَةَ: لَوْ مَنَعُونِي جَدْيًا أَذْوَطَ، وَهُوَ يُؤَيِّدُ أَنَّ الرِّوَايَةَ عَنَاقًا وَالْأَذْوَطُ الصَّغِيرُ الْفَكِّ وَالذَّقَنِ.

قَالَ عِيَاضٌ: وَاحْتَجَّ بِذَلِكَ مَنْ يُجِيزُ أَخْذَ الْعَنَاقِ فِي زَكَاةِ الْغَنَمِ إِذَا كَانَتْ كُلُّهَا سِخَالًا وَهُوَ أَحَدُ الْأَقْوَالِ، وَقِيلَ: إِنَّمَا ذَكَرَ الْعَنَاقَ مُبَالَغَةً فِي التَّقْلِيلِ لَا الْعَنَاقَ نَفْسَهَا، قُلْتُ: وَالْعَنَاقُ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالنُّونِ الْأُنْثَى مِنْ وَلَدِ الْمَعْزِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: الْمُرَادُ أَنَّهَا كَانَتْ صِغَارًا فَمَاتَتْ أُمَّهَاتُهَا فِي بَعْضِ الْحَوْلِ فَيُزَكَّيْنَ بِحَوْلِ الْأُمَّهَاتِ وَلَوْ لَمْ يَبْقَ مِنَ الْأُمَّهَاتِ شَيْءٌ عَلَى الصَّحِيحِ، وَيُتَصَوَّرُ فِيمَا إِذَا مَاتَتْ مُعْظَمُ الْكِبَارِ وَحَدَثَتِ الصِّغَارُ فَحَالَ الْحَوْلُ عَلَى الْكِبَارِ عَلَى بَقِيَّتِهَا وَعَلَى الصِّغَارِ.

وَقَالَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ: الْعَنَاقُ وَالْجَذَعَةُ تُجْزِئُ فِي زَكَاةِ الْإِبِلِ الْقَلِيلَةِ الَّتِي تُزَكَّى بِالْغَنَمِ، وَفِي الْغَنَمِ أَيْضًا إِذَا كَانَتْ جَذَعَةً، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ فِي حَدِيثِ أَبِي بُرْدَةَ فِي الْأُضْحِيَّةِ: فَإِنَّ عِنْدِي عَنَاقًا جَذَعَةً، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِي ذَلِكَ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ.

وَقَالَ قَوْمٌ: الرِّوَايَةُ مَحْفُوظَةٌ وَلَهَا مَعْنًى مُتَّجَهٌ. وَجَرَى النَّوَوِيُّ عَلَى طَرِيقَتِهِ فَقَالَ: هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ قَالَهَا مَرَّتَيْنِ؛ مَرَّةً عَنَاقًا وَمَرَّةً عِقَالًا.

قُلْتُ: وَهُوَ بَعِيدٌ مَعَ اتِّحَادِ الْمَخْرَجِ وَالْقِصَّةِ، وَقِيلَ: الْعِقَالُ يُطْلَقُ عَلَى صَدَقَةِ عَامٍ، يُقَالُ: أُخِذَ مِنْهُ عِقَالُ هَذَا الْعَامِ يَعْنِي صَدَقَتَهُ، حَكَاهُ الْمَازِرِيُّ، عَنِ الْكِسَائِيِّ وَاسْتَشْهَدَ بِقَوْلِ الشَّاعِرِ:

سَعَى عِقَالًا فَلَمْ يَتْرُكْ لَنَا سَنَدًا … فَكَيْفَ لَوْ قَدْ سَعَى عَمْرٌو عِقَالَيْنِ

وَعَمْرٌو الْمُشَارُ إِلَيْهِ هُوَ ابْنُ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، وَكَانَ عَمُّهُ مُعَاوِيَةُ يَبْعَثُهُ سَاعِيًا عَلَى الصَّدَقَاتِ فَقِيلَ، فِيهِ ذَلِكَ. وَنَقَلَ عِيَاضٌ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ أَنَّهُ الْفَرِيضَةُ مِنَ الْإِبِلِ، وَنَحْوُهُ عَنْ النَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ، وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الضَّرِيرِ: الْعِقَالُ مَا يُؤْخَذُ فِي الزَّكَاةِ مِنْ أَنْعَامٍ وَثِمَارٍ؛ لِأَنَّهُ عَقْلٌ عَنْ مَالِكِهَا.

وَقَالَ الْمُبَرِّدُ: الْعِقَالُ مَا أَخَذَهُ الْعَامِلُ مِنْ صَدَقَةٍ بِعَيْنِهَا فَإِنْ تَعَوَّضَ عَنْ شَيْءٍ مِنْهَا قِيلَ أَخَذَ نَقْدًا، وَعَلَى هَذَا فَلَا إِشْكَالَ فِيهِ، وَذَهَبَ الْأَكْثَرُ إِلَى حَمْلِ الْعِقَالِ عَلَى حَقِيقَتِهِ وَأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْحَبْلُ الَّذِي يُعْقَلُ بِهِ الْبَعِيرُ، نَقَلَهُ عِيَاضٌ، عَنِ الْوَاقِدِيِّ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَبِي ذِئْبٍ قَالَا الْعِقَالُ: عِقَالُ النَّاقَةِ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: الْعِقَالُ اسْمٌ لِمَا يُعْقَلُ بِهِ الْبَعِيرُ، وَقَدْ بَعَثَ النَّبِيُّ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ عَلَى الصَّدَقَةِ فَكَانَ يَأْخُذُ مَعَ كُلِّ فَرِيضَةٍ عِقَالًا.

وَقَالَ النَّوَوِيُّ: ذَهَبَ إِلَى هَذَا كَثِيرٌ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ، وَقَالَ ابْنُ التَّيْمِيِّ فِي التَّحْرِيرِ: قَوْلُ مَنْ فَسَّرَ الْعِقَالَ بِفَرِيضَةِ الْعَامِ تَعَسُّفٌ، وَهُوَ نَحْوُ تَأْوِيلِ مَنْ حَمَلَ الْبَيْضَةَ وَالْحَبْلَ فِي حَدِيثِ لَعْنِ السَّارِقِ عَلَى بَيْضَةِ الْحَدِيدِ وَحَبْلِ السَّفِينَةِ.

قُلْتُ: وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي بَابِ حَدِّ السَّرِقَةِ إِلَى أَنْ قَالَ: وَكُلُّ مَا كَانَ فِي هَذَا السِّيَاقِ أَحْقَرَ كَانَ أَبْلَغَ قَالَ: وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعِقَالِ مَا يُعْقَلُ بِهِ الْبَعِيرُ، قَالَ: وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْمُبَالَغَةُ قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى عَنَاقًا وَفِي الْأُخْرَى جَدْيًا قَالَ: فَعَلَى هَذَا فَالْمُرَادُ بِالْعِقَالِ قَدْرُ قِيمَتِهِ، قَالَ الثَّوْرِيُّ: وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي

لَا يَنْبَغِي غَيْرُهُ.

وَقَالَ عِيَاضٌ: احْتَجَّ بِهِ بَعْضُهُمْ عَلَى جَوَازِ أَخْذِ الزَّكَاةِ فِي عُرُوضِ التِّجَارَةِ، وَفِيهِ بُعْدٌ، وَالرَّاجِحُ أَنَّ الْعِقَالَ لَا يُؤْخَذُ فِي الزَّكَاةِ لِوُجُوبِهِ بِعَيْنِهِ وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ تَبَعًا لِلْفَرِيضَةِ الَّتِي تُعْقَلُ بِهِ، أَوْ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ مُبَالَغَةً عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ لَوْ كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إِلَى النَّبِيِّ ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: يَصِحُّ قَدْرُ قِيمَةِ الْعِقَالِ فِي زَكَاةِ النَّقْدِ وَفِي الْمَعْدِنِ وَالرِّكَازِ وَالْمُعَشَّرَاتِ وَزَكَاةِ الْفِطْرِ، وَفِيمَا لَوْ وَجَبَتْ سِنٌّ فَأَخَذَ السَّاعِي دُونَهُ، وَفِيمَا إِذَا كَانَتِ الْغَنَمُ سِخَالًا فَمَنَعَ وَاحِدَةً وَقِيمَتُهَا عِقَالٌ. قَالَ: وَقَدْ رَأَيْتُ كَثِيرًا مِمَّنْ يَتَعَانَى الْفِقْهَ يَظُنُّ أَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ وَإِنَّمَا هُوَ لِلْمُبَالَغَةِ، وَهُوَ غَلَطٌ مِنْهُ.

وَقَدْ قَالَ الْخَطَّابِيُّ: حَمَلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى زَكَاةِ الْعِقَالِ إِذَا كَانَ مِنْ عُرُوضِ التِّجَارَةِ، وَعَلَى الْحَبْلِ نَفْسِهِ عِنْدَ مَنْ يُجِيزُ أَخْذَ الْقِيَمِ، وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلٌ إِنَّهُ يَتَخَيَّرُ بَيْنَ الْعَرَضِ وَالنَّقْدِ، قَالَ: وَأَظْهَرُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ قَوْلُ مَنْ قَالَ إِنَّهُ يَجِبُ أَخْذُ الْعِقَالِ مَعَ الْفَرِيضَةِ كَمَا جَاءَ عَنْ عَائِشَةَ: كَانَ مِنْ عَادَةِ الْمُتَصَدِّقِ أَنْ يَعْمِدَ إِلَى قَرَنٍ - بِفَتْحِ الْقَافِ وَالرَّاءِ وَهُوَ الْحَبْلُ - فَيَقْرُنُ بِهِ بَيْنَ بَعِيرَيْنِ لِئَلَّا تَشْرُدَ الْإِبِلُ، وَهَكَذَا جَاءَ عَنِ الزُّهْرِيِّ.

وَقَالَ غَيْرُهُ فِي قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ: لَوْ مَنَعُونِي عِقَالًا كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ غَنِيَّةً عَنْ حَمْلِهِ عَلَى الْمُبَالَغَةِ.

وَحَاصِلُهُ أَنَّهُمْ مَتَى مَنَعُوا شَيْئًا كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَلَوْ قَلَّ فَقَدْ مَنَعُوا شَيْئًا وَاجِبًا؛ إِذْ لَا فَرْقَ فِي مَنْعِ الْوَاجِبِ وَجَحْدِهِ بَيْنَ الْقَلِيلِ الْكَثِيرِ، قَالَ: وَهَذَا يَعْنِي عَنْ جَمِيعِ التَّقَادِيرِ وَالتَّأْوِيلَاتِ الَّتِي لَا يَسْبِقُ الْفَهْمُ إِلَيْهَا، وَلَا يُظَنُّ بِالصِّدِّيقِ أَنَّهُ يَقْصِدُ إِلَى مِثْلِهَا.

قُلْتُ: الْحَامِلُ لِمَنْ حَمَلَهُ عَلَى الْمُبَالَغَةِ أَنَّ الَّذِي تَمَثَّلَ بِهِ فِي هَذَا الْمَقَامِ لَابُدَّ وَأَنْ يَكُونَ مِنْ جِنْسِ مَا يَدْخُلُ فِي الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ، فَلِذَلِكَ حَمَلُوهُ عَلَى الْمُبَالَغَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (فَوَاللَّهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ رَأَيْتُ أَنَّ اللَّهَ قَدْ شَرَحَ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ لِلْقِتَالِ فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَقُّ) أَيْ ظَهَرَ لَهُ مِنْ صِحَّةِ احْتِجَاجِهِ لَا أَنَّهُ قَلَّدَهُ فِي ذَلِكَ: وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ غَيْرُ مَا تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ: الِاجْتِهَادُ فِي النَّوَازِلِ، وَرَدُّهَا إِلَى الْأُصُولِ، وَالْمُنَاظَرَةُ عَلَى ذَلِكَ وَالرُّجُوعُ إِلَى الرَّاجِحِ، وَالْأَدَبُ فِي الْمُنَاظَرَةِ بِتَرْكِ التَّصْرِيحِ بِالتَّخْطِئَةِ وَالْعُدُولُ إِلَى التَّلَطُّفِ، وَالْأَخْذُ فِي إِقَامَةِ الْحُجَّةِ إِلَى أَنْ يَظْهَرَ لِلْمَنَاظِرِ، فَلَوْ عَانَدَ بَعْدَ ظُهُورِهَا فَحِينَئِذٍ يَسْتَحِقُّ الْإِغْلَاظَ بِحَسَبِ حَالِهِ.

وَفِيهِ الْحَلِفُ عَلَى الشَّيْءِ لِتَأْكِيدِهِ.

وَفِيهِ مَنْعُ قَتْلِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَلَوْ لَمْ يَزِدْ عَلَيْهَا، وَهُوَ كَذَلِكَ لَكِنْ هَلْ يَصِيرُ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ مُسْلِمًا؟ الرَّاجِحُ لَا، بَلْ يَجِبُ الْكَفُّ عَنْ قَتْلِهِ حَتَّى يُخْتَبَرَ، فَإِنْ شَهِدَ بِالرِّسَالَةِ وَالْتَزَمَ أَحْكَامَ الْإِسْلَامِ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ، وَإِلَى ذَلِكَ الْإِشَارَةُ بِالِاسْتِثْنَاءِ بِهِ بِقَوْلِهِ: إِلَّا بِحَقِّ الْإِسْلَامِ.

قَالَ الْبَغَوِيُّ: الْكَافِرُ إِذَا كَانَ وَثَنِيًّا أَوْ ثَنَوِيًّا لَا يُقِرُّ بِالْوَحْدَانِيَّةِ، فَإِذَا قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ ثُمَّ يُجْبَرُ عَلَى قَبُولِ جَمِيعِ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ وَيَبْرَأُ مِنْ كُلِّ دِينٍ خَالَفَ دِينَ الْإِسْلَامِ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ مُقِرًّا بِالْوَحْدَانِيَّةِ مُنْكِرًا لِلنُّبُوَّةِ فَإِنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ حَتَّى يَقُولَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، فَإِنْ كَانَ يَعْتَقِدُ أَنَّ الرِّسَالَةَ الْمُحَمَّدِيَّةَ إِلَى الْعَرَبِ خَاصَّةً فَلَابُدَّ أَنْ يَقُولَ إِلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ، فَإِنْ كَانَ كَفَرَ بِجُحُودِ وَاجِبٍ أَوِ اسْتِبَاحَةِ مُحَرَّمٍ فَيَحْتَاجُ أَنْ يَرْجِعَ عَمَّا اعْتَقَدَهُ.

وَمُقْتَضَى قَوْلِهِ: يُجْبَرُ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَلْتَزِمْ تَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْمُرْتَدِّ، وَبِهِ صَرَّحَ الْقَفَّالُ وَاسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ الْبَابِ فَادَّعَى أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِي خَبَرٍ مِنَ الْأَخْبَارِ: أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ أَوْ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، كَذَا قَالَ وَهِيَ غَفْلَةٌ عَظِيمَةٌ، فَالْحَدِيثُ فِي صَحِيحَيِ الْبُخَارِيِّ، وَمُسْلِمٍ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ بِلَفْظِ: حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ هُنَا التَّلَفُّظَ بِالشَّهَادَتَيْنِ لِكَوْنِهَا سَارَتْ عَلَمًا عَلَى ذَلِكَ، وَيُؤَيِّدُهُ وُرُودُهُمَا صَرِيحًا فِي الطُّرُقِ الْأُخْرَى، وَاسْتُدِلَّ بِهَا عَلَى أَنَّ الزَّكَاةَ لَا تَسْقُطُ عَنِ الْمُرْتَدِّ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْمُرْتَدَّ كَافِرٌ وَالْكَافِرَ لَا يُطَالَبُ بِالزَّكَاةِ وَإِنَّمَا يُطَالَبُ بِالْإِيمَانِ، وَلَيْسَ فِي فِعْلِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

و (١) يوكلُ إليها، ولا يُعان عليها، فينجرُّ إلى تضييعِ الحقوقِ لعجزه، وفيه إكرامُ الضَّيف وغير ذلك ممَّا يظهر بالتَّأمُّل.

والحديث سبقَ مختصرًا ومطوَّلًا في «الإجارة» [خ¦٢٢٦١] ويجيء إن شاء الله تعالى في الأحكام [خ¦٧١٤٩] [خ¦٧١٥٧] بعون الله وقوَّته.

(٣) (باب قَتْلِ مَنْ أَبَى قَبُولَ الفَرَائِضِ) أي: امتنعَ من التزامِ الأحكام الواجبة والعمل بها (وَمَا) مصدريَّة (نُسِبُوا) بضم النون وكسر السين، ونسبتهم (إِلَى الرِّدَّةِ) وقال الكِرْمانيُّ وتبعه البَرْماويُّ: «ما» نافيةٌ.

وقال العينيُّ: الأظهرُ أنَّها موصولةٌ، والتَّقدير: وقتل الَّذين نسبُوا إلى الرِّدَّة.

٦٩٢٤ - ٦٩٢٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) هو: يحيى بنُ عبد الله بن بُكَير -بضم الموحدة وفتح الكاف- المخزوميُّ مَولاهم المصريُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ عُقَيْلٍ) بضم العين وفتح القاف، ابن خالدِ بن عَقيل -بفتح العين- الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ أنَّه قال: (أَخْبَرَنِي (٢)) بالإفراد (عُبَيْدُ اللهِ) بضم العين (بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ) بن مسعودٍ (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) (قَالَ: لَمَّا تُوُفِي النَّبِيُّ) ولأبي ذرٍّ: «نبيُّ الله» ( وَاسْتُخْلِفَ) بضم الفوقية مبنيًّا للمفعول (أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق (وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنَ العَرَبِ) وفي حديث أنسٍ عند

ابن خُزيمة: لمَّا توفِّي رسولُ الله ارتدَّ عامَّةُ العرب.

قال في «شرح المشكاة»: يريد غطفانَ وفَزَارة، وبني سَليم وبني يَرْبوع وبعض بني تميم وغيرهم، فمنعوا الزَّكاة فأراد أبو بكرٍ أن يُقاتلهم (قَالَ عُمَرُ) بن الخطاب : (يَا أَبَا بَكْرٍ كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ؟ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ) ولأبي ذرٍّ: «النَّبيُّ» (: أُمِرْتُ) بضم الهمزة وكسر الميم (أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) وفي رواية العلاء بن عبد الرَّحمن -عند مسلم-: حتَّى يشهدوا أنْ لا إله إلا الله، ويؤمنوا بي وبما جئتُ به (فَمَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، عَصَمَ) ولأبي ذرٍّ: «فقد عصَمَ» (مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ) فلا يجوزُ هدرُ دمهِ، واستباحةُ ماله بسببٍ من الأسبابِ (إِلَّا بِحَقِّهِ) إلَّا بحقِّ الإسلام من قتلِ نفسٍ محرَّمةِ، أو تركِ صلاةٍ، أو منع زكاةٍ بتأويلٍ باطلٍ (وَحِسَابُهُ عَلَى اللهِ) فتتركُ مقاتلته، ولا يفتَّشُ باطنه هل هو مخلِصٌ أم لا؟ فإنَّ ذلك إلى اللهِ وحسابهُ عليه.

(قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَاللهِ لأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ) بتشديد الراء وتخفَّف (بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ) بأن أقرَّ بالصَّلاة وأنكر الزَّكاة جاحدًا، أو مانعًا مع الاعتراف، وإنَّما أطلقَ في أوَّل الحديثِ الكفر ليشمل الصِّنفين، وإنَّما قاتلهم الصِّدِّيق ولم يعذرْهم بالجهلِ؛ لأنَّهم نصبوا القتالَ، فجهَّز إليهم من دَعاهم إلى الرُّجوع، فلمَّا أصرُّوا قاتلهم.

وقال المازريُّ: ظاهر السِّياق أنَّ عُمر كان موافقًا على قتالِ من جحد الصَّلاة فألزمه الصِّدِّيق بمثله في الزَّكاة لورودِهما في الكتابِ والحديث موردًا واحدًا، ثمَّ استدلَّ أبو بكر لمنع التَّفرقة الَّتي ذكرها بقولهِ: (فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ المَالِ) كما أنَّ الصَّلاة حقُّ النَّفس، فمَن صلَّى عصمَ نفسه، ومن زكَّى عصمَ مالهُ.

قال الطِّيبيُّ: هذا الردُّ يدلُّ على أنَّ عمر حمل الحقَّ في قولهِ: «عصَمَ منِّي مالَهُ ونفسَهُ إلَّا بحقِّه» على غير الزَّكاة، وإلَّا لم يستقمْ (١) استشهادُه بالحديث على منعِ المقاتلة، ولا ردّ أبي بكر بقولهِ: فإنَّ الزَّكاة حقُّ المال.

(وَاللهِ لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا) بفتح العين، الأنثى من ولدِ المعزِ، وفي رواية ذكرها أبو عُبيد: لو منعوني جديًا أذوط. وهو الصَّغير الفكِّ والذَّقَن، وهو يؤيِّد أنَّ الرِّواية: «عناقًا» فرواية:

«عقالًا» المرويَّة في مسلم وهمٌ كما قال (١) بعضُهم. قيل: وإنَّما ذكر العَناقَ مبالغة في التَّقليل لا العَناق نفسها، لكن قال النَّوويُّ: إنَّها كانت صغارًا فماتتْ أمَّهاتها في بعضِ الحول، فتزكَّى بحولِ أمّهاتها، ولو لم يبق من الأمَّهات شيءٌ على الصَّحيح، ويتصوّر (٢) فيما إذا مات معظمُ الكبارِ وحدثَ صغارٌ، فحالَ الحولُ في الكبار على بقيَّتها وعلى الصِّغار (كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إِلَى رَسُولِ اللهِ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهَا (٣). قَالَ عُمَرُ) : (فَوَاللهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ رَأَيْتُ أَنْ قَدْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ لِلْقِتَالِ فَعَرَفْتُ) من صحَّة احتجاجه (أَنَّهُ الحَقُّ) لا أنَّه قلَّده في ذلك؛ لأنَّ المجتهد لا يقلِّد مجتهدًا، والمستثنى منه في قولهِ: «ما هو إلَّا أنْ رأيت» غير مذكورٍ، أي: ليس الأمر شيئًا إلَّا علمي بأنَّ أبا بكر مُحقٌّ، وهو نحو قولهِ تعالى: ﴿مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ [الجاثية: ٢٤] «هي» ضميرٌ مبهم يفسِّره ما بعده.

والحديث سبق في «الزَّكاة» [خ¦١٤٠٠].

(٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه (إِذَا عَرَّضَ الذِّمِّيُّ) اليهوديُّ أو النَّصرانيُّ (وَغَيْرُهُ) أي: غير الذِّميِّ كالمعاهد ومن يُظهر إسلامه، و «عرَّض» -بتشديد الراء-، أي: كنَّى ولم يُصرِّح (بِسَبِّ النَّبِيِّ ) أي: بتنقيصِهِ (وَلَمْ يُصَرِّحْ) بذلك وهو تأكيدٌ؛ إذ التَّعريضُ خلاف التَّصريح (نَحْوَ قولهِ: السَّامُ عَلَيْكَ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «عليكم» بالجمعِ. واعتُرضَ بأنَّ هذا اللَّفظ ليس فيه تعريضٌ بالسَّبِّ، فلا مُطابقة بينه وبين التَّرجمةِ.

وأُجيب بأنَّه أَطلق التَّعريض على ما يُخالفُ التَّصريح ولم يردِ التَّعريض المصطلح، وهو أن يستعمل اللَّفظ في حقيقتهِ يُلوِّح به إلى مَعنًى آخر يقصدُه (٤).

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَإِحْرَاقِ الْمَيِّتِ بِالنَّارِ مُبَالَغَةً فِي إِهَانَتِهِ وَتَرْهِيبًا عَنِ الِاقْتِدَاءِ بِهِ.

وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى، وَيَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَدِمَ عَلَى مُعَاذٍ فَذَكَرَ قِصَّةَ الْيَهُودِيِّ وَفِيهِ: فَقَالَ: لَا أَنْزِلُ عَنْ دَابَّتِي حَتَّى يُقْتَلَ فَقُتِلَ. قَالَ أَحَدُهُمَا: وَكَانَ قَدِ اسْتُتِيبَ قَبْلَ ذَلِكَ.

وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ: أُتِيَ أَبُو مُوسَى بِرَجُلٍ قَدِ ارْتَدَّ عَنِ الْإِسْلَامِ فَدَعَاهُ فَأَبَى عِشْرِينَ لَيْلَةً أَوْ قَرِيبًا مِنْهَا، وَجَاءَ مُعَاذٌ فَدَعَاهُ فَأَبَى فَضَرَبَ عُنُقَهُ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ فَلَمْ يَذْكُرِ الِاسْتِتَابَةَ، وَكَذَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ، وَقَالَ الْمَسْعُودِيُّ، عَنِ الْقَاسِمِ يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ: فَلَمْ يَنْزِلْ حَتَّى ضَرَبَ عُنُقَهُ وَمَا اسْتَتَابَهُ. وَهَذَا يُعَارِضُهُ الرِّوَايَةُ الْمُثْبِتَةُ لِأَنَّ مُعَاذًا اسْتَتَابَهُ، وَهِيَ أَقْوَى مِنْ هَذِهِ، وَالرِّوَايَاتُ السَّاكِتَةُ عَنْهَا لَا تُعَارِضُهَا، وَعَلَى تَقْدِيرِ تَرْجِيحِ رِوَايَةِ الْمَسْعُودِيِّ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِمَنْ قَالَ: يُقْتَلُ الْمُرْتَدُّ بِلَا اسْتِتَابَةٍ؛ لِأَنَّ مُعَاذًا يَكُونُ اكْتَفَى بِمَا تَقَدَّمَ مِنِ اسْتِتَابَةِ أَبِي مُوسَى، وَقَدْ ذَكَرْتُ قَرِيبًا أَنَّ مُعَاذًا رَوَى الْأَمْرَ بِاسْتِتَابَةِ الْمُرْتَدِّ وَالْمُرْتَدَّةِ.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ تَذَاكَرَا قِيَامَ اللَّيْلِ) فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ: فَقَالَ كَيْفَ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ أَيْ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ أَحَدُهُمَا) هُوَ مُعَاذٌ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ: فَقَالَ أَبُو مُوسَى أَقْرَؤُهُ قَائِمًا وَقَاعِدًا وَعَلَى رَاحِلَتِي وَأَتَفَوَّقُهُ بِفَاءٍ وَقَافٍ بَيْنَهُمَا وَاوٌ ثَقِيلَةٌ، أَيْ: أُلَازِمُ قِرَاءَتَهُ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ، وَفِي أُخْرَى: فَقَالَ أبو مُوسَى كَيْفَ تَقْرَأُ أَنْتَ يَا مُعَاذُ؟ قَالَ: أَنَامُ أَوَّلَ اللَّيْلِ فَأَقُومُ وَقَدْ قَضَيْتُ حَاجَتِي فَأَقْرَأُ مَا كَتَبَ اللَّهُ لِي.

قَوْلُهُ: (وَأَرْجُو فِي نَوْمَتِي مَا أَرْجُو فِي قَوْمَتِي) فِي رِوَايَةِ سَعِيدٍ: وَأَحْتَسِبُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي الْمَغَازِي، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ يَرْجُو الْأَجْرَ فِي تَرْوِيحِ نَفْسِهِ بِالنَّوْمِ لِيَكُونَ أَنْشَطَ عِنْدَ الْقِيَامِ.

وَفِي الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ غَيْرُ م اتَقَدَّمَ: تَوْلِيَةُ أَمِيرَيْنِ عَلَى الْبَلَدِ الْوَاحِدِ، وَقِسْمَةُ الْبَلَدِ بَيْنَ أَمِيرَيْنِ، وَفِيهِ كَرَاهَةُ سُؤَالِ الْإِمَارَةِ وَالْحِرْصِ عَلَيْهَا وَمَنْعُ الْحَرِيصِ مِنْهَا كَمَا سَيَأْتِي بَسْطُهُ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ، وَفِيهِ تَزَاوُرُ الْإِخْوَانِ وَالْأُمَرَاءِ وَالْعُلَمَاءِ، وَإِكْرَامُ الضَّيْفِ، وَالْمُبَادَرَةُ إِلَى إِنْكَارِ الْمُنْكَرِ، وَإِقَامَةُ الْحَدِّ عَلَى مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ، وَأَنَّ الْمُبَاحَاتِ يُؤْجَرُ عَلَيْهَا بِالنِّيَّةِ إِذَا صَارَتْ وَسَائِلَ لِلْمَقَاصِدِ الْوَاجِبَةِ أَوِ الْمَنْدُوبَةِ أَوْ تَكْمِيلًا لِشَيْءٍ مِنْهُمَا.

٣ - بَابُ قَتْلِ مَنْ أَبَى قَبُولَ الْفَرَائِضِ وَمَا نُسِبُوا إِلَى الرِّدَّةِ

٦٩٢٤ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ النَّبِيُّ وَاسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنْ الْعَرَبِ. قَالَ عُمَرُ: يَا أَبَا بَكْرٍ، كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَمَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ إِلَّا بِحَقِّهِ وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ.

٦٩٢٥ - قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَاللَّهِ لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ، وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهَا. قَالَ عُمَرُ: فَوَاللَّهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ رَأَيْتُ أَنْ قَدْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ لِلْقِتَالِ، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَقُّ.

قَوْلُهُ: (بَابُ قَتْلِ مَنْ أَبَى قَبُولَ الْفَرَائِضِ) أَيْ جَوَازُ قَتْلِ مَنِ امْتَنَعَ مِنِ الْتِزَامِ الْأَحْكَامِ الْوَاجِبَةِ وَالْعَمَلِ بِهَا،

قَالَ الْمُهَلَّبُ: مَنِ امْتَنَعَ مِنْ قَبُولِ الْفَرَائِضِ نُظِرَ فَإِنْ أَقَرَّ بِوُجُوبِ الزَّكَاةِ مَثَلًا أُخِذَتْ مِنْهُ قَهْرًا وَلَا يُقْتَلُ، فَإِنْ أَضَافَ إِلَى امْتِنَاعِهِ نَصْبَ الْقِتَالِ قُوتِلَ إِلَى أَنْ يَرْجِعَ، قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ: الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِيمَنْ مَنَعَ فَرِيضَةً مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ تَعَالَى فَلَمْ يَسْتَطِعِ الْمُسْلِمُونَ أَخْذَهَا مِنْهُ كَانَ حَقًّا عَلَيْهِمْ جِهَادُهُ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: مُرَادُهُ إِذَا أَقَرَّ بِوُجُوبِهَا لَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (وَمَا نُسِبُوا إِلَى الرِّدَّةِ) أَيْ أُطْلِقَ عَلَيْهِمُ اسْمُ الْمُرْتَدِّينَ، قَالَ الْكِرْمَانِيُّ مَا فِي قَوْلِهِ: وَمَا نُسِبُوا نَافِيَةٌ كَذَا قَالَ، وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّهَا مَصْدَرِيَّةٌ أَيْ وَنِسْبَتُهُمْ إِلَى الرِّدَّةِ وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ الَّذِي أَوْرَدَهُ كَمَا سَأُبَيِّنُهُ، قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ: كَانَ أَهْلُ الرِّدَّةِ ثَلَاثَةَ أَصْنَافٍ: صِنْفٌ عَادُوا إِلَى عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ وَصِنْفٌ تَبِعُوا مُسَيْلِمَةَ، وَالْأَسْوَدَ الْعَنْسِيَّ وَكَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا ادَّعَى النُّبُوَّةَ قَبْلَ مَوْتِ النَّبِيِّ فَصَدَّقَ مُسَيْلِمَةَ أَهْلُ الْيَمَامَةِ وَجَمَاعَةٌ غَيْرُهُمْ وَصَدَّقَ الْأَسْوَدَ أَهْلُ صَنْعَاءَ وَجَمَاعَةٌ غَيْرُهُمْ، فَقُتِلَ الْأَسْوَدُ قَبْلَ مَوْتِ النَّبِيِّ بِقَلِيلٍ وَبَقِيَ بَعْضُ مَنْ آمَنَ بِهِ فَقَاتَلَهُمْ عُمَّالُ النَّبِيِّ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ، وَأَمَّا مُسَيْلِمَةُ فَجَهَّزَ إِلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ الْجَيْشَ وَعَلَيْهِمْ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فَقَتَلُوهُ.

وَصِنْفٌ ثَالِثٌ اسْتَمَرُّوا عَلَى الْإِسْلَامِ لَكِنَّهُمْ جَحَدُوا الزَّكَاةَ وَتَأَوَّلُوا بِأَنَّهَا خَاصَّةٌ بِزَمَنِ النَّبِيِّ ، وَهُمُ الَّذِينَ نَاظَرَ عُمَرُ، أَبَا بَكْرٍ فِي قِتَالِهِمْ كَمَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ، وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ فِي الْمِلَلِ وَالنِّحَلِ: انْقَسَمَتِ الْعَرَبُ بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: طَائِفَةٌ بَقِيَتْ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ فِي حَيَاتِهِ وَهُمُ الْجُمْهُورُ، وَطَائِفَةٌ بَقِيَتْ عَلَى الْإِسْلَامِ أَيْضًا إِلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا نُقِيمُ الشَّرَائِعَ إِلَّا الزَّكَاةَ وَهُمْ كَثِيرٌ لَكِنَّهُمْ قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الطَّائِفَةِ الْأُولَى، وَالثَّالِثَةُ أَعْلَنَتْ بِالْكُفْرِ وَالرِّدَّةِ كَأَصْحَابِ طُلَيْحَةَ وَسَجَاحٍ وَهُمْ قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ قَبْلَهُمْ، إِلَّا أَنَّهُ كَانَ فِي كُلِّ قَبِيلَةٍ مَنْ يُقَاوِمُ مَنِ ارْتَدَّ، وَطَائِفَةٌ تَوَقَّفَتْ فَلَمْ تُطِعْ أَحَدًا مِنَ الطَّوَائِفِ الثَّلَاثَةِ وَتَرَبَّصُوا لِمَنْ تَكُونُ الْغَلَبَةُ فَأَخْرَجَ أَبُو بَكْرٍ إِلَيْهِمُ الْبُعُوثَ وَكَانَ فَيْرُوزٌ وَمَنْ مَعَهُ غَلَبُوا عَلَى بِلَادِ الْأَسْوَدِ وَقَتَلُوهُ وَقُتِلَ مُسَيْلِمَةُ بِالْيَمَامَةِ، وَعَادَ طُلَيْحَةُ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَكَذَا سَجَاحٌ، وَرَجَعَ غَالِبُ مَنْ كَانَ ارْتَدَّ إِلَى الْإِسْلَامِ فَلَمْ يَحُلِ الْحَوْلُ إِلَّا وَالْجَمِيعُ قَدْ رَاجَعُوا دِينَ الْإِسْلَامِ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.

قَوْلُهُ: (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَهَكَذَا رَوَاهُ الْأَكْثَرُ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا السَّنَدِ عَلَى أَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ عُمَرَ وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَقَالَ يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ الْحَدِيثَ، فَسَاقَهُ عَلَى أَنَّهُ مِنْ مُسْنَدِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَلَمْ يَذْكُرْ أَبَا بَكْرٍ وَلَا عُمَرَ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ سَمِعَ أَصْلَ الْحَدِيثِ مِنَ النَّبِيِّ وَحَضَرَ مُنَاظَرَةَ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ فَقَصَّهَا كَمَا هِيَ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ جَاءَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ بِلَا وَاسِطَةٍ مِنْ طُرُقٍ، فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ عَنْ أَبِيهِ.

وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي صَالِحٍ ذَكْوَانُ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْعَنْبَسِ سَعِيدِ بْنِ كَثِيرِ بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ أَبِيهِ، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، وَرَوَاهُ مَالِكٌ خَارِجَ الْمُوَطَّإِ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، وَذَكَرَهُ ابْنُ مَنْدَهْ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ كُلُّهُمْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَرَوَاهُ عَنِ النَّبِيِّ أَيْضًا ابْنُ عُمَرَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَائِلِ الْكِتَابِ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ، وَجَابِرٌ، وَطَارِقٌ الْأَشْجَعِيُّ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ وَأَصْلُهُ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَائِلِ الصَّلَاةِ.

وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَنَسٍ، وَهُوَ عِنْدَ ابْنِ خُزَيْمَةَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْهُ لَكِنْ قَالَ: عَنْ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَأَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَجَرِيرٍ الْبَجَلِيِّ، وَفِي الْأَوْسَطِ مِنْ حَدِيثِ سَمُرَةَ، وَسَأَذْكُرُ مَا فِي رِوَايَاتِهِمْ مِنْ فَائِدَةٍ زَائِدَةٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (وَكَفَرَ مَنْ

كَفَرَ مِنَ الْعَرَبِ) فِي حَدِيثِ أَنَسٍ عِنْدَ ابْنِ خُزَيْمَةَ: لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ارْتَدَّ عَامَّةُ الْعَرَبِ.

قَوْلُهُ: (يَا أَبَا بَكْرٍ كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ) فِي حَدِيثِ أَنَسٍ: أَتُرِيدُ أَنْ تُقَاتِلَ الْعَرَبَ.

قَوْلُهُ: (أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) كَذَا سَاقَهُ الْأَكْثَرُ، وَفِي رِوَايَةِ طَارِقٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ: مَنْ وَحَّدَ اللَّهَ وَكَفَرَ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِهِ حَرُمَ دَمُهُ وَمَالُهُ.

وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِهِ كَرِوَايَةِ الْجُمْهُورِ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَنَحْوُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي الْعَنْبَسِ وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ، عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ: حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنْ يَسْتَقْبِلُوا قِبْلَتَنَا، وَيَأْكُلُوا ذَبِيحَتَنَا، وَيُصَلُّوا صَلَاتَنَا، وَفِي رِوَايَةِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَيُؤْمِنُوا بِي وَبِمَا جِئْتُ بِهِ.

قَالَ الْخَطَّابِيُّ: زَعَمَ الرَّوَافِضُ أَنَّ حَدِيثَ الْبَابِ مُتَنَاقِضٌ؛ لِأَنَّ فِي أَوَّلِهِ أَنَّهُمْ كَفَرُوا وَفِي آخِرِهِ أَنَّهُمْ ثَبَتُوا عَلَى الْإِسْلَامِ، إِلَّا أَنَّهُمْ مَنَعُوا الزَّكَاةَ، فَإِنْ كَانُوا مُسْلِمِينَ فَكَيْفَ اسْتَحَلَّ قِتَالَهُمْ وَسَبْيَ ذَرَارِيِّهِمْ، وَإِنْ كَانُوا كُفَّارًا فَكَيْفَ احْتَجَّ عَلَى عُمَرَ بِالتَّفْرِقَةِ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، فَإِنَّ فِي جَوَابِهِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّهُمْ كَانُوا مُقِرِّينَ بِالصَّلَاةِ.

قَالَ: وَالْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ أَنَّ الَّذِينَ نُسِبُوا إِلَى الرِّدَّةِ كَانُوا صِنْفَيْنِ، صِنْفٌ رَجَعُوا إِلَى عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ، وَصِنْفٌ مَنَعُوا الزَّكَاةَ وَتَأَوَّلُوا قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ فَزَعَمُوا أَنَّ دَفْعَ الزَّكَاةِ خَاصٌّ بِهِ لِأَنَّ غَيْرَهُ لَا يُطَهِّرُهُمْ وَلَا يُصَلِّي عَلَيْهِمْ فَكَيْفَ تَكُونُ صَلَاتُهُ سَكَنًا لَهُمْ، وَإِنَّمَا أَرَادَ عُمَرُ بِقَوْلِهِ: تُقَاتِلُ النَّاسَ الصِّنْفَ الثَّانِيَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَرَدَّدُ فِي جَوَازِ قَتْلِ الصِّنْفِ الْأَوَّلِ، كَمَا أَنَّهُ لَا يَتَرَدَّدُ فِي قِتَالِ غَيْرِهِمْ مِنْ عُبَّادِ الْأَوْثَانِ وَالنِّيرَانِ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى.

قَالَ: وَكَأَنَّهُ لَمْ يَسْتَحْضِرْ مِنَ الْحَدِيثِ إِلَّا الْقَدْرَ الَّذِي ذَكَرَهُ، وَقَدْ حَفِظَ غَيْرُهُ فِي الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَعًا، وَقَدْ رَوَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَعْقُوبَ بِلَفْظٍ يَعُمُّ جَمِيعَ الشَّرِيعَةِ حَيْثُ قَالَ فِيهَا: وَيُؤْمِنُوا بِي وَبِمَا جِئْتُ بِهِ فَإِنَّ مُقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ مَنْ جَحَدَ شَيْئًا مِمَّا جَاءَ بِهِ وَدُعِيَ إِلَيْهِ فَامْتَنَعَ وَنَصَبَ الْقِتَالَ أَنَّهُ يَجِبُ قِتَالُهُ وَقَتْلُهُ إِذَا أَصَرَّ، قَالَ: وَإِنَّمَا عَرَضَتِ الشُّبْهَةُ لِمَا دَخَلَهُ مِنَ الِاخْتِصَارِ، وَكَأَنَّ رَاوِيهِ لَمْ يَقْصِدْ سِيَاقَ الْحَدِيثِ عَلَى وَجْهِهِ وَإِنَّمَا أَرَادَ سِيَاقَ مُنَاظَرَةِ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ وَاعْتَمَدَ عَلَى مَعْرِفَةِ السَّامِعِينَ بِأَصْلِ الْحَدِيثِ، انْتَهَى مُلَخَّصًا.

قُلْتُ: وَفِي هَذَا الْجَوَابِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عِنْدَ عُمَرَ فِي الْحَدِيثِ حَتَّى يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ مَا اسْتَشْكَلَ قِتَالَهُمْ لِلتَّسْوِيَةِ فِي كَوْنِ غَايَةِ الْقِتَالِ تَرْكَ كُلٍّ مِنَ التَّلَفُّظِ بِالشَّهَادَتَيْنِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ.

قَالَ عِيَاضٌ: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ نَصٌّ فِي قِتَالِ مَنْ لَمْ يُصَلِّ وَلَمْ يُزَكِّ كَمَنْ لَمْ يُقِرَّ بِالشَّهَادَتَيْنِ، وَاحْتِجَاجِ عُمَرَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَجَوَابُ أَبِي بَكْرٍ دَلَّ عَلَى أَنَّهُمَا لَمْ يَسْمَعَا فِي الْحَدِيثِ الصَّلَاةَ وَالزَّكَاةَ؛ إِذْ لَوْ سَمِعَهُ عُمَرُ لَمْ يَحْتَجَّ عَلَى أَبِي بَكْرٍ، وَلَوْ سَمِعَهُ أَبُو بَكْرٍ لَرَدَّ بِهِ عَلَى عُمَرَ وَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى الِاحْتِجَاجِ بِعُمُومِ قَوْلِهِ: إِلَّا بِحَقِّهِ.

قُلْتُ: إِنْ كَانَ الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: بِحَقِّهِ لِلْإِسْلَامِ فَمَهْمَا ثَبَتَ أَنَّهُ مِنْ حَقِّ الْإِسْلَامِ تَنَاوَلَهُ، وَلِذَلِكَ اتَّفَقَ الصَّحَابَةُ عَلَى قِتَالِ مَنْ جَحَدَ الزَّكَاةَ.

قَوْلُهُ: (لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ) يَجُوزُ تَشْدِيدُ فَرَّقَ وَتَخْفِيفُهُ، وَالْمُرَادُ بِالْفَرْقِ مَنْ أَقَرَّ بِالصَّلَاةِ وَأَنْكَرَ الزَّكَاةَ جَاحِدًا أَوْ مَانِعًا مَعَ الِاعْتِرَافِ، وَإِنَّمَا أُطْلِقَ فِي أَوَّلِ الْقِصَّةِ الْكُفْرُ لِيَشْمَلَ الصِّنْفَيْنِ، فَهُوَ فِي حَقِّ مَنْ جَحَدَ حَقِيقَةً وَفِي حَقِّ الْآخَرِينَ مَجَازٌ تَغْلِيبًا، وَإِنَّمَا قَاتَلَهُمُ الصِّدِّيقُ وَلَمْ يَعْذِرْهُمْ بِالْجَهْلِ لِأَنَّهُمْ نَصَبُوا الْقِتَالَ فَجَهَّزَ إِلَيْهِمْ مَنْ دَعَاهُمْ إِلَى الرُّجُوعِ، فَلَمَّا أَصَرُّوا قَاتَلَهُمْ.

قَالَ الْمَازِرِيُّ: ظَاهِرُ السِّيَاقِ أَنَّ عُمَرَ كَانَ مُوَافِقًا عَلَى قِتَالِ مَنْ جَحَدَ الصَّلَاةَ فَأَلْزَمَهُ الصِّدِّيقُ بِمِثْلِهِ فِي الزَّكَاةِ لِوُرُودِهِمَا فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مَوْرِدًا وَاحِدًا.

قَوْلُهُ: (فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ) يُشِيرُ إِلَى دَلِيلِ مَنْعِ

التَّفْرِقَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا أَنَّ حَقَّ النَّفْسِ الصَّلَاةُ وَحَقَّ الْمَالِ الزَّكَاةُ، فَمَنْ صَلَّى عَصَمَ نَفْسَهُ، وَمَنْ زَكَّى عَصَمَ مَالَهُ، فَإِنْ لَمْ يُصَلِّ قُوتِلَ عَلَى تَرْكِ الصَّلَاةِ، وَمَنْ لَمْ يُزَكِّ أُخِذَتِ الزَّكَاةُ مِنْ مَالِهِ قَهْرًا، وَإِنْ نَصَبَ الْحَرْبَ لِذَلِكَ قُوتِلَ. وَهَذَا يُوَضِّحُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ سَمِعَ فِي الْحَدِيثِ: وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ لَمَا احْتَاجَ إِلَى هَذَا الِاسْتِنْبَاطِ، لَكِنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ سَمِعَهُ وَاسْتَظْهَرَ بِهَذَا الدَّلِيلِ النَّظَرِيِّ.

قَوْلُهُ: (وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا) تَقَدَّمَ ضَبْطُهَا فِي بَابِ أَخْذِ الْعَنَاقِ وَفِي الصَّدَقَةِ مِنْ كِتَابِ الزَّكَاةِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ قُتَيْبَةَ، عَنِ اللَّيْثِ عِنْدَ مُسْلِمٍ عِقَالًا، وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ الِاعْتِصَامِ عَنْ قُتَيْبَةَ فَكَنَّى بِهَذِهِ اللَّفْظَةِ فَقَالَ: لَوْ مَنَعُونِي كَذَا، وَاخْتُلِفَ فِي هَذِهِ اللَّفْظَةِ، فَقَالَ قَوْمٌ: هِيَ وَهْمٌ، وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ الْبُخَارِيُّ بِقَوْلِهِ فِي الِاعْتِصَامِ عَقِبَ إِيرَادِهِ: قَالَ لِي ابْنُ بُكَيْرٍ يَعْنِي شَيْخَهُ فِيهِ هُنَا، وَعَبْدُ اللَّهِ يَعْنِي ابْنَ صَالِحٍ، عَنِ اللَّيْثِ: عَنَاقًا وَهُوَ أَصَحُّ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ ذَكَرَهَا أَبُو عُبَيْدَةَ: لَوْ مَنَعُونِي جَدْيًا أَذْوَطَ، وَهُوَ يُؤَيِّدُ أَنَّ الرِّوَايَةَ عَنَاقًا وَالْأَذْوَطُ الصَّغِيرُ الْفَكِّ وَالذَّقَنِ.

قَالَ عِيَاضٌ: وَاحْتَجَّ بِذَلِكَ مَنْ يُجِيزُ أَخْذَ الْعَنَاقِ فِي زَكَاةِ الْغَنَمِ إِذَا كَانَتْ كُلُّهَا سِخَالًا وَهُوَ أَحَدُ الْأَقْوَالِ، وَقِيلَ: إِنَّمَا ذَكَرَ الْعَنَاقَ مُبَالَغَةً فِي التَّقْلِيلِ لَا الْعَنَاقَ نَفْسَهَا، قُلْتُ: وَالْعَنَاقُ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالنُّونِ الْأُنْثَى مِنْ وَلَدِ الْمَعْزِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: الْمُرَادُ أَنَّهَا كَانَتْ صِغَارًا فَمَاتَتْ أُمَّهَاتُهَا فِي بَعْضِ الْحَوْلِ فَيُزَكَّيْنَ بِحَوْلِ الْأُمَّهَاتِ وَلَوْ لَمْ يَبْقَ مِنَ الْأُمَّهَاتِ شَيْءٌ عَلَى الصَّحِيحِ، وَيُتَصَوَّرُ فِيمَا إِذَا مَاتَتْ مُعْظَمُ الْكِبَارِ وَحَدَثَتِ الصِّغَارُ فَحَالَ الْحَوْلُ عَلَى الْكِبَارِ عَلَى بَقِيَّتِهَا وَعَلَى الصِّغَارِ.

وَقَالَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ: الْعَنَاقُ وَالْجَذَعَةُ تُجْزِئُ فِي زَكَاةِ الْإِبِلِ الْقَلِيلَةِ الَّتِي تُزَكَّى بِالْغَنَمِ، وَفِي الْغَنَمِ أَيْضًا إِذَا كَانَتْ جَذَعَةً، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ فِي حَدِيثِ أَبِي بُرْدَةَ فِي الْأُضْحِيَّةِ: فَإِنَّ عِنْدِي عَنَاقًا جَذَعَةً، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِي ذَلِكَ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ.

وَقَالَ قَوْمٌ: الرِّوَايَةُ مَحْفُوظَةٌ وَلَهَا مَعْنًى مُتَّجَهٌ. وَجَرَى النَّوَوِيُّ عَلَى طَرِيقَتِهِ فَقَالَ: هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ قَالَهَا مَرَّتَيْنِ؛ مَرَّةً عَنَاقًا وَمَرَّةً عِقَالًا.

قُلْتُ: وَهُوَ بَعِيدٌ مَعَ اتِّحَادِ الْمَخْرَجِ وَالْقِصَّةِ، وَقِيلَ: الْعِقَالُ يُطْلَقُ عَلَى صَدَقَةِ عَامٍ، يُقَالُ: أُخِذَ مِنْهُ عِقَالُ هَذَا الْعَامِ يَعْنِي صَدَقَتَهُ، حَكَاهُ الْمَازِرِيُّ، عَنِ الْكِسَائِيِّ وَاسْتَشْهَدَ بِقَوْلِ الشَّاعِرِ:

سَعَى عِقَالًا فَلَمْ يَتْرُكْ لَنَا سَنَدًا … فَكَيْفَ لَوْ قَدْ سَعَى عَمْرٌو عِقَالَيْنِ

وَعَمْرٌو الْمُشَارُ إِلَيْهِ هُوَ ابْنُ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، وَكَانَ عَمُّهُ مُعَاوِيَةُ يَبْعَثُهُ سَاعِيًا عَلَى الصَّدَقَاتِ فَقِيلَ، فِيهِ ذَلِكَ. وَنَقَلَ عِيَاضٌ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ أَنَّهُ الْفَرِيضَةُ مِنَ الْإِبِلِ، وَنَحْوُهُ عَنْ النَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ، وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الضَّرِيرِ: الْعِقَالُ مَا يُؤْخَذُ فِي الزَّكَاةِ مِنْ أَنْعَامٍ وَثِمَارٍ؛ لِأَنَّهُ عَقْلٌ عَنْ مَالِكِهَا.

وَقَالَ الْمُبَرِّدُ: الْعِقَالُ مَا أَخَذَهُ الْعَامِلُ مِنْ صَدَقَةٍ بِعَيْنِهَا فَإِنْ تَعَوَّضَ عَنْ شَيْءٍ مِنْهَا قِيلَ أَخَذَ نَقْدًا، وَعَلَى هَذَا فَلَا إِشْكَالَ فِيهِ، وَذَهَبَ الْأَكْثَرُ إِلَى حَمْلِ الْعِقَالِ عَلَى حَقِيقَتِهِ وَأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْحَبْلُ الَّذِي يُعْقَلُ بِهِ الْبَعِيرُ، نَقَلَهُ عِيَاضٌ، عَنِ الْوَاقِدِيِّ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَبِي ذِئْبٍ قَالَا الْعِقَالُ: عِقَالُ النَّاقَةِ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: الْعِقَالُ اسْمٌ لِمَا يُعْقَلُ بِهِ الْبَعِيرُ، وَقَدْ بَعَثَ النَّبِيُّ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ عَلَى الصَّدَقَةِ فَكَانَ يَأْخُذُ مَعَ كُلِّ فَرِيضَةٍ عِقَالًا.

وَقَالَ النَّوَوِيُّ: ذَهَبَ إِلَى هَذَا كَثِيرٌ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ، وَقَالَ ابْنُ التَّيْمِيِّ فِي التَّحْرِيرِ: قَوْلُ مَنْ فَسَّرَ الْعِقَالَ بِفَرِيضَةِ الْعَامِ تَعَسُّفٌ، وَهُوَ نَحْوُ تَأْوِيلِ مَنْ حَمَلَ الْبَيْضَةَ وَالْحَبْلَ فِي حَدِيثِ لَعْنِ السَّارِقِ عَلَى بَيْضَةِ الْحَدِيدِ وَحَبْلِ السَّفِينَةِ.

قُلْتُ: وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي بَابِ حَدِّ السَّرِقَةِ إِلَى أَنْ قَالَ: وَكُلُّ مَا كَانَ فِي هَذَا السِّيَاقِ أَحْقَرَ كَانَ أَبْلَغَ قَالَ: وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعِقَالِ مَا يُعْقَلُ بِهِ الْبَعِيرُ، قَالَ: وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْمُبَالَغَةُ قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى عَنَاقًا وَفِي الْأُخْرَى جَدْيًا قَالَ: فَعَلَى هَذَا فَالْمُرَادُ بِالْعِقَالِ قَدْرُ قِيمَتِهِ، قَالَ الثَّوْرِيُّ: وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي

لَا يَنْبَغِي غَيْرُهُ.

وَقَالَ عِيَاضٌ: احْتَجَّ بِهِ بَعْضُهُمْ عَلَى جَوَازِ أَخْذِ الزَّكَاةِ فِي عُرُوضِ التِّجَارَةِ، وَفِيهِ بُعْدٌ، وَالرَّاجِحُ أَنَّ الْعِقَالَ لَا يُؤْخَذُ فِي الزَّكَاةِ لِوُجُوبِهِ بِعَيْنِهِ وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ تَبَعًا لِلْفَرِيضَةِ الَّتِي تُعْقَلُ بِهِ، أَوْ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ مُبَالَغَةً عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ لَوْ كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إِلَى النَّبِيِّ ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: يَصِحُّ قَدْرُ قِيمَةِ الْعِقَالِ فِي زَكَاةِ النَّقْدِ وَفِي الْمَعْدِنِ وَالرِّكَازِ وَالْمُعَشَّرَاتِ وَزَكَاةِ الْفِطْرِ، وَفِيمَا لَوْ وَجَبَتْ سِنٌّ فَأَخَذَ السَّاعِي دُونَهُ، وَفِيمَا إِذَا كَانَتِ الْغَنَمُ سِخَالًا فَمَنَعَ وَاحِدَةً وَقِيمَتُهَا عِقَالٌ. قَالَ: وَقَدْ رَأَيْتُ كَثِيرًا مِمَّنْ يَتَعَانَى الْفِقْهَ يَظُنُّ أَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ وَإِنَّمَا هُوَ لِلْمُبَالَغَةِ، وَهُوَ غَلَطٌ مِنْهُ.

وَقَدْ قَالَ الْخَطَّابِيُّ: حَمَلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى زَكَاةِ الْعِقَالِ إِذَا كَانَ مِنْ عُرُوضِ التِّجَارَةِ، وَعَلَى الْحَبْلِ نَفْسِهِ عِنْدَ مَنْ يُجِيزُ أَخْذَ الْقِيَمِ، وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلٌ إِنَّهُ يَتَخَيَّرُ بَيْنَ الْعَرَضِ وَالنَّقْدِ، قَالَ: وَأَظْهَرُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ قَوْلُ مَنْ قَالَ إِنَّهُ يَجِبُ أَخْذُ الْعِقَالِ مَعَ الْفَرِيضَةِ كَمَا جَاءَ عَنْ عَائِشَةَ: كَانَ مِنْ عَادَةِ الْمُتَصَدِّقِ أَنْ يَعْمِدَ إِلَى قَرَنٍ - بِفَتْحِ الْقَافِ وَالرَّاءِ وَهُوَ الْحَبْلُ - فَيَقْرُنُ بِهِ بَيْنَ بَعِيرَيْنِ لِئَلَّا تَشْرُدَ الْإِبِلُ، وَهَكَذَا جَاءَ عَنِ الزُّهْرِيِّ.

وَقَالَ غَيْرُهُ فِي قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ: لَوْ مَنَعُونِي عِقَالًا كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ غَنِيَّةً عَنْ حَمْلِهِ عَلَى الْمُبَالَغَةِ.

وَحَاصِلُهُ أَنَّهُمْ مَتَى مَنَعُوا شَيْئًا كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَلَوْ قَلَّ فَقَدْ مَنَعُوا شَيْئًا وَاجِبًا؛ إِذْ لَا فَرْقَ فِي مَنْعِ الْوَاجِبِ وَجَحْدِهِ بَيْنَ الْقَلِيلِ الْكَثِيرِ، قَالَ: وَهَذَا يَعْنِي عَنْ جَمِيعِ التَّقَادِيرِ وَالتَّأْوِيلَاتِ الَّتِي لَا يَسْبِقُ الْفَهْمُ إِلَيْهَا، وَلَا يُظَنُّ بِالصِّدِّيقِ أَنَّهُ يَقْصِدُ إِلَى مِثْلِهَا.

قُلْتُ: الْحَامِلُ لِمَنْ حَمَلَهُ عَلَى الْمُبَالَغَةِ أَنَّ الَّذِي تَمَثَّلَ بِهِ فِي هَذَا الْمَقَامِ لَابُدَّ وَأَنْ يَكُونَ مِنْ جِنْسِ مَا يَدْخُلُ فِي الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ، فَلِذَلِكَ حَمَلُوهُ عَلَى الْمُبَالَغَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (فَوَاللَّهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ رَأَيْتُ أَنَّ اللَّهَ قَدْ شَرَحَ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ لِلْقِتَالِ فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَقُّ) أَيْ ظَهَرَ لَهُ مِنْ صِحَّةِ احْتِجَاجِهِ لَا أَنَّهُ قَلَّدَهُ فِي ذَلِكَ: وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ غَيْرُ مَا تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ: الِاجْتِهَادُ فِي النَّوَازِلِ، وَرَدُّهَا إِلَى الْأُصُولِ، وَالْمُنَاظَرَةُ عَلَى ذَلِكَ وَالرُّجُوعُ إِلَى الرَّاجِحِ، وَالْأَدَبُ فِي الْمُنَاظَرَةِ بِتَرْكِ التَّصْرِيحِ بِالتَّخْطِئَةِ وَالْعُدُولُ إِلَى التَّلَطُّفِ، وَالْأَخْذُ فِي إِقَامَةِ الْحُجَّةِ إِلَى أَنْ يَظْهَرَ لِلْمَنَاظِرِ، فَلَوْ عَانَدَ بَعْدَ ظُهُورِهَا فَحِينَئِذٍ يَسْتَحِقُّ الْإِغْلَاظَ بِحَسَبِ حَالِهِ.

وَفِيهِ الْحَلِفُ عَلَى الشَّيْءِ لِتَأْكِيدِهِ.

وَفِيهِ مَنْعُ قَتْلِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَلَوْ لَمْ يَزِدْ عَلَيْهَا، وَهُوَ كَذَلِكَ لَكِنْ هَلْ يَصِيرُ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ مُسْلِمًا؟ الرَّاجِحُ لَا، بَلْ يَجِبُ الْكَفُّ عَنْ قَتْلِهِ حَتَّى يُخْتَبَرَ، فَإِنْ شَهِدَ بِالرِّسَالَةِ وَالْتَزَمَ أَحْكَامَ الْإِسْلَامِ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ، وَإِلَى ذَلِكَ الْإِشَارَةُ بِالِاسْتِثْنَاءِ بِهِ بِقَوْلِهِ: إِلَّا بِحَقِّ الْإِسْلَامِ.

قَالَ الْبَغَوِيُّ: الْكَافِرُ إِذَا كَانَ وَثَنِيًّا أَوْ ثَنَوِيًّا لَا يُقِرُّ بِالْوَحْدَانِيَّةِ، فَإِذَا قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ ثُمَّ يُجْبَرُ عَلَى قَبُولِ جَمِيعِ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ وَيَبْرَأُ مِنْ كُلِّ دِينٍ خَالَفَ دِينَ الْإِسْلَامِ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ مُقِرًّا بِالْوَحْدَانِيَّةِ مُنْكِرًا لِلنُّبُوَّةِ فَإِنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ حَتَّى يَقُولَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، فَإِنْ كَانَ يَعْتَقِدُ أَنَّ الرِّسَالَةَ الْمُحَمَّدِيَّةَ إِلَى الْعَرَبِ خَاصَّةً فَلَابُدَّ أَنْ يَقُولَ إِلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ، فَإِنْ كَانَ كَفَرَ بِجُحُودِ وَاجِبٍ أَوِ اسْتِبَاحَةِ مُحَرَّمٍ فَيَحْتَاجُ أَنْ يَرْجِعَ عَمَّا اعْتَقَدَهُ.

وَمُقْتَضَى قَوْلِهِ: يُجْبَرُ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَلْتَزِمْ تَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْمُرْتَدِّ، وَبِهِ صَرَّحَ الْقَفَّالُ وَاسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ الْبَابِ فَادَّعَى أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِي خَبَرٍ مِنَ الْأَخْبَارِ: أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ أَوْ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، كَذَا قَالَ وَهِيَ غَفْلَةٌ عَظِيمَةٌ، فَالْحَدِيثُ فِي صَحِيحَيِ الْبُخَارِيِّ، وَمُسْلِمٍ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ بِلَفْظِ: حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ هُنَا التَّلَفُّظَ بِالشَّهَادَتَيْنِ لِكَوْنِهَا سَارَتْ عَلَمًا عَلَى ذَلِكَ، وَيُؤَيِّدُهُ وُرُودُهُمَا صَرِيحًا فِي الطُّرُقِ الْأُخْرَى، وَاسْتُدِلَّ بِهَا عَلَى أَنَّ الزَّكَاةَ لَا تَسْقُطُ عَنِ الْمُرْتَدِّ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْمُرْتَدَّ كَافِرٌ وَالْكَافِرَ لَا يُطَالَبُ بِالزَّكَاةِ وَإِنَّمَا يُطَالَبُ بِالْإِيمَانِ، وَلَيْسَ فِي فِعْلِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

و (١) يوكلُ إليها، ولا يُعان عليها، فينجرُّ إلى تضييعِ الحقوقِ لعجزه، وفيه إكرامُ الضَّيف وغير ذلك ممَّا يظهر بالتَّأمُّل.

والحديث سبقَ مختصرًا ومطوَّلًا في «الإجارة» [خ¦٢٢٦١] ويجيء إن شاء الله تعالى في الأحكام [خ¦٧١٤٩] [خ¦٧١٥٧] بعون الله وقوَّته.

(٣) (باب قَتْلِ مَنْ أَبَى قَبُولَ الفَرَائِضِ) أي: امتنعَ من التزامِ الأحكام الواجبة والعمل بها (وَمَا) مصدريَّة (نُسِبُوا) بضم النون وكسر السين، ونسبتهم (إِلَى الرِّدَّةِ) وقال الكِرْمانيُّ وتبعه البَرْماويُّ: «ما» نافيةٌ.

وقال العينيُّ: الأظهرُ أنَّها موصولةٌ، والتَّقدير: وقتل الَّذين نسبُوا إلى الرِّدَّة.

٦٩٢٤ - ٦٩٢٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) هو: يحيى بنُ عبد الله بن بُكَير -بضم الموحدة وفتح الكاف- المخزوميُّ مَولاهم المصريُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ عُقَيْلٍ) بضم العين وفتح القاف، ابن خالدِ بن عَقيل -بفتح العين- الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ أنَّه قال: (أَخْبَرَنِي (٢)) بالإفراد (عُبَيْدُ اللهِ) بضم العين (بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ) بن مسعودٍ (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) (قَالَ: لَمَّا تُوُفِي النَّبِيُّ) ولأبي ذرٍّ: «نبيُّ الله» ( وَاسْتُخْلِفَ) بضم الفوقية مبنيًّا للمفعول (أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق (وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنَ العَرَبِ) وفي حديث أنسٍ عند

ابن خُزيمة: لمَّا توفِّي رسولُ الله ارتدَّ عامَّةُ العرب.

قال في «شرح المشكاة»: يريد غطفانَ وفَزَارة، وبني سَليم وبني يَرْبوع وبعض بني تميم وغيرهم، فمنعوا الزَّكاة فأراد أبو بكرٍ أن يُقاتلهم (قَالَ عُمَرُ) بن الخطاب : (يَا أَبَا بَكْرٍ كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ؟ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ) ولأبي ذرٍّ: «النَّبيُّ» (: أُمِرْتُ) بضم الهمزة وكسر الميم (أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) وفي رواية العلاء بن عبد الرَّحمن -عند مسلم-: حتَّى يشهدوا أنْ لا إله إلا الله، ويؤمنوا بي وبما جئتُ به (فَمَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، عَصَمَ) ولأبي ذرٍّ: «فقد عصَمَ» (مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ) فلا يجوزُ هدرُ دمهِ، واستباحةُ ماله بسببٍ من الأسبابِ (إِلَّا بِحَقِّهِ) إلَّا بحقِّ الإسلام من قتلِ نفسٍ محرَّمةِ، أو تركِ صلاةٍ، أو منع زكاةٍ بتأويلٍ باطلٍ (وَحِسَابُهُ عَلَى اللهِ) فتتركُ مقاتلته، ولا يفتَّشُ باطنه هل هو مخلِصٌ أم لا؟ فإنَّ ذلك إلى اللهِ وحسابهُ عليه.

(قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَاللهِ لأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ) بتشديد الراء وتخفَّف (بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ) بأن أقرَّ بالصَّلاة وأنكر الزَّكاة جاحدًا، أو مانعًا مع الاعتراف، وإنَّما أطلقَ في أوَّل الحديثِ الكفر ليشمل الصِّنفين، وإنَّما قاتلهم الصِّدِّيق ولم يعذرْهم بالجهلِ؛ لأنَّهم نصبوا القتالَ، فجهَّز إليهم من دَعاهم إلى الرُّجوع، فلمَّا أصرُّوا قاتلهم.

وقال المازريُّ: ظاهر السِّياق أنَّ عُمر كان موافقًا على قتالِ من جحد الصَّلاة فألزمه الصِّدِّيق بمثله في الزَّكاة لورودِهما في الكتابِ والحديث موردًا واحدًا، ثمَّ استدلَّ أبو بكر لمنع التَّفرقة الَّتي ذكرها بقولهِ: (فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ المَالِ) كما أنَّ الصَّلاة حقُّ النَّفس، فمَن صلَّى عصمَ نفسه، ومن زكَّى عصمَ مالهُ.

قال الطِّيبيُّ: هذا الردُّ يدلُّ على أنَّ عمر حمل الحقَّ في قولهِ: «عصَمَ منِّي مالَهُ ونفسَهُ إلَّا بحقِّه» على غير الزَّكاة، وإلَّا لم يستقمْ (١) استشهادُه بالحديث على منعِ المقاتلة، ولا ردّ أبي بكر بقولهِ: فإنَّ الزَّكاة حقُّ المال.

(وَاللهِ لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا) بفتح العين، الأنثى من ولدِ المعزِ، وفي رواية ذكرها أبو عُبيد: لو منعوني جديًا أذوط. وهو الصَّغير الفكِّ والذَّقَن، وهو يؤيِّد أنَّ الرِّواية: «عناقًا» فرواية:

«عقالًا» المرويَّة في مسلم وهمٌ كما قال (١) بعضُهم. قيل: وإنَّما ذكر العَناقَ مبالغة في التَّقليل لا العَناق نفسها، لكن قال النَّوويُّ: إنَّها كانت صغارًا فماتتْ أمَّهاتها في بعضِ الحول، فتزكَّى بحولِ أمّهاتها، ولو لم يبق من الأمَّهات شيءٌ على الصَّحيح، ويتصوّر (٢) فيما إذا مات معظمُ الكبارِ وحدثَ صغارٌ، فحالَ الحولُ في الكبار على بقيَّتها وعلى الصِّغار (كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إِلَى رَسُولِ اللهِ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهَا (٣). قَالَ عُمَرُ) : (فَوَاللهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ رَأَيْتُ أَنْ قَدْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ لِلْقِتَالِ فَعَرَفْتُ) من صحَّة احتجاجه (أَنَّهُ الحَقُّ) لا أنَّه قلَّده في ذلك؛ لأنَّ المجتهد لا يقلِّد مجتهدًا، والمستثنى منه في قولهِ: «ما هو إلَّا أنْ رأيت» غير مذكورٍ، أي: ليس الأمر شيئًا إلَّا علمي بأنَّ أبا بكر مُحقٌّ، وهو نحو قولهِ تعالى: ﴿مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ [الجاثية: ٢٤] «هي» ضميرٌ مبهم يفسِّره ما بعده.

والحديث سبق في «الزَّكاة» [خ¦١٤٠٠].

(٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه (إِذَا عَرَّضَ الذِّمِّيُّ) اليهوديُّ أو النَّصرانيُّ (وَغَيْرُهُ) أي: غير الذِّميِّ كالمعاهد ومن يُظهر إسلامه، و «عرَّض» -بتشديد الراء-، أي: كنَّى ولم يُصرِّح (بِسَبِّ النَّبِيِّ ) أي: بتنقيصِهِ (وَلَمْ يُصَرِّحْ) بذلك وهو تأكيدٌ؛ إذ التَّعريضُ خلاف التَّصريح (نَحْوَ قولهِ: السَّامُ عَلَيْكَ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «عليكم» بالجمعِ. واعتُرضَ بأنَّ هذا اللَّفظ ليس فيه تعريضٌ بالسَّبِّ، فلا مُطابقة بينه وبين التَّرجمةِ.

وأُجيب بأنَّه أَطلق التَّعريض على ما يُخالفُ التَّصريح ولم يردِ التَّعريض المصطلح، وهو أن يستعمل اللَّفظ في حقيقتهِ يُلوِّح به إلى مَعنًى آخر يقصدُه (٤).

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.6 / 29.5
الإضاءة 8%
البدر بعد 12 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله