الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٧١١٣
الحديث رقم ٧١١٣ من كتاب «كتاب الفتن» في صحيح البخاري، تحت باب: باب إذا قال عند قوم شيئا ثم خرج فقال بخلافه.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
٧١١٣ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ وَاصِلٍ الْأَحْدَبِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ قَالَ:
أخبر حذيفة بن اليمان رضي الله عنه وهو صاحب سر النبي صلى الله عليه وسلم أن المنافقين اليوم أكثر شرًا من المنافقين الذين كانوا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما كانوا شرًا ممن قبلهم لأن الماضين كانوا يسرون قولهم فلا يتعدى شرهم إلى غيرهم، وأما الآخرون فصاروا يجهرون بالخروج على الأئمة ويوقعون الشر بين الفرق فيتعدى ضررهم لغيرهم، وكأنه يقصد الفتنة التي حصلت بعد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وأنهم جهروا في وقت الخروج على عثمان بن عفان رضي الله عنه؛ لأن وفاة حذيفة كانت سنة 36.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
حَتَّى دَخَلْنَا عَلَيْهِ فِي دَارِهِ وَهُوَ جَالِسٌ فِي ظِلِّ عُلِّيَّةٍ لَهُ مِنْ قَصَبٍ فَجَلَسْنَا إِلَيْهِ فَأَنْشَأَ أَبِي يَسْتَطْعِمُهُ الْحَدِيثَ فَقَالَ يَا أَبَا بَرْزَةَ أَلَا تَرَى مَا وَقَعَ فِيهِ النَّاسُ فَأَوَّلُ شَيْءٍ سَمِعْتُهُ تَكَلَّمَ بِهِ إِنِّي احْتَسَبْتُ عِنْدَ اللَّهِ أَنِّي أَصْبَحْتُ سَاخِطًا عَلَى أَحْيَاءِ قُرَيْشٍ إِنَّكُمْ يَا مَعْشَرَ الْعَرَبِ كُنْتُمْ عَلَى الْحَالِ الَّذِي عَلِمْتُمْ مِنْ الذِّلَّةِ وَالْقِلَّةِ وَالضَّلَالَةِ وَإِنَّ اللَّهَ أَنْقَذَكُمْ بِالإِسْلَامِ وَبِمُحَمَّدٍ ﷺ حَتَّى بَلَغَ بِكُمْ مَا تَرَوْنَ وَهَذِهِ الدُّنْيَا الَّتِي أَفْسَدَتْ بَيْنَكُمْ إِنَّ ذَاكَ الَّذِي بِالشَّأْمِ وَاللَّهِ إِنْ يُقَاتِلُ إِلاَّ عَلَى الدُّنْيَا وَإِنَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ وَاللَّهِ إِنْ يُقَاتِلُونَ إِلاَّ عَلَى الدُّنْيَا وَإِنْ ذَاكَ الَّذِي بِمَكَّةَ وَاللَّهِ إِنْ يُقَاتِلُ إِلاَّ عَلَى الدُّنْيَا"
[الحديث ٧١١٢ - طرفه في: ٧٢٧١]
٧١١٣ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ وَاصِلٍ الأَحْدَبِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ "عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ قَالَ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ الْيَوْمَ شَرٌّ مِنْهُمْ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ كَانُوا يَوْمَئِذٍ يُسِرُّونَ وَالْيَوْمَ يَجْهَرُونَ"
٧١١٤ - حَدَّثَنَا خَلَادٌ حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: إِنَّمَا كَانَ النِّفَاقُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ فَأَمَّا الْيَوْمَ فَإِنَّمَا هُوَ الْكُفْرُ بَعْدَ الإِيمَانِ"
قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا قَالَ عِنْدَ قَوْمٍ شَيْئًا ثُمَّ خَرَجَ فَقَالَ بِخِلَافِهِ) ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ: يُنْصَبُ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ وَفِيهِ قِصَّةٌ لِابْنِ عُمَرَ فِي بَيْعَةِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، وَحَدِيثَ أَبِي بَرْزَةَ فِي إِنْكَارِهِ عَلَى الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ عَلَى الْمُلْكِ مِنْ أَجْلِ الدُّنْيَا، وَحَدِيثَ حُذَيْفَةَ فِي الْمُنَافِقِينَ، وَمُطَابَقَةُ الْأَخِيرِ لِلتَّرْجَمَةِ ظَاهِرَةٌ، وَمُطَابِقَةُ الْأَوَّلِ لَهَا مِنْ جِهَةِ أَنَّ فِي الْقَوْلِ فِي الْغَيْبَةِ بِخِلَافِ مَا فِي الْحُضُورِ نَوْعُ غَدْرٍ، وَسَيَأْتِي فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ تَرْجَمَةُ مَا يُكْرَهُ مِنْ ثَنَاءِ السُّلْطَانِ، فَإِذَا خَرَجَ قَالَ غَيْرَ ذَلِكَ، وَذَكَرَ فِيهِ قَوْلَ ابْنِ عُمَرَ لِمَنْ سَأَلَهُ عَنِ الْقَوْلِ عِنْدَ الْأُمَرَاءِ بِخِلَافِ مَا يُقَالُ بَعْدَ الْخُرُوجِ عَنْهُمْ: كُنَّا نَعُدُّهُ نِفَاقًا، وَقَدْ وَقَعَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ أَنَّ الْأَمِيرَ الْمَسْئُولَ عَنْهُ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْأَحْكَامِ، وَمُطَابَقَةُ الثَّانِي مِنْ جِهَةِ أَنَّ الَّذِينَ عَابُوا أَبُو بَرْزَةَ كَانُوا يُظْهِرُونَ أَنَّهُمْ يُقَاتِلُونَ لِأَجْلِ الْقِيَامِ بِأَمْرِ الدِّينِ وَنَصْرِ الْحَقِّ وَكَانُوا فِي الْبَاطِنِ إِنَّمَا يُقَاتِلُونَ لِأَجْلِ الدُّنْيَا.
وَوَقَعَ لِابْنِ بَطَّالٍ هُنَا شَيْءٌ فِيهِ نَظَرٌ فَقَالَ: وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي بَرْزَةَ فَوَجْهُ مُوَافَقَتِهِ لِلتَّرْجَمَةِ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ لَمْ يَقُلْهُ أَبُو بَرْزَةَ عِنْدَ مَرْوَانَ حِينَ بَايَعَهُ، بَلْ بَايَعَ مَرْوَانَ وَاتَّبَعَهُ ثُمَّ سَخِطَ ذَلِكَ لَمَّا بَعُدَ عَنْهُ، وَلَعَلَّهُ أَرَادَ مِنْهُ أَنْ يَتْرُكَ مَا نُوزِعَ فِيهِ طَلَبًا لِمَا عِنْدَ اللَّهِ فِي الْآخِرَةِ، وَلَا يُقَاتِلُ عَلَيْهِ كَمَا فَعَلَ عُثْمَانُ يَعْنِي مِنْ عَدَمِ الْمُقَاتَلَةِ لَا مِنْ تَرْكِ الْخِلَافَةِ، فَلَمْ يُقَاتِلْ مَنْ نَازَعَهُ بَلْ تَرَكَ ذَلِكَ، وَكَمَا فَعَلَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ حِينَ تَرَكَ قِتَالَ مُعَاوِيَةَ حِينَ نَازَعَهُ الْخِلَافَةَ، فَسَخِطَ أَبُو بَرْزَةَ عَلَى مَرْوَانَ تَمَسُّكَهُ بِالْخِلَافَةِ وَالْقِتَالَ عَلَيْهَا، فَقَالَ لِأَبِي الْمِنْهَالِ وَابْنِهِ بِخِلَافِ مَا قَالَ لِمَرْوَانَ حِينَ بَايَعَ لَهُ.
قُلْتُ: وَدَعْوَاهُ أَنَّ أَبَا بَرْزَةَ بَايَعَ مَرْوَانَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، فَإِنَّ أَبَا بَرْزَةَ كَانَ مُقِيمًا بِالْبَصْرَةِ، وَمَرْوَانُ إِنَّمَا طَلَبَ الْخِلَافَةَ بِالشَّامِ، وَذَلِكَ أَنَّ يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ لَمَّا مَاتَ دَعَا ابْنَ الزُّبَيْرِ إِلَى نَفْسِهِ وَبَايَعُوهُ بِالْخِلَافَةِ، فَأَطَاعَهُ أَهْلُ الْحَرَمَيْنِ وَمِصْرَ وَالْعِرَاقِ وَمَا وَرَاءَهَا، وَبَايَعَ لَهُ الضَّحَّاكُ بْنُ قَيْسٍ الْفِهْرِيُّ بِالشَّامِ كُلِّهَا إِلَّا الْأُرْدُنَّ وَمَنْ بِهَا مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ وَمَنْ كَانَ عَلَى هَوَاهُمْ، حَتَّى هَمَّ مَرْوَانُ أَنْ يَرْحَلَ إِلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ وَيُبَايِعَهُ فَمَنَعُوهُ وَبَايَعُوا لَهُ بِالْخِلَافَةِ، وَحَارَبَ الضَّحَّاكَ بْنَ قَيْسٍ
فَهَزَمَهُ وَغَلَبَ عَلَى الشَّامِ، ثُمَّ تَوَجَّهَ إِلَى مِصْرَ فَغَلَبَ عَلَيْهَا، ثُمَّ مَاتَ فِي سَنَتِهِ فَبَايَعُوا بَعْدَهُ ابْنَهُ عَبْدَ الْمَلِكِ، وَقَدْ أَخْرَجَ ذَلِكَ الطَّبَرِيُّ وَاضِحًا، وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ بَعْضَهُ مِنْ رِوَايَةِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَفِيهِ أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ لَمَّا مَاتَ دَعَا مَرْوَانُ لِنَفْسِهِ فَأَجَابَهُ أَهْلُ فِلَسْطِينَ وَأَهْلُ حِمْصٍ فَقَاتَلَهُ الضَّحَّاكُ بْنُ قَيْسٍ بِمَرْجِ رَاهِطٍ فَقُتِلَ الضَّحَّاكُ ثُمَّ مَاتَ مَرْوَانُ وَقَامَ عَبْدُ الْمَلِكِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ الْحَجَّاجِ فِي قِتَالِهِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ وَقَتْلِهِ ثُمَّ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: وَأَمَّا يَمِينُهُ يَعْنِي أَبَا بَرْزَةَ عَلَى الَّذِي بِمَكَّةَ يَعْنِي ابْنَ الزُّبَيْرِ فَإِنَّهُ لَمَّا وَثَبَ بِمَكَّةَ بَعْدَ أَنْ دَخَلَ فِيمَا دَخَلَ فِيهِ الْمُسْلِمُونَ جَعَلَ أَبُو بَرْزَةَ ذَلِكَ نَكْثًا مِنْهُ وَحِرْصًا عَلَى الدُّنْيَا وَهُوَ أَيْ أَبُو بَرْزَةَ فِي هَذِهِ - أَيْ قِصَّةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ - أَقْوَى رَأْيًا مِنْهُ فِي الْأُولَى أَيْ قِصَّةِ مَرْوَانَ قَالَ: وَكَذَلِكَ الْقُرَّاءُ بِالْبَصْرَةِ، لِأَنَّ أَبَا بَرْزَةَ
كَانَ لَا يَرَى قِتَالَ الْمُسْلِمِينَ أَصْلًا، فَكَانَ يَرَى لِصَاحِبِ الْحَقِّ أَنْ يَتْرُكَ حَقَّهُ لِمَنْ نَازَعَهُ فِيهِ لِيُؤْجَرَ عَلَى ذَلِكَ وَيُمْدَحَ بِالْإِيثَارِ عَلَى نَفْسِهِ لِئَلَّا يَكُونَ سَبَبًا لِسَفْكِ الدِّمَاءِ انْتَهَى مُلَخَّصًا، وَمُقْتَضَى كَلَامِهِ أَنَّ مَرْوَانَ لَمَّا وَلِيَ الْخِلَافَةَ بَايَعَهُ النَّاسُ أَجْمَعُونَ، ثُمَّ نَكَثَ ابْنُ الزُّبَيْرِ بَيْعَتَهُ وَدَعَا إِلَى نَفْسِهِ، وَأَنْكَرَ عَلَيْهِ أَبُو بَرْزَةَ قِتَالَهُ عَلَى الْخِلَافَةِ بَعْدَ أَنْ دَخَلَ فِي طَاعَتِهِ وَبَايَعَهُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَالَّذِي ذَكَرْتُهُ هُوَ الَّذِي تَوَارَدَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْأَخْبَارِ بِالْأَسَانِيدِ الْجَيِّدَةِ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ لَمْ يُبَايِعْ لِمَرْوَانَ قَطُّ، بَلْ مَرْوَانُ هَمَّ أَنْ يُبَايِعَ لِابْنِ الزُّبَيْرِ ثُمَّ تَرَكَ ذَلِكَ وَدَعَا إِلَى نَفْسِهِ.
الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ: قَوْلُهُ: (لَمَّا خَلَعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ) فِي رِوَايَةِ أَبِي الْعَبَّاسِ السَّرَّاجِ فِي تَارِيخٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مَنِيعٍ، وَزِيَادِ بْنِ أَيُّوبَ، عَنْ عَفَّانَ، عَنْ صَخْرِ بْنِ جُوَيْرِيَةَ، عَنْ نَافِعٍ لَمَّا انْتَزَى أَهْلُ الْمَدِينَةِ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَخَلَعُوا يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ جَمَعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بَنِيهِ وَوَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ مُؤَمَّلِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ فِي أَوَّلِهِ مِنَ الزِّيَادَةِ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ مُعَاوِيَةَ أَرَادَ ابْنَ عُمَرَ عَلَى أَنْ يُبَايِعَ لِيَزِيدَ، فَأَبَى وَقَالَ لَا أُبَايِعُ لِأَمِيرَيْنِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ مُعَاوِيَةُ بِمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ فَأَخَذَهَا، فَدَسَّ إِلَيْهِ رَجُلًا فَقَالَ لَهُ مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تُبَايِعَ؟ فَقَالَ: إِنَّ ذَاكَ لِذَاكَ - يَعْنِي عَطَاءَ ذَلِكَ الْمَالِ لِأَجْلِ وُقُوعِ الْمُبَايَعَةِ - إِنَّ دِينِي عِنْدِي إِذًا لَرَخِيصٌ، فَلَمَّا مَاتَ مُعَاوِيَةُ كَتَبَ ابْنُ عُمَرَ إِلَى يَزِيدَ بِبَيْعَتِهِ، فَلَمَّا خَلَعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ فَذَكَرَهُ.
قُلْتُ: وَكَانَ السَّبَبُ فِيهِ مَا ذَكَرَهُ الطَّبَرِيُّ مُسْنَدًا أَنَّ يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ كَانَ أَمَّرَ عَلَى الْمَدِينَةِ ابْنَ عَمِّهِ عُثْمَانَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، فَأَوْفَدَ إِلَى يَزِيدَ جَمَاعَةً مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ غَسِيلِ الْمَلَائِكَةِ حَنْظَلَةَ بْنِ أَبِي عَامِرٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي عَمْرِو بْنِ حَفْصٍ الْمَخْزُومِيُّ فِي آخَرِينَ فَأَكْرَمَهُمْ وَأَجَازَهُمْ، فَرَجَعُوا فَأَظْهَرُوا عَيْبَهُ وَنَسَبُوهُ إِلَى شُرْبِ الْخَمْرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، ثُمَّ وَثَبُوا عَلَى عُثْمَانَ فَأَخْرَجُوهُ، وَخَلَعُوا يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ يَزِيدَ فَجَهَّزَ إِلَيْهِمْ جَيْشًا مَعَ مُسْلِمِ بْنِ عُقْبَةَ الْمُرِّيِّ وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْعُوَهُمْ ثَلَاثًا، فَإِنْ رَجَعُوا وَإِلَّا فَقَاتِلْهُمْ، فَإِذَا ظَهَرَتْ فَأَبِحْهَا لِلْجَيْشِ ثَلَاثًا ثُمَّ اكْفُفْ عَنْهُمْ. فَتَوَجَّهَ إِلَيْهِمْ فَوَصَلَ فِي ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ ثَلَاثِينَ فَحَارَبُوهُ، وَكَانَ الْأَمِيرُ عَلَى الْأَنْصَارِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حَنْظَلَةَ وَعَلَى قُرَيْشٍ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُطِيعٍ وَعَلَى غَيْرِهِمْ مِنَ الْقَبَائِلِ مَعْقِلَ بْنَ يَسَارٍ الْأَشْجَعِيَّ، وَكَانُوا اتَّخَذُوا خَنْدَقًا، فَلَمَّا وَقَعَتِ الْوَقْعَةُ انْهَزَمَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ، فَقُتِلَ ابْنُ حَنْظَلَةَ، وَفَرَّ ابْنُ مُطِيعٍ، وَأَبَاحَ مُسْلِمُ بْنُ عُقْبَةَ الْمَدِينَةَ ثَلَاثًا، فَقُتِلَ جَمَاعَةٌ صَبْرًا، مِنْهُمْ مَعْقِلُ بْنُ سِنَانٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْجَهْمِ بْنِ حُذَيْفَةَ، وَيَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَمْعَةَ وَبَايَعَ الْبَاقِينَ عَلَى أَنَّهُمْ خَوَلٌ لِيَزِيدَ.
وَأَخْرَجَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ إِلَى جُوَيْرِيَةَ بْنِ أَسْمَاءَ، سَمِعْتُ أَشْيَاخَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ يَتَحَدَّثُونَ أَنَّ مُعَاوِيَةَ لَمَّا احْتُضِرَ دَعَا يَزِيدَ فَقَالَ لَهُ: إِنَّ لَكَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ يَوْمًا، فَإِنْ فَعَلُوا فَارْمِهِمْ بِمُسْلِمِ بْنِ عُقْبَةَ فَإِنِّي عَرَفْتُ نَصِيحَتَهُ فَلَمَّا وَلِيَ يَزِيدُ وَفَدَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَنْظَلَةَ وَجَمَاعَةٌ فَأَكْرَمَهُمْ وَأَجَازَهُمْ، فَرَجَعَ فَحَرَّضَ النَّاسَ عَلَى يَزِيدَ وَعَابَهُ وَدَعَاهُمْ إِلَى خَلْعِ يَزِيدَ، فَأَجَابُوهُ. فَبَلَغَ يَزِيدَ فَجَهَّزَ إِلَيْهِمْ مُسْلِمَ بْنَ عُقْبَةَ، فَاسْتَقْبَلَهُمْ أَهْلُ الْمَدِينَةِ بِجُمُوعٍ كَثِيرَةٍ،
فَهَابَهُمْ أَهْلُ الشَّامِ وَكَرِهُوا قِتَالَهُمْ، فَلَمَّا نَشِبَ الْقِتَالُ سَمِعُوا فِي جَوْفِ الْمَدِينَةِ التَّكْبِيرَ، وَذَلِكَ أَنَّ بَنِي حَارِثَةَ أَدْخَلُوا قَوْمًا مِنَ الشَّامِيِّينَ مِنْ جَانِبِ الْخَنْدَقِ، فَتَرَكَ أَهْلُ الْمَدِينَةَ الْقِتَالَ وَدَخَلُوا الْمَدِينَةَ خَوْفًا عَلَى أَهْلِهِمْ، فَكَانَتِ الْهَزِيمَةُ، وَقُتِلَ مَنْ قُتِلَ وَبَايَعَ مُسْلِمٌ النَّاسَ عَلَى أَنَّهُمْ خَوَلٌ لِيَزِيدَ يَحْكُمُ فِي دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَأَهْلِهِمْ بِمَا شَاءَ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ رُمَّانَةَ أَنَّ مُعَاوِيَةَ لَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ قَالَ لِيَزِيدَ: قَدْ وَطَّأْتُ لَكَ الْبِلَادَ وَمَهَّدْتُ لَكَ النَّاسَ وَلَسْتُ أَخَافُ عَلَيْكَ إِلَّا أَهْلَ الْحِجَازِ، فَإِنْ رَابَكَ مِنْهُمْ رَيْبٌ فَوَجِّهْ إِلَيْهِمْ مُسْلِمَ بْنَ عُقْبَةَ فَإِنِّي قَدْ جَرَّبْتُهُ وَعَرَفْتُ نَصِيحَتَهُ، قَالَ فَلَمَّا كَانَ مِنْ خِلَافِهِمْ عَلَيْهِ مَا كَانَ دَعَاهُ فَوَجَّهَهُ فَأَبَاحَهَا ثَلَاثًا. ثُمَّ دَعَاهُمْ إِلَى بَيْعَةِ يَزِيدَ وَأَنَّهُمْ أَعْبُدٌ لَهُ قِنٌّ فِي طَاعَةِ اللَّهِ وَمَعْصِيَتِهِ.
وَمِنْ رِوَايَةِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: لَمَّا مَاتَ مُعَاوِيَةُ أَظْهَرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ الْخِلَافَ عَلَى يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، فَوَجَّهَ يَزِيدُ، مُسْلِمَ بْنَ عُقْبَةَ فِي جَيْشِ أَهْلِ الشَّامِ وَأَمَرَهُ أَنْ يَبْدَأَ بِقِتَالِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ يَسِيرَ إِلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ بِمَكَّةَ، قَالَ فَدَخَلَ مُسْلِمُ بْنُ عُقْبَةَ الْمَدِينَةَ وَبِهَا بَقَايَا مِنَ الصَّحَابَةِ فَأَسْرَفَ فِي الْقَتْلِ، ثُمَّ سَارَ إِلَى مَكَّةَ فَمَاتَ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ. وَأَخْرَجَ يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ فِي تَارِيخِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: جَاءَ تَأْوِيلُ هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى رَأْسِ سِتِّينَ سَنَةً ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لآتَوْهَا﴾ يَعْنِي إِدْخَالَ بَنِي حَارِثَةَ أَهْلَ الشَّامِ عَلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ فِي وَقْعَةِ الْحَرَّةِ. قَالَ يَعْقُوبُ: وَكَانَتْ وَقْعَةُ الْحَرَّةِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ.
قَوْلُهُ (حَشَمَهُ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ ثُمَّ الْمُعْجَمَةِ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: الْحَشَمَةُ الْعَصَبَةُ وَالْمُرَادُ هُنَا خَدَمُهُ وَمَنْ يَغْضَبُ لَهُ. وَفِي رِوَايَةِ صَخْرِ بْنِ جُوَيْرِيَةَ، عَنْ نَافِعٍ عِنْدَ أَحْمَدَ لَمَّا خَلَعَ النَّاسُ يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ جَمَعَ ابْنُ عُمَرَ بَنِيهِ وَأَهْلَهُ ثُمَّ تَشَهَّدَ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ.
قَوْلُهُ (يُنْصَبُ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) زَادَ فِي رِوَايَةِ مُؤَمَّلٍ بِقَدْرِ غَدْرَتِهِ وَزَادَ فِي رِوَايَةِ صَخْرٍ يقَالَ هَذِهِ غَدْرَةُ فُلَانٍ أَيْ عَلَامَةُ غَدْرَتِهِ ; وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ شُهْرَتُهُ وَأَنْ يَفْتَضِحَ بِذَلِكَ عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ، وَفِيهِ تَعْظِيمُ الْغَدْرِ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ قِبَلِ الْآمِرِ أَوِ الْمَأْمُورِ، وَهَذَا الْقَدْرُ هُوَ الْمَرْفُوعُ مِنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَاهُ فِي بَابِ إِثْمِ الْغَادِرِ لِلْبَرِّ وَالْفَاجِرِ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْجِزْيَةِ وَالْمُوَادَعَةِ قُبَيْلَ بَدْءِ الْخَلْقِ.
قَوْلُهُ (عَلَى بَيْعِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) أَيْ عَلَى شَرْطِ مَا أَمَرَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ بِهِ مِنْ بَيْعَةِ الْإِمَامِ، وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ بَايَعَ أَمِيرًا فَقَدْ أَعْطَاهُ الطَّاعَةَ وَأَخَذَ مِنْهُ الْعَطِيَّةَ فَكَانَ شَبِيهَ مَنْ بَاعَ سِلْعَةً وَأَخَذَ ثَمَنَهَا، وَقِيلَ إِنَّ أَصْلَهُ أَنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ إِذَا تَبَايَعَتْ تَصَافَقَتْ بِالْأَكُفِّ عِنْدَ الْعَقْدِ، وَكَذَا كَانُوا يَفْعَلُونَ إِذَا تَحَالَفُوا، فَسَمَّوْا مُعَاهَدَةَ الْوُلَاةِ وَالْتَّمَاسُكَ فِيهِ بِالْأَيْدِي بَيْعَةً. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُؤَمَّلٍ، وَصَخْرٍ عَلَى بَيْعَةِ اللَّهِ وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَفَعَهُ مَنْ بَايَعَ إِمَامًا فَأَعْطَاهُ صَفْقَةَ يَدِهِ وَثَمَرَةَ قَلْبِهِ فَلْيُطِعْهُ مَا اسْتَطَاعَ، فَإِنْ جَاءَ أَحَدٌ يُنَازِعُهُ فَاضْرِبُوا عُنُقَ الْآخَرِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا غَدْرَ أَعْظَمُ) فِي رِوَايَةِ صَخْرِ بْنِ جُوَيْرِيَةَ، عَنْ نَافِعٍ الْمَذْكُورِ وَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الْغَدْرِ بَعْدَ الْإِشْرَاكِ بِاللَّهِ أَنْ يُبَايِعَ رَجُلٌ رَجُلًا عَلَى بَيْعِ اللَّهِ ثُمَّ يَنْكُثُ بَيْعَتَهُ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ يَنْصِبُ لَهُ الْقِتَالَ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ، وَفِي رِوَايَةِ مُؤَمَّلٍ نَصَبَ لَهُ يُقَاتِلُهُ.
قَوْلُهُ (خَلَعَهُ) فِي رِوَايَةِ مُؤَمَّلٍ خَلَعَ يَزِيدَ وَزَادَ أَوْ خَفَّ فِي هَذَا الْأَمْرِ وَفِي رِوَايَةِ صَخْرِ بْنِ جُوَيْرِيَةَ فَلَا يَخْلَعَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ يَزِيدَ وَلَا يَسْعَى فِي هَذَا الْأَمْرِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا تَابَعَ فِي هَذَا الْأَمْرِ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِمُثَنَّاةٍ فَوْقَانِيَّةٍ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ، وَلِلكُشْمِيهَنِيِّ بِمُوَحَّدَةٍ ثُمَّ تَحْتَانِيَّةٍ.
قَوْلُهُ (إِلَّا كَانَتِ الْفَيْصَلَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ) أَيِ الْقَاطِعَةُ وَهِيَ فَيْعَلٌ مِنْ فَصَلَ الشَّيْءَ إِذَا قَطَعَهُ، وَفِي رِوَايَةِ مُؤَمَّلٍ فَيَكُونُ الْفَيْصَلَ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَهُ وَفِي رِوَايَةِ صَخْرِ بْنِ جُوَيْرِيَةَ فَيَكُونُ صَيْلَمًا بَيْنِي وَبَيْنَهُ وَالصَّيْلَمُ بِمُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَةٍ وَيَاءٍ آخِرَ الْحُرُوفِ ثُمَّ لَامٍ مَفْتُوحَةٍ الْقَطِيعَةُ. وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ وُجُوبُ طَاعَةِ الْإِمَامِ الَّذِي انْعَقَدَتْ لَهُ الْبَيْعَةُ، وَالْمَنْعِ مِنَ الْخُرُوجِ عَلَيْهِ وَلَوْ
جَارَ فِي حُكْمِهِ وَأَنَّهُ لَا يَنْخَلِعُ بِالْفِسْقِ، وَقَدْ وَقَعَ فِي نُسْخَةِ شُعَيْبِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ فِي قِصَّةِ الرَّجُلِ الَّذِي سَأَلَهُ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ الْآيَةَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ: مَا وَجَدْتُ فِي نَفْسِي فِي شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ مَا وَجَدْتُ فِي نَفْسِي أَنِّي لَمْ أُقَاتِلْ هَذِهِ الْفِئَةَ الْبَاغِيَةَ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ زَادَ يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ فِي تَارِيخِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الزُّهْرِيِّ: قَالَ حَمْزَةُ فَقُلْنَا لَهُ: وَمَنْ تَرَى الْفِئَةَ الْبَاغِيَةَ؟ قَالَ: ابْنَ الزُّبَيْرِ بَغَى عَلَى هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ - يَعْنِي بَنِي أُمَيَّةَ - فَأَخْرَجَهُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ وَنَكَثَ عَهْدَهُمْ.
الْحَدِيثُ الثَّانِي: قَوْلُهُ: (أَبُو شِهَابٍ) هُوَ عَبْدُ رَبِّهِ بْنُ نَافِعٍ وَعَوْفٌ هُوَ الْأَعْرَابِيُّ، وَالسَّنَدُ كُلُّهُ بَصْرِيُّونَ إِلَّا ابْنَ يُونُسَ، وَأَبُو الْمِنْهَالِ هُوَ سَيَّارُ بْنُ سَلَامَةَ.
قَوْلُهُ: (لَمَّا كَانَ ابْنُ زِيَادٍ، وَمَرْوَانُ بِالشَّامِ وَثَبَ ابْنُ الزُّبَيْرِ بِمَكَّةَ وَوَثَبَ الْقُرَّاءُ بِالْبَصْرَةِ) ظَاهِرُهُ أَنَّ وُثُوبَ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَقَعَ بَعْدَ قِيَامِ ابْنِ زِيَادٍ، وَمَرْوَانَ بِالشَّامِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا وَقَعَ فِي الْكَلَامِ حَذْفٌ، وَتَحْرِيرُهُ مَا وَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ، عَنْ عَوْفٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْمِنْهَالِ قَالَ: لَمَّا كَانَ زَمَنُ أُخْرِجَ ابْنُ زِيَادٍ يَعْنِي مِنَ الْبَصْرَةِ وَثَبَ مَرْوَانُ بِالشَّامِ وَوَثَبَ ابْنُ الزُّبَيْرِ بِمَكَّةَ، وَوَثَبَ الَّذِينَ يُدْعَوْنَ الْقُرَّاءَ بِالْبَصْرَةِ غُمَّ أَبِي غَمًّا شَدِيدًا وَكَذَا أَخْرَجَهُ يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ فِي تَارِيخِهِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ عَوْفٍ وَلَفْظُهُ: وَثَبَ مَرْوَانُ بِالشَّامِ حَيْثُ وَثَبَ وَالْبَاقِي مِثْلَهُ، وَيُصَحِّحُ مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي شِهَابٍ بِأَنْ تُزَادَ وَاوٌ قَبْلَ قَوْلِهِ وَثَبَ ابْنُ الزُّبَيْرِ فَإِنَّ ابْنَ زِيَادٍ لَمَّا أُخْرِجَ مِنَ الْبَصْرَةِ تَوَجَّهَ إِلَى الشَّامِ فَقَامَ مَعَ مَرْوَانَ.
وَقَدْ ذَكَرَ الطَّبَرِيُّ بِأَسَانِيدِهِ مَا مُلَخَّصُهُ: أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ زِيَادٍ كَانَ أَمِيرًا بِالْبَصْرَةِ لِيَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، وَأَنَّهُ لَمَّا بَلَغَتْهُ وَفَاتُهُ خَطَبَ لِأَهْلِ الْبَصْرَةِ وَذَكَرَ مَا وَقَعَ مِنَ الِاخْتِلَافِ بِالشَّامِ، فَرَضِيَ أَهْلُ الْبَصْرَةِ أَنْ يَسْتَمِرَّ أَمِيرًا عَلَيْهِمْ حَتَّى يَجْتَمِعَ النَّاسُ عَلَى خَلِيفَةٍ فَمَكَثَ عَلَى ذَلِكَ قَلِيلًا، ثُمَّ قَامَ سَلَمَةُ بْنُ ذُؤَيْبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْيَرْبُوعِيُّ يَدْعُو إِلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ فَبَايَعَهُ جَمَاعَةٌ، فَبَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ زِيَادٍ وَأَرَادَ مِنْهُمْ كَفَّ سَلَمَةَ عَنْ ذَلِكَ فَلَمْ يُجِيبُوهُ، فَلَمَّا خَشِيَ عَلَى نَفْسِهِ الْقَتْلَ اسْتَجَارَ بِالْحَارِثِ بْنِ قَيْسِ بْنِ سُفْيَانَ فَأَرْدَفَهُ لَيْلًا إِلَى أَنْ أَتَى بِهِ مَسْعُودَ بْنَ عَمْرِو بْنِ عَدِيٍّ الْأَزْدِيَّ فَأَجَارَهُ، ثُمَّ وَقَعَ بَيْنَ أَهْلِ الْبَصْرَةِ اخْتِلَافٌ فَأَمَّرُوا عَلَيْهِمْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ الْمُلَقَّبَ بَبَّهْ بِمُوَحَّدَتَيْنِ الثَّانِيَةُ ثَقِيلَةٌ وَأُمُّهُ هِنْدُ بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ، وَوَقَعَتِ الْحَرْبُ وَقَامَ مَسْعُودٌ بِأَمْرِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ فَقُتِلَ مَسْعُودٌ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ زِيَادٍ فَهَرَبَ، فَتَبِعُوهُ وَانْتَهبوا مَا وَجَدُوا لَهُ، وَكَانَ مَسْعُودٌ رَتَّبَ مَعَهُ مِائَةَ نَفْسٍ يَحْرُسُونَهُ، فَقَدِمُوا بِهِ الشَّامَ قَبْلَ أَنْ يُبْرِمُوا أَمْرَهُمْ، فَوَجَدُوا مَرْوَانَ قَدْ هَمَّ أَنْ يَرْحَلَ إِلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ لِيُبَايِعَهُ وَيَسْتَأْمِنَ لِبَنِي أُمَيَّةَ، فَثَنَى رَأْيَهُ عَنْ ذَلِكَ، وَجَمَعَ مَنْ كَانَ يَهْوَى بَنِي أُمَيَّةَ وَتَوَجَّهُوا إِلَى دِمَشْقَ وَقَدْ بَايَعَ الضَّحَّاكُ بْنُ قَيْسٍ بِهَا لِابْنِ الزُّبَيْرِ، وَكَذَا النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ
بِحِمْصَ، وَكَذَا نَاتِلٌ بِنُونٍ وَمُثَنَّاةٍ ابْنُ قَيْسٍ بِفِلَسْطِينَ، وَلَمْ يَبْقَ عَلَى رَأْيِ الْأُمَوِيِّينَ إِلَّا حَسَّانُ بْنُ بَحْدَلٍ بِمُوَحَّدَةٍ وَمُهْمَلَةٍ وَزْنُ جَعْفَرٍ وَهُوَ خَالُ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ وَهُوَ بِالْأُرْدُنِّ فِيمَنْ أَطَاعَهُ، فَكَانَتِ الْوَقْعَةُ بَيْنَ مَرْوَانَ وَمَنْ مَعَهُ وَبَيْنَ الضَّحَّاكِ بْنِ قَيْسٍ بِمَرْجِ رَاهِطٍ، فَقُتِلَ الضَّحَّاكُ وَتَفَرَّقَ جَمْعُهُ وَبَايَعُوا حِينَئِذٍ مَرْوَانَ بِالْخِلَافَةِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ مِنْهَا. وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ الدِّمَشْقِيُّ فِي تَارِيخِهِ: حَدَّثَنَا أَبُو مُسْهِرٍ عَبْدُ الْأَعْلَى قَالَ: بُويِعَ لِمَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ، بَايَعَ لَهُ أَهْلُ الْأُرْدُنِّ وَطَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ دِمَشْقَ، وَسَائِرُ النَّاسِ زُبَيْرِيُّونَ، ثُمَّ اقْتَتَلَ مَرْوَانُ، وَشُعْبَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ بِمَرْجِ رَاهِطٍ فَغَلَبَ مَرْوَانُ وَصَارَتْ لَهُ الشَّامُ وَمِصْرُ، وَكَانَتْ مُدَّتُهُ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ فَهَلَكَ بِدِمَشْقَ وَعَهِدَ لِعَبْدِ الْمَلِكِ. وَقَالَ خَلِيفَةُ بْنُ خَيَّاطٍ فِي تَارِيخِهِ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ
جَدِّهِ وَأَبُو الْيَقْظَانِ وَغَيْرُهُمَا قَالُوا: قَدِمَ ابْنُ الزِّيَادِ الشَّامَ وَقَدْ بَايَعُوا ابْنَ الزُّبَيْرِ مَا خَلَا أَهْلَ الْجَابِيَةِ، ثُمَّ سَارُوا إِلَى مَرْجِ رَاهِطٍ فَذَكَرَ نَحْوَهُ، وَهَذَا يَدْفَعُ مَا تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ بَطَّالٍ أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ بَايَعَ مَرْوَانَ ثُمَّ نَكَثَ.
قَوْلُهُ: (وَوَثَبَ الْقُرَّاءُ بِالْبَصْرَةِ) يُرِيدُ الْخَوَارِجَ، وَكَانُوا قَدْ ثَارُوا بِالْبَصْرَةِ بَعْدَ خُرُوجِ ابْنِ زِيَادٍ وَرَئِيسُهُمْ نَافِعُ بْنُ الْأَزْرَقِ، ثُمَّ خَرَجُوا إِلَى الْأَهْوَازِ، وَقَدِ اسْتَوْفَى خَبَرَهُمُ الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُ، وَيُقَالُ إِنَّهُ أَرَادَ الَّذِينَ بَايَعُوا عَلَى قِتَالِ مَنْ قَتَلَ الْحُسَيْنَ وَسَارُوا مَعَ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ وَغَيْرِهِ مِنَ الْبَصْرَةِ إِلَى جِهَةِ الشَّامِ فَلَقِيَهُمْ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ فِي جَيْشِ الشَّامِ مِنْ قِبَلِ مَرْوَانَ فَقُتِلُوا بِعَيْنِ الْوَرْدَةِ، وَقَدْ قَصَّ قِصَّتَهُمُ الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُ.
قَوْلُهُ: (فَانْطَلَقْتُ مَعَ أَبِي إِلَى أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ) فِي رِوَايَةِ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ: فَقَالَ لِي أَبِي وَكَانَ يُثْنِي عَلَيْهِ خَيْرًا: انْطَلِقْ بِنَا إِلَى هَذَا الرَّجُلِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ، فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ حَتَّى دَخَلْنَا عَلَيْهِ، وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ عَوْفٍ: فَقَالَ أَبِي: انْطَلِقْ بِنَا لَا أَبَا لَكَ إِلَى هَذَا الرَّجُلِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى أَبِي بَرْزَةَ، وَعِنْدَ يَعْقُوبَ بْنِ سُفْيَانَ، عَنْ سُكَيْنِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ أَبِي عَلَى أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ، وَإِنَّ فِي أُذُنَيَّ يَوْمَئِذٍ لِقُرْطَيْنِ، وَإِنِّي لَغُلَامٌ.
قَوْلُهُ: (فِي ظِلِّ عُلِّيَّةٍ لَهُ مِنْ قَصَبٍ) زَادَ فِي رِوَايَةِ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ: فِي يَوْمٍ حَارٍّ شَدِيدِ الْحَرِّ، وَالْعُلِّيَّةُ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَبِكَسْرِهَا وَكَسْرِ اللَّامِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّةِ هِيَ الْغُرْفَةُ، وَجَمْعُهَا: عَلَالِيُّ، وَالْأَصْلُ عُلِّيْوَةٌ، فَأُبْدِلَتِ الْوَاوُ يَاءً وَأُدْغِمَتْ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ الْمُبَارَكِ: فِي ظِلِّ عُلُّولَةٍ.
قَوْلُهُ: (يَسْتَطْعِمُهُ الْحَدِيثَ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: بِالْحَدِيثِ أَيْ يَسْتَفْتِحُ الْحَدِيثَ، وَيَطْلُبُ مِنْهُ التَّحْدِيثَ.
قَوْلُهُ: (إِنِّي احْتَسَبْتُ عِنْدَ اللَّهِ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: أَحْتَسِبُ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ، وَمَعْنَاهُ: أَنَّهُ يَطْلُبُ بِسُخْطِهِ عَلَى الطَّوَائِفِ الْمَذْكُورِينَ مِنَ اللَّهِ الْأَجْرَ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْحُبَّ فِي اللَّهِ وَالْبُغْضَ فِي اللَّهِ مِنَ الْإِيمَانِ.
قَوْلُهُ: (سَاخِطًا) فِي رِوَايَةِ سُكَيْنٍ لَائِمًا.
قَوْلُهُ: (إِنَّكُمْ يَا مَعْشَرَ الْعَرَبِ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْمُبَارَكِ الْعَرِيبِ.
قَوْلُهُ: (كُنْتُمْ عَلَى الْحَالِ الَّذِي عَلِمْتُمْ) فِي رِوَايَةِ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ: عَلَى الْحَالِ الَّتِي كُنْتُمْ عَلَيْهَا فِي جَاهِلِيَّتِكُمْ، قَوْلُهُ: (وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَنْقَذَكُمْ بِالْإِسْلَامِ، وَبِمُحَمَّدٍ ﵊ فِي رِوَايَةِ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ: وَإِنَّ اللَّهَ نَعَشَكُمْ، بِفَتْحِ النُّونِ وَالْمُهْمَلَةِ ثُمَّ مُعْجَمَةٍ، وَسَيَأْتِي فِي أَوَائِلِ الِاعْتِصَامِ مِنْ رِوَايَةِ مُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَوْفٍ: أَنَّ أَبَا الْمِنْهَالِ حَدَّثَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا بَرْزَةَ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ يُغْنِيكُمْ، قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ هُوَ الْبُخَارِيُّ: وَقَعَ هُنَا يُغْنِيكُمْ، يَعْنِي بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا نُونٌ مَكْسُورَةٌ ثُمَّ تَحْتَانِيَّةٌ سَاكِنَةٌ، قَالَ: وَإِنَّمَا هُوَ: نَعَشَكُمْ، يُنْظَرُ فِي أَصْلِ الِاعْتِصَامِ، كَذَا وَقَعَ عِنْدَ الْمُسْتَمْلِي، وَوَقَعَ عِنْدَ ابْنِ السَّكَنِ: نَعَشَكُمْ، عَلَى الصَّوَابِ، وَمَعْنَى نَعَشَكُمْ: رَفَعَكُمْ وَزْنُهُ وَمَعْنَاهُ، وَقِيلَ: عَضَّدَكُمْ وَقَوَّاكُمْ.
قَوْلُهُ: (إِنَّ ذَاكَ الَّذِي بِالشَّامِ) زَادَ يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ: يَعْنِي مَرْوَانَ وَفِي رِوَايَةِ سُكَيْنٍ: عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى.
قَوْلُهُ: (وَإِنَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ) فِي رِوَايَةِ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ، وَابْنِ الْمُبَارَكِ نَحْوُهُ: إِنَّ الَّذِينَ حَوْلَكُمُ الَّذِينَ تَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ قُرَّاؤُكُمْ، وَفِي رِوَايَةِ سُكَيْنٍ، وَذَكَرَ نَافِعُ بْنُ الْأَزْرَقِ وَزَادَ فِي آخِرِهِ فَقَالَ أَبِي: فَمَا تَأْمُرُنِي إِذًا؟ فَإِنِّي لَا أَرَاكَ تَرَكْتَ أَحَدًا، قَالَ: لَا أَرَى خَيْرَ النَّاسِ الْيَوْمَ إِلَّا عِصَابَةً خِمَاصَ الْبُطُونِ مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ خِفَافَ الظُّهُورِ مِنْ دِمَائِهِمْ، وَفِي رِوَايَةِ سُكَيْنٍ: إِنَّ أَحَبَّ النَّاسِ إِلَيَّ لَهَذِهِ الْعِصَابَةُ الْخَمِصَةُ بُطُونُهُمْ مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ الْخَفِيفَةُ ظُهُورُهُمْ مِنْ دِمَائِهِمْ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَبَا بَرْزَةَ كَانَ يَرَى الِانْعِزَالَ فِي الْفِتْنَةِ وَتَرْكَ الدُّخُولِ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِنْ قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ ذَلِكَ فِي طَلَبِ الْمُلْكِ. وَفِيهِ اسْتِشَارَةُ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ عِنْدَ نُزُولِ الْفِتَنِ، وَبَذْلُ الْعَالِمِ النَّصِيحَةَ لِمَنْ يَسْتَشِيرُهُ، وَفِيهِ الِاكْتِفَاءُ فِي إِنْكَارِ الْمُنْكَرِ بِالْقَوْلِ، وَلَوْ فِي غَيْبَةِ مَنْ يُنْكِرُ عَلَيْهِ؛ لِيَتَّعِظَ مَنْ يَسْمَعُهُ، فَيَحْذَرَ مِنَ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
وإسقاط الفوقيَّة، أي: أنِّي أطلب (عند الله أنِّي) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «إذ» (أَصْبَحْتُ سَاخِطًا عَلَى أَحْيَاءِ قُرَيْشٍ) أي: على قبائلهم (إِنَّكُمْ -يَا مَعْشَرَ العَرَبِ- كُنْتُمْ عَلَى الحَالِ الَّذِي عَلِمْتُمْ مِنَ الذِّلَّةِ وَالقِلَّةِ وَالضَّلَالَةِ، وَإِنَّ اللهَ أَنْقَذَكُمْ) -بالقاف والذَّال المعجمة- من ذلك (بِالإِسْلَامِ وَبِمُحَمَّدٍ ﷺ حَتَّى بَلَغَ بِكُمْ مَا تَرَوْنَ) من العزَّة والكثرة والهداية (وَهَذِهِ الدُّنْيَا الَّتِي أَفْسَدَتْ بَيْنَكُمْ، إِنَّ ذَاكَ الَّذِي بِالشَّأْمِ) يعني: مروان بن الحكم (وَاللهِ إِنْ) بكسر الهمزة وسكون النُّون (يُقَاتِلُ إِلَّا عَلَى الدُّنْيَا، وإنَّ) بتشديد النُّون (هؤُلَاءِ الَّذِينَ بَيْنَ أظْهُرِكُمْ) وفي رواية يزيد بن زُرَيعٍ: «إنَّ الذين حولكم يزعمون أنَّهم قُرَّاؤكم» (وَاللهِ إنْ يُقاتِلُونَ إلَّا علَى الدُّنيا، وإنَّ ذاكَ الَّذي بِمَكَّة) يعني: عبد الله بن الزُّبير (واللهِ إنْ يُقاتِلُ إلَّا علَى الدُّنْيا) وقوله: «وإنَّ هؤلاء … » إلى آخره ثابتٌ في رواية أبي ذرٍّ ساقطٌ لغيره، ومطابقة الحديث للتَّرجمة من جهة أنَّ الذين عابهم أبو بَرْزة كانوا يُظهِرون أنَّهم يقاتلون لأجل القيام بأمر الدِّين ونصر الحقِّ، وكانوا في الباطن إنَّما يقاتلون لأجل الدُّنيا.
٧١١٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ) أبو الحسن العسقلانيُّ، الخراسانيُّ (١) الأصل قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ وَاصِلٍ الأَحْدَبِ) بن حيَّان الأسديِّ الكوفيِّ (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيق بن سلمة (عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمَانِ) واسم اليمان (٢): حُسَيلٌ -بضمِّ الحاء وفتح السِّين المهملتين آخره لامٌ- العبسيِّ -بالموحَّدة- ﵁ أنَّه (قَالَ: إِنَّ المُنَافِقِينَ اليَوْمَ شَرٌّ مِنْهُمْ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ، كَانُوا يَوْمَئِذٍ يُسِرُّونَ) الكفر، فلا يتعدَّى شرُّهم إلى غيرهم (وَاليَوْمَ يَجْهَرُونَ) به، فيخرجون على الأئمَّة، ويوقعون الشَّرَّ بين الفِرَق (٣)، فيتعدَّى شرُّهم لغيرهم، وعند البزَّار من طريق عاصمٍ عن أبي وائلٍ: قلت لحذيفة: النِّفاق اليوم شرٌّ أم على عهد رسول الله ﷺ؟ قال: فضرب يده على جبهته، وقال: أوَّه! هو اليوم ظاهرٌ، وإنَّهم كانوا
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
الصُّلْح فَقيل: فِي سنة أَرْبَعِينَ، وَقيل: فِي سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين، وَالأَصَح أَنه تمّ فِي هَذِه السّنة وَلِهَذَا كَانَ يُقَال لَهُ: عَام الْجَمَاعَة، لِاجْتِمَاع الْكَلِمَة فِيهِ على مُعَاوِيَة.
قَوْله: قَالَ الْحسن أَي: الْبَصْرِيّ وَهُوَ مَوْصُول بالسند الْمُتَقَدّم. قَوْله: وَلَقَد سَمِعت أَبَا بكرَة هُوَ نفيع بن الْحَارِث الثَّقَفِيّ، وَفِيه تَصْرِيح بِسَمَاع الْحسن عَن أبي بكرَة. قَوْله: ابْني هَذَا أطلق الابْن على ابْن الْبِنْت. قَوْله: وَلَعَلَّ الله اسْتعْمل: لَعَلَّ، اسْتِعْمَال عَسى لاشْتِرَاكهمَا فِي الرَّجَاء، وَالْأَشْهر فِي خبر لَعَلَّ بِغَيْر: أَن، كَقَوْلِه تَعَالَى: {ياأيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُواْ الْعِدَّةَ وَاتَّقُواْ اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَاّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِى لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً} قَوْله: فئتين زَاد عبد الله بن مُحَمَّد فِي رِوَايَته: عظيمتين، وَحَدِيث الْحسن هَذَا قد مضى فِي كتاب الصُّلْح بأتم مِنْهُ.
وَفِيه من الْفَوَائِد: علم من أَعْلَام النُّبُوَّة، ومنقبة لِلْحسنِ بن عَليّ لِأَنَّهُ ترك الْخلَافَة لَا لعِلَّة وَلَا لذلة وَلَا لقلَّة بل لحقن دِمَاء الْمُسلمين. وَفِيه: ولَايَة الْمَفْضُول الْخلَافَة مَعَ وجود الْأَفْضَل لِأَن الْحسن وَمُعَاوِيَة ولي كل مِنْهُمَا الْخلَافَة، وَسعد بن أبي وَقاص وَسَعِيد بن زيد فِي الْحَيَاة، وهما بدريان، قَالَه ابْن التِّين. وَفِيه: جَوَاز خلع الْخَلِيفَة نَفسه إِذا رأى فِي ذَلِك صلاحاً للْمُسلمين. وَجَوَاز أَخذ المَال على ذَلِك وإعطائه بعد اسْتِيفَاء شَرَائِطه بِأَن يكون المنزول لَهُ أولى من النَّازِل، وَأَن يكون المبذول من مَال الْبَاذِل.
٧١١٠ - حدّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله، حدّثنا سُفْيانُ قَالَ: قَالَ عَمْرٌ و: أَخْبرنِي مُحَمَّدُ بنُ عَلِيَ أنَّ حَرْمَلَةَ مَوْلى أُسَامَةَ أخْبَرَهُ قَالَ عَمْرٌ و: وقَدْ رأيْتُ حَرْمَلَةَ قَالَ: أرْسَلَنِي أُسامَةُ إِلَى عَلِيَ وَقَالَ: إنّهُ سَيَسَألُكَ الآنَ فَيَقُولُ مَا خَلَّفَ صاحِبَكَ؟ فقُلْ لهُ: يَقُولُ لَكَ: لَوْ كُنْتَ فِي شِدْقِ الأسَد لأحْبَبْتُ أنْ أكُونَ مَعَكَ فِيهِ، ولاكِنَّ هِذَا أمْرٌ لَمْ أرَهُ فَلَمْ يُعْطِني شَيْئاً، فَذَهَبْتُ إِلَى حَسَنٍ وحُسَيْنٍ وابنِ جَعْفَرٍ فأوْقَرُوا إِلَيّ راحِلَتِي.
مطابقته للتَّرْجَمَة يُمكن أَن تُؤْخَذ من قَوْله: فَذَهَبت إِلَى حسن وحسين إِلَى آخِره. فَإِن فِيهِ دلَالَة على غَايَة كرم الْحسن وسيادته لِأَن الْكَرِيم يصلح أَن يكون سيداً.
وَأخرجه عَن عَليّ بن عبد الله بن الْمَدِينِيّ عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن عَمْرو بن دِينَار عَن مُحَمَّد بن عَليّ بن الْحُسَيْن بن عَليّ أبي جَعْفَر الباقر عَن حَرْمَلَة مولى أُسَامَة بن زيد.
وَفِي هَذَا السَّنَد ثَلَاثَة من التَّابِعين فِي نسق عَمْرو وَأَبُو جَعْفَر وحرملة. وَهَذَا الحَدِيث من أَفْرَاده.
قَوْله: أَرْسلنِي أُسَامَة إِلَى عَليّ أَي: من الْمَدِينَة إِلَى عَليّ وَهُوَ بِالْكُوفَةِ، وَلم يذكر مَضْمُون الرسَالَة، وَلَكِن قَوْله: فَلم يُعْطِنِي شَيْئا دلّ على أَنه كَانَ أرْسلهُ يسْأَل عليا شَيْئا من المَال. قَوْله: وَقَالَ: إِنَّه أَي: وَقَالَ أُسَامَة لحرملة: إِنَّه أَي: عليا سيسألك الْآن فَيَقُول: مَا خلف صَاحبك؟ أَي: مَا السَّبَب فِي تخلفه عَن مساعدتي. قَوْله: فَقل لَهُ أَي لعَلي: يَقُول لَك أُسَامَة: لَو كنت فِي شدقه الْأسد لأحببت أَن أكون مَعَك فِيهِ أَي: فِي شدق الْأسد، وَهُوَ بِكَسْر الشين الْمُعْجَمَة وَيجوز فتحهَا وَسُكُون الدَّال الْمُهْملَة وبالقاف، وَهُوَ جَانب الْفَم من دَاخل، وَلكُل فَم شدقان إِلَيْهِمَا يَنْتَهِي شدقه الْفَم، وَهَذَا الْكَلَام كِنَايَة عَن الْمُوَافقَة فِي حَالَة الْمَوْت لِأَن الَّذِي يفترسه الْأسد بِحَيْثُ يَجعله فِي شدقه فِي عداد من هلك. قَوْله: وَلَكِن هَذَا أَمر لم أره يَعْنِي: قتال الْمُسلمين، وَكَانَ قد تخلف لأجل كَرَاهَته قتال الْمُسلمين، وَسَببه أَنه لما قتل مرداساً وعاتبه النَّبِي على ذَلِك قرر على نَفسه أَن لَا يُقَاتل مُسلما. قَوْله: فَلم يُعْطِنِي شَيْئا هَذِه الْفَاء فَاء الفصيحة، وَالتَّقْدِير: فَذَهَبت إِلَى عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فبلغته ذَلِك فَلم يُعْطِنِي شَيْئا. قَوْله: فأوقروا إِلَيّ رَاحِلَتي أَي: حملُوا إِلَيّ على رَاحِلَتي مَا أطاقت حمله، وَلم يعين جنس مَا أَعْطوهُ وَلَا نَوعه، وَالرَّاحِلَة النَّاقة الَّتِي صلحت للرُّكُوب من الْإِبِل ذكرا كَانَ أَو أُنْثَى، وَأكْثر مَا يُطلق الوقر بِكَسْر الْوَاو على مَا يحمل الْبَغْل وَالْحمار، وَأما حمل الْبَعِير فَيُقَال لَهُ: الوسق.
٢١ - (بابٌ إذَا قَالَ عِنْدَ قَوْمٍ شَيْئاً ثُمَّ خَرَجَ فَقَالَ بِخِلَافِهِ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا قَالَ أحد عِنْد قوم شَيْئا ثمَّ خرج من عِنْدهم فَقَالَ بِخِلَاف مَا قَالَه. وَفِي التَّوْضِيح معنى التَّرْجَمَة إِنَّمَا هُوَ فِي خلع أهل الْمَدِينَة يزِيد بن مُعَاوِيَة ورجوعهم عَن بيعَته، وَمَا قَالُوا لَهُ، وَقَالُوا بِغَيْر حَضرته خلاف مَا قَالُوا بِحَضْرَتِهِ.
٧١١١ - حدّثنا سُلَيْمانُ بنُ حَرْبٍ، حدّثنا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ، عنْ أيُّوبَ، عنْ نافِعٍ قَالَ: لمّا خَلَعَ أهْلُ
المَدِينَةِ يَزِيدَ بنَ مُعاوِيَةَ جَمَعَ ابنُ عُمَرَ حَشَمَهُ وولَدَهُ، إنِّي سَمِعْتُ النبيَّ يَقُولُ يُنْصَبُ لِكُلِّ غادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ القِيامَةِ وإنّا قَدْ بايَعْنا هاذَا الرَّجُلَ عَلى بَيْعِ الله ورسولهِ، وإنِّي لَا أعْلَمُ غَدْراً أعْظَمَ مِنْ أنْ يُبايَعَ رجُلٌ عَلى بَيْع الله ورسولِهِ، ثُمَّ يُنْصَبُ لهُ القِتالُ، وإنِّي لَا أعْلَمُ أحَداً مِنْكُمْ خَلَعَهُ وَلَا بايَعَ فِي هاذَا الأمْرِ إلاّ كانَتِ الفَيْصَلَ بَيْني وبَيْنَهُ
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِي القَوْل فِي الْغَيْبَة بِخِلَاف مَا فِي الْحُضُور نوع غدر.
وَأَيوب هُوَ السّخْتِيَانِيّ. والْحَدِيث، مضى فِي الْجِزْيَة. وَأخرجه مُسلم فِي الْمَغَازِي عَن أبي الرّبيع.
قَوْله: حشمه أَي: خاصته الَّذين يغضبون لَهُ. قَوْله: لكل غادر من الْغدر وَهُوَ ترك الْوَفَاء بالعهد. قَوْله: لِوَاء أَي: راية. قَوْله: وَإِنَّا قد بَايعنَا هَذَا الرجل أَي: يزِيد. قَوْله: على بيع الله وَرَسُوله أَي: على شَرط مَا أَمر الله بِهِ من الْبيعَة. قَوْله: من أَن يُبَايع من الْمُبَايعَة وَأَصله: من الْبيعَة، وَهِي الصَّفْقَة من البيع وَذَلِكَ أَن من بَايع سُلْطَانه فقد أعطَاهُ الطَّاعَة وَأخذ مِنْهُ الْعَطِيَّة، فَأَشْبَهت البيع الَّذِي فِيهِ الْمُعَاوضَة من أَخذ وَعَطَاء. قَوْله: ثمَّ ينصب لَهُ الْقِتَال بِفَتْح أَوله وَفِي رِوَايَة مُؤَمل: نصب لَهُ الْقِتَال. قَوْله: وَلَا أعلم أحدا مِنْكُم خلعه أَي: يزِيد عَن الْخلَافَة وَلم يبايعه فِيهَا. قَوْله: وَلَا تَابع بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة من فَوق، كَذَا قَالَه الْكرْمَانِي. قلت: هَذَا قَول الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني وَلَا بَايع، بِالْبَاء الْمُوَحدَة وبالياء آخر الْحُرُوف. قَوْله: إلَاّ كَانَت الفيصل إِنَّمَا أنث: كَانَت، بِاعْتِبَار الخلعة والمتابعة، ويروى: إلَّا كَانَ، بالتذكير وَهُوَ الأَصْل، والفيصل بِفَتْح الصَّاد الحاجز والفارق والقطاع، وَقيل: هُوَ بِمَعْنى الْقطع وَالْيَاء فِيهِ زَائِدَة لِأَنَّهُ من الْفَصْل، وَهُوَ الْقطع يُقَال: فصل الشَّيْء قطعه.
٧١١٢ - حدّثنا أحْمَدُ بنُ يُونسَ، حَدثنَا أبُو شِهابٍ، عنْ عَوْف عنْ أبي المِنْهالِ قَالَ: لمّا كانَ ابنُ زِيادٍ ومَرْوَانُ بالشّأْمِ ووثَبَ ابنُ الزُّبَيْرِ بِمَكَّةَ ووثَبَ القُرَّاءُ بالبَصْرَةِ فانْطَلَقْتُ مَع أبي إِلَى أبي بَرْزَةَ الأسْلَمِيِّ حتَّى دخَلْنا عَليْهِ فِي دارِهِ وهْوَ جالِسٌ فِي ظِلِّ عُلِّيَّةٍ لهُ مِنْ قَصَبٍ، فَجَلَسْنا إليْهِ فأنْشَأ أبي يَسْتَطْعِمُهُ الحَدِيثَ، فَقَالَ: يَا أَبَا بَرْزَةَ أَلا تَرَى مَا وقَعَ فِيهِ النَّاسُ؟ فأوَّلُ شَيءٍ سَمِعْتُهُ تَكَلِّمَ بِهِ: إنِّي احْتَسَبْتُ عِنْدَ الله أنِّي أصْبَحْتُ ساخِطاً عَلى أحْياءِ قُرَيْشٍ، إنَّكُمْ يَا مَعْشَرَ العَرَبِ كُنْتُمْ عَلى الحالِ الّذِي عَلِمْتُمْ مِنَ الذِّلِّةِ والقِلّةِ والضَّلالَةِ، وإنَّ الله أنْقذَكُمْ بالإسْلامِ وبِمُحَمَّدٍ حتَّى بَلغَ بِكُمْ مَا تَرَوْنَ، وهاذِهِ الدُّنْيا الّتي أفْسَدَتْ بَيْنَكُمْ، إنَّ ذَاكَ الَّذِي بالشَّأْمِ وَالله إنْ يُقاتِلُ إلّا عَلى الدُّنْيا، وإنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ بَيْنَ أظْهُرِكُمْ وَالله إنْ يُقاتِلُونَ إلاّ على الدُّنيْا.
(الحَدِيث ٧١١٢ طرفه فِي: ٧٢٧١
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن الَّذِي عَلَيْهِم أَبُو بَرزَة كَانُوا يظهرون أَنهم يُقَاتلُون لأجل الْقيام بِأَمْر الدّين وَنصر الْحق، وَكَانُوا فِي الْبَاطِن إِنَّمَا يُقَاتلُون لأجل الدُّنْيَا.
وَأحمد بن يُونُس هُوَ أَحْمد بن عبد الله بن يُونُس أَبُو عبد الله التَّمِيمِي الْيَرْبُوعي الْكُوفِي وَهُوَ شيخ مُسلم أَيْضا، وَأَبُو شهَاب هُوَ عبد ربه بن نَافِع المدايني الحناط بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالنُّون وَهُوَ أَبُو شهَاب الْأَصْغَر، وعَوْف بِالْفَاءِ الْمَشْهُور بالأعرابي، وَأَبُو الْمنْهَال بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون النُّون سيار بن سَلامَة.
قَوْله: لما كَانَ ابْن زِيَاد بِكَسْر الزَّاي وَتَخْفِيف الْيَاء آخر الْحُرُوف ابْن أبي سُفْيَان الْأمَوِي بالاستلحاق، ومروان هُوَ ابْن الحكم بن أبي الْعَاصِ ابْن عَم عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَوْله: وثب ابْن الزبير الْوَاو فِيهِ للْحَال أَي: وثب على الْخلَافَة عبد الله بن الزبير، ظَاهر الْكَلَام أَن وثوب ابْن الزبير وَقع بعد قيام ابْن زِيَاد ومروان بِالشَّام، وَلَيْسَ كَذَلِك، وَإِنَّمَا وَقع فِي الْكَلَام حذف وتحريره مَا وَقع عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق يزِيد بن زُرَيْع عَن عَوْف قَالَ: حَدثنَا أَبُو الْمنْهَال قَالَ: لما كَانَ زمن خُرُوج ابْن زِيَاد يعْنى من الْبَصْرَة وثب مَرْوَان بِالشَّام ووثب ابْن الزبير بِمَكَّة ووثب الَّذين يدعونَ الْقُرَّاء بِالْبَصْرَةِ، غم أبي غماً شَدِيدا، وَتَصْحِيح مَا وَقع فِي رِوَايَة ابْن شهَاب بِأَن يُزَاد
وَاو قبل قَوْله: وثب ابْن الزبير، بِأَن ابْن زِيَاد لما أخرج من الْبَصْرَة توجه إِلَى الشَّام فَقَامَ مَعَ مَرْوَان. قلت: فَلذَلِك وَقع الْوَاو فِي بعض النّسخ قبل قَوْله: وثب ابْن الزبير، وَوَقع فِي بعض النّسخ بِدُونِ زِيَادَة الْوَاو. فَإِن قلت: مَا جَوَاب: لما، فِي قَوْله: لما كَانَ ابْن زِيَاد ومروان بِالشَّام؟ . قلت: على عدم زِيَادَة الْوَاو هُوَ قَوْله: وثب وعَلى تَقْدِير الْوَاو يكون الْجَواب قَوْله: فَانْطَلَقت مَعَ أبي وَالْفَاء يدْخل فِي جَوَابه كَقَوْلِه تَعَالَى: {وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَّوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُاْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِئَايَاتِنَآ إِلَاّ كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ} قَوْله: ووثب الْقُرَّاء بِالْبَصْرَةِ والقراء جمع قارىء وهم طَائِفَة سموا أنفسهم توابين لتوبتهم وندامتهم على ترك مساعدة الْحُسَيْن، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَكَانَ أَمِيرهمْ سُلَيْمَان بن صرد بِضَم الصَّاد الْمُهْملَة وَفتح الرَّاء الْخُزَاعِيّ كَانَ فَاضلا قَارِئًا عابداً، وَكَانَ دَعوَاهُم: إِنَّا، نطلب دم الْحُسَيْن وَلَا نُرِيد الإثارة، غلبوا على الْبَصْرَة ونواحيها وَهَذَا كُله عِنْد موت مُعَاوِيَة بن يزِيد بن مُعَاوِيَة. قَوْله: فَانْطَلَقت مَعَ أبي قَائِله أَبُو الْمنْهَال، وَأَبُو سَلامَة الريَاحي. قَوْله: إِلَى أبي بَرزَة بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَإِسْكَان الرَّاء وبالزاي واسْمه نَضْلَة بِفَتْح النُّون وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة الْأَسْلَمِيّ الصَّحَابِيّ غزا خُرَاسَان فَمَاتَ بهَا. قَوْله: هُوَ جَالس الْوَاو فِيهِ للْحَال. قَوْله: فِي ظلّ علية بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَكسرهَا وَتَشْديد اللَّام وَالْيَاء آخر الْحُرُوف وَهِي الغرفة وَيجمع على علالي وأصل علية عليوة فأبدلت الْوَاو يَاء وأدغمت الْيَاء فِي الْيَاء. قَوْله: فَأَنْشَأَ أبي أَي: جعل أبي يستطعمه الحَدِيث أَي: يستفتحه وَيطْلب مِنْهُ التحديث. قَوْله: فَقَالَ: يَا با بَرزَة فحذفت الْألف للتَّخْفِيف. قَوْله: إِنِّي احتسبت عِنْد الله أَي: تقربت إِلَيْهِ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: احتسب، قيل مَعْنَاهُ أَنه يطْلب بسخطه على الطوائف الْمَذْكُورين من الله الْأجر على ذَلِك لِأَن الْحبّ فِي الله والبغض فِي الله من الْإِيمَان. قَوْله: ساخطاً حَال، ويروى: لائماً. قَوْله: على أَحيَاء قُرَيْش أَي: على قبائلهم. قَوْله: إِنَّكُم معشر الْعَرَب وَفِي رِوَايَة ابْن الْمُبَارك: العريب. قَوْله: كُنْتُم على الْحَال الَّذِي علمْتُم وَفِي رِوَايَة يزِيد بن زُرَيْع: على الْحَال الَّتِي كُنْتُم عَلَيْهَا فِي جاهليتكم. قَوْله: حَتَّى بلغ بكم مَا ترَوْنَ أَي: من الْعِزَّة وَالْكَثْرَة وَالْهِدَايَة. قَوْله: إِن ذَاك الَّذِي بِالشَّام يَعْنِي: مَرْوَان بن الحكم وَالله إِن يُقَاتل أَي: مَا يُقَاتل إِلَّا على الدُّنْيَا
وإنَّ ذَاكَ الّذِي بِمَكَّةَ وَالله إنْ يُقاتِلُ إلاّ على الدُّنيْا، وإنَّ هاؤلاءِ الّذِين بَيْنَ أظْهرِكُمْ وَالله إنْ يُقاتِلُونَ إلاّ على الدُّنيْا.
هَذَا أَيْضا من جملَة كَلَام أبي بَرزَة، وَلَا يُوجد إلَاّ فِي بعض النّسخ. قَوْله: وَإِن ذَاك الَّذِي بِمَكَّة أَرَادَ بِهِ عبد الله بن الزبير. قَوْله: وَإِن هَؤُلَاءِ الَّذين بَين أظْهركُم أَرَادَ بهم الْقُرَّاء، توضحه رِوَايَة ابْن الْمُبَارك: إِن الَّذين حَوْلكُمْ الَّذين يَزْعمُونَ أَنهم قراؤهم. قَوْله: إِن بِكَسْر الْهمزَة وَسُكُون النُّون بعد قَوْله: وَالله كلمة النَّفْي.
٧١١٣ - حدّثنا آدَمُ بنُ أبي إياسٍ، حدّثنا شُعْبَةُ، عنْ واصِلٍ الأحْدَبِ، عنْ أبي وائِلٍ، عنْ حُذَيْفَةَ بنِ اليَمانِ قَالَ: إنَّ المُنافِقِينَ اليَوْمَ شَرٌّ مِنْهُمْ عَلى عَهْدِ النبيِّ كانُوا يَوْمَئِذٍ يُسِرُّونَ واليَوْمَ يَجْهَرُونَ.
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن جهرهم بالنفاق وَشهر السِّلَاح على النَّاس بِخِلَاف مَا بذلوه من الطَّاعَة حِين بَايعُوا أَولا.
وواصل هُوَ ابْن حَيَّان بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف الْأَسدي الْكُوفِي، يُقَال لَهُ: بياع السابري، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة، وَأَبُو وَائِل هُوَ شَقِيق بن سَلمَة.
والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ فِي التَّفْسِير عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم.
قَوْله: على عهد النَّبِي يتَعَلَّق بمقدر وَهُوَ نَحْو تاءين إِذْ لَا يجوز أَن يُقَال: هُوَ مُتَعَلق بالضمير الْقَائِم مقَام الْمُنَافِقين، إِذا الضَّمِير لَا يعْمل. قيل: إِنَّمَا كَانَ شرا لِأَن سرهم لَا يتَعَدَّى إِلَى غَيرهم، وَقَالَ ابْن التِّين: أَرَادَ أَنهم أظهرُوا من السِّرّ مَا لم يظْهر أُولَئِكَ فَإِنَّهُم لم يصرحوا بالْكفْر، وَإِنَّمَا هُوَ التفث يلقونه بأفواههم فَكَانُوا يعْرفُونَ بِهِ.
٧١١٤ - حدّثنا خَلّادٌ، حدّثنا مِسْعَرٌ، عنْ حَبِيب بنِ أبي ثابِت، عَن أبي الشَّعْثاءِ، عنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: إنّما كانَ النَّفاقُ عَلى عَهْدِ النبيِّ فأمَّا اليَوْمَ فإنّما هُوَ الكُفْرُ بَعْدَ الإيمانِ.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
حَتَّى دَخَلْنَا عَلَيْهِ فِي دَارِهِ وَهُوَ جَالِسٌ فِي ظِلِّ عُلِّيَّةٍ لَهُ مِنْ قَصَبٍ فَجَلَسْنَا إِلَيْهِ فَأَنْشَأَ أَبِي يَسْتَطْعِمُهُ الْحَدِيثَ فَقَالَ يَا أَبَا بَرْزَةَ أَلَا تَرَى مَا وَقَعَ فِيهِ النَّاسُ فَأَوَّلُ شَيْءٍ سَمِعْتُهُ تَكَلَّمَ بِهِ إِنِّي احْتَسَبْتُ عِنْدَ اللَّهِ أَنِّي أَصْبَحْتُ سَاخِطًا عَلَى أَحْيَاءِ قُرَيْشٍ إِنَّكُمْ يَا مَعْشَرَ الْعَرَبِ كُنْتُمْ عَلَى الْحَالِ الَّذِي عَلِمْتُمْ مِنْ الذِّلَّةِ وَالْقِلَّةِ وَالضَّلَالَةِ وَإِنَّ اللَّهَ أَنْقَذَكُمْ بِالإِسْلَامِ وَبِمُحَمَّدٍ ﷺ حَتَّى بَلَغَ بِكُمْ مَا تَرَوْنَ وَهَذِهِ الدُّنْيَا الَّتِي أَفْسَدَتْ بَيْنَكُمْ إِنَّ ذَاكَ الَّذِي بِالشَّأْمِ وَاللَّهِ إِنْ يُقَاتِلُ إِلاَّ عَلَى الدُّنْيَا وَإِنَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ وَاللَّهِ إِنْ يُقَاتِلُونَ إِلاَّ عَلَى الدُّنْيَا وَإِنْ ذَاكَ الَّذِي بِمَكَّةَ وَاللَّهِ إِنْ يُقَاتِلُ إِلاَّ عَلَى الدُّنْيَا"
[الحديث ٧١١٢ - طرفه في: ٧٢٧١]
٧١١٣ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ وَاصِلٍ الأَحْدَبِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ "عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ قَالَ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ الْيَوْمَ شَرٌّ مِنْهُمْ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ كَانُوا يَوْمَئِذٍ يُسِرُّونَ وَالْيَوْمَ يَجْهَرُونَ"
٧١١٤ - حَدَّثَنَا خَلَادٌ حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: إِنَّمَا كَانَ النِّفَاقُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ فَأَمَّا الْيَوْمَ فَإِنَّمَا هُوَ الْكُفْرُ بَعْدَ الإِيمَانِ"
قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا قَالَ عِنْدَ قَوْمٍ شَيْئًا ثُمَّ خَرَجَ فَقَالَ بِخِلَافِهِ) ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ: يُنْصَبُ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ وَفِيهِ قِصَّةٌ لِابْنِ عُمَرَ فِي بَيْعَةِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، وَحَدِيثَ أَبِي بَرْزَةَ فِي إِنْكَارِهِ عَلَى الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ عَلَى الْمُلْكِ مِنْ أَجْلِ الدُّنْيَا، وَحَدِيثَ حُذَيْفَةَ فِي الْمُنَافِقِينَ، وَمُطَابَقَةُ الْأَخِيرِ لِلتَّرْجَمَةِ ظَاهِرَةٌ، وَمُطَابِقَةُ الْأَوَّلِ لَهَا مِنْ جِهَةِ أَنَّ فِي الْقَوْلِ فِي الْغَيْبَةِ بِخِلَافِ مَا فِي الْحُضُورِ نَوْعُ غَدْرٍ، وَسَيَأْتِي فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ تَرْجَمَةُ مَا يُكْرَهُ مِنْ ثَنَاءِ السُّلْطَانِ، فَإِذَا خَرَجَ قَالَ غَيْرَ ذَلِكَ، وَذَكَرَ فِيهِ قَوْلَ ابْنِ عُمَرَ لِمَنْ سَأَلَهُ عَنِ الْقَوْلِ عِنْدَ الْأُمَرَاءِ بِخِلَافِ مَا يُقَالُ بَعْدَ الْخُرُوجِ عَنْهُمْ: كُنَّا نَعُدُّهُ نِفَاقًا، وَقَدْ وَقَعَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ أَنَّ الْأَمِيرَ الْمَسْئُولَ عَنْهُ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْأَحْكَامِ، وَمُطَابَقَةُ الثَّانِي مِنْ جِهَةِ أَنَّ الَّذِينَ عَابُوا أَبُو بَرْزَةَ كَانُوا يُظْهِرُونَ أَنَّهُمْ يُقَاتِلُونَ لِأَجْلِ الْقِيَامِ بِأَمْرِ الدِّينِ وَنَصْرِ الْحَقِّ وَكَانُوا فِي الْبَاطِنِ إِنَّمَا يُقَاتِلُونَ لِأَجْلِ الدُّنْيَا.
وَوَقَعَ لِابْنِ بَطَّالٍ هُنَا شَيْءٌ فِيهِ نَظَرٌ فَقَالَ: وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي بَرْزَةَ فَوَجْهُ مُوَافَقَتِهِ لِلتَّرْجَمَةِ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ لَمْ يَقُلْهُ أَبُو بَرْزَةَ عِنْدَ مَرْوَانَ حِينَ بَايَعَهُ، بَلْ بَايَعَ مَرْوَانَ وَاتَّبَعَهُ ثُمَّ سَخِطَ ذَلِكَ لَمَّا بَعُدَ عَنْهُ، وَلَعَلَّهُ أَرَادَ مِنْهُ أَنْ يَتْرُكَ مَا نُوزِعَ فِيهِ طَلَبًا لِمَا عِنْدَ اللَّهِ فِي الْآخِرَةِ، وَلَا يُقَاتِلُ عَلَيْهِ كَمَا فَعَلَ عُثْمَانُ يَعْنِي مِنْ عَدَمِ الْمُقَاتَلَةِ لَا مِنْ تَرْكِ الْخِلَافَةِ، فَلَمْ يُقَاتِلْ مَنْ نَازَعَهُ بَلْ تَرَكَ ذَلِكَ، وَكَمَا فَعَلَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ حِينَ تَرَكَ قِتَالَ مُعَاوِيَةَ حِينَ نَازَعَهُ الْخِلَافَةَ، فَسَخِطَ أَبُو بَرْزَةَ عَلَى مَرْوَانَ تَمَسُّكَهُ بِالْخِلَافَةِ وَالْقِتَالَ عَلَيْهَا، فَقَالَ لِأَبِي الْمِنْهَالِ وَابْنِهِ بِخِلَافِ مَا قَالَ لِمَرْوَانَ حِينَ بَايَعَ لَهُ.
قُلْتُ: وَدَعْوَاهُ أَنَّ أَبَا بَرْزَةَ بَايَعَ مَرْوَانَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، فَإِنَّ أَبَا بَرْزَةَ كَانَ مُقِيمًا بِالْبَصْرَةِ، وَمَرْوَانُ إِنَّمَا طَلَبَ الْخِلَافَةَ بِالشَّامِ، وَذَلِكَ أَنَّ يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ لَمَّا مَاتَ دَعَا ابْنَ الزُّبَيْرِ إِلَى نَفْسِهِ وَبَايَعُوهُ بِالْخِلَافَةِ، فَأَطَاعَهُ أَهْلُ الْحَرَمَيْنِ وَمِصْرَ وَالْعِرَاقِ وَمَا وَرَاءَهَا، وَبَايَعَ لَهُ الضَّحَّاكُ بْنُ قَيْسٍ الْفِهْرِيُّ بِالشَّامِ كُلِّهَا إِلَّا الْأُرْدُنَّ وَمَنْ بِهَا مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ وَمَنْ كَانَ عَلَى هَوَاهُمْ، حَتَّى هَمَّ مَرْوَانُ أَنْ يَرْحَلَ إِلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ وَيُبَايِعَهُ فَمَنَعُوهُ وَبَايَعُوا لَهُ بِالْخِلَافَةِ، وَحَارَبَ الضَّحَّاكَ بْنَ قَيْسٍ
فَهَزَمَهُ وَغَلَبَ عَلَى الشَّامِ، ثُمَّ تَوَجَّهَ إِلَى مِصْرَ فَغَلَبَ عَلَيْهَا، ثُمَّ مَاتَ فِي سَنَتِهِ فَبَايَعُوا بَعْدَهُ ابْنَهُ عَبْدَ الْمَلِكِ، وَقَدْ أَخْرَجَ ذَلِكَ الطَّبَرِيُّ وَاضِحًا، وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ بَعْضَهُ مِنْ رِوَايَةِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَفِيهِ أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ لَمَّا مَاتَ دَعَا مَرْوَانُ لِنَفْسِهِ فَأَجَابَهُ أَهْلُ فِلَسْطِينَ وَأَهْلُ حِمْصٍ فَقَاتَلَهُ الضَّحَّاكُ بْنُ قَيْسٍ بِمَرْجِ رَاهِطٍ فَقُتِلَ الضَّحَّاكُ ثُمَّ مَاتَ مَرْوَانُ وَقَامَ عَبْدُ الْمَلِكِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ الْحَجَّاجِ فِي قِتَالِهِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ وَقَتْلِهِ ثُمَّ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: وَأَمَّا يَمِينُهُ يَعْنِي أَبَا بَرْزَةَ عَلَى الَّذِي بِمَكَّةَ يَعْنِي ابْنَ الزُّبَيْرِ فَإِنَّهُ لَمَّا وَثَبَ بِمَكَّةَ بَعْدَ أَنْ دَخَلَ فِيمَا دَخَلَ فِيهِ الْمُسْلِمُونَ جَعَلَ أَبُو بَرْزَةَ ذَلِكَ نَكْثًا مِنْهُ وَحِرْصًا عَلَى الدُّنْيَا وَهُوَ أَيْ أَبُو بَرْزَةَ فِي هَذِهِ - أَيْ قِصَّةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ - أَقْوَى رَأْيًا مِنْهُ فِي الْأُولَى أَيْ قِصَّةِ مَرْوَانَ قَالَ: وَكَذَلِكَ الْقُرَّاءُ بِالْبَصْرَةِ، لِأَنَّ أَبَا بَرْزَةَ
كَانَ لَا يَرَى قِتَالَ الْمُسْلِمِينَ أَصْلًا، فَكَانَ يَرَى لِصَاحِبِ الْحَقِّ أَنْ يَتْرُكَ حَقَّهُ لِمَنْ نَازَعَهُ فِيهِ لِيُؤْجَرَ عَلَى ذَلِكَ وَيُمْدَحَ بِالْإِيثَارِ عَلَى نَفْسِهِ لِئَلَّا يَكُونَ سَبَبًا لِسَفْكِ الدِّمَاءِ انْتَهَى مُلَخَّصًا، وَمُقْتَضَى كَلَامِهِ أَنَّ مَرْوَانَ لَمَّا وَلِيَ الْخِلَافَةَ بَايَعَهُ النَّاسُ أَجْمَعُونَ، ثُمَّ نَكَثَ ابْنُ الزُّبَيْرِ بَيْعَتَهُ وَدَعَا إِلَى نَفْسِهِ، وَأَنْكَرَ عَلَيْهِ أَبُو بَرْزَةَ قِتَالَهُ عَلَى الْخِلَافَةِ بَعْدَ أَنْ دَخَلَ فِي طَاعَتِهِ وَبَايَعَهُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَالَّذِي ذَكَرْتُهُ هُوَ الَّذِي تَوَارَدَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْأَخْبَارِ بِالْأَسَانِيدِ الْجَيِّدَةِ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ لَمْ يُبَايِعْ لِمَرْوَانَ قَطُّ، بَلْ مَرْوَانُ هَمَّ أَنْ يُبَايِعَ لِابْنِ الزُّبَيْرِ ثُمَّ تَرَكَ ذَلِكَ وَدَعَا إِلَى نَفْسِهِ.
الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ: قَوْلُهُ: (لَمَّا خَلَعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ) فِي رِوَايَةِ أَبِي الْعَبَّاسِ السَّرَّاجِ فِي تَارِيخٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مَنِيعٍ، وَزِيَادِ بْنِ أَيُّوبَ، عَنْ عَفَّانَ، عَنْ صَخْرِ بْنِ جُوَيْرِيَةَ، عَنْ نَافِعٍ لَمَّا انْتَزَى أَهْلُ الْمَدِينَةِ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَخَلَعُوا يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ جَمَعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بَنِيهِ وَوَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ مُؤَمَّلِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ فِي أَوَّلِهِ مِنَ الزِّيَادَةِ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ مُعَاوِيَةَ أَرَادَ ابْنَ عُمَرَ عَلَى أَنْ يُبَايِعَ لِيَزِيدَ، فَأَبَى وَقَالَ لَا أُبَايِعُ لِأَمِيرَيْنِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ مُعَاوِيَةُ بِمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ فَأَخَذَهَا، فَدَسَّ إِلَيْهِ رَجُلًا فَقَالَ لَهُ مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تُبَايِعَ؟ فَقَالَ: إِنَّ ذَاكَ لِذَاكَ - يَعْنِي عَطَاءَ ذَلِكَ الْمَالِ لِأَجْلِ وُقُوعِ الْمُبَايَعَةِ - إِنَّ دِينِي عِنْدِي إِذًا لَرَخِيصٌ، فَلَمَّا مَاتَ مُعَاوِيَةُ كَتَبَ ابْنُ عُمَرَ إِلَى يَزِيدَ بِبَيْعَتِهِ، فَلَمَّا خَلَعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ فَذَكَرَهُ.
قُلْتُ: وَكَانَ السَّبَبُ فِيهِ مَا ذَكَرَهُ الطَّبَرِيُّ مُسْنَدًا أَنَّ يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ كَانَ أَمَّرَ عَلَى الْمَدِينَةِ ابْنَ عَمِّهِ عُثْمَانَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، فَأَوْفَدَ إِلَى يَزِيدَ جَمَاعَةً مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ غَسِيلِ الْمَلَائِكَةِ حَنْظَلَةَ بْنِ أَبِي عَامِرٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي عَمْرِو بْنِ حَفْصٍ الْمَخْزُومِيُّ فِي آخَرِينَ فَأَكْرَمَهُمْ وَأَجَازَهُمْ، فَرَجَعُوا فَأَظْهَرُوا عَيْبَهُ وَنَسَبُوهُ إِلَى شُرْبِ الْخَمْرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، ثُمَّ وَثَبُوا عَلَى عُثْمَانَ فَأَخْرَجُوهُ، وَخَلَعُوا يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ يَزِيدَ فَجَهَّزَ إِلَيْهِمْ جَيْشًا مَعَ مُسْلِمِ بْنِ عُقْبَةَ الْمُرِّيِّ وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْعُوَهُمْ ثَلَاثًا، فَإِنْ رَجَعُوا وَإِلَّا فَقَاتِلْهُمْ، فَإِذَا ظَهَرَتْ فَأَبِحْهَا لِلْجَيْشِ ثَلَاثًا ثُمَّ اكْفُفْ عَنْهُمْ. فَتَوَجَّهَ إِلَيْهِمْ فَوَصَلَ فِي ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ ثَلَاثِينَ فَحَارَبُوهُ، وَكَانَ الْأَمِيرُ عَلَى الْأَنْصَارِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حَنْظَلَةَ وَعَلَى قُرَيْشٍ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُطِيعٍ وَعَلَى غَيْرِهِمْ مِنَ الْقَبَائِلِ مَعْقِلَ بْنَ يَسَارٍ الْأَشْجَعِيَّ، وَكَانُوا اتَّخَذُوا خَنْدَقًا، فَلَمَّا وَقَعَتِ الْوَقْعَةُ انْهَزَمَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ، فَقُتِلَ ابْنُ حَنْظَلَةَ، وَفَرَّ ابْنُ مُطِيعٍ، وَأَبَاحَ مُسْلِمُ بْنُ عُقْبَةَ الْمَدِينَةَ ثَلَاثًا، فَقُتِلَ جَمَاعَةٌ صَبْرًا، مِنْهُمْ مَعْقِلُ بْنُ سِنَانٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْجَهْمِ بْنِ حُذَيْفَةَ، وَيَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَمْعَةَ وَبَايَعَ الْبَاقِينَ عَلَى أَنَّهُمْ خَوَلٌ لِيَزِيدَ.
وَأَخْرَجَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ إِلَى جُوَيْرِيَةَ بْنِ أَسْمَاءَ، سَمِعْتُ أَشْيَاخَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ يَتَحَدَّثُونَ أَنَّ مُعَاوِيَةَ لَمَّا احْتُضِرَ دَعَا يَزِيدَ فَقَالَ لَهُ: إِنَّ لَكَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ يَوْمًا، فَإِنْ فَعَلُوا فَارْمِهِمْ بِمُسْلِمِ بْنِ عُقْبَةَ فَإِنِّي عَرَفْتُ نَصِيحَتَهُ فَلَمَّا وَلِيَ يَزِيدُ وَفَدَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَنْظَلَةَ وَجَمَاعَةٌ فَأَكْرَمَهُمْ وَأَجَازَهُمْ، فَرَجَعَ فَحَرَّضَ النَّاسَ عَلَى يَزِيدَ وَعَابَهُ وَدَعَاهُمْ إِلَى خَلْعِ يَزِيدَ، فَأَجَابُوهُ. فَبَلَغَ يَزِيدَ فَجَهَّزَ إِلَيْهِمْ مُسْلِمَ بْنَ عُقْبَةَ، فَاسْتَقْبَلَهُمْ أَهْلُ الْمَدِينَةِ بِجُمُوعٍ كَثِيرَةٍ،
فَهَابَهُمْ أَهْلُ الشَّامِ وَكَرِهُوا قِتَالَهُمْ، فَلَمَّا نَشِبَ الْقِتَالُ سَمِعُوا فِي جَوْفِ الْمَدِينَةِ التَّكْبِيرَ، وَذَلِكَ أَنَّ بَنِي حَارِثَةَ أَدْخَلُوا قَوْمًا مِنَ الشَّامِيِّينَ مِنْ جَانِبِ الْخَنْدَقِ، فَتَرَكَ أَهْلُ الْمَدِينَةَ الْقِتَالَ وَدَخَلُوا الْمَدِينَةَ خَوْفًا عَلَى أَهْلِهِمْ، فَكَانَتِ الْهَزِيمَةُ، وَقُتِلَ مَنْ قُتِلَ وَبَايَعَ مُسْلِمٌ النَّاسَ عَلَى أَنَّهُمْ خَوَلٌ لِيَزِيدَ يَحْكُمُ فِي دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَأَهْلِهِمْ بِمَا شَاءَ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ رُمَّانَةَ أَنَّ مُعَاوِيَةَ لَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ قَالَ لِيَزِيدَ: قَدْ وَطَّأْتُ لَكَ الْبِلَادَ وَمَهَّدْتُ لَكَ النَّاسَ وَلَسْتُ أَخَافُ عَلَيْكَ إِلَّا أَهْلَ الْحِجَازِ، فَإِنْ رَابَكَ مِنْهُمْ رَيْبٌ فَوَجِّهْ إِلَيْهِمْ مُسْلِمَ بْنَ عُقْبَةَ فَإِنِّي قَدْ جَرَّبْتُهُ وَعَرَفْتُ نَصِيحَتَهُ، قَالَ فَلَمَّا كَانَ مِنْ خِلَافِهِمْ عَلَيْهِ مَا كَانَ دَعَاهُ فَوَجَّهَهُ فَأَبَاحَهَا ثَلَاثًا. ثُمَّ دَعَاهُمْ إِلَى بَيْعَةِ يَزِيدَ وَأَنَّهُمْ أَعْبُدٌ لَهُ قِنٌّ فِي طَاعَةِ اللَّهِ وَمَعْصِيَتِهِ.
وَمِنْ رِوَايَةِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: لَمَّا مَاتَ مُعَاوِيَةُ أَظْهَرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ الْخِلَافَ عَلَى يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، فَوَجَّهَ يَزِيدُ، مُسْلِمَ بْنَ عُقْبَةَ فِي جَيْشِ أَهْلِ الشَّامِ وَأَمَرَهُ أَنْ يَبْدَأَ بِقِتَالِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ يَسِيرَ إِلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ بِمَكَّةَ، قَالَ فَدَخَلَ مُسْلِمُ بْنُ عُقْبَةَ الْمَدِينَةَ وَبِهَا بَقَايَا مِنَ الصَّحَابَةِ فَأَسْرَفَ فِي الْقَتْلِ، ثُمَّ سَارَ إِلَى مَكَّةَ فَمَاتَ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ. وَأَخْرَجَ يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ فِي تَارِيخِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: جَاءَ تَأْوِيلُ هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى رَأْسِ سِتِّينَ سَنَةً ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لآتَوْهَا﴾ يَعْنِي إِدْخَالَ بَنِي حَارِثَةَ أَهْلَ الشَّامِ عَلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ فِي وَقْعَةِ الْحَرَّةِ. قَالَ يَعْقُوبُ: وَكَانَتْ وَقْعَةُ الْحَرَّةِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ.
قَوْلُهُ (حَشَمَهُ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ ثُمَّ الْمُعْجَمَةِ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: الْحَشَمَةُ الْعَصَبَةُ وَالْمُرَادُ هُنَا خَدَمُهُ وَمَنْ يَغْضَبُ لَهُ. وَفِي رِوَايَةِ صَخْرِ بْنِ جُوَيْرِيَةَ، عَنْ نَافِعٍ عِنْدَ أَحْمَدَ لَمَّا خَلَعَ النَّاسُ يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ جَمَعَ ابْنُ عُمَرَ بَنِيهِ وَأَهْلَهُ ثُمَّ تَشَهَّدَ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ.
قَوْلُهُ (يُنْصَبُ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) زَادَ فِي رِوَايَةِ مُؤَمَّلٍ بِقَدْرِ غَدْرَتِهِ وَزَادَ فِي رِوَايَةِ صَخْرٍ يقَالَ هَذِهِ غَدْرَةُ فُلَانٍ أَيْ عَلَامَةُ غَدْرَتِهِ ; وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ شُهْرَتُهُ وَأَنْ يَفْتَضِحَ بِذَلِكَ عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ، وَفِيهِ تَعْظِيمُ الْغَدْرِ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ قِبَلِ الْآمِرِ أَوِ الْمَأْمُورِ، وَهَذَا الْقَدْرُ هُوَ الْمَرْفُوعُ مِنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَاهُ فِي بَابِ إِثْمِ الْغَادِرِ لِلْبَرِّ وَالْفَاجِرِ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْجِزْيَةِ وَالْمُوَادَعَةِ قُبَيْلَ بَدْءِ الْخَلْقِ.
قَوْلُهُ (عَلَى بَيْعِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) أَيْ عَلَى شَرْطِ مَا أَمَرَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ بِهِ مِنْ بَيْعَةِ الْإِمَامِ، وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ بَايَعَ أَمِيرًا فَقَدْ أَعْطَاهُ الطَّاعَةَ وَأَخَذَ مِنْهُ الْعَطِيَّةَ فَكَانَ شَبِيهَ مَنْ بَاعَ سِلْعَةً وَأَخَذَ ثَمَنَهَا، وَقِيلَ إِنَّ أَصْلَهُ أَنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ إِذَا تَبَايَعَتْ تَصَافَقَتْ بِالْأَكُفِّ عِنْدَ الْعَقْدِ، وَكَذَا كَانُوا يَفْعَلُونَ إِذَا تَحَالَفُوا، فَسَمَّوْا مُعَاهَدَةَ الْوُلَاةِ وَالْتَّمَاسُكَ فِيهِ بِالْأَيْدِي بَيْعَةً. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُؤَمَّلٍ، وَصَخْرٍ عَلَى بَيْعَةِ اللَّهِ وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَفَعَهُ مَنْ بَايَعَ إِمَامًا فَأَعْطَاهُ صَفْقَةَ يَدِهِ وَثَمَرَةَ قَلْبِهِ فَلْيُطِعْهُ مَا اسْتَطَاعَ، فَإِنْ جَاءَ أَحَدٌ يُنَازِعُهُ فَاضْرِبُوا عُنُقَ الْآخَرِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا غَدْرَ أَعْظَمُ) فِي رِوَايَةِ صَخْرِ بْنِ جُوَيْرِيَةَ، عَنْ نَافِعٍ الْمَذْكُورِ وَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الْغَدْرِ بَعْدَ الْإِشْرَاكِ بِاللَّهِ أَنْ يُبَايِعَ رَجُلٌ رَجُلًا عَلَى بَيْعِ اللَّهِ ثُمَّ يَنْكُثُ بَيْعَتَهُ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ يَنْصِبُ لَهُ الْقِتَالَ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ، وَفِي رِوَايَةِ مُؤَمَّلٍ نَصَبَ لَهُ يُقَاتِلُهُ.
قَوْلُهُ (خَلَعَهُ) فِي رِوَايَةِ مُؤَمَّلٍ خَلَعَ يَزِيدَ وَزَادَ أَوْ خَفَّ فِي هَذَا الْأَمْرِ وَفِي رِوَايَةِ صَخْرِ بْنِ جُوَيْرِيَةَ فَلَا يَخْلَعَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ يَزِيدَ وَلَا يَسْعَى فِي هَذَا الْأَمْرِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا تَابَعَ فِي هَذَا الْأَمْرِ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِمُثَنَّاةٍ فَوْقَانِيَّةٍ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ، وَلِلكُشْمِيهَنِيِّ بِمُوَحَّدَةٍ ثُمَّ تَحْتَانِيَّةٍ.
قَوْلُهُ (إِلَّا كَانَتِ الْفَيْصَلَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ) أَيِ الْقَاطِعَةُ وَهِيَ فَيْعَلٌ مِنْ فَصَلَ الشَّيْءَ إِذَا قَطَعَهُ، وَفِي رِوَايَةِ مُؤَمَّلٍ فَيَكُونُ الْفَيْصَلَ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَهُ وَفِي رِوَايَةِ صَخْرِ بْنِ جُوَيْرِيَةَ فَيَكُونُ صَيْلَمًا بَيْنِي وَبَيْنَهُ وَالصَّيْلَمُ بِمُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَةٍ وَيَاءٍ آخِرَ الْحُرُوفِ ثُمَّ لَامٍ مَفْتُوحَةٍ الْقَطِيعَةُ. وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ وُجُوبُ طَاعَةِ الْإِمَامِ الَّذِي انْعَقَدَتْ لَهُ الْبَيْعَةُ، وَالْمَنْعِ مِنَ الْخُرُوجِ عَلَيْهِ وَلَوْ
جَارَ فِي حُكْمِهِ وَأَنَّهُ لَا يَنْخَلِعُ بِالْفِسْقِ، وَقَدْ وَقَعَ فِي نُسْخَةِ شُعَيْبِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ فِي قِصَّةِ الرَّجُلِ الَّذِي سَأَلَهُ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ الْآيَةَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ: مَا وَجَدْتُ فِي نَفْسِي فِي شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ مَا وَجَدْتُ فِي نَفْسِي أَنِّي لَمْ أُقَاتِلْ هَذِهِ الْفِئَةَ الْبَاغِيَةَ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ زَادَ يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ فِي تَارِيخِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الزُّهْرِيِّ: قَالَ حَمْزَةُ فَقُلْنَا لَهُ: وَمَنْ تَرَى الْفِئَةَ الْبَاغِيَةَ؟ قَالَ: ابْنَ الزُّبَيْرِ بَغَى عَلَى هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ - يَعْنِي بَنِي أُمَيَّةَ - فَأَخْرَجَهُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ وَنَكَثَ عَهْدَهُمْ.
الْحَدِيثُ الثَّانِي: قَوْلُهُ: (أَبُو شِهَابٍ) هُوَ عَبْدُ رَبِّهِ بْنُ نَافِعٍ وَعَوْفٌ هُوَ الْأَعْرَابِيُّ، وَالسَّنَدُ كُلُّهُ بَصْرِيُّونَ إِلَّا ابْنَ يُونُسَ، وَأَبُو الْمِنْهَالِ هُوَ سَيَّارُ بْنُ سَلَامَةَ.
قَوْلُهُ: (لَمَّا كَانَ ابْنُ زِيَادٍ، وَمَرْوَانُ بِالشَّامِ وَثَبَ ابْنُ الزُّبَيْرِ بِمَكَّةَ وَوَثَبَ الْقُرَّاءُ بِالْبَصْرَةِ) ظَاهِرُهُ أَنَّ وُثُوبَ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَقَعَ بَعْدَ قِيَامِ ابْنِ زِيَادٍ، وَمَرْوَانَ بِالشَّامِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا وَقَعَ فِي الْكَلَامِ حَذْفٌ، وَتَحْرِيرُهُ مَا وَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ، عَنْ عَوْفٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْمِنْهَالِ قَالَ: لَمَّا كَانَ زَمَنُ أُخْرِجَ ابْنُ زِيَادٍ يَعْنِي مِنَ الْبَصْرَةِ وَثَبَ مَرْوَانُ بِالشَّامِ وَوَثَبَ ابْنُ الزُّبَيْرِ بِمَكَّةَ، وَوَثَبَ الَّذِينَ يُدْعَوْنَ الْقُرَّاءَ بِالْبَصْرَةِ غُمَّ أَبِي غَمًّا شَدِيدًا وَكَذَا أَخْرَجَهُ يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ فِي تَارِيخِهِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ عَوْفٍ وَلَفْظُهُ: وَثَبَ مَرْوَانُ بِالشَّامِ حَيْثُ وَثَبَ وَالْبَاقِي مِثْلَهُ، وَيُصَحِّحُ مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي شِهَابٍ بِأَنْ تُزَادَ وَاوٌ قَبْلَ قَوْلِهِ وَثَبَ ابْنُ الزُّبَيْرِ فَإِنَّ ابْنَ زِيَادٍ لَمَّا أُخْرِجَ مِنَ الْبَصْرَةِ تَوَجَّهَ إِلَى الشَّامِ فَقَامَ مَعَ مَرْوَانَ.
وَقَدْ ذَكَرَ الطَّبَرِيُّ بِأَسَانِيدِهِ مَا مُلَخَّصُهُ: أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ زِيَادٍ كَانَ أَمِيرًا بِالْبَصْرَةِ لِيَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، وَأَنَّهُ لَمَّا بَلَغَتْهُ وَفَاتُهُ خَطَبَ لِأَهْلِ الْبَصْرَةِ وَذَكَرَ مَا وَقَعَ مِنَ الِاخْتِلَافِ بِالشَّامِ، فَرَضِيَ أَهْلُ الْبَصْرَةِ أَنْ يَسْتَمِرَّ أَمِيرًا عَلَيْهِمْ حَتَّى يَجْتَمِعَ النَّاسُ عَلَى خَلِيفَةٍ فَمَكَثَ عَلَى ذَلِكَ قَلِيلًا، ثُمَّ قَامَ سَلَمَةُ بْنُ ذُؤَيْبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْيَرْبُوعِيُّ يَدْعُو إِلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ فَبَايَعَهُ جَمَاعَةٌ، فَبَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ زِيَادٍ وَأَرَادَ مِنْهُمْ كَفَّ سَلَمَةَ عَنْ ذَلِكَ فَلَمْ يُجِيبُوهُ، فَلَمَّا خَشِيَ عَلَى نَفْسِهِ الْقَتْلَ اسْتَجَارَ بِالْحَارِثِ بْنِ قَيْسِ بْنِ سُفْيَانَ فَأَرْدَفَهُ لَيْلًا إِلَى أَنْ أَتَى بِهِ مَسْعُودَ بْنَ عَمْرِو بْنِ عَدِيٍّ الْأَزْدِيَّ فَأَجَارَهُ، ثُمَّ وَقَعَ بَيْنَ أَهْلِ الْبَصْرَةِ اخْتِلَافٌ فَأَمَّرُوا عَلَيْهِمْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ الْمُلَقَّبَ بَبَّهْ بِمُوَحَّدَتَيْنِ الثَّانِيَةُ ثَقِيلَةٌ وَأُمُّهُ هِنْدُ بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ، وَوَقَعَتِ الْحَرْبُ وَقَامَ مَسْعُودٌ بِأَمْرِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ فَقُتِلَ مَسْعُودٌ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ زِيَادٍ فَهَرَبَ، فَتَبِعُوهُ وَانْتَهبوا مَا وَجَدُوا لَهُ، وَكَانَ مَسْعُودٌ رَتَّبَ مَعَهُ مِائَةَ نَفْسٍ يَحْرُسُونَهُ، فَقَدِمُوا بِهِ الشَّامَ قَبْلَ أَنْ يُبْرِمُوا أَمْرَهُمْ، فَوَجَدُوا مَرْوَانَ قَدْ هَمَّ أَنْ يَرْحَلَ إِلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ لِيُبَايِعَهُ وَيَسْتَأْمِنَ لِبَنِي أُمَيَّةَ، فَثَنَى رَأْيَهُ عَنْ ذَلِكَ، وَجَمَعَ مَنْ كَانَ يَهْوَى بَنِي أُمَيَّةَ وَتَوَجَّهُوا إِلَى دِمَشْقَ وَقَدْ بَايَعَ الضَّحَّاكُ بْنُ قَيْسٍ بِهَا لِابْنِ الزُّبَيْرِ، وَكَذَا النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ
بِحِمْصَ، وَكَذَا نَاتِلٌ بِنُونٍ وَمُثَنَّاةٍ ابْنُ قَيْسٍ بِفِلَسْطِينَ، وَلَمْ يَبْقَ عَلَى رَأْيِ الْأُمَوِيِّينَ إِلَّا حَسَّانُ بْنُ بَحْدَلٍ بِمُوَحَّدَةٍ وَمُهْمَلَةٍ وَزْنُ جَعْفَرٍ وَهُوَ خَالُ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ وَهُوَ بِالْأُرْدُنِّ فِيمَنْ أَطَاعَهُ، فَكَانَتِ الْوَقْعَةُ بَيْنَ مَرْوَانَ وَمَنْ مَعَهُ وَبَيْنَ الضَّحَّاكِ بْنِ قَيْسٍ بِمَرْجِ رَاهِطٍ، فَقُتِلَ الضَّحَّاكُ وَتَفَرَّقَ جَمْعُهُ وَبَايَعُوا حِينَئِذٍ مَرْوَانَ بِالْخِلَافَةِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ مِنْهَا. وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ الدِّمَشْقِيُّ فِي تَارِيخِهِ: حَدَّثَنَا أَبُو مُسْهِرٍ عَبْدُ الْأَعْلَى قَالَ: بُويِعَ لِمَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ، بَايَعَ لَهُ أَهْلُ الْأُرْدُنِّ وَطَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ دِمَشْقَ، وَسَائِرُ النَّاسِ زُبَيْرِيُّونَ، ثُمَّ اقْتَتَلَ مَرْوَانُ، وَشُعْبَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ بِمَرْجِ رَاهِطٍ فَغَلَبَ مَرْوَانُ وَصَارَتْ لَهُ الشَّامُ وَمِصْرُ، وَكَانَتْ مُدَّتُهُ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ فَهَلَكَ بِدِمَشْقَ وَعَهِدَ لِعَبْدِ الْمَلِكِ. وَقَالَ خَلِيفَةُ بْنُ خَيَّاطٍ فِي تَارِيخِهِ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ
جَدِّهِ وَأَبُو الْيَقْظَانِ وَغَيْرُهُمَا قَالُوا: قَدِمَ ابْنُ الزِّيَادِ الشَّامَ وَقَدْ بَايَعُوا ابْنَ الزُّبَيْرِ مَا خَلَا أَهْلَ الْجَابِيَةِ، ثُمَّ سَارُوا إِلَى مَرْجِ رَاهِطٍ فَذَكَرَ نَحْوَهُ، وَهَذَا يَدْفَعُ مَا تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ بَطَّالٍ أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ بَايَعَ مَرْوَانَ ثُمَّ نَكَثَ.
قَوْلُهُ: (وَوَثَبَ الْقُرَّاءُ بِالْبَصْرَةِ) يُرِيدُ الْخَوَارِجَ، وَكَانُوا قَدْ ثَارُوا بِالْبَصْرَةِ بَعْدَ خُرُوجِ ابْنِ زِيَادٍ وَرَئِيسُهُمْ نَافِعُ بْنُ الْأَزْرَقِ، ثُمَّ خَرَجُوا إِلَى الْأَهْوَازِ، وَقَدِ اسْتَوْفَى خَبَرَهُمُ الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُ، وَيُقَالُ إِنَّهُ أَرَادَ الَّذِينَ بَايَعُوا عَلَى قِتَالِ مَنْ قَتَلَ الْحُسَيْنَ وَسَارُوا مَعَ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ وَغَيْرِهِ مِنَ الْبَصْرَةِ إِلَى جِهَةِ الشَّامِ فَلَقِيَهُمْ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ فِي جَيْشِ الشَّامِ مِنْ قِبَلِ مَرْوَانَ فَقُتِلُوا بِعَيْنِ الْوَرْدَةِ، وَقَدْ قَصَّ قِصَّتَهُمُ الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُ.
قَوْلُهُ: (فَانْطَلَقْتُ مَعَ أَبِي إِلَى أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ) فِي رِوَايَةِ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ: فَقَالَ لِي أَبِي وَكَانَ يُثْنِي عَلَيْهِ خَيْرًا: انْطَلِقْ بِنَا إِلَى هَذَا الرَّجُلِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ، فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ حَتَّى دَخَلْنَا عَلَيْهِ، وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ عَوْفٍ: فَقَالَ أَبِي: انْطَلِقْ بِنَا لَا أَبَا لَكَ إِلَى هَذَا الرَّجُلِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى أَبِي بَرْزَةَ، وَعِنْدَ يَعْقُوبَ بْنِ سُفْيَانَ، عَنْ سُكَيْنِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ أَبِي عَلَى أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ، وَإِنَّ فِي أُذُنَيَّ يَوْمَئِذٍ لِقُرْطَيْنِ، وَإِنِّي لَغُلَامٌ.
قَوْلُهُ: (فِي ظِلِّ عُلِّيَّةٍ لَهُ مِنْ قَصَبٍ) زَادَ فِي رِوَايَةِ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ: فِي يَوْمٍ حَارٍّ شَدِيدِ الْحَرِّ، وَالْعُلِّيَّةُ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَبِكَسْرِهَا وَكَسْرِ اللَّامِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّةِ هِيَ الْغُرْفَةُ، وَجَمْعُهَا: عَلَالِيُّ، وَالْأَصْلُ عُلِّيْوَةٌ، فَأُبْدِلَتِ الْوَاوُ يَاءً وَأُدْغِمَتْ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ الْمُبَارَكِ: فِي ظِلِّ عُلُّولَةٍ.
قَوْلُهُ: (يَسْتَطْعِمُهُ الْحَدِيثَ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: بِالْحَدِيثِ أَيْ يَسْتَفْتِحُ الْحَدِيثَ، وَيَطْلُبُ مِنْهُ التَّحْدِيثَ.
قَوْلُهُ: (إِنِّي احْتَسَبْتُ عِنْدَ اللَّهِ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: أَحْتَسِبُ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ، وَمَعْنَاهُ: أَنَّهُ يَطْلُبُ بِسُخْطِهِ عَلَى الطَّوَائِفِ الْمَذْكُورِينَ مِنَ اللَّهِ الْأَجْرَ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْحُبَّ فِي اللَّهِ وَالْبُغْضَ فِي اللَّهِ مِنَ الْإِيمَانِ.
قَوْلُهُ: (سَاخِطًا) فِي رِوَايَةِ سُكَيْنٍ لَائِمًا.
قَوْلُهُ: (إِنَّكُمْ يَا مَعْشَرَ الْعَرَبِ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْمُبَارَكِ الْعَرِيبِ.
قَوْلُهُ: (كُنْتُمْ عَلَى الْحَالِ الَّذِي عَلِمْتُمْ) فِي رِوَايَةِ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ: عَلَى الْحَالِ الَّتِي كُنْتُمْ عَلَيْهَا فِي جَاهِلِيَّتِكُمْ، قَوْلُهُ: (وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَنْقَذَكُمْ بِالْإِسْلَامِ، وَبِمُحَمَّدٍ ﵊ فِي رِوَايَةِ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ: وَإِنَّ اللَّهَ نَعَشَكُمْ، بِفَتْحِ النُّونِ وَالْمُهْمَلَةِ ثُمَّ مُعْجَمَةٍ، وَسَيَأْتِي فِي أَوَائِلِ الِاعْتِصَامِ مِنْ رِوَايَةِ مُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَوْفٍ: أَنَّ أَبَا الْمِنْهَالِ حَدَّثَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا بَرْزَةَ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ يُغْنِيكُمْ، قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ هُوَ الْبُخَارِيُّ: وَقَعَ هُنَا يُغْنِيكُمْ، يَعْنِي بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا نُونٌ مَكْسُورَةٌ ثُمَّ تَحْتَانِيَّةٌ سَاكِنَةٌ، قَالَ: وَإِنَّمَا هُوَ: نَعَشَكُمْ، يُنْظَرُ فِي أَصْلِ الِاعْتِصَامِ، كَذَا وَقَعَ عِنْدَ الْمُسْتَمْلِي، وَوَقَعَ عِنْدَ ابْنِ السَّكَنِ: نَعَشَكُمْ، عَلَى الصَّوَابِ، وَمَعْنَى نَعَشَكُمْ: رَفَعَكُمْ وَزْنُهُ وَمَعْنَاهُ، وَقِيلَ: عَضَّدَكُمْ وَقَوَّاكُمْ.
قَوْلُهُ: (إِنَّ ذَاكَ الَّذِي بِالشَّامِ) زَادَ يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ: يَعْنِي مَرْوَانَ وَفِي رِوَايَةِ سُكَيْنٍ: عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى.
قَوْلُهُ: (وَإِنَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ) فِي رِوَايَةِ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ، وَابْنِ الْمُبَارَكِ نَحْوُهُ: إِنَّ الَّذِينَ حَوْلَكُمُ الَّذِينَ تَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ قُرَّاؤُكُمْ، وَفِي رِوَايَةِ سُكَيْنٍ، وَذَكَرَ نَافِعُ بْنُ الْأَزْرَقِ وَزَادَ فِي آخِرِهِ فَقَالَ أَبِي: فَمَا تَأْمُرُنِي إِذًا؟ فَإِنِّي لَا أَرَاكَ تَرَكْتَ أَحَدًا، قَالَ: لَا أَرَى خَيْرَ النَّاسِ الْيَوْمَ إِلَّا عِصَابَةً خِمَاصَ الْبُطُونِ مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ خِفَافَ الظُّهُورِ مِنْ دِمَائِهِمْ، وَفِي رِوَايَةِ سُكَيْنٍ: إِنَّ أَحَبَّ النَّاسِ إِلَيَّ لَهَذِهِ الْعِصَابَةُ الْخَمِصَةُ بُطُونُهُمْ مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ الْخَفِيفَةُ ظُهُورُهُمْ مِنْ دِمَائِهِمْ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَبَا بَرْزَةَ كَانَ يَرَى الِانْعِزَالَ فِي الْفِتْنَةِ وَتَرْكَ الدُّخُولِ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِنْ قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ ذَلِكَ فِي طَلَبِ الْمُلْكِ. وَفِيهِ اسْتِشَارَةُ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ عِنْدَ نُزُولِ الْفِتَنِ، وَبَذْلُ الْعَالِمِ النَّصِيحَةَ لِمَنْ يَسْتَشِيرُهُ، وَفِيهِ الِاكْتِفَاءُ فِي إِنْكَارِ الْمُنْكَرِ بِالْقَوْلِ، وَلَوْ فِي غَيْبَةِ مَنْ يُنْكِرُ عَلَيْهِ؛ لِيَتَّعِظَ مَنْ يَسْمَعُهُ، فَيَحْذَرَ مِنَ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
وإسقاط الفوقيَّة، أي: أنِّي أطلب (عند الله أنِّي) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «إذ» (أَصْبَحْتُ سَاخِطًا عَلَى أَحْيَاءِ قُرَيْشٍ) أي: على قبائلهم (إِنَّكُمْ -يَا مَعْشَرَ العَرَبِ- كُنْتُمْ عَلَى الحَالِ الَّذِي عَلِمْتُمْ مِنَ الذِّلَّةِ وَالقِلَّةِ وَالضَّلَالَةِ، وَإِنَّ اللهَ أَنْقَذَكُمْ) -بالقاف والذَّال المعجمة- من ذلك (بِالإِسْلَامِ وَبِمُحَمَّدٍ ﷺ حَتَّى بَلَغَ بِكُمْ مَا تَرَوْنَ) من العزَّة والكثرة والهداية (وَهَذِهِ الدُّنْيَا الَّتِي أَفْسَدَتْ بَيْنَكُمْ، إِنَّ ذَاكَ الَّذِي بِالشَّأْمِ) يعني: مروان بن الحكم (وَاللهِ إِنْ) بكسر الهمزة وسكون النُّون (يُقَاتِلُ إِلَّا عَلَى الدُّنْيَا، وإنَّ) بتشديد النُّون (هؤُلَاءِ الَّذِينَ بَيْنَ أظْهُرِكُمْ) وفي رواية يزيد بن زُرَيعٍ: «إنَّ الذين حولكم يزعمون أنَّهم قُرَّاؤكم» (وَاللهِ إنْ يُقاتِلُونَ إلَّا علَى الدُّنيا، وإنَّ ذاكَ الَّذي بِمَكَّة) يعني: عبد الله بن الزُّبير (واللهِ إنْ يُقاتِلُ إلَّا علَى الدُّنْيا) وقوله: «وإنَّ هؤلاء … » إلى آخره ثابتٌ في رواية أبي ذرٍّ ساقطٌ لغيره، ومطابقة الحديث للتَّرجمة من جهة أنَّ الذين عابهم أبو بَرْزة كانوا يُظهِرون أنَّهم يقاتلون لأجل القيام بأمر الدِّين ونصر الحقِّ، وكانوا في الباطن إنَّما يقاتلون لأجل الدُّنيا.
٧١١٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ) أبو الحسن العسقلانيُّ، الخراسانيُّ (١) الأصل قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ وَاصِلٍ الأَحْدَبِ) بن حيَّان الأسديِّ الكوفيِّ (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيق بن سلمة (عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمَانِ) واسم اليمان (٢): حُسَيلٌ -بضمِّ الحاء وفتح السِّين المهملتين آخره لامٌ- العبسيِّ -بالموحَّدة- ﵁ أنَّه (قَالَ: إِنَّ المُنَافِقِينَ اليَوْمَ شَرٌّ مِنْهُمْ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ، كَانُوا يَوْمَئِذٍ يُسِرُّونَ) الكفر، فلا يتعدَّى شرُّهم إلى غيرهم (وَاليَوْمَ يَجْهَرُونَ) به، فيخرجون على الأئمَّة، ويوقعون الشَّرَّ بين الفِرَق (٣)، فيتعدَّى شرُّهم لغيرهم، وعند البزَّار من طريق عاصمٍ عن أبي وائلٍ: قلت لحذيفة: النِّفاق اليوم شرٌّ أم على عهد رسول الله ﷺ؟ قال: فضرب يده على جبهته، وقال: أوَّه! هو اليوم ظاهرٌ، وإنَّهم كانوا
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
الصُّلْح فَقيل: فِي سنة أَرْبَعِينَ، وَقيل: فِي سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين، وَالأَصَح أَنه تمّ فِي هَذِه السّنة وَلِهَذَا كَانَ يُقَال لَهُ: عَام الْجَمَاعَة، لِاجْتِمَاع الْكَلِمَة فِيهِ على مُعَاوِيَة.
قَوْله: قَالَ الْحسن أَي: الْبَصْرِيّ وَهُوَ مَوْصُول بالسند الْمُتَقَدّم. قَوْله: وَلَقَد سَمِعت أَبَا بكرَة هُوَ نفيع بن الْحَارِث الثَّقَفِيّ، وَفِيه تَصْرِيح بِسَمَاع الْحسن عَن أبي بكرَة. قَوْله: ابْني هَذَا أطلق الابْن على ابْن الْبِنْت. قَوْله: وَلَعَلَّ الله اسْتعْمل: لَعَلَّ، اسْتِعْمَال عَسى لاشْتِرَاكهمَا فِي الرَّجَاء، وَالْأَشْهر فِي خبر لَعَلَّ بِغَيْر: أَن، كَقَوْلِه تَعَالَى: {ياأيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُواْ الْعِدَّةَ وَاتَّقُواْ اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَاّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِى لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً} قَوْله: فئتين زَاد عبد الله بن مُحَمَّد فِي رِوَايَته: عظيمتين، وَحَدِيث الْحسن هَذَا قد مضى فِي كتاب الصُّلْح بأتم مِنْهُ.
وَفِيه من الْفَوَائِد: علم من أَعْلَام النُّبُوَّة، ومنقبة لِلْحسنِ بن عَليّ لِأَنَّهُ ترك الْخلَافَة لَا لعِلَّة وَلَا لذلة وَلَا لقلَّة بل لحقن دِمَاء الْمُسلمين. وَفِيه: ولَايَة الْمَفْضُول الْخلَافَة مَعَ وجود الْأَفْضَل لِأَن الْحسن وَمُعَاوِيَة ولي كل مِنْهُمَا الْخلَافَة، وَسعد بن أبي وَقاص وَسَعِيد بن زيد فِي الْحَيَاة، وهما بدريان، قَالَه ابْن التِّين. وَفِيه: جَوَاز خلع الْخَلِيفَة نَفسه إِذا رأى فِي ذَلِك صلاحاً للْمُسلمين. وَجَوَاز أَخذ المَال على ذَلِك وإعطائه بعد اسْتِيفَاء شَرَائِطه بِأَن يكون المنزول لَهُ أولى من النَّازِل، وَأَن يكون المبذول من مَال الْبَاذِل.
٧١١٠ - حدّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله، حدّثنا سُفْيانُ قَالَ: قَالَ عَمْرٌ و: أَخْبرنِي مُحَمَّدُ بنُ عَلِيَ أنَّ حَرْمَلَةَ مَوْلى أُسَامَةَ أخْبَرَهُ قَالَ عَمْرٌ و: وقَدْ رأيْتُ حَرْمَلَةَ قَالَ: أرْسَلَنِي أُسامَةُ إِلَى عَلِيَ وَقَالَ: إنّهُ سَيَسَألُكَ الآنَ فَيَقُولُ مَا خَلَّفَ صاحِبَكَ؟ فقُلْ لهُ: يَقُولُ لَكَ: لَوْ كُنْتَ فِي شِدْقِ الأسَد لأحْبَبْتُ أنْ أكُونَ مَعَكَ فِيهِ، ولاكِنَّ هِذَا أمْرٌ لَمْ أرَهُ فَلَمْ يُعْطِني شَيْئاً، فَذَهَبْتُ إِلَى حَسَنٍ وحُسَيْنٍ وابنِ جَعْفَرٍ فأوْقَرُوا إِلَيّ راحِلَتِي.
مطابقته للتَّرْجَمَة يُمكن أَن تُؤْخَذ من قَوْله: فَذَهَبت إِلَى حسن وحسين إِلَى آخِره. فَإِن فِيهِ دلَالَة على غَايَة كرم الْحسن وسيادته لِأَن الْكَرِيم يصلح أَن يكون سيداً.
وَأخرجه عَن عَليّ بن عبد الله بن الْمَدِينِيّ عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن عَمْرو بن دِينَار عَن مُحَمَّد بن عَليّ بن الْحُسَيْن بن عَليّ أبي جَعْفَر الباقر عَن حَرْمَلَة مولى أُسَامَة بن زيد.
وَفِي هَذَا السَّنَد ثَلَاثَة من التَّابِعين فِي نسق عَمْرو وَأَبُو جَعْفَر وحرملة. وَهَذَا الحَدِيث من أَفْرَاده.
قَوْله: أَرْسلنِي أُسَامَة إِلَى عَليّ أَي: من الْمَدِينَة إِلَى عَليّ وَهُوَ بِالْكُوفَةِ، وَلم يذكر مَضْمُون الرسَالَة، وَلَكِن قَوْله: فَلم يُعْطِنِي شَيْئا دلّ على أَنه كَانَ أرْسلهُ يسْأَل عليا شَيْئا من المَال. قَوْله: وَقَالَ: إِنَّه أَي: وَقَالَ أُسَامَة لحرملة: إِنَّه أَي: عليا سيسألك الْآن فَيَقُول: مَا خلف صَاحبك؟ أَي: مَا السَّبَب فِي تخلفه عَن مساعدتي. قَوْله: فَقل لَهُ أَي لعَلي: يَقُول لَك أُسَامَة: لَو كنت فِي شدقه الْأسد لأحببت أَن أكون مَعَك فِيهِ أَي: فِي شدق الْأسد، وَهُوَ بِكَسْر الشين الْمُعْجَمَة وَيجوز فتحهَا وَسُكُون الدَّال الْمُهْملَة وبالقاف، وَهُوَ جَانب الْفَم من دَاخل، وَلكُل فَم شدقان إِلَيْهِمَا يَنْتَهِي شدقه الْفَم، وَهَذَا الْكَلَام كِنَايَة عَن الْمُوَافقَة فِي حَالَة الْمَوْت لِأَن الَّذِي يفترسه الْأسد بِحَيْثُ يَجعله فِي شدقه فِي عداد من هلك. قَوْله: وَلَكِن هَذَا أَمر لم أره يَعْنِي: قتال الْمُسلمين، وَكَانَ قد تخلف لأجل كَرَاهَته قتال الْمُسلمين، وَسَببه أَنه لما قتل مرداساً وعاتبه النَّبِي على ذَلِك قرر على نَفسه أَن لَا يُقَاتل مُسلما. قَوْله: فَلم يُعْطِنِي شَيْئا هَذِه الْفَاء فَاء الفصيحة، وَالتَّقْدِير: فَذَهَبت إِلَى عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فبلغته ذَلِك فَلم يُعْطِنِي شَيْئا. قَوْله: فأوقروا إِلَيّ رَاحِلَتي أَي: حملُوا إِلَيّ على رَاحِلَتي مَا أطاقت حمله، وَلم يعين جنس مَا أَعْطوهُ وَلَا نَوعه، وَالرَّاحِلَة النَّاقة الَّتِي صلحت للرُّكُوب من الْإِبِل ذكرا كَانَ أَو أُنْثَى، وَأكْثر مَا يُطلق الوقر بِكَسْر الْوَاو على مَا يحمل الْبَغْل وَالْحمار، وَأما حمل الْبَعِير فَيُقَال لَهُ: الوسق.
٢١ - (بابٌ إذَا قَالَ عِنْدَ قَوْمٍ شَيْئاً ثُمَّ خَرَجَ فَقَالَ بِخِلَافِهِ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا قَالَ أحد عِنْد قوم شَيْئا ثمَّ خرج من عِنْدهم فَقَالَ بِخِلَاف مَا قَالَه. وَفِي التَّوْضِيح معنى التَّرْجَمَة إِنَّمَا هُوَ فِي خلع أهل الْمَدِينَة يزِيد بن مُعَاوِيَة ورجوعهم عَن بيعَته، وَمَا قَالُوا لَهُ، وَقَالُوا بِغَيْر حَضرته خلاف مَا قَالُوا بِحَضْرَتِهِ.
٧١١١ - حدّثنا سُلَيْمانُ بنُ حَرْبٍ، حدّثنا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ، عنْ أيُّوبَ، عنْ نافِعٍ قَالَ: لمّا خَلَعَ أهْلُ
المَدِينَةِ يَزِيدَ بنَ مُعاوِيَةَ جَمَعَ ابنُ عُمَرَ حَشَمَهُ وولَدَهُ، إنِّي سَمِعْتُ النبيَّ يَقُولُ يُنْصَبُ لِكُلِّ غادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ القِيامَةِ وإنّا قَدْ بايَعْنا هاذَا الرَّجُلَ عَلى بَيْعِ الله ورسولهِ، وإنِّي لَا أعْلَمُ غَدْراً أعْظَمَ مِنْ أنْ يُبايَعَ رجُلٌ عَلى بَيْع الله ورسولِهِ، ثُمَّ يُنْصَبُ لهُ القِتالُ، وإنِّي لَا أعْلَمُ أحَداً مِنْكُمْ خَلَعَهُ وَلَا بايَعَ فِي هاذَا الأمْرِ إلاّ كانَتِ الفَيْصَلَ بَيْني وبَيْنَهُ
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِي القَوْل فِي الْغَيْبَة بِخِلَاف مَا فِي الْحُضُور نوع غدر.
وَأَيوب هُوَ السّخْتِيَانِيّ. والْحَدِيث، مضى فِي الْجِزْيَة. وَأخرجه مُسلم فِي الْمَغَازِي عَن أبي الرّبيع.
قَوْله: حشمه أَي: خاصته الَّذين يغضبون لَهُ. قَوْله: لكل غادر من الْغدر وَهُوَ ترك الْوَفَاء بالعهد. قَوْله: لِوَاء أَي: راية. قَوْله: وَإِنَّا قد بَايعنَا هَذَا الرجل أَي: يزِيد. قَوْله: على بيع الله وَرَسُوله أَي: على شَرط مَا أَمر الله بِهِ من الْبيعَة. قَوْله: من أَن يُبَايع من الْمُبَايعَة وَأَصله: من الْبيعَة، وَهِي الصَّفْقَة من البيع وَذَلِكَ أَن من بَايع سُلْطَانه فقد أعطَاهُ الطَّاعَة وَأخذ مِنْهُ الْعَطِيَّة، فَأَشْبَهت البيع الَّذِي فِيهِ الْمُعَاوضَة من أَخذ وَعَطَاء. قَوْله: ثمَّ ينصب لَهُ الْقِتَال بِفَتْح أَوله وَفِي رِوَايَة مُؤَمل: نصب لَهُ الْقِتَال. قَوْله: وَلَا أعلم أحدا مِنْكُم خلعه أَي: يزِيد عَن الْخلَافَة وَلم يبايعه فِيهَا. قَوْله: وَلَا تَابع بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة من فَوق، كَذَا قَالَه الْكرْمَانِي. قلت: هَذَا قَول الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني وَلَا بَايع، بِالْبَاء الْمُوَحدَة وبالياء آخر الْحُرُوف. قَوْله: إلَاّ كَانَت الفيصل إِنَّمَا أنث: كَانَت، بِاعْتِبَار الخلعة والمتابعة، ويروى: إلَّا كَانَ، بالتذكير وَهُوَ الأَصْل، والفيصل بِفَتْح الصَّاد الحاجز والفارق والقطاع، وَقيل: هُوَ بِمَعْنى الْقطع وَالْيَاء فِيهِ زَائِدَة لِأَنَّهُ من الْفَصْل، وَهُوَ الْقطع يُقَال: فصل الشَّيْء قطعه.
٧١١٢ - حدّثنا أحْمَدُ بنُ يُونسَ، حَدثنَا أبُو شِهابٍ، عنْ عَوْف عنْ أبي المِنْهالِ قَالَ: لمّا كانَ ابنُ زِيادٍ ومَرْوَانُ بالشّأْمِ ووثَبَ ابنُ الزُّبَيْرِ بِمَكَّةَ ووثَبَ القُرَّاءُ بالبَصْرَةِ فانْطَلَقْتُ مَع أبي إِلَى أبي بَرْزَةَ الأسْلَمِيِّ حتَّى دخَلْنا عَليْهِ فِي دارِهِ وهْوَ جالِسٌ فِي ظِلِّ عُلِّيَّةٍ لهُ مِنْ قَصَبٍ، فَجَلَسْنا إليْهِ فأنْشَأ أبي يَسْتَطْعِمُهُ الحَدِيثَ، فَقَالَ: يَا أَبَا بَرْزَةَ أَلا تَرَى مَا وقَعَ فِيهِ النَّاسُ؟ فأوَّلُ شَيءٍ سَمِعْتُهُ تَكَلِّمَ بِهِ: إنِّي احْتَسَبْتُ عِنْدَ الله أنِّي أصْبَحْتُ ساخِطاً عَلى أحْياءِ قُرَيْشٍ، إنَّكُمْ يَا مَعْشَرَ العَرَبِ كُنْتُمْ عَلى الحالِ الّذِي عَلِمْتُمْ مِنَ الذِّلِّةِ والقِلّةِ والضَّلالَةِ، وإنَّ الله أنْقذَكُمْ بالإسْلامِ وبِمُحَمَّدٍ حتَّى بَلغَ بِكُمْ مَا تَرَوْنَ، وهاذِهِ الدُّنْيا الّتي أفْسَدَتْ بَيْنَكُمْ، إنَّ ذَاكَ الَّذِي بالشَّأْمِ وَالله إنْ يُقاتِلُ إلّا عَلى الدُّنْيا، وإنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ بَيْنَ أظْهُرِكُمْ وَالله إنْ يُقاتِلُونَ إلاّ على الدُّنيْا.
(الحَدِيث ٧١١٢ طرفه فِي: ٧٢٧١
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن الَّذِي عَلَيْهِم أَبُو بَرزَة كَانُوا يظهرون أَنهم يُقَاتلُون لأجل الْقيام بِأَمْر الدّين وَنصر الْحق، وَكَانُوا فِي الْبَاطِن إِنَّمَا يُقَاتلُون لأجل الدُّنْيَا.
وَأحمد بن يُونُس هُوَ أَحْمد بن عبد الله بن يُونُس أَبُو عبد الله التَّمِيمِي الْيَرْبُوعي الْكُوفِي وَهُوَ شيخ مُسلم أَيْضا، وَأَبُو شهَاب هُوَ عبد ربه بن نَافِع المدايني الحناط بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالنُّون وَهُوَ أَبُو شهَاب الْأَصْغَر، وعَوْف بِالْفَاءِ الْمَشْهُور بالأعرابي، وَأَبُو الْمنْهَال بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون النُّون سيار بن سَلامَة.
قَوْله: لما كَانَ ابْن زِيَاد بِكَسْر الزَّاي وَتَخْفِيف الْيَاء آخر الْحُرُوف ابْن أبي سُفْيَان الْأمَوِي بالاستلحاق، ومروان هُوَ ابْن الحكم بن أبي الْعَاصِ ابْن عَم عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَوْله: وثب ابْن الزبير الْوَاو فِيهِ للْحَال أَي: وثب على الْخلَافَة عبد الله بن الزبير، ظَاهر الْكَلَام أَن وثوب ابْن الزبير وَقع بعد قيام ابْن زِيَاد ومروان بِالشَّام، وَلَيْسَ كَذَلِك، وَإِنَّمَا وَقع فِي الْكَلَام حذف وتحريره مَا وَقع عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق يزِيد بن زُرَيْع عَن عَوْف قَالَ: حَدثنَا أَبُو الْمنْهَال قَالَ: لما كَانَ زمن خُرُوج ابْن زِيَاد يعْنى من الْبَصْرَة وثب مَرْوَان بِالشَّام ووثب ابْن الزبير بِمَكَّة ووثب الَّذين يدعونَ الْقُرَّاء بِالْبَصْرَةِ، غم أبي غماً شَدِيدا، وَتَصْحِيح مَا وَقع فِي رِوَايَة ابْن شهَاب بِأَن يُزَاد
وَاو قبل قَوْله: وثب ابْن الزبير، بِأَن ابْن زِيَاد لما أخرج من الْبَصْرَة توجه إِلَى الشَّام فَقَامَ مَعَ مَرْوَان. قلت: فَلذَلِك وَقع الْوَاو فِي بعض النّسخ قبل قَوْله: وثب ابْن الزبير، وَوَقع فِي بعض النّسخ بِدُونِ زِيَادَة الْوَاو. فَإِن قلت: مَا جَوَاب: لما، فِي قَوْله: لما كَانَ ابْن زِيَاد ومروان بِالشَّام؟ . قلت: على عدم زِيَادَة الْوَاو هُوَ قَوْله: وثب وعَلى تَقْدِير الْوَاو يكون الْجَواب قَوْله: فَانْطَلَقت مَعَ أبي وَالْفَاء يدْخل فِي جَوَابه كَقَوْلِه تَعَالَى: {وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَّوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُاْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِئَايَاتِنَآ إِلَاّ كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ} قَوْله: ووثب الْقُرَّاء بِالْبَصْرَةِ والقراء جمع قارىء وهم طَائِفَة سموا أنفسهم توابين لتوبتهم وندامتهم على ترك مساعدة الْحُسَيْن، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَكَانَ أَمِيرهمْ سُلَيْمَان بن صرد بِضَم الصَّاد الْمُهْملَة وَفتح الرَّاء الْخُزَاعِيّ كَانَ فَاضلا قَارِئًا عابداً، وَكَانَ دَعوَاهُم: إِنَّا، نطلب دم الْحُسَيْن وَلَا نُرِيد الإثارة، غلبوا على الْبَصْرَة ونواحيها وَهَذَا كُله عِنْد موت مُعَاوِيَة بن يزِيد بن مُعَاوِيَة. قَوْله: فَانْطَلَقت مَعَ أبي قَائِله أَبُو الْمنْهَال، وَأَبُو سَلامَة الريَاحي. قَوْله: إِلَى أبي بَرزَة بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَإِسْكَان الرَّاء وبالزاي واسْمه نَضْلَة بِفَتْح النُّون وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة الْأَسْلَمِيّ الصَّحَابِيّ غزا خُرَاسَان فَمَاتَ بهَا. قَوْله: هُوَ جَالس الْوَاو فِيهِ للْحَال. قَوْله: فِي ظلّ علية بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَكسرهَا وَتَشْديد اللَّام وَالْيَاء آخر الْحُرُوف وَهِي الغرفة وَيجمع على علالي وأصل علية عليوة فأبدلت الْوَاو يَاء وأدغمت الْيَاء فِي الْيَاء. قَوْله: فَأَنْشَأَ أبي أَي: جعل أبي يستطعمه الحَدِيث أَي: يستفتحه وَيطْلب مِنْهُ التحديث. قَوْله: فَقَالَ: يَا با بَرزَة فحذفت الْألف للتَّخْفِيف. قَوْله: إِنِّي احتسبت عِنْد الله أَي: تقربت إِلَيْهِ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: احتسب، قيل مَعْنَاهُ أَنه يطْلب بسخطه على الطوائف الْمَذْكُورين من الله الْأجر على ذَلِك لِأَن الْحبّ فِي الله والبغض فِي الله من الْإِيمَان. قَوْله: ساخطاً حَال، ويروى: لائماً. قَوْله: على أَحيَاء قُرَيْش أَي: على قبائلهم. قَوْله: إِنَّكُم معشر الْعَرَب وَفِي رِوَايَة ابْن الْمُبَارك: العريب. قَوْله: كُنْتُم على الْحَال الَّذِي علمْتُم وَفِي رِوَايَة يزِيد بن زُرَيْع: على الْحَال الَّتِي كُنْتُم عَلَيْهَا فِي جاهليتكم. قَوْله: حَتَّى بلغ بكم مَا ترَوْنَ أَي: من الْعِزَّة وَالْكَثْرَة وَالْهِدَايَة. قَوْله: إِن ذَاك الَّذِي بِالشَّام يَعْنِي: مَرْوَان بن الحكم وَالله إِن يُقَاتل أَي: مَا يُقَاتل إِلَّا على الدُّنْيَا
وإنَّ ذَاكَ الّذِي بِمَكَّةَ وَالله إنْ يُقاتِلُ إلاّ على الدُّنيْا، وإنَّ هاؤلاءِ الّذِين بَيْنَ أظْهرِكُمْ وَالله إنْ يُقاتِلُونَ إلاّ على الدُّنيْا.
هَذَا أَيْضا من جملَة كَلَام أبي بَرزَة، وَلَا يُوجد إلَاّ فِي بعض النّسخ. قَوْله: وَإِن ذَاك الَّذِي بِمَكَّة أَرَادَ بِهِ عبد الله بن الزبير. قَوْله: وَإِن هَؤُلَاءِ الَّذين بَين أظْهركُم أَرَادَ بهم الْقُرَّاء، توضحه رِوَايَة ابْن الْمُبَارك: إِن الَّذين حَوْلكُمْ الَّذين يَزْعمُونَ أَنهم قراؤهم. قَوْله: إِن بِكَسْر الْهمزَة وَسُكُون النُّون بعد قَوْله: وَالله كلمة النَّفْي.
٧١١٣ - حدّثنا آدَمُ بنُ أبي إياسٍ، حدّثنا شُعْبَةُ، عنْ واصِلٍ الأحْدَبِ، عنْ أبي وائِلٍ، عنْ حُذَيْفَةَ بنِ اليَمانِ قَالَ: إنَّ المُنافِقِينَ اليَوْمَ شَرٌّ مِنْهُمْ عَلى عَهْدِ النبيِّ كانُوا يَوْمَئِذٍ يُسِرُّونَ واليَوْمَ يَجْهَرُونَ.
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن جهرهم بالنفاق وَشهر السِّلَاح على النَّاس بِخِلَاف مَا بذلوه من الطَّاعَة حِين بَايعُوا أَولا.
وواصل هُوَ ابْن حَيَّان بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف الْأَسدي الْكُوفِي، يُقَال لَهُ: بياع السابري، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة، وَأَبُو وَائِل هُوَ شَقِيق بن سَلمَة.
والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ فِي التَّفْسِير عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم.
قَوْله: على عهد النَّبِي يتَعَلَّق بمقدر وَهُوَ نَحْو تاءين إِذْ لَا يجوز أَن يُقَال: هُوَ مُتَعَلق بالضمير الْقَائِم مقَام الْمُنَافِقين، إِذا الضَّمِير لَا يعْمل. قيل: إِنَّمَا كَانَ شرا لِأَن سرهم لَا يتَعَدَّى إِلَى غَيرهم، وَقَالَ ابْن التِّين: أَرَادَ أَنهم أظهرُوا من السِّرّ مَا لم يظْهر أُولَئِكَ فَإِنَّهُم لم يصرحوا بالْكفْر، وَإِنَّمَا هُوَ التفث يلقونه بأفواههم فَكَانُوا يعْرفُونَ بِهِ.
٧١١٤ - حدّثنا خَلّادٌ، حدّثنا مِسْعَرٌ، عنْ حَبِيب بنِ أبي ثابِت، عَن أبي الشَّعْثاءِ، عنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: إنّما كانَ النَّفاقُ عَلى عَهْدِ النبيِّ فأمَّا اليَوْمَ فإنّما هُوَ الكُفْرُ بَعْدَ الإيمانِ.