الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٧١٥٨
الحديث رقم ٧١٥٨ من كتاب «كتاب الأحكام» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب هل يقضي القاضي أو يفتي وهو غضبان.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
٧١٥٨ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ، سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
حَالِ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ عِنْدَ السَّامِعِينَ فَشَبَّهَهُ بِمَا يَعْهَدُونَهُ.
الْحَدِيثُ الثَّانِي.
قَوْلُهُ (عَنْ أَبِي مُوسَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَهُ وَأَتْبَعَهُ بِمُعَاذٍ) هَذِهِ قِطْعَةٌ مِنْ حَدِيثٍ طَوِيلٍ تَقَدَّمَ فِي اسْتِتَابَةِ الْمُرْتَدِّينَ بِهَذَا السَّنَدِ وَأَوَّلُهُ أَقْبَلْتُ وَمَعِيَ رَجُلَانِ مِنَ الْأَشْعَرِيِّينَ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ بَعْدَ قَوْلِهِ لَا نَسْتَعْمِلُ عَلَى عَمَلِنَا مَنْ أَرَادَهُ وَلَكِنِ اذْهَبْ أَنْتَ يَا أَبَا مُوسَى، ثُمَّ أَتْبَعَهُ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ وَفِيهِ قِصَّةُ الْيَهُودِيِّ الَّذِي أَسْلَمَ ثُمَّ ارْتَدَّ، وَهِيَ الَّتِي اقْتَصَرَ عَلَيْهَا هُنَا بَعْدَ هَذَا.
الْحَدِيثُ الثَّالِثُ.
قَوْلُهُ: (مَحْبُوبٌ) بِمُهْمَلَةٍ وَمُوَحَّدَتَيْنِ ابْنُ الْحَسَنِ بْنِ هِلَالٍ، بَصْرِيٌّ وَاسْمُهُ مُحَمَّدٌ وَمَحْبُوبٌ لَقَبٌ لَهُ، وَهُوَ بِهِ أَشْهَرُ، وَهُوَ مُخْتَلَفٌ في الِاحْتِجَاجُ بِهِ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْمَوْضِعِ وَهُوَ فِي حُكْمِ الْمُتَابَعَةِ؛ لِأَنَّهُ تَقَدَّمَ فِي اسْتِتَابَةِ الْمُرْتَدِّينَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا خَالِدٌ) هُوَ الْحَذَّاءُ.
قَوْلُهُ: (أَنَّ رَجُلًا أَسْلَمَ ثُمَّ تَهَوَّدَ) قَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ هُنَاكَ مُسْتَوْفًى. قَوْلُهُ (لَا أَجْلِسُ حَتَّى أَقْتُلَهُ قَضَاءُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) قَدْ تَقَدَّمَ هُنَاكَ فَأَمَرَ بِهِ فَقُتِلَ وَبِذَلِكَ يَتِمُّ مُرَادُ التَّرْجَمَةِ وَالرَّدُّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْحُدُودَ لَا يُقِيمُهَا عُمَّالُ الْبِلَادِ إِلَّا بَعْدَ مُشَاوَرَةِ الْإِمَامِ الَّذِي وَلَّاهُمْ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذَا الْبَابِ، فَذَهَبَ الْكُوفِيُّونَ إِلَى أَنَّ الْقَاضِيَ حُكْمُهُ حُكْمُ الْوَكِيلِ لَا يُطْلِقُ يَدَهُ إِلَّا فِيمَا أُذِنَ لَهُ فِيهِ، وَحُكْمُهُ عِنْدَ غَيْرِهِمْ حُكْمُ الْوَصِيِّ لَهُ التَّصَرُّفُ فِي كُلِّ شَيْءٍ وَيُطْلِقُ يَدَهُ عَلَى النَّظَرِ فِي جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ إِلَّا مَا اسْتُثْنِيَ. وَنَقَلَ الطَّحَاوِيُّ عَنْهُمْ أَنَّ الْحُدُودَ لَا يُقِيمُهَا إِلَّا أُمَرَاءُ الْأَمْصَارِ، وَلَا يُقِيمُهَا عَامِلُ السَّوَادِ وَلَا نَحْوُهُ. وَنَقَلَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا تُقَامُ الْحُدُودُ فِي الْمِيَاهِ بَلْ تُجْلَبُ إِلَى الْأَمْصَارِ، وَلَا يُقَامُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلِ فِي مِصْرَ كُلِّهَا إِلَّا بِالْفُسْطَاطِ، يَعْنِي لِكَوْنِهَا مَنْزِلَ مُتَوَلِّي مِصْرَ قَالَ: أَوْ يَكْتُبُ إِلَى وَالِي الْفُسْطَاطِ بِذَلِكَ أَيْ يَسْتَأْذِنُهُ. وَقَالَ أَشْهَبُ: بَلْ مَنْ فَوَّضَ لَهُ الْوَالِي ذَلِكَ مِنْ عُمَّالِ الْمِيَاهِ جَازَ لَهُ أَنْ يَفْعَلَهُ. وَعَنِ الشَّافِعِيِّ نَحْوُهُ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: وَالْحُجَّةُ فِي الْجَوَازِ حَدِيثُ مُعَاذٍ فَإِنَّهُ قَتَلَ الْمُرْتَدَّ دُونَ أَنْ يَرْفَعَ أَمْرَهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ.
١٣ - بَاب هَلْ يَقْضِي الْقَاضِي أَوْ يُفْتِي وَهُوَ غَضْبَانُ؟
٧١٥٨ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ، سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: كَتَبَ أَبُو بَكْرَةَ إِلَى ابْنِهِ وَكَانَ بِسِجِسْتَانَ، بِأَنْ لَا تَقْضِيَ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَأَنْتَ غَضْبَانُ؛ فَإِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: لَا يَقْضِيَنَّ حَكَمٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ.
٧١٥٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي وَاللَّهِ لَاتَأَخَّرُ عَنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ مِنْ أَجْلِ فُلَانٍ مِمَّا يُطِيلُ بِنَا فِيهَا قَالَ فَمَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ قَطُّ أَشَدَّ غَضَبًا فِي مَوْعِظَةٍ مِنْهُ يَوْمَئِذٍ ثُمَّ قَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ فَأَيُّكُمْ مَا صَلَّى بِالنَّاسِ فَلْيُوجِزْ فَإِنَّ فِيهِمْ الْكَبِيرَ وَالضَّعِيفَ وَذَا الْحَاجَةِ
٧١٦٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي يَعْقُوبَ الْكَرْمَانِيُّ حَدَّثَنَا حَسَّانُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا يُونُسُ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ هُوَ الزُّهْرِيُّ أَخْبَرَنِي سَالِمٌ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ فَذَكَرَ عُمَرُ لِلنَّبِيِّ ﷺ،
فَتَغَيَّظَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قَالَ لِيُرَاجِعْهَا ثُمَّ لِيُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ فَتَطْهُرَ فَإِنْ بَدَا لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا فَلْيُطَلِّقْهَا
قَوْلُهُ: (بَابٌ هَلْ يَقْضِي الْقَاضِي أَوْ يُفْتِي وَهُوَ غَضْبَانُ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ الْحَاكِمُ ذَكَرَ فِيهِ ثَلَاثةَ أَحَادِيثَ أَحَدُهَا.
قَوْلُهُ: (كَتَبَ أَبُو بَكْرَةَ) يَعْنِي وَالِدَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الرَّاوِيَ الْمَذْكُورَ.
قَوْلُهُ (إِلَى ابْنِهِ) كَذَا وَقَعَ هُنَا غَيْرَ مُسَمًّى، وَوَقَعَ فِي أَطْرَافِ الْمِزِّيِّ إِلَى ابْنِهِ عُبَيْدِ اللَّهِ وَقَدْ سُمِّيَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَلَكِنْ بِغَيْرِ هَذَا اللَّفْظِ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَوَانَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: كَتَبَ أَبِي وَكَتَبْتُ لَهُ إِلَى عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ وَوَقَعَ فِي الْعُمْدَةِ كَتَبَ أَبِي وَكَتَبْتُ لَهُ إِلَى ابْنِهِ عُبَيْدِ اللَّهِ وَقَدْ سُمِّيَ إِلَخْ وَهُوَ مُوَافِقٌ لِسِيَاقِ مُسْلِمٍ إِلَّا أَنَّهُ زَادَ لَفْظَ ابْنِهِ قِيلَ مَعْنَاهُ كَتَبَ أَبُو بَكْرَةَ بِنَفْسِهِ مَرَّةً وَأَمَرَ وَلَدَهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ أَنْ يَكْتُبَ لِأَخِيهِ فَكَتَبَ لَهُ مَرَّةً أُخْرَى. قُلْتُ: وَلَا يَتَعَيَّنُ ذَلِكَ، بَلِ الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ قَوْلَهُ كَتَبَ أَبِي أَيْ أَمَرَ بِالْكِتَابَةِ، وَقَوْلَهُ وَكَتَبْتُ لَهُ أَيْ بَاشَرْتُ الْكِتَابَةَ الَّتِي أَمَرَ بِهَا، وَالْأَصْلُ عَدَمُ التَّعَدُّدِ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ الْمَكْتُوبِ: إِنِّي سَمِعْتُ فَإِنَّ هَذِهِ الْعِبَارَةَ لِأَبِي بَكْرَةَ لَا لِابْنِهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَإِنَّهُ لَا صُحْبَةَ لَهُ وَهُوَ أَوَّلُ مَوْلُودٍ وُلِدَ بِالْبَصْرَةِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرَةَ لَوْ دَخَلُوا عَلَيَّ مَا بهَشْتُ لَهُمْ بِقَصَبَةٍ.
قَوْلُهُ (وَكَانَ بِسِجِسْتَانَ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَهُوَ قَاضٍ بِسِجِسْتَانَ وَهِيَ جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ وَسِجِسْتَانُ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَالْجِيمِ عَلَى الصَّحِيحِ بَعْدَهُمَا مُثَنَّاةٌ سَاكِنَةٌ وَهِيَ إِلَى جِهَةِ الْهِنْدِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ كَرْمَانَ مِائَةُ فَرْسَخٍ، مِنْهَا أَرْبَعُونَ فَرْسَخًا مَفَازَةً لَيْسَ فِيهَا مَاءٌ وَيُنْسَبُ إِلَيْهَا سِجِسْتَانِيٌّ وَسِجِزْتِيٌّ بِزَايٍ بَدَلَ السِّينِ الثَّانِيَةِ وَالتَّاءِ وَهُوَ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ، وَسِجِسْتَانُ لَا تُصْرَفُ لِلْعَلَمِيَّةِ وَالْعُجْمَةِ أَوْ زِيَادَةِ الْأَلِفِ وَالنُّونِ، قَالَ ابْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ: كَانَ زِيَادٌ فِي وِلَايَتِهِ عَلَى الْعِرَاقِ قَرَّبَ أَوْلَادَ أَخِيهِ لِأُمِّهِ أَبِي بَكْرَةَ وَشَرَّفَهُمْ وَأَقْطَعَهُمْ وَوَلَّى عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي بَكْرةٍ سِجِسْتَانَ، قَالَ وَمَاتَ أَبُو بَكْرَةَ فِي وِلَايَةِ زِيَادٍ.
قَوْلُهُ: (أَنْ لَا تَقْضِيَ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَأَنْتَ غَضْبَانُ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ أَنْ لَا تَحْكُمَ.
قَوْلُهُ: (لَا يَقْضِيَنَّ حَكَمٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ لَا يَحْكُمُ أَحَدٌ وَالْبَاقِي سَوَاءٌ، وَفِي رِوَايَةِ الشَّافِعِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ بِسَنَدِهِ لَا يَقْضِي الْقَاضِي أَوْ لَا يَحْكُمِ الْحَاكِمُ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ وَلَمْ يَذْكُرِ الْقِصَّةَ. وَالْحَكَمُ بِفَتْحَتَيْنِ هُوَ الْحَاكِمُ، وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى الْقَيِّمِ بِمَا يُسْنَدُ إِلَيْهِ. قَالَ الْمُهَلَّبُ: سَبَبُ هَذَا النَّهْيِ أَنَّ الْحُكْمَ حَالَةَ الْغَضَبِ قَدْ يَتَجَاوَزُ بِالْحَاكِمِ إِلَى غَيْرِ الْحَقِّ فَمُنِعَ، وَبِذَلِكَ قَالَ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ. وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: فِيهِ النَّهْيُ عَنِ الْحُكْمِ حَالَةَ الْغَضَبِ لِمَا يَحْصُلُ بِسَبَبِهِ مِنَ التَّغَيُّرِ الَّذِي يَخْتَلُّ بِهِ النَّظَرُ فَلَا يَحْصُلُ اسْتِيفَاءُ الْحُكْمِ عَلَى الْوَجْهِ قَالَ: وَعَدَّاهُ الْفُقَهَاءُ بِهَذَا الْمَعْنَى إِلَى كُلِّ مَا يَحْصُلُ بِهِ تَغَيُّرُ الْفِكْرِ كَالْجُوعِ وَالْعَطَشِ الْمُفْرِطَيْنِ وَغَلَبَةِ النُّعَاسِ وَسَائِرِ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْقَلْبُ تَعَلُّقًا يَشْغَلُهُ عَنِ اسْتِيفَاءِ النَّظَرِ، وَهُوَ قِيَاسُ مَظِنَّةٍ عَلَى مَظِنَّةٍ، وَكَأَنَّ الْحِكْمَةَ فِي الِاقْتِصَارِ عَلَى ذِكْرِ الْغَضَبِ لِاسْتِيلَائِهِ عَلَى النَّفْسِ وَصُعُوبَةِ مُقَاوَمَتِهِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ.
وَقَدْ أَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ رَفَعَهُ لَا يَقْضِ الْقَاضِي إِلَّا وَهُوَ شَبْعَانُ رَيَّانُ وَقَوْلُ الشَّيْخِ وَهُوَ قِيَاسُ مَظِنَّةٍ عَلَى مَظِنَّةٍ صَحِيحٌ، وَهُوَ اسْتِنْبَاطُ مَعْنًى دَلَّ عَلَيْهِ النَّصُّ فَإِنَّهُ لَمَّا نَهَى عَنِ الْحُكْمِ حَالَةَ الْغَضَبِ، فُهِمَ مِنْهُ أَنَّ الْحُكْمَ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي حَالَةِ اسْتِقَامَةِ الْفِكْرِ، فَكَانَتْ عِلَّةُ النَّهْيِ الْمَعْنَى الْمُشْتَرَكُ وَهُوَ تَغَيُّرُ الْفِكْرِ، وَالْوَصْفُ بِالْغَضَبِ يُسَمَّى عِلَّةً بِمَعْنَى أَنَّهُ مُشْتَمِلٌ عَلَيْهِ فَأُلْحِقَ بِهِ مَا فِي مَعْنَاهُ كَالْجَائِعِ قَالَ الشَّافِعِيُّ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
بُرْدَةَ) عامرٍ (عَنْ أَبِي مُوسَى) الأشعريِّ ﵁: (أَنَّ رَجُلًا) لم أعرف اسمه (أَسْلَمَ ثُمَّ تَهَوَّدَ، فَأَتَى (١) مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَهْوَ عِنْدَ أَبِي مُوسَى، فَقَالَ) معاذٌ لأبي موسى: (مَا لهَذَا) الرَّجل الموثَق؟ (قَالَ: أَسْلَمَ ثُمَّ تَهَوَّدَ) وفي رواية الباب المذكور في «استتابة المرتدِّين» [خ¦٦٩٢٣] ثمَّ أَتْبَعه معاذ بن جبلٍ، فلمَّا قدم عليه؛ ألقى له وسادةً، قال: انزل، وإذا رجلٌ عنده (٢) موثَقٌ، قال: ما هذا؟ قال: كان يهوديَّا فأسلم، ثمَّ تهوَّد، فقال: اجلِس (قَالَ: لَا أَجْلِسُ حَتَّى أَقْتُلَهُ) هذا (قَضَاءُ اللهِ وَ) قضاءُ (رَسُولِهِ ﷺ) زاد في «الاستتابة» [خ¦٦٩٢٣] فأمر به فقُتِلَ، وبذلك يتمُّ مراد التَّرجمة، ويحصل الرَّدُّ على من زعم أنَّ الحدود لا يُقيمها عمَّال البلاد إلَّا بعد إذن الإمام الذي ولَّاهم.
(١٣) هذا (بابٌ) -بالتَّنوين- يُذْكَرُ فيه: (هَلْ يَقْضِي الحَاكِمُ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «القاضي» أي: بين النَّاس (أَوْ يُفْتِي وَهْوَ غَضْبَانُ) (٣)؟
٧١٥٨ - وبه (٤) قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياسٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ المَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ) بضمِّ العين وفتح الميم، الكوفُّي قال: (سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرَةَ) نُفيعٍ الثَّقفيَّ (قَالَ: كَتَبَ) أبي (أَبُو بَكْرَةَ إِلَى ابْنِهِ) بالنُّون: ولده عُبَيْد الله -بالتَّصغير- (وَكَانَ) عُبيد الله قاضيًا (٥) (بِسِجِسْتَانَ) بكسر المهملة والجيم على الصَّحيح، غير منصرفٍ؛ للعلميَّة والعجميَّة، وفيه الزِّيادة والتَّأنيث: إحدى مدن العجم، وهي خلف كرمان مسيرة مئة فرسخٍ، منها أربعون مفازةً ليس بها ماءٌ، وهي إلى ناحية الهند (بِأَنْ لَا تَقْضِيَ بَيْنَ اثْنَيْنِ) وفي
«عمدة الأحكام»: كتب أبي وكَتَبْتُ له إلى ابنه عُبيد الله، وهو موافقٌ لرواية مسلمٍ، إلَّا أنَّه زاد لفظة: ابنه، والضَّمير في «ابنه» عائدٌ إلى أبي بكرة، وصرَّح به (١) في بعض الرِّوايات فقال: وكتبت له إلى ابنه عُبيد الله بن أبي بَكْرة، والحاصل: أنَّ أبا بكرة له ابنٌ يُسمَّى عبيد الله، وهو المكتوب إليه، وابنٌ آخر يسمَّى عبد الرَّحمن راوي الحديث الذي كتب إلى أخيه عُبيد الله به (٢)، وهذا التَّركيب يحتَمِل أن يكون أبو بَكْرة كتب بنفسه إلى ابنه عُبيد الله، وكتب عبد الرَّحمن لأخيه عبيد الله (٣) بمثل ما كتب أبو بكرة، ولكنَّ عبد الرحمن إنَّما كتب لأجل أبيهما، أي: لأجل أمره وطواعيته ونحو ذلك، ففيه تنازعٌ بين «كَتَب» وبين «كَُتَِبَْتُْ» في المفعول؛ وهو «أن لا يحكم بين اثنين» وفي الجارِّ والمجرور وهو «إلى ابنه»، ويكون قد أعمل أحدهما وأضمر في الآخر، ولكنَّه حُذِف؛ لكونه فضلةً، وتعقَّبه في «الفتح» بأنَّه لا يتعيَّن ذلك، بل الذي يظهر أنَّ قوله: «كتب أبي» أي: أمر بالكتابة، وقوله: و «كتبتُ» أي: باشرتُ الكتابة التي أمر بها، والأصل عدم التَّعدُّد، وتعقَّبه العينيُّ فقال (٤): الأصل عدم التَّعدُّد، والأصل (٥) عدم ارتكاب المجاز والعدول عن ظاهر الكلام لا لعلَّةٍ، وما المانع من التَّعدُّد؟ انتهى. أو يكون المراد: كتب أبي (٦) إليَّ (٧) أن أكتب لابنه، ولكنْ حُذِفَ المفعول؛ وهو المجرور بـ «إلى»، ثمَّ قال: وكتبتُ له إلى ابنه بذلك، أي: لأجل أمره لي بأن أكتب، وعلى هذا فلا تنازع في المجرور، بل في المفعول الذي هو المصدر المنسبك من «أن لا تحكم .... إلى آخره»، وأُعمِل أحدهما وحُذِفَ الآخر؛ لأنَّه غير عمدةٍ على ما سبق، أو يكون المراد: أنَّ كلًّا من أبي بَكْرة وعبد الرَّحمن كتب إلى عُبيد الله، وكتابة ثانيهما إليه تأكيدٌ لكتابة الأوَّل، وكتابة عبد الرَّحمن إنَّما كانت لأجل أبي بَكْرة؛ على معنى: أنَّه كتب ذلك عن أبيه، لا من قِبَل نفسه،
أو يكون أبو بَكْرة أمر بالكتابة، فنُسِبَ إليه أنَّه كَتَبَ تجوُّزًا بالسَّبب عن المسبَّب، وفيه نظرٌ؛ لرواية النَّسائيِّ: قال عبد الرَّحمن بن أبي بَكْرة: كتب إليَّ أبو بَكْرة يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول … إلى آخره، وفي روايةِ مسلمٍ: أن لا تحكم بين اثنين (وَأَنْتَ غَضْبَانُ) جملةٌ في موضع الحال، و «غضبان»: لا ينصرف، والغضب: غَلَيان دم القلب؛ لطلب الانتقام، وعند التِّرمذيِّ عن أبي سعيدٍ مرفوعًا: «ألا وإنَّ الغضب جمرةٌ في قلب ابن (١) آدم؛ أما ترون إلى حمرة عينيه وانتفاخ أوداجه؟» (فَإِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ) الفاء في «فإنِّي» سببيَّةٌ: (لَا يَقْضِيَنَّ) تشديد النُّون تأكيدٌ للنَّهي (حَكَمٌ) بفتحتين، أي: حاكمٌ (بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهْوَ غَضْبَانُ) لأنَّ الغضب قد يتجاوز بالحاكم إلى غير الحقِّ، وعدَّاه الفقهاء بهذا المعنى إلى كلِّ ما يحصل به التَّغيُّر للفكر؛ كجوعٍ وشبعٍ مفرطين، ومرضٍ مؤلمٍ وخوفٍ مزعجٍ، وفرحٍ شديدٍ، وغلبةِ نعاسٍ، وهمٍّ مُضجِرٍ (٢)، ومدافعة حدثٍ، وحرٍّ مزعجٍ، وبردٍ مُنكَرٍ، وسائر ما يتعلَّق به القلب تعلُّقًا يشغله عن استيفاء النَّظر، وعن أبي سعيدٍ عند البيهقيِّ بسندٍ ضعيفٍ مرفوعًا: «لا يقضي القاضي (٣) إلَّا وهو شبعان ريَّان»، واقتصر على ذكر الغضب؛ لاستيلائه على النَّفس، وصعوبة مقاومته، بخلاف غيره. نعم؛ إن غضب لله؛ ففي الكراهة وجهان؛ قال البُلْقينيُّ: المعتمَد عدم الكراهة، واستبعده غيره؛ لمخالفته لظواهر الأحاديث، وللمعنى الذي لأجله نُهِيَ عن الحكم حال الغضب، ولو خالف وحَكَمَ وهو غضبان؛ صحَّ إن صادف الحقَّ مع الكراهة، وعن بعض الحنابلة: لا (٤) ينفذ الحكم في حال الغضب؛ لثبوت النَّهي عنه، والنَّهي يقتضي الفساد، وفصَّل بعضهم بين أن يكون الغضب طرأ عليه بعد أنِ استبان له الحكم (٥)؛ فلا يؤثِّر، وإلَّا فهو محلُّ الخلاف.
والحديث أخرجه مسلمٌ في «الأحكام»، وأبو داود في «القضاء»، والتِّرمذيُّ في «الأحكام»، والنَّسائيُّ في «القضايا»، وابن ماجه في «الأحكام».
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
حَالِ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ عِنْدَ السَّامِعِينَ فَشَبَّهَهُ بِمَا يَعْهَدُونَهُ.
الْحَدِيثُ الثَّانِي.
قَوْلُهُ (عَنْ أَبِي مُوسَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَهُ وَأَتْبَعَهُ بِمُعَاذٍ) هَذِهِ قِطْعَةٌ مِنْ حَدِيثٍ طَوِيلٍ تَقَدَّمَ فِي اسْتِتَابَةِ الْمُرْتَدِّينَ بِهَذَا السَّنَدِ وَأَوَّلُهُ أَقْبَلْتُ وَمَعِيَ رَجُلَانِ مِنَ الْأَشْعَرِيِّينَ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ بَعْدَ قَوْلِهِ لَا نَسْتَعْمِلُ عَلَى عَمَلِنَا مَنْ أَرَادَهُ وَلَكِنِ اذْهَبْ أَنْتَ يَا أَبَا مُوسَى، ثُمَّ أَتْبَعَهُ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ وَفِيهِ قِصَّةُ الْيَهُودِيِّ الَّذِي أَسْلَمَ ثُمَّ ارْتَدَّ، وَهِيَ الَّتِي اقْتَصَرَ عَلَيْهَا هُنَا بَعْدَ هَذَا.
الْحَدِيثُ الثَّالِثُ.
قَوْلُهُ: (مَحْبُوبٌ) بِمُهْمَلَةٍ وَمُوَحَّدَتَيْنِ ابْنُ الْحَسَنِ بْنِ هِلَالٍ، بَصْرِيٌّ وَاسْمُهُ مُحَمَّدٌ وَمَحْبُوبٌ لَقَبٌ لَهُ، وَهُوَ بِهِ أَشْهَرُ، وَهُوَ مُخْتَلَفٌ في الِاحْتِجَاجُ بِهِ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْمَوْضِعِ وَهُوَ فِي حُكْمِ الْمُتَابَعَةِ؛ لِأَنَّهُ تَقَدَّمَ فِي اسْتِتَابَةِ الْمُرْتَدِّينَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا خَالِدٌ) هُوَ الْحَذَّاءُ.
قَوْلُهُ: (أَنَّ رَجُلًا أَسْلَمَ ثُمَّ تَهَوَّدَ) قَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ هُنَاكَ مُسْتَوْفًى. قَوْلُهُ (لَا أَجْلِسُ حَتَّى أَقْتُلَهُ قَضَاءُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) قَدْ تَقَدَّمَ هُنَاكَ فَأَمَرَ بِهِ فَقُتِلَ وَبِذَلِكَ يَتِمُّ مُرَادُ التَّرْجَمَةِ وَالرَّدُّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْحُدُودَ لَا يُقِيمُهَا عُمَّالُ الْبِلَادِ إِلَّا بَعْدَ مُشَاوَرَةِ الْإِمَامِ الَّذِي وَلَّاهُمْ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذَا الْبَابِ، فَذَهَبَ الْكُوفِيُّونَ إِلَى أَنَّ الْقَاضِيَ حُكْمُهُ حُكْمُ الْوَكِيلِ لَا يُطْلِقُ يَدَهُ إِلَّا فِيمَا أُذِنَ لَهُ فِيهِ، وَحُكْمُهُ عِنْدَ غَيْرِهِمْ حُكْمُ الْوَصِيِّ لَهُ التَّصَرُّفُ فِي كُلِّ شَيْءٍ وَيُطْلِقُ يَدَهُ عَلَى النَّظَرِ فِي جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ إِلَّا مَا اسْتُثْنِيَ. وَنَقَلَ الطَّحَاوِيُّ عَنْهُمْ أَنَّ الْحُدُودَ لَا يُقِيمُهَا إِلَّا أُمَرَاءُ الْأَمْصَارِ، وَلَا يُقِيمُهَا عَامِلُ السَّوَادِ وَلَا نَحْوُهُ. وَنَقَلَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا تُقَامُ الْحُدُودُ فِي الْمِيَاهِ بَلْ تُجْلَبُ إِلَى الْأَمْصَارِ، وَلَا يُقَامُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلِ فِي مِصْرَ كُلِّهَا إِلَّا بِالْفُسْطَاطِ، يَعْنِي لِكَوْنِهَا مَنْزِلَ مُتَوَلِّي مِصْرَ قَالَ: أَوْ يَكْتُبُ إِلَى وَالِي الْفُسْطَاطِ بِذَلِكَ أَيْ يَسْتَأْذِنُهُ. وَقَالَ أَشْهَبُ: بَلْ مَنْ فَوَّضَ لَهُ الْوَالِي ذَلِكَ مِنْ عُمَّالِ الْمِيَاهِ جَازَ لَهُ أَنْ يَفْعَلَهُ. وَعَنِ الشَّافِعِيِّ نَحْوُهُ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: وَالْحُجَّةُ فِي الْجَوَازِ حَدِيثُ مُعَاذٍ فَإِنَّهُ قَتَلَ الْمُرْتَدَّ دُونَ أَنْ يَرْفَعَ أَمْرَهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ.
١٣ - بَاب هَلْ يَقْضِي الْقَاضِي أَوْ يُفْتِي وَهُوَ غَضْبَانُ؟
٧١٥٨ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ، سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: كَتَبَ أَبُو بَكْرَةَ إِلَى ابْنِهِ وَكَانَ بِسِجِسْتَانَ، بِأَنْ لَا تَقْضِيَ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَأَنْتَ غَضْبَانُ؛ فَإِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: لَا يَقْضِيَنَّ حَكَمٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ.
٧١٥٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي وَاللَّهِ لَاتَأَخَّرُ عَنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ مِنْ أَجْلِ فُلَانٍ مِمَّا يُطِيلُ بِنَا فِيهَا قَالَ فَمَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ قَطُّ أَشَدَّ غَضَبًا فِي مَوْعِظَةٍ مِنْهُ يَوْمَئِذٍ ثُمَّ قَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ فَأَيُّكُمْ مَا صَلَّى بِالنَّاسِ فَلْيُوجِزْ فَإِنَّ فِيهِمْ الْكَبِيرَ وَالضَّعِيفَ وَذَا الْحَاجَةِ
٧١٦٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي يَعْقُوبَ الْكَرْمَانِيُّ حَدَّثَنَا حَسَّانُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا يُونُسُ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ هُوَ الزُّهْرِيُّ أَخْبَرَنِي سَالِمٌ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ فَذَكَرَ عُمَرُ لِلنَّبِيِّ ﷺ،
فَتَغَيَّظَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قَالَ لِيُرَاجِعْهَا ثُمَّ لِيُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ فَتَطْهُرَ فَإِنْ بَدَا لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا فَلْيُطَلِّقْهَا
قَوْلُهُ: (بَابٌ هَلْ يَقْضِي الْقَاضِي أَوْ يُفْتِي وَهُوَ غَضْبَانُ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ الْحَاكِمُ ذَكَرَ فِيهِ ثَلَاثةَ أَحَادِيثَ أَحَدُهَا.
قَوْلُهُ: (كَتَبَ أَبُو بَكْرَةَ) يَعْنِي وَالِدَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الرَّاوِيَ الْمَذْكُورَ.
قَوْلُهُ (إِلَى ابْنِهِ) كَذَا وَقَعَ هُنَا غَيْرَ مُسَمًّى، وَوَقَعَ فِي أَطْرَافِ الْمِزِّيِّ إِلَى ابْنِهِ عُبَيْدِ اللَّهِ وَقَدْ سُمِّيَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَلَكِنْ بِغَيْرِ هَذَا اللَّفْظِ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَوَانَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: كَتَبَ أَبِي وَكَتَبْتُ لَهُ إِلَى عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ وَوَقَعَ فِي الْعُمْدَةِ كَتَبَ أَبِي وَكَتَبْتُ لَهُ إِلَى ابْنِهِ عُبَيْدِ اللَّهِ وَقَدْ سُمِّيَ إِلَخْ وَهُوَ مُوَافِقٌ لِسِيَاقِ مُسْلِمٍ إِلَّا أَنَّهُ زَادَ لَفْظَ ابْنِهِ قِيلَ مَعْنَاهُ كَتَبَ أَبُو بَكْرَةَ بِنَفْسِهِ مَرَّةً وَأَمَرَ وَلَدَهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ أَنْ يَكْتُبَ لِأَخِيهِ فَكَتَبَ لَهُ مَرَّةً أُخْرَى. قُلْتُ: وَلَا يَتَعَيَّنُ ذَلِكَ، بَلِ الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ قَوْلَهُ كَتَبَ أَبِي أَيْ أَمَرَ بِالْكِتَابَةِ، وَقَوْلَهُ وَكَتَبْتُ لَهُ أَيْ بَاشَرْتُ الْكِتَابَةَ الَّتِي أَمَرَ بِهَا، وَالْأَصْلُ عَدَمُ التَّعَدُّدِ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ الْمَكْتُوبِ: إِنِّي سَمِعْتُ فَإِنَّ هَذِهِ الْعِبَارَةَ لِأَبِي بَكْرَةَ لَا لِابْنِهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَإِنَّهُ لَا صُحْبَةَ لَهُ وَهُوَ أَوَّلُ مَوْلُودٍ وُلِدَ بِالْبَصْرَةِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرَةَ لَوْ دَخَلُوا عَلَيَّ مَا بهَشْتُ لَهُمْ بِقَصَبَةٍ.
قَوْلُهُ (وَكَانَ بِسِجِسْتَانَ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَهُوَ قَاضٍ بِسِجِسْتَانَ وَهِيَ جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ وَسِجِسْتَانُ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَالْجِيمِ عَلَى الصَّحِيحِ بَعْدَهُمَا مُثَنَّاةٌ سَاكِنَةٌ وَهِيَ إِلَى جِهَةِ الْهِنْدِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ كَرْمَانَ مِائَةُ فَرْسَخٍ، مِنْهَا أَرْبَعُونَ فَرْسَخًا مَفَازَةً لَيْسَ فِيهَا مَاءٌ وَيُنْسَبُ إِلَيْهَا سِجِسْتَانِيٌّ وَسِجِزْتِيٌّ بِزَايٍ بَدَلَ السِّينِ الثَّانِيَةِ وَالتَّاءِ وَهُوَ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ، وَسِجِسْتَانُ لَا تُصْرَفُ لِلْعَلَمِيَّةِ وَالْعُجْمَةِ أَوْ زِيَادَةِ الْأَلِفِ وَالنُّونِ، قَالَ ابْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ: كَانَ زِيَادٌ فِي وِلَايَتِهِ عَلَى الْعِرَاقِ قَرَّبَ أَوْلَادَ أَخِيهِ لِأُمِّهِ أَبِي بَكْرَةَ وَشَرَّفَهُمْ وَأَقْطَعَهُمْ وَوَلَّى عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي بَكْرةٍ سِجِسْتَانَ، قَالَ وَمَاتَ أَبُو بَكْرَةَ فِي وِلَايَةِ زِيَادٍ.
قَوْلُهُ: (أَنْ لَا تَقْضِيَ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَأَنْتَ غَضْبَانُ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ أَنْ لَا تَحْكُمَ.
قَوْلُهُ: (لَا يَقْضِيَنَّ حَكَمٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ لَا يَحْكُمُ أَحَدٌ وَالْبَاقِي سَوَاءٌ، وَفِي رِوَايَةِ الشَّافِعِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ بِسَنَدِهِ لَا يَقْضِي الْقَاضِي أَوْ لَا يَحْكُمِ الْحَاكِمُ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ وَلَمْ يَذْكُرِ الْقِصَّةَ. وَالْحَكَمُ بِفَتْحَتَيْنِ هُوَ الْحَاكِمُ، وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى الْقَيِّمِ بِمَا يُسْنَدُ إِلَيْهِ. قَالَ الْمُهَلَّبُ: سَبَبُ هَذَا النَّهْيِ أَنَّ الْحُكْمَ حَالَةَ الْغَضَبِ قَدْ يَتَجَاوَزُ بِالْحَاكِمِ إِلَى غَيْرِ الْحَقِّ فَمُنِعَ، وَبِذَلِكَ قَالَ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ. وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: فِيهِ النَّهْيُ عَنِ الْحُكْمِ حَالَةَ الْغَضَبِ لِمَا يَحْصُلُ بِسَبَبِهِ مِنَ التَّغَيُّرِ الَّذِي يَخْتَلُّ بِهِ النَّظَرُ فَلَا يَحْصُلُ اسْتِيفَاءُ الْحُكْمِ عَلَى الْوَجْهِ قَالَ: وَعَدَّاهُ الْفُقَهَاءُ بِهَذَا الْمَعْنَى إِلَى كُلِّ مَا يَحْصُلُ بِهِ تَغَيُّرُ الْفِكْرِ كَالْجُوعِ وَالْعَطَشِ الْمُفْرِطَيْنِ وَغَلَبَةِ النُّعَاسِ وَسَائِرِ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْقَلْبُ تَعَلُّقًا يَشْغَلُهُ عَنِ اسْتِيفَاءِ النَّظَرِ، وَهُوَ قِيَاسُ مَظِنَّةٍ عَلَى مَظِنَّةٍ، وَكَأَنَّ الْحِكْمَةَ فِي الِاقْتِصَارِ عَلَى ذِكْرِ الْغَضَبِ لِاسْتِيلَائِهِ عَلَى النَّفْسِ وَصُعُوبَةِ مُقَاوَمَتِهِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ.
وَقَدْ أَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ رَفَعَهُ لَا يَقْضِ الْقَاضِي إِلَّا وَهُوَ شَبْعَانُ رَيَّانُ وَقَوْلُ الشَّيْخِ وَهُوَ قِيَاسُ مَظِنَّةٍ عَلَى مَظِنَّةٍ صَحِيحٌ، وَهُوَ اسْتِنْبَاطُ مَعْنًى دَلَّ عَلَيْهِ النَّصُّ فَإِنَّهُ لَمَّا نَهَى عَنِ الْحُكْمِ حَالَةَ الْغَضَبِ، فُهِمَ مِنْهُ أَنَّ الْحُكْمَ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي حَالَةِ اسْتِقَامَةِ الْفِكْرِ، فَكَانَتْ عِلَّةُ النَّهْيِ الْمَعْنَى الْمُشْتَرَكُ وَهُوَ تَغَيُّرُ الْفِكْرِ، وَالْوَصْفُ بِالْغَضَبِ يُسَمَّى عِلَّةً بِمَعْنَى أَنَّهُ مُشْتَمِلٌ عَلَيْهِ فَأُلْحِقَ بِهِ مَا فِي مَعْنَاهُ كَالْجَائِعِ قَالَ الشَّافِعِيُّ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
بُرْدَةَ) عامرٍ (عَنْ أَبِي مُوسَى) الأشعريِّ ﵁: (أَنَّ رَجُلًا) لم أعرف اسمه (أَسْلَمَ ثُمَّ تَهَوَّدَ، فَأَتَى (١) مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَهْوَ عِنْدَ أَبِي مُوسَى، فَقَالَ) معاذٌ لأبي موسى: (مَا لهَذَا) الرَّجل الموثَق؟ (قَالَ: أَسْلَمَ ثُمَّ تَهَوَّدَ) وفي رواية الباب المذكور في «استتابة المرتدِّين» [خ¦٦٩٢٣] ثمَّ أَتْبَعه معاذ بن جبلٍ، فلمَّا قدم عليه؛ ألقى له وسادةً، قال: انزل، وإذا رجلٌ عنده (٢) موثَقٌ، قال: ما هذا؟ قال: كان يهوديَّا فأسلم، ثمَّ تهوَّد، فقال: اجلِس (قَالَ: لَا أَجْلِسُ حَتَّى أَقْتُلَهُ) هذا (قَضَاءُ اللهِ وَ) قضاءُ (رَسُولِهِ ﷺ) زاد في «الاستتابة» [خ¦٦٩٢٣] فأمر به فقُتِلَ، وبذلك يتمُّ مراد التَّرجمة، ويحصل الرَّدُّ على من زعم أنَّ الحدود لا يُقيمها عمَّال البلاد إلَّا بعد إذن الإمام الذي ولَّاهم.
(١٣) هذا (بابٌ) -بالتَّنوين- يُذْكَرُ فيه: (هَلْ يَقْضِي الحَاكِمُ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «القاضي» أي: بين النَّاس (أَوْ يُفْتِي وَهْوَ غَضْبَانُ) (٣)؟
٧١٥٨ - وبه (٤) قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياسٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ المَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ) بضمِّ العين وفتح الميم، الكوفُّي قال: (سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرَةَ) نُفيعٍ الثَّقفيَّ (قَالَ: كَتَبَ) أبي (أَبُو بَكْرَةَ إِلَى ابْنِهِ) بالنُّون: ولده عُبَيْد الله -بالتَّصغير- (وَكَانَ) عُبيد الله قاضيًا (٥) (بِسِجِسْتَانَ) بكسر المهملة والجيم على الصَّحيح، غير منصرفٍ؛ للعلميَّة والعجميَّة، وفيه الزِّيادة والتَّأنيث: إحدى مدن العجم، وهي خلف كرمان مسيرة مئة فرسخٍ، منها أربعون مفازةً ليس بها ماءٌ، وهي إلى ناحية الهند (بِأَنْ لَا تَقْضِيَ بَيْنَ اثْنَيْنِ) وفي
«عمدة الأحكام»: كتب أبي وكَتَبْتُ له إلى ابنه عُبيد الله، وهو موافقٌ لرواية مسلمٍ، إلَّا أنَّه زاد لفظة: ابنه، والضَّمير في «ابنه» عائدٌ إلى أبي بكرة، وصرَّح به (١) في بعض الرِّوايات فقال: وكتبت له إلى ابنه عُبيد الله بن أبي بَكْرة، والحاصل: أنَّ أبا بكرة له ابنٌ يُسمَّى عبيد الله، وهو المكتوب إليه، وابنٌ آخر يسمَّى عبد الرَّحمن راوي الحديث الذي كتب إلى أخيه عُبيد الله به (٢)، وهذا التَّركيب يحتَمِل أن يكون أبو بَكْرة كتب بنفسه إلى ابنه عُبيد الله، وكتب عبد الرَّحمن لأخيه عبيد الله (٣) بمثل ما كتب أبو بكرة، ولكنَّ عبد الرحمن إنَّما كتب لأجل أبيهما، أي: لأجل أمره وطواعيته ونحو ذلك، ففيه تنازعٌ بين «كَتَب» وبين «كَُتَِبَْتُْ» في المفعول؛ وهو «أن لا يحكم بين اثنين» وفي الجارِّ والمجرور وهو «إلى ابنه»، ويكون قد أعمل أحدهما وأضمر في الآخر، ولكنَّه حُذِف؛ لكونه فضلةً، وتعقَّبه في «الفتح» بأنَّه لا يتعيَّن ذلك، بل الذي يظهر أنَّ قوله: «كتب أبي» أي: أمر بالكتابة، وقوله: و «كتبتُ» أي: باشرتُ الكتابة التي أمر بها، والأصل عدم التَّعدُّد، وتعقَّبه العينيُّ فقال (٤): الأصل عدم التَّعدُّد، والأصل (٥) عدم ارتكاب المجاز والعدول عن ظاهر الكلام لا لعلَّةٍ، وما المانع من التَّعدُّد؟ انتهى. أو يكون المراد: كتب أبي (٦) إليَّ (٧) أن أكتب لابنه، ولكنْ حُذِفَ المفعول؛ وهو المجرور بـ «إلى»، ثمَّ قال: وكتبتُ له إلى ابنه بذلك، أي: لأجل أمره لي بأن أكتب، وعلى هذا فلا تنازع في المجرور، بل في المفعول الذي هو المصدر المنسبك من «أن لا تحكم .... إلى آخره»، وأُعمِل أحدهما وحُذِفَ الآخر؛ لأنَّه غير عمدةٍ على ما سبق، أو يكون المراد: أنَّ كلًّا من أبي بَكْرة وعبد الرَّحمن كتب إلى عُبيد الله، وكتابة ثانيهما إليه تأكيدٌ لكتابة الأوَّل، وكتابة عبد الرَّحمن إنَّما كانت لأجل أبي بَكْرة؛ على معنى: أنَّه كتب ذلك عن أبيه، لا من قِبَل نفسه،
أو يكون أبو بَكْرة أمر بالكتابة، فنُسِبَ إليه أنَّه كَتَبَ تجوُّزًا بالسَّبب عن المسبَّب، وفيه نظرٌ؛ لرواية النَّسائيِّ: قال عبد الرَّحمن بن أبي بَكْرة: كتب إليَّ أبو بَكْرة يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول … إلى آخره، وفي روايةِ مسلمٍ: أن لا تحكم بين اثنين (وَأَنْتَ غَضْبَانُ) جملةٌ في موضع الحال، و «غضبان»: لا ينصرف، والغضب: غَلَيان دم القلب؛ لطلب الانتقام، وعند التِّرمذيِّ عن أبي سعيدٍ مرفوعًا: «ألا وإنَّ الغضب جمرةٌ في قلب ابن (١) آدم؛ أما ترون إلى حمرة عينيه وانتفاخ أوداجه؟» (فَإِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ) الفاء في «فإنِّي» سببيَّةٌ: (لَا يَقْضِيَنَّ) تشديد النُّون تأكيدٌ للنَّهي (حَكَمٌ) بفتحتين، أي: حاكمٌ (بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهْوَ غَضْبَانُ) لأنَّ الغضب قد يتجاوز بالحاكم إلى غير الحقِّ، وعدَّاه الفقهاء بهذا المعنى إلى كلِّ ما يحصل به التَّغيُّر للفكر؛ كجوعٍ وشبعٍ مفرطين، ومرضٍ مؤلمٍ وخوفٍ مزعجٍ، وفرحٍ شديدٍ، وغلبةِ نعاسٍ، وهمٍّ مُضجِرٍ (٢)، ومدافعة حدثٍ، وحرٍّ مزعجٍ، وبردٍ مُنكَرٍ، وسائر ما يتعلَّق به القلب تعلُّقًا يشغله عن استيفاء النَّظر، وعن أبي سعيدٍ عند البيهقيِّ بسندٍ ضعيفٍ مرفوعًا: «لا يقضي القاضي (٣) إلَّا وهو شبعان ريَّان»، واقتصر على ذكر الغضب؛ لاستيلائه على النَّفس، وصعوبة مقاومته، بخلاف غيره. نعم؛ إن غضب لله؛ ففي الكراهة وجهان؛ قال البُلْقينيُّ: المعتمَد عدم الكراهة، واستبعده غيره؛ لمخالفته لظواهر الأحاديث، وللمعنى الذي لأجله نُهِيَ عن الحكم حال الغضب، ولو خالف وحَكَمَ وهو غضبان؛ صحَّ إن صادف الحقَّ مع الكراهة، وعن بعض الحنابلة: لا (٤) ينفذ الحكم في حال الغضب؛ لثبوت النَّهي عنه، والنَّهي يقتضي الفساد، وفصَّل بعضهم بين أن يكون الغضب طرأ عليه بعد أنِ استبان له الحكم (٥)؛ فلا يؤثِّر، وإلَّا فهو محلُّ الخلاف.
والحديث أخرجه مسلمٌ في «الأحكام»، وأبو داود في «القضاء»، والتِّرمذيُّ في «الأحكام»، والنَّسائيُّ في «القضايا»، وابن ماجه في «الأحكام».