«أَبْغَضُ الرِّجَالِ إِلَى اللهِ الْأَلَدُّ الْخَصِمُ.» بَابٌ: إِذَا قَضَى…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٧١٨٨

الحديث رقم ٧١٨٨ من كتاب «كتاب الأحكام» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب الألد الخصم.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٧١٨٨ في صحيح البخاري

«أَبْغَضُ الرِّجَالِ إِلَى اللهِ الْأَلَدُّ الْخَصِمُ.»

بَابٌ: إِذَا قَضَى الْحَاكِمُ بِجَوْرٍ أَوْ خِلَافِ أَهْلِ الْعِلْمِ فَهْوَ رَدٌّ

إسناد حديث البخاري رقم ٧١٨٨

٧١٨٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ يُحَدِّثُ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ :

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٧١٨٨: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الْكِرْثِ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ ثَانِيهِ وَآخِرُهُ مُثَلَّثَةٌ، وَهُوَ الْمَشَقَّةُ وَيُسْتَعْمَلُ نَفْيُهُ فِي مَوْضِعِ عَدَمِ الْمُبَالَاةِ. قَالَ الْمُهَلَّبُ: مَعْنَى هَذِهِ التَّرْجَمَةِ، أَنَّ الطَّاعِنَ إِذَا لَمْ يَعْلَمْ حَالَ الْمَطْعُونِ عَلَيْهِ فَرَمَاهُ بِمَا لَيْسَ فِيهِ: لَا يُعْبَأُ بِذَلِكَ الطَّعْنِ وَلَا يُعْمَلُ بِهِ وَقَيَّدَهُ فِي التَّرْجَمَةِ بِمَنْ لَا يَعْلَمُ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ مَنْ طَعَنَ بِعِلْمٍ أَنَّهُ يُعْمَلُ بِهِ فَلَوْ طَعَنَ بِأَمْرٍ مُحْتَمَلٍ كَانَ ذَلِكَ رَاجِعًا إِلَى رَأْيِ الْإِمَامِ. وَعَلَى هَذَا يَتَنَزَّلُ فِعْلُ عُمَرَ مَعَ سَعْدٍ حَتَّى عَزَلَهُ، مَعَ بَرَاءَتِهِ مِمَّا رَمَاهُ بِهِ أَهْلُ الْكُوفَةِ، وَأَجَابَ الْمُهَلَّبُ بِأَنَّ عُمَرَ لَمْ يَعْلَمْ مِنْ مَغِيبِ سَعْدٍ مَا عَلِمَهُ النَّبِيُّ مِنْ زَيْدٍ، وَأُسَامَةَ يَعْنِي فَكَانَ سَبَبَ عَزْلِهِ قِيَامُ الِاحْتِمَالِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: كَانَ رَأْيُ عُمَرَ احْتِمَالَ أَخَفِّ الْمَفْسَدَتَيْنِ. فَرَأَى أَنَّ عَزْلَ سَعْدٍ أَسْهَلُ مِنْ فِتْنَةٍ يُثِيرُهَا مَنْ قَامَ عَلَيْهِ مِنْ أَهْلِ تِلْكَ الْبَلَدِ، وَقَدْ قَالَ عُمَرُ فِي وَصِيَّتِهِ: لَمْ أَعْزِلْهُ لِضَعْفٍ وَلَا لِخِيَانَةٍ وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: قَطَعَ النَّبِيُّ بِسَلَامَةِ الْعَاقِبَةِ فِي إِمْرَةِ أُسَامَةَ، فَلَمْ يَلْتَفِتْ لِطَعْنِ مَنْ طَعَنَ وَأَمَّا عُمَرُ فَسَلَكَ سَبِيلَ الِاحْتِيَاطِ لِعَدَمِ قَطْعِهِ بِمِثْلِ ذَلِكَ، وَذَكَرَ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ فِي بَعْثِ أُسَامَةَ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي أَوَاخِرِ الْوَفَاةِ النَّبَوِيَّةِ مِنْ كِتَابِ الْمَغَازِي.

قَوْلُهُ: (فَطُعِنَ فِي إِمَارَتِهِ) بِضَمِّ الطَّاءِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ، وَقَوْلُهُ: إِنْ تَطْعَنُوا فِي إِمَارَتِهِ فَقَدْ كُنْتُمْ تَطْعَنُونَ فِي إِمَارَةِ أَبِيهِ أَيْ إِنْ طَعَنْتُمْ فِيهِ فَأُخْبِرُكُمْ بِأَنَّكُمْ طَعَنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فِي أَبِيهِ، وَالتَّقْدِيرُ إِنْ تَطْعَنُوا فِي إِمَارَتِهِ فَقَدْ أَثِمْتُمْ بِذَلِكَ لِأَنَّ طَعْنَكُمْ بِذَلِكَ لَيْسَ حَقًّا كَمَا كُنْتُمْ تَطْعَنُونَ فِي إِمَارَةِ أَبِيهِ، وَظَهَرَتْ كِفَايَتُهُ وَصَلَاحِيَتُهُ لِلْإِمَارَةِ، وَأَنَّهُ كَانَ مُسْتَحِقًّا لَهَا فَلَمْ يَكُنْ لِطَعْنِكُمْ مُسْتَنَدٌ، فَلِذَلِكَ لَا اعْتِبَارَ بِطَعْنِكُمْ فِي إِمَارَةِ وَلَدِهِ، وَلَا الْتِفَاتَ إِلَيْهِ وَقَدْ قِيلَ: إِنَّمَا طَعَنُوا فِيهِ لِكَوْنِهِ مَوْلًى. وَقِيلَ: إِنَّمَا كَانَ الطَّاعِنُ فِيهِ مَنْ يُنْسَبُ إِلَى النِّفَاقِ. وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ سُمِّيَ مِمَّنْ طَعَنَ فِيهِ عَيَّاشَ بِتَحْتَانِيَّةٍ وَشِينٍ مُعْجَمَةٍ ابْنَ أَبِي رَبِيعَةَ الْمَخْزُومِيَّ، وَكَانَ مِنْ مُسْلِمَةِ الْفَتْحِ لَكِنَّهُ كَانَ مِنْ فُضَلَاءِ الصَّحَابَةِ، فَعَلَى هَذَا فَالْخِطَابُ بِقَوْلِهِ: إِنْ تَطْعَنُوا لِعُمُومِ الطَّاعِنِينَ سَوَاءٌ اتَّحَدَ الطَّاعِنُ فِيهِمَا أَمِ اخْتَلَفَ، وَقَوْلُهُ: إِنْ كَانَ لَخَلِيقًا أَيْ مُسْتَحِقًّا، وَقَوْلُهُ لِلْإِمْرَةِ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ لِلْإِمَارَةِ وَهُمَا بِمَعْنًى.

٣٤ - بَاب الْأَلَدِّ الْخَصِمِ، وَهُوَ الدَّائِمُ فِي الْخُصُومَةِ. لُدًّا: عُوجًا. ألد: أعوج.

٧١٨٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ يُحَدِّثُ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : أَبْغَضُ الرِّجَالِ إِلَى اللَّهِ الْأَلَدُّ الْخَصِمُ.

قَوْلُهُ: (بَابُ الْأَلَدِّ الْخَصِمِ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ الْمُرَادِ بِهِ فِي كِتَابِ الْمَظَالِمِ وَفِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَقَوْلُهُ وَهُوَ الدَّائِمُ فِي الْخُصُومَةِ مِنْ تَفْسِيرِ الْمُصَنِّفِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ الشَّدِيدُ الْخُصُومَةِ فَإِنَّ الْخَصِمَ مِنْ صِيَغِ الْمُبَالَغَةِ فَيَحْتَمِلُ الشِّدَّةَ وَيَحْتَمِلُ الْكَثْرَةَ، وَقَوْلُهُ: لُدًّا عُوجًا، وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ أَلَدُّ أَعْوَجُ وَهُوَ يَرُدُّ عَلَى ابْنِ الْمُنِيرِ حَيْثُ صَحَّفَ هَذِهِ اللَّفْظَةَ فَقَالَ: قَوْلُهُ إِدًّا عُوجًا، لَا أَعْلَمُ لِهَذَا فِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ وَجْهًا إِلَّا إِنْ كَانَ أَرَادَ أَنَّ الْأَلَدَّ مُشْتَقٌّ مِنَ اللَّدَدِ، وَهُوَ الِاعْوِجَاجُ وَالِانْحِرَافُ عَنِ الْحَقِّ، وَأَصْلُهُ مِنَ اللَّدِيدِ وَهُوَ جَانِبُ الْوَادِي وَيُطْلَقُ عَلَى جَانِبِ الْفَمِ، وَمِنْهُ اللَّدُودُ وَهُوَ صَبُّ الدَّوَاءِ مُنْحَرِفًا عَنْ وَسَطِ الْفَمِ إِلَى جَانِبِهِ، فَأَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ الْعِوَجَ يُسْتَعْمَلُ فِي الْمَعَانِي كَمَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْأَعْيَانِ، فَمِنَ اسْتِعْمَالِهِ فِي الْمَعَانِي اللَّدُودُ وَالْإِدُّ وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا﴾ أَيْ شَيْئًا مُنْحَرِفًا عَنِ الصَّوَابِ وَمُعْوَجًّا عَنْ سِمَةِ الِاعْتِدَالِ. قُلْتُ: وَلَمْ أَرَهَا فِي شَيْءٍ مِنْ نُسَخِ الْبُخَارِيِّ هُنَا إِلَّا بِاللَّامِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ مَرْيَمَ نَقَلَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: إِدًّا

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٧١٨٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مُسَرْهَدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطَّان (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز أنَّه قال: (سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ) عبد الله (يُحَدِّثُ عَنْ عَائِشَةَ ) أنَّها (قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ : أَبْغَضُ الرِّجَالِ) الكفَّار (إِلَى اللهِ) الكافر (الأَلَدُّ الخَصِمُ) بفتح المعجمة وكسر المهملة: المعانِد، أو أبغض الرِّجال المخاصمين أعمّ من أن يكون كافرًا أو مسلمًا، فإن كان الأوَّل؛ فـ «أفعل» التَّفضيل على حقيقتها (١) في العموم، وإن كان مسلمًا؛ فسبب البغض كثرةُ المخاصمة؛ لأنَّها تُفضي غالبًا إلى ما يُذَمُّ صاحبه.

والحديث سبق في «المظالم» [خ¦٢٤٥٧] و «التَّفسير» [خ¦٤٥٢٣].

(٣٥) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا قَضَى الحَاكِمُ بِجَوْرٍ) أي: بظلمٍ (أَوْ خِلَافِ أَهْلِ العِلْمِ فَهْوَ) أي: قضاؤه (رَدٌّ) أي: مردودٌ.

٧١٨٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مَحْمُودٌ) هو ابن غَيلان -بالغين المعجمة المفتوحة- أبو أحمد المروزيُّ الحافظ قال: (حَدَّثَنَا (٢) عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همَّامٍ قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) بفتح الميمين، ابن خالدٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ (عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ) أنَّه قال: (بَعَثَ النَّبِيُّ خَالِدًا) وسقط لأبي ذرٍّ قوله: «عن الزُّهريِّ … » إلى آخره.

(ح) لتحويل السَّند قال البخاريُّ: (وَحَدَّثَنِي) بالإفراد (نُعَيْمٌ بْنُ حَمَّادٍ) بضمِّ النُّون وفتح العين، الرَّفَّاء -بالرَّاء والفاء المشدَّدة- المروزيُّ الأعور، ولأبي ذرٍّ: «وحدَّثني أبو عبد الله

نُعيم بن حمَّادٍ» ولغير أبي ذرٍّ: «قال أبو عبد الله البخاريُّ: حدَّثني نُعيمٌ» قال: (أَخْبَرَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (عَبْدُ اللهِ) بن المبارك قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) أي: ابن خالدٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عمر أنَّه (قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ خَالِدَ بْنَ الوَلِيدِ) (إِلَى بَنِي جَذِيمَةَ) -بفتح الجيم وكسر الذَّال المعجمة وفتح الميم: قبيلة من عبد قيسٍ- داعيًا لهم إلى الإسلام، لا مقاتلًا، فدعاهم إلى الإسلام (فَلَمْ يُحْسِنُوا أَنْ يَقُولُوا: أَسْلَمْنَا، فَقَالُوا: صَبَأْنَا صَبَأْنَا) بهمزةٍ ساكنةٍ فيهما، أي: خرجنا من الشِّرك إلى دين الإسلام، فلم يكتفِ خالدٌ إلَّا بالتَّصريح بذكر الإسلام، وفَهِمَ عنهم أنَّهم عدلوا عن التَّصريح أنفةً منهم ولم ينقادوا (فَجَعَلَ خَالِدٌ يَقْتُلُ) منهم (وَيَأْسِرُ) بكسر السِّين (وَدَفَعَ إِلَى كُلِّ رَجُلٍ مِنَّا (١) أَسِيرَهُ، فَأَمَرَ كُلَّ رَجُلٍ مِنَّا أَنْ يَقْتُلَ أَسِيرَهُ) قال ابن عمر: (فَقُلْتُ: وَاللهِ لَا أَقْتُلُ أَسِيرِي، وَلَا يَقْتُلُ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِي) من المهاجرين والأنصار (أَسِيرَهُ) فقدمنا (فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ فَقَالَ: اللَّهُمَّ؛ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدُ بْنُ الوَلِيدِ) مِن قتله الذين قالوا: صبأنا قبل أن يستفسرهم عن مرادهم بذلك، قال : اللَّهمَّ؛ إنِّي أبرأ إليك ممَّا صنع خالدٌ (مَرَّتَيْنِ) وإنَّما لم يعاقبه؛ لأنَّه كان مجتهدًا، واتَّفقوا على أنَّ القاضي إذا قضى بجَورٍ أو بخلاف ما عليه أهل العلم؛ فحكمه مردودٌ، فإن كان على وجه الاجتهاد وأخطأ كما صنع خالدٌ؛ فالإثم ساقطٌ، والضَّمان لازمٌ، فإن كان الحكم في قتلٍ؛ فالدِّية في بيت المال عند أبي حنيفة وأحمد، وعلى عاقلته عند الشَّافعيِّ وأبي يوسف ومحمَّد.

والحديث سبق في «المغازي» [خ¦٤٣٣٩].

(٣٦) (باب الإِمَامِ يَأْتِي قَوْمًا فَيُصْلِحُ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «ليصلح» «باللَّام» بدل: «الفاء»، أي: لأجل الإصلاح (بَيْنَهُمْ).

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الْكِرْثِ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ ثَانِيهِ وَآخِرُهُ مُثَلَّثَةٌ، وَهُوَ الْمَشَقَّةُ وَيُسْتَعْمَلُ نَفْيُهُ فِي مَوْضِعِ عَدَمِ الْمُبَالَاةِ. قَالَ الْمُهَلَّبُ: مَعْنَى هَذِهِ التَّرْجَمَةِ، أَنَّ الطَّاعِنَ إِذَا لَمْ يَعْلَمْ حَالَ الْمَطْعُونِ عَلَيْهِ فَرَمَاهُ بِمَا لَيْسَ فِيهِ: لَا يُعْبَأُ بِذَلِكَ الطَّعْنِ وَلَا يُعْمَلُ بِهِ وَقَيَّدَهُ فِي التَّرْجَمَةِ بِمَنْ لَا يَعْلَمُ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ مَنْ طَعَنَ بِعِلْمٍ أَنَّهُ يُعْمَلُ بِهِ فَلَوْ طَعَنَ بِأَمْرٍ مُحْتَمَلٍ كَانَ ذَلِكَ رَاجِعًا إِلَى رَأْيِ الْإِمَامِ. وَعَلَى هَذَا يَتَنَزَّلُ فِعْلُ عُمَرَ مَعَ سَعْدٍ حَتَّى عَزَلَهُ، مَعَ بَرَاءَتِهِ مِمَّا رَمَاهُ بِهِ أَهْلُ الْكُوفَةِ، وَأَجَابَ الْمُهَلَّبُ بِأَنَّ عُمَرَ لَمْ يَعْلَمْ مِنْ مَغِيبِ سَعْدٍ مَا عَلِمَهُ النَّبِيُّ مِنْ زَيْدٍ، وَأُسَامَةَ يَعْنِي فَكَانَ سَبَبَ عَزْلِهِ قِيَامُ الِاحْتِمَالِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: كَانَ رَأْيُ عُمَرَ احْتِمَالَ أَخَفِّ الْمَفْسَدَتَيْنِ. فَرَأَى أَنَّ عَزْلَ سَعْدٍ أَسْهَلُ مِنْ فِتْنَةٍ يُثِيرُهَا مَنْ قَامَ عَلَيْهِ مِنْ أَهْلِ تِلْكَ الْبَلَدِ، وَقَدْ قَالَ عُمَرُ فِي وَصِيَّتِهِ: لَمْ أَعْزِلْهُ لِضَعْفٍ وَلَا لِخِيَانَةٍ وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: قَطَعَ النَّبِيُّ بِسَلَامَةِ الْعَاقِبَةِ فِي إِمْرَةِ أُسَامَةَ، فَلَمْ يَلْتَفِتْ لِطَعْنِ مَنْ طَعَنَ وَأَمَّا عُمَرُ فَسَلَكَ سَبِيلَ الِاحْتِيَاطِ لِعَدَمِ قَطْعِهِ بِمِثْلِ ذَلِكَ، وَذَكَرَ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ فِي بَعْثِ أُسَامَةَ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي أَوَاخِرِ الْوَفَاةِ النَّبَوِيَّةِ مِنْ كِتَابِ الْمَغَازِي.

قَوْلُهُ: (فَطُعِنَ فِي إِمَارَتِهِ) بِضَمِّ الطَّاءِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ، وَقَوْلُهُ: إِنْ تَطْعَنُوا فِي إِمَارَتِهِ فَقَدْ كُنْتُمْ تَطْعَنُونَ فِي إِمَارَةِ أَبِيهِ أَيْ إِنْ طَعَنْتُمْ فِيهِ فَأُخْبِرُكُمْ بِأَنَّكُمْ طَعَنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فِي أَبِيهِ، وَالتَّقْدِيرُ إِنْ تَطْعَنُوا فِي إِمَارَتِهِ فَقَدْ أَثِمْتُمْ بِذَلِكَ لِأَنَّ طَعْنَكُمْ بِذَلِكَ لَيْسَ حَقًّا كَمَا كُنْتُمْ تَطْعَنُونَ فِي إِمَارَةِ أَبِيهِ، وَظَهَرَتْ كِفَايَتُهُ وَصَلَاحِيَتُهُ لِلْإِمَارَةِ، وَأَنَّهُ كَانَ مُسْتَحِقًّا لَهَا فَلَمْ يَكُنْ لِطَعْنِكُمْ مُسْتَنَدٌ، فَلِذَلِكَ لَا اعْتِبَارَ بِطَعْنِكُمْ فِي إِمَارَةِ وَلَدِهِ، وَلَا الْتِفَاتَ إِلَيْهِ وَقَدْ قِيلَ: إِنَّمَا طَعَنُوا فِيهِ لِكَوْنِهِ مَوْلًى. وَقِيلَ: إِنَّمَا كَانَ الطَّاعِنُ فِيهِ مَنْ يُنْسَبُ إِلَى النِّفَاقِ. وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ سُمِّيَ مِمَّنْ طَعَنَ فِيهِ عَيَّاشَ بِتَحْتَانِيَّةٍ وَشِينٍ مُعْجَمَةٍ ابْنَ أَبِي رَبِيعَةَ الْمَخْزُومِيَّ، وَكَانَ مِنْ مُسْلِمَةِ الْفَتْحِ لَكِنَّهُ كَانَ مِنْ فُضَلَاءِ الصَّحَابَةِ، فَعَلَى هَذَا فَالْخِطَابُ بِقَوْلِهِ: إِنْ تَطْعَنُوا لِعُمُومِ الطَّاعِنِينَ سَوَاءٌ اتَّحَدَ الطَّاعِنُ فِيهِمَا أَمِ اخْتَلَفَ، وَقَوْلُهُ: إِنْ كَانَ لَخَلِيقًا أَيْ مُسْتَحِقًّا، وَقَوْلُهُ لِلْإِمْرَةِ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ لِلْإِمَارَةِ وَهُمَا بِمَعْنًى.

٣٤ - بَاب الْأَلَدِّ الْخَصِمِ، وَهُوَ الدَّائِمُ فِي الْخُصُومَةِ. لُدًّا: عُوجًا. ألد: أعوج.

٧١٨٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ يُحَدِّثُ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : أَبْغَضُ الرِّجَالِ إِلَى اللَّهِ الْأَلَدُّ الْخَصِمُ.

قَوْلُهُ: (بَابُ الْأَلَدِّ الْخَصِمِ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ الْمُرَادِ بِهِ فِي كِتَابِ الْمَظَالِمِ وَفِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَقَوْلُهُ وَهُوَ الدَّائِمُ فِي الْخُصُومَةِ مِنْ تَفْسِيرِ الْمُصَنِّفِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ الشَّدِيدُ الْخُصُومَةِ فَإِنَّ الْخَصِمَ مِنْ صِيَغِ الْمُبَالَغَةِ فَيَحْتَمِلُ الشِّدَّةَ وَيَحْتَمِلُ الْكَثْرَةَ، وَقَوْلُهُ: لُدًّا عُوجًا، وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ أَلَدُّ أَعْوَجُ وَهُوَ يَرُدُّ عَلَى ابْنِ الْمُنِيرِ حَيْثُ صَحَّفَ هَذِهِ اللَّفْظَةَ فَقَالَ: قَوْلُهُ إِدًّا عُوجًا، لَا أَعْلَمُ لِهَذَا فِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ وَجْهًا إِلَّا إِنْ كَانَ أَرَادَ أَنَّ الْأَلَدَّ مُشْتَقٌّ مِنَ اللَّدَدِ، وَهُوَ الِاعْوِجَاجُ وَالِانْحِرَافُ عَنِ الْحَقِّ، وَأَصْلُهُ مِنَ اللَّدِيدِ وَهُوَ جَانِبُ الْوَادِي وَيُطْلَقُ عَلَى جَانِبِ الْفَمِ، وَمِنْهُ اللَّدُودُ وَهُوَ صَبُّ الدَّوَاءِ مُنْحَرِفًا عَنْ وَسَطِ الْفَمِ إِلَى جَانِبِهِ، فَأَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ الْعِوَجَ يُسْتَعْمَلُ فِي الْمَعَانِي كَمَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْأَعْيَانِ، فَمِنَ اسْتِعْمَالِهِ فِي الْمَعَانِي اللَّدُودُ وَالْإِدُّ وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا﴾ أَيْ شَيْئًا مُنْحَرِفًا عَنِ الصَّوَابِ وَمُعْوَجًّا عَنْ سِمَةِ الِاعْتِدَالِ. قُلْتُ: وَلَمْ أَرَهَا فِي شَيْءٍ مِنْ نُسَخِ الْبُخَارِيِّ هُنَا إِلَّا بِاللَّامِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ مَرْيَمَ نَقَلَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: إِدًّا

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٧١٨٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مُسَرْهَدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطَّان (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز أنَّه قال: (سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ) عبد الله (يُحَدِّثُ عَنْ عَائِشَةَ ) أنَّها (قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ : أَبْغَضُ الرِّجَالِ) الكفَّار (إِلَى اللهِ) الكافر (الأَلَدُّ الخَصِمُ) بفتح المعجمة وكسر المهملة: المعانِد، أو أبغض الرِّجال المخاصمين أعمّ من أن يكون كافرًا أو مسلمًا، فإن كان الأوَّل؛ فـ «أفعل» التَّفضيل على حقيقتها (١) في العموم، وإن كان مسلمًا؛ فسبب البغض كثرةُ المخاصمة؛ لأنَّها تُفضي غالبًا إلى ما يُذَمُّ صاحبه.

والحديث سبق في «المظالم» [خ¦٢٤٥٧] و «التَّفسير» [خ¦٤٥٢٣].

(٣٥) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا قَضَى الحَاكِمُ بِجَوْرٍ) أي: بظلمٍ (أَوْ خِلَافِ أَهْلِ العِلْمِ فَهْوَ) أي: قضاؤه (رَدٌّ) أي: مردودٌ.

٧١٨٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مَحْمُودٌ) هو ابن غَيلان -بالغين المعجمة المفتوحة- أبو أحمد المروزيُّ الحافظ قال: (حَدَّثَنَا (٢) عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همَّامٍ قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) بفتح الميمين، ابن خالدٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ (عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ) أنَّه قال: (بَعَثَ النَّبِيُّ خَالِدًا) وسقط لأبي ذرٍّ قوله: «عن الزُّهريِّ … » إلى آخره.

(ح) لتحويل السَّند قال البخاريُّ: (وَحَدَّثَنِي) بالإفراد (نُعَيْمٌ بْنُ حَمَّادٍ) بضمِّ النُّون وفتح العين، الرَّفَّاء -بالرَّاء والفاء المشدَّدة- المروزيُّ الأعور، ولأبي ذرٍّ: «وحدَّثني أبو عبد الله

نُعيم بن حمَّادٍ» ولغير أبي ذرٍّ: «قال أبو عبد الله البخاريُّ: حدَّثني نُعيمٌ» قال: (أَخْبَرَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (عَبْدُ اللهِ) بن المبارك قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) أي: ابن خالدٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عمر أنَّه (قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ خَالِدَ بْنَ الوَلِيدِ) (إِلَى بَنِي جَذِيمَةَ) -بفتح الجيم وكسر الذَّال المعجمة وفتح الميم: قبيلة من عبد قيسٍ- داعيًا لهم إلى الإسلام، لا مقاتلًا، فدعاهم إلى الإسلام (فَلَمْ يُحْسِنُوا أَنْ يَقُولُوا: أَسْلَمْنَا، فَقَالُوا: صَبَأْنَا صَبَأْنَا) بهمزةٍ ساكنةٍ فيهما، أي: خرجنا من الشِّرك إلى دين الإسلام، فلم يكتفِ خالدٌ إلَّا بالتَّصريح بذكر الإسلام، وفَهِمَ عنهم أنَّهم عدلوا عن التَّصريح أنفةً منهم ولم ينقادوا (فَجَعَلَ خَالِدٌ يَقْتُلُ) منهم (وَيَأْسِرُ) بكسر السِّين (وَدَفَعَ إِلَى كُلِّ رَجُلٍ مِنَّا (١) أَسِيرَهُ، فَأَمَرَ كُلَّ رَجُلٍ مِنَّا أَنْ يَقْتُلَ أَسِيرَهُ) قال ابن عمر: (فَقُلْتُ: وَاللهِ لَا أَقْتُلُ أَسِيرِي، وَلَا يَقْتُلُ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِي) من المهاجرين والأنصار (أَسِيرَهُ) فقدمنا (فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ فَقَالَ: اللَّهُمَّ؛ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدُ بْنُ الوَلِيدِ) مِن قتله الذين قالوا: صبأنا قبل أن يستفسرهم عن مرادهم بذلك، قال : اللَّهمَّ؛ إنِّي أبرأ إليك ممَّا صنع خالدٌ (مَرَّتَيْنِ) وإنَّما لم يعاقبه؛ لأنَّه كان مجتهدًا، واتَّفقوا على أنَّ القاضي إذا قضى بجَورٍ أو بخلاف ما عليه أهل العلم؛ فحكمه مردودٌ، فإن كان على وجه الاجتهاد وأخطأ كما صنع خالدٌ؛ فالإثم ساقطٌ، والضَّمان لازمٌ، فإن كان الحكم في قتلٍ؛ فالدِّية في بيت المال عند أبي حنيفة وأحمد، وعلى عاقلته عند الشَّافعيِّ وأبي يوسف ومحمَّد.

والحديث سبق في «المغازي» [خ¦٤٣٣٩].

(٣٦) (باب الإِمَامِ يَأْتِي قَوْمًا فَيُصْلِحُ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «ليصلح» «باللَّام» بدل: «الفاء»، أي: لأجل الإصلاح (بَيْنَهُمْ).

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.7 / 29.5
الإضاءة 8%
البدر بعد 12 يوم
الله أكبر