«أَنَّ أَعْرَابِيًّا أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٧٣١٤

الحديث رقم ٧٣١٤ من كتاب «كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب من شبه أصلا معلوما بأصل مبين قد بين الله حكمهما ليفهم السائل.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٧٣١٤ في صحيح البخاري

«أَنَّ أَعْرَابِيًّا أَتَى رَسُولَ اللهِ فَقَالَ: إِنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ غُلَامًا أَسْوَدَ، وَإِنِّي أَنْكَرْتُهُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ : هَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَمَا أَلْوَانُهَا؟ قَالَ: حُمْرٌ. قَالَ: هَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ؟ قَالَ: إِنَّ فِيهَا لَوُرْقًا. قَالَ: فَأَنَّى تُرَى ذَلِكَ جَاءَهَا؟ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، عِرْقٌ نَزَعَهَا. قَالَ: وَلَعَلَّ هَذَا عِرْقٌ نَزَعَهُ. وَلَمْ يُرَخِّصْ لَهُ فِي الِانْتِفَاءِ مِنْهُ.»

إسناد حديث رقم ٧٣١٤ من صحيح البخاري

٧٣١٤ - حَدَّثَنَا أَصْبَغُ بْنُ الْفَرَجِ

⦗١٠٢⦘

حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٧٣١٤: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

لَمَّا نَزَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ : ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ قَالَ: أَعُوذُ بِوَجْهِكَ ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ قَالَ: أَعُوذُ بِوَجْهِكَ، فَلَمَّا نَزَلَتْ: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ قَالَ: هَاتَانِ أَهْوَنُ، أَوْ أَيْسَرُ.

قَوْلُهُ: بَابُ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾ ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ جَابِرٍ فِي نُزُولِ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا﴾ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْأَنْعَامِ.

وَوَجْهُ مُنَاسَبَتِهِ لِمَا قَبْلَهُ: أَنَّ ظُهُورَ بَعْضِ الْأُمَّةِ عَلَى عَدُوِّهُمْ دُونَ بَعْضٍ يَقْتَضِي أَنَّ بَيْنَهُمُ اخْتِلَافًا حَتَّى انْفَرَدَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ بِالْوَصْفِ، لِأَنَّ غَلَبَةَ الطَّائِفَةِ الْمَذْكُورَةِ إِنْ كَانَتْ عَلَى الْكُفَّارِ ثَبَتَ الْمُدَّعَى، وَإِنْ كَانَتْ عَلَى طَائِفَةٍ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَيْضًا فَهُوَ أَظْهَرُ فِي ثُبُوتِ الِاخْتِلَافِ، فَذَكَرَ بَعْدَهُ أَصْلَ وُقُوعِ الِاخْتِلَافِ وَأَنَّهُ كَانَ يُرِيدُ أَنْ لَا يَقَعَ فَأَعْلَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ قَضَى بِوُقُوعِهِ، وَأَنَّ كُلَّ مَا قَدَّرَهُ لَا سَبِيلَ إِلَى رَفْعِهِ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: أَجَابَ اللَّهُ تَعَالَى دُعَاءَ نَبِيِّهِ فِي عَدَمِ اسْتِئْصَالِ أُمَّتِهِ بِالْعَذَابِ، وَلَمْ يُجِبْهُ فِي أَنْ لَا يُلْبِسَهُمْ شِيَعًا، أَيْ فِرَقًا مُخْتَلِفِينَ وَأَنْ لَا يُذِيقَ بَعْضَهُمْ بَأْسَ بَعْضٍ أَيْ بِالْحَرْبِ وَالْقَتْلِ بِسَبَبِ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ لَكِنْ أَخَفُّ مِنَ الِاسْتِئْصَالِ وَفِيهِ لِلْمُؤْمِنِينَ كَفَّارَةٌ.

١٢ - بَاب مَنْ شَبَّهَ أَصْلًا مَعْلُومًا بِأَصْلٍ مُبَيَّنٍ، وقَدْ بَيَّنَ النَّبِيُّ حُكْمَهُمَا لِيُفْهِمَ السَّائِلَ

٧٣١٤ - حَدَّثَنَا أَصْبَغُ بْنُ الْفَرَجِ، حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ أَعْرَابِيًّا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ: إِنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ غُلَامًا أَسْوَدَ، وَإِنِّي أَنْكَرْتُهُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ : هَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَمَا أَلْوَانُهَا؟ قَالَ: حُمْرٌ، قَالَ: هَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ؟ قَالَ: إِنَّ فِيهَا لَوُرْقًا، قَالَ: فَأَنَّى تُرَى ذَلِكَ جَاءَهَا؟ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عِرْقٌ نَزَعَهَا، قَالَ: وَلَعَلَّ هَذَا عِرْقٌ نَزَعَهُ. وَلَمْ يُرَخِّصْ لَهُ فِي الِانْتِفَاءِ مِنْهُ.

٧٣١٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ فَقَالَتْ: إِنَّ أُمِّي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ، فَمَاتَتْ قَبْلَ أَنْ تَحُجَّ، أَفَأَحُجَّ عَنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، حُجِّي عَنْهَا، أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ أَكُنْتِ قَاضِيَتَهُ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: فاقْضُوا اللَّهَ الَّذِي لَهُ؛ فَإِنَّ اللَّهَ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ.

قَوْلُهُ: بَابُ مَنْ شَبَّهَ أَصْلًا مَعْلُومًا بِأَصْلٍ مُبَيَّنٍ، وَقَدْ بَيَّنَ النَّبِيُّ حُكْمَهُمَا لِيَفْهَمَ السَّائِلُ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ، وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ، وَالْجُرْجَانِيِّ قَدْ بَيَّنَ اللَّهُ بِحَذْفِ الْوَاوِ وَبِحَذْفِ النَّبِيِّ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، وَحَذْفُ الْوَاوِ يُوَافِقُ تَرْجَمَةَ الْمُصَنِّفِ الْمَاضِيَةِ، قَالَ مِمَّا عَلَّمَهُ اللَّهُ لَيْسَ بِرَأْيٍ وَلَا تَمْثِيلٍ، أَيْ أَنَّ الَّذِي وَرَدَ عَنْهُ مِنَ التَّمْثِيلِ إِنَّمَا هُوَ تَشْبِيهُ أَصْلٍ بِأَصْلٍ، وَالْمُشَبَّهُ أَخْفَى عِنْدَ السَّائِلِ مِنَ الْمُشَبَّهِ بِهِ، وَفَائِدَةُ التَّشْبِيهِ التَّقْرِيبُ لِفَهْمِ السَّائِلِ، وَأَوْرَدَهُ النَّسَائِيُّ بِلَفْظِ مَنْ

شَبَّهَ أَصْلًا مَعْلُومًا بِأَصْلٍ مُبْهَمٍ، قَدْ بَيَّنَ اللَّهُ حُكْمَهُمَا لِيَفْهَمَ السَّائِلُ وَهَذَا أَوْضَحُ فِي الْمُرَادِ. ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قِصَّةِ الَّذِي قَالَ: إِنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ غُلَامًا أَسْوَدَ. وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ قَرِيبًا، وَتَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ اللِّعَانِ

وَحَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قِصَّةِ الْمَرْأَةِ الَّتِي ذَكَرَتْ أَنَّ أُمَّهَا نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ فَمَاتَتْ، أَفَأَحُجُّ عَنْهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ قَرِيبًا أَيْضًا، وَتَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي الْحَجِّ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: التَّشْبِيهُ وَالتَّمْثِيلُ هُوَ الْقِيَاسُ عِنْدَ الْعَرَبِ، وَقَدِ احْتَجَّ الْمُزَنِيُّ بِهَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ الْقِيَاسَ، قَالَ: وَأَوَّلُ مَنْ أَنْكَرَ الْقِيَاسَ إِبْرَاهِيمُ النِّظَامُ وَتَبِعَهُ بَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ، وَمِمَّنْ يُنْسَبُ إِلَى الْفِقْهِ دَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ. وَمَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْجَمَاعَةُ هُوَ الْحُجَّةُ، فَقَدْ قَاسَ الصَّحَابَةُ فَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ التَّابِعِينَ وَفُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ، وَتَعَقَّبَ بَعْضُهُمُ الْأَوَّلِيَّةَ الَّتِي ادَّعَاهَا ابْنُ بَطَّالٍ بِأَنَّ إِنْكَارَ الْقِيَاسِ ثَبَتَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَمِنَ التَّابِعِينَ عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ مِنْ فُقَهَاءِ الْكُوفَةِ، وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ مِنْ فُقَهَاءِ الْبَصْرَةِ. وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: عَقْدُ هَذَا الْبَابِ وَمَا فِيهِ يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ الْقِيَاسِ وَأَنَّهُ لَيْسَ مَذْمُومًا. لَكِنْ لَوْ قَالَ مَنْ شَبَّهَ أَمْرًا مَعْلُومًا لَوَافَقَ اصْطِلَاحَ أَهْلِ الْقِيَاسِ، قَالَ: وَأَمَّا الْبَابُ الْمَاضِي الْمُشْعِرُ بِذَمِّ الْقِيَاسِ وَكَرَاهَتِهِ، فَطَرِيقُ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْقِيَاسَ عَلَى نَوْعَيْنِ: صَحِيحٌ وَهُوَ الْمُشْتَمِلُ عَلَى جَمِيعِ الشَّرَائِطِ، وَفَاسِدٌ وَهُوَ بِخِلَافِ ذَلِكَ، فَالْمَذْمُومُ هُوَ الْفَاسِدُ، وَأَمَّا الصَّحِيحُ فَلَا مَذَمَّةَ فِيهِ بَلْ هُوَ مَأْمُورٌ بِهِ انْتَهَى.

وَقَدْ ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ شَرْطَ مَنْ لَهُ أَنْ يَقِيسَ فَقَالَ: يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِالْأَحْكَامِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَبِنَاسِخِهِ وَمَنْسُوخِهِ وَعَامِّهِ وَخَاصِّهِ، وَيَسْتَدِلَّ عَلَى مَا احْتَمَلَ التَّأْوِيلَ بِالسُّنَّةِ وَبِالْإِجْمَاعِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَبِالْقِيَاسِ عَلَى مَا فِي الْكِتَابِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَبِالْقِيَاسِ عَلَى مَا فِي السُّنَّةِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَبِالْقِيَاسِ عَلَى مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ السَّلَفُ وَإِجْمَاعُ النَّاسِ، وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُ مُخَالِفٌ. قَالَ: وَلَا يَجُوزُ الْقَوْلُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا مِنْ هَذِهِ الْأَوْجُهِ، وَلَا يَكُونُ لِأَحَدٍ أَنْ يَقِيسَ حَتَّى يَكُونَ عَالِمًا بِمَا مَضَى قَبْلَهُ مِنَ السُّنَنِ وَأَقَاوِيلِ السَّلَفِ وَإِجْمَاعِ النَّاسِ وَاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ وَلِسَانِ الْعَرَبِ وَيَكُونَ صَحِيحَ الْعَقْلِ لِيُفَرِّقَ بَيْنَ الْمُشْتَبِهَاتِ وَلَا يَعْجَلَ، وَيَسْتَمِعَ مِمَّنْ خَالَفَهُ لِيَتَنَبَّهَ بِذَلِكَ عَلَى غَفْلَةٍ إِنْ كَانَتْ، وَأَنْ يَبْلُغَ غَايَةَ جَهْدِهِ وَيُنْصِفَ مِنْ نَفْسِهِ حَتَّى يَعْرِفَ مِنْ أَيْنَ قَالَ مَا قَالَ. وَالِاخْتِلَافُ عَلَى وَجْهَيْنِ: فَمَا كَانَ مَنْصُوصًا لَمْ يَحِلَّ فِيهِ الِاخْتِلَافُ عَلَيْهِ، وَمَا كَانَ يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ أَوْ يُدْرَكُ قِيَاسًا فَذَهَبَ الْمُتَأَوِّلُ أَوِ الْقَائِسُ إِلَى مَعْنًى يُحْتَمَلُ وَخَالَفَهُ غَيْرُهُ، لَمْ أَقُلْ أَنَّهُ يُضَيَّقُ عَلَيْهِ ضِيقَ الْمُخَالِفِ لِلنَّصِّ، وَإِذَا قَاسَ مَنْ لَهُ الْقِيَاسُ فَاخْتَلَفُوا، وَسِعَ كُلًّا أَنْ يَقُولَ بِمَبْلَغِ اجْتِهَادِهِ، وَلَمْ يَسْعَهُ اتِّبَاعُ غَيْرِهِ فِيمَا أَدَّاهُ إِلَيْهِ اجْتِهَادُهُ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ - فِي بَيَانِ الْعِلْمِ بَعْدَ أَنْ سَاقَ هَذَا الْفَصْلَ - قَدْ أَتَى الشَّافِعِيُّ فِي هَذَا الْبَابِ بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ وَشِفَاءٌ وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ.

وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ وَغَيْرُهُ: الْقُرْآنُ هُوَ الْأَصْلُ، فَإِنْ كَانَتْ دَلَالَتُهُ خَفِيَّةً نُظِرَ فِي السُّنَّةِ، فَإِنْ بَيَّنَتْهُ وَإِلَّا فَالْجَلِيُّ مِنَ السُّنَّةِ، وَإِنْ كَانَتِ الدَّلَالَةُ مِنْهَا خَفِيَّةً نُظِرَ فِيمَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ، فَإِنِ اخْتَلَفُوا رَجَّحَ. فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ عَمِلَ بِمَا يُشْبِهُ نَصَّ الْكِتَابِ ثُمَّ السُّنَّةِ ثُمَّ الِاتِّفَاقِ ثُمَّ الرَّاجِحِ كَمَا سُقْتُهُ عَنْهُ فِي شَرْحِ حَدِيثِ أَنَسٍ لَا يَأْتِي عَامٌ إِلَّا وَالَّذِي بَعْدَهُ شَرٌّ مِنْهُ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْفِتَنِ وَأَنْشَدَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، لِأَبِي مُحَمَّدٍ الْيَزِيدِيِّ النَّحْوِيِّ الْمُقْرِئِ بِرِوَايَةِ أَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ مِنْ أَبْيَاتٍ طَوِيلَةٍ فِي إِثْبَاتِ الْقِيَاسِ:

لَا تَكُنْ كَالْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَا … رًا كَمَا قَدْ قَرَأْتَ فِي الْقُرْآنِ

إِنَّ هَذَا الْقِيَاسَ فِي كُلِّ أَمْرٍ … عِنْدَ أَهْلِ الْعُقُولِ كَالْمِيزَانِ

لَا يَجُوزُ الْقِيَاسُ فِي الدِّينِ إِلَّا … لِفَقِيهٍ لِدِينِهِ صَوَّانِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

القتال، و «شيعًا» نُصِب على الحال، وهي جمع «شِيْعَة» كسِدْرةٍ وسِدرٍ، وقيل: المعنى يجعلكم فِرَقًا ويثبِّت فيكم الأهواء المختلفة (﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ﴾ [الأنعام: ٦٥]) بقتل بعضكم بعضًا، والبأس: السَّيف والإذاقة استعارةٌ، وهي فاشيةٌ كقوله تعالى: ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ [القمر: ٤٨] ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ﴾ [الدخان: ٤٩] ﴿فَذُوقُواْ الْعَذَابَ﴾ [آل عمران: ١٠٦] وقال:

أذقناهم (١) كؤوسَ الموتِ صِرْفًا … وذاقوا من أسنَّتنا كؤوسًا

(قَالَ) صلوات الله وسلامه عليه: (هَاتَانِ) المحنتان اللَّبس والإذاقة (أَهْوَنُ، أَوْ) قال: (أَيْسَرُ) لأنَّ الفتن بين المخلوقين وعذابهم أهون وأيسر من عذاب الله على الكفر.

والحديث سبق في «تفسير سورة الأنعام» [خ¦٤٦٢٨] وأخرجه التِّرمذيُّ في «التَّفسير».

(١٢) (بابُ مَنْ شَبَّهَ أَصْلًا مَعْلُومًا بِأَصْلٍ مُبَيَّنٍ) بفتح التَّحتيَّة (قَدْ بَيَّنَ الله (٢)) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «بيَّن رسول الله» (حُكْمَهُمَا) بلفظ التَّثنية، ولأبي الوقت: «حكمها»، قال في «الفتح»: وفي رواية غير الكُشْمِيهَنيِّ والجرجانيِّ: «من شبَّه أصلًا معلومًا بأصلٍ مبيَّن وقد بيَّن النَّبيُّ حكمهما (٣)»، بإثبات الواو في قوله: «وقد بيَّن» (لِيُفْهِمَ السَّائِلَ) المراد.

٧٣١٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَصْبَغُ بْنُ الفَرَجِ) بالمهملة والموحَّدة والمعجمة في الأوَّل والجيم في الثَّاني أبو عبد الله المصريُّ قال: (حَدَّثَنِي) ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «أخبرني» بالخاء والإفراد في

الرِّوايتين (١) (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله المصريُّ (٢) (عَنْ يُونُسَ) بن يزيد الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوفٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) (أَنَّ أَعْرَابِيًّا) اسمه ضمضم بن قتادة، كما في «المبهمات» لعبد الغنيِّ بن سعيدٍ، وعند مسلمٍ وأصحاب السُّنن: «أنَّ أعرابيًّا من فزارة»، بفتح الفاء وتخفيف الزَّاي هو فَزَارة بن ذبيان بن بغيضٍ (٣) (أَتَى رَسُولَ اللهِ فَقَالَ): يا رسول الله (إِنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ غُلَامًا أَسْوَدَ) أي: وإنِّي أنا أبيضُ، ولم أعرف اسم المرأة ولا الغلام، و «أسود» صفةٌ لـ «غلامٍ» وهو لا ينصرف للوزن والصِّفة (وَإِنِّي أَنْكَرْتُهُ) أي: استنكرته بقلبي، ولم يرد أنَّه أنكره بلسانه (فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ : هَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ؟ قَالَ) الأعرابيُّ: (نَعَمْ، قَالَ) له: (فَمَا أَلْوَانُهَا؟) «ما» مبتدأٌ من أسماء الاستفهام، و «ألوانها» خبره (قَالَ): ألوانها (حُمْرٌ) رفع (٤) خبر المبتدأ المقدَّر (قَالَ) صلوات الله وسلامه عليه: (هَلْ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «فهل» (فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ؟) بفتح الهمزة والرَّاء، بينهما واوٌ ساكنةٌ، آخره قافٌ، قال الأصمعيُّ: الأورق من الإبل الَّذي في لونه بياضٌ يميل إلى سوادٍ، وهو أطيب الإبل لحمًا، وليس بمحمودٍ عندهم في عَمَلِه وسيْره، وهو غير مُنصرفٍ؛ للوصف ووزن الفعل، والفاء في «فهل» عاطفةٌ (قَالَ) الأعرابيُّ: (إِنَّ فِيهَا لَوُرْقًا) بضمِّ الواو وسكون الرَّاء «إنَّ» واسمها، وخبرها في المجرور، واللَّام هي الدَّاخلة في خبر «إنَّ» وأصلُها لام الابتداء، ولكنَّها أُخِّرت لأجل أنَّها غير عاملةٍ، و «إنَّ» عاملةٌ، وتُسمَّى هذه اللَّام المُزحلَقة (قَالَ) : (فَأَنَّى تَُرَى) بفتح الفوقيَّة أو بضمِّها، أي: تظنُّ (ذَلِكَ جَاءَهَا؟) الفاعل (٥) ضميرٌ يعود على اللَّون،

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

لَمَّا نَزَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ : ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ قَالَ: أَعُوذُ بِوَجْهِكَ ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ قَالَ: أَعُوذُ بِوَجْهِكَ، فَلَمَّا نَزَلَتْ: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ قَالَ: هَاتَانِ أَهْوَنُ، أَوْ أَيْسَرُ.

قَوْلُهُ: بَابُ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾ ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ جَابِرٍ فِي نُزُولِ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا﴾ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْأَنْعَامِ.

وَوَجْهُ مُنَاسَبَتِهِ لِمَا قَبْلَهُ: أَنَّ ظُهُورَ بَعْضِ الْأُمَّةِ عَلَى عَدُوِّهُمْ دُونَ بَعْضٍ يَقْتَضِي أَنَّ بَيْنَهُمُ اخْتِلَافًا حَتَّى انْفَرَدَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ بِالْوَصْفِ، لِأَنَّ غَلَبَةَ الطَّائِفَةِ الْمَذْكُورَةِ إِنْ كَانَتْ عَلَى الْكُفَّارِ ثَبَتَ الْمُدَّعَى، وَإِنْ كَانَتْ عَلَى طَائِفَةٍ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَيْضًا فَهُوَ أَظْهَرُ فِي ثُبُوتِ الِاخْتِلَافِ، فَذَكَرَ بَعْدَهُ أَصْلَ وُقُوعِ الِاخْتِلَافِ وَأَنَّهُ كَانَ يُرِيدُ أَنْ لَا يَقَعَ فَأَعْلَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ قَضَى بِوُقُوعِهِ، وَأَنَّ كُلَّ مَا قَدَّرَهُ لَا سَبِيلَ إِلَى رَفْعِهِ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: أَجَابَ اللَّهُ تَعَالَى دُعَاءَ نَبِيِّهِ فِي عَدَمِ اسْتِئْصَالِ أُمَّتِهِ بِالْعَذَابِ، وَلَمْ يُجِبْهُ فِي أَنْ لَا يُلْبِسَهُمْ شِيَعًا، أَيْ فِرَقًا مُخْتَلِفِينَ وَأَنْ لَا يُذِيقَ بَعْضَهُمْ بَأْسَ بَعْضٍ أَيْ بِالْحَرْبِ وَالْقَتْلِ بِسَبَبِ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ لَكِنْ أَخَفُّ مِنَ الِاسْتِئْصَالِ وَفِيهِ لِلْمُؤْمِنِينَ كَفَّارَةٌ.

١٢ - بَاب مَنْ شَبَّهَ أَصْلًا مَعْلُومًا بِأَصْلٍ مُبَيَّنٍ، وقَدْ بَيَّنَ النَّبِيُّ حُكْمَهُمَا لِيُفْهِمَ السَّائِلَ

٧٣١٤ - حَدَّثَنَا أَصْبَغُ بْنُ الْفَرَجِ، حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ أَعْرَابِيًّا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ: إِنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ غُلَامًا أَسْوَدَ، وَإِنِّي أَنْكَرْتُهُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ : هَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَمَا أَلْوَانُهَا؟ قَالَ: حُمْرٌ، قَالَ: هَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ؟ قَالَ: إِنَّ فِيهَا لَوُرْقًا، قَالَ: فَأَنَّى تُرَى ذَلِكَ جَاءَهَا؟ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عِرْقٌ نَزَعَهَا، قَالَ: وَلَعَلَّ هَذَا عِرْقٌ نَزَعَهُ. وَلَمْ يُرَخِّصْ لَهُ فِي الِانْتِفَاءِ مِنْهُ.

٧٣١٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ فَقَالَتْ: إِنَّ أُمِّي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ، فَمَاتَتْ قَبْلَ أَنْ تَحُجَّ، أَفَأَحُجَّ عَنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، حُجِّي عَنْهَا، أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ أَكُنْتِ قَاضِيَتَهُ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: فاقْضُوا اللَّهَ الَّذِي لَهُ؛ فَإِنَّ اللَّهَ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ.

قَوْلُهُ: بَابُ مَنْ شَبَّهَ أَصْلًا مَعْلُومًا بِأَصْلٍ مُبَيَّنٍ، وَقَدْ بَيَّنَ النَّبِيُّ حُكْمَهُمَا لِيَفْهَمَ السَّائِلُ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ، وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ، وَالْجُرْجَانِيِّ قَدْ بَيَّنَ اللَّهُ بِحَذْفِ الْوَاوِ وَبِحَذْفِ النَّبِيِّ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، وَحَذْفُ الْوَاوِ يُوَافِقُ تَرْجَمَةَ الْمُصَنِّفِ الْمَاضِيَةِ، قَالَ مِمَّا عَلَّمَهُ اللَّهُ لَيْسَ بِرَأْيٍ وَلَا تَمْثِيلٍ، أَيْ أَنَّ الَّذِي وَرَدَ عَنْهُ مِنَ التَّمْثِيلِ إِنَّمَا هُوَ تَشْبِيهُ أَصْلٍ بِأَصْلٍ، وَالْمُشَبَّهُ أَخْفَى عِنْدَ السَّائِلِ مِنَ الْمُشَبَّهِ بِهِ، وَفَائِدَةُ التَّشْبِيهِ التَّقْرِيبُ لِفَهْمِ السَّائِلِ، وَأَوْرَدَهُ النَّسَائِيُّ بِلَفْظِ مَنْ

شَبَّهَ أَصْلًا مَعْلُومًا بِأَصْلٍ مُبْهَمٍ، قَدْ بَيَّنَ اللَّهُ حُكْمَهُمَا لِيَفْهَمَ السَّائِلُ وَهَذَا أَوْضَحُ فِي الْمُرَادِ. ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قِصَّةِ الَّذِي قَالَ: إِنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ غُلَامًا أَسْوَدَ. وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ قَرِيبًا، وَتَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ اللِّعَانِ

وَحَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قِصَّةِ الْمَرْأَةِ الَّتِي ذَكَرَتْ أَنَّ أُمَّهَا نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ فَمَاتَتْ، أَفَأَحُجُّ عَنْهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ قَرِيبًا أَيْضًا، وَتَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي الْحَجِّ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: التَّشْبِيهُ وَالتَّمْثِيلُ هُوَ الْقِيَاسُ عِنْدَ الْعَرَبِ، وَقَدِ احْتَجَّ الْمُزَنِيُّ بِهَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ الْقِيَاسَ، قَالَ: وَأَوَّلُ مَنْ أَنْكَرَ الْقِيَاسَ إِبْرَاهِيمُ النِّظَامُ وَتَبِعَهُ بَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ، وَمِمَّنْ يُنْسَبُ إِلَى الْفِقْهِ دَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ. وَمَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْجَمَاعَةُ هُوَ الْحُجَّةُ، فَقَدْ قَاسَ الصَّحَابَةُ فَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ التَّابِعِينَ وَفُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ، وَتَعَقَّبَ بَعْضُهُمُ الْأَوَّلِيَّةَ الَّتِي ادَّعَاهَا ابْنُ بَطَّالٍ بِأَنَّ إِنْكَارَ الْقِيَاسِ ثَبَتَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَمِنَ التَّابِعِينَ عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ مِنْ فُقَهَاءِ الْكُوفَةِ، وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ مِنْ فُقَهَاءِ الْبَصْرَةِ. وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: عَقْدُ هَذَا الْبَابِ وَمَا فِيهِ يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ الْقِيَاسِ وَأَنَّهُ لَيْسَ مَذْمُومًا. لَكِنْ لَوْ قَالَ مَنْ شَبَّهَ أَمْرًا مَعْلُومًا لَوَافَقَ اصْطِلَاحَ أَهْلِ الْقِيَاسِ، قَالَ: وَأَمَّا الْبَابُ الْمَاضِي الْمُشْعِرُ بِذَمِّ الْقِيَاسِ وَكَرَاهَتِهِ، فَطَرِيقُ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْقِيَاسَ عَلَى نَوْعَيْنِ: صَحِيحٌ وَهُوَ الْمُشْتَمِلُ عَلَى جَمِيعِ الشَّرَائِطِ، وَفَاسِدٌ وَهُوَ بِخِلَافِ ذَلِكَ، فَالْمَذْمُومُ هُوَ الْفَاسِدُ، وَأَمَّا الصَّحِيحُ فَلَا مَذَمَّةَ فِيهِ بَلْ هُوَ مَأْمُورٌ بِهِ انْتَهَى.

وَقَدْ ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ شَرْطَ مَنْ لَهُ أَنْ يَقِيسَ فَقَالَ: يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِالْأَحْكَامِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَبِنَاسِخِهِ وَمَنْسُوخِهِ وَعَامِّهِ وَخَاصِّهِ، وَيَسْتَدِلَّ عَلَى مَا احْتَمَلَ التَّأْوِيلَ بِالسُّنَّةِ وَبِالْإِجْمَاعِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَبِالْقِيَاسِ عَلَى مَا فِي الْكِتَابِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَبِالْقِيَاسِ عَلَى مَا فِي السُّنَّةِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَبِالْقِيَاسِ عَلَى مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ السَّلَفُ وَإِجْمَاعُ النَّاسِ، وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُ مُخَالِفٌ. قَالَ: وَلَا يَجُوزُ الْقَوْلُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا مِنْ هَذِهِ الْأَوْجُهِ، وَلَا يَكُونُ لِأَحَدٍ أَنْ يَقِيسَ حَتَّى يَكُونَ عَالِمًا بِمَا مَضَى قَبْلَهُ مِنَ السُّنَنِ وَأَقَاوِيلِ السَّلَفِ وَإِجْمَاعِ النَّاسِ وَاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ وَلِسَانِ الْعَرَبِ وَيَكُونَ صَحِيحَ الْعَقْلِ لِيُفَرِّقَ بَيْنَ الْمُشْتَبِهَاتِ وَلَا يَعْجَلَ، وَيَسْتَمِعَ مِمَّنْ خَالَفَهُ لِيَتَنَبَّهَ بِذَلِكَ عَلَى غَفْلَةٍ إِنْ كَانَتْ، وَأَنْ يَبْلُغَ غَايَةَ جَهْدِهِ وَيُنْصِفَ مِنْ نَفْسِهِ حَتَّى يَعْرِفَ مِنْ أَيْنَ قَالَ مَا قَالَ. وَالِاخْتِلَافُ عَلَى وَجْهَيْنِ: فَمَا كَانَ مَنْصُوصًا لَمْ يَحِلَّ فِيهِ الِاخْتِلَافُ عَلَيْهِ، وَمَا كَانَ يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ أَوْ يُدْرَكُ قِيَاسًا فَذَهَبَ الْمُتَأَوِّلُ أَوِ الْقَائِسُ إِلَى مَعْنًى يُحْتَمَلُ وَخَالَفَهُ غَيْرُهُ، لَمْ أَقُلْ أَنَّهُ يُضَيَّقُ عَلَيْهِ ضِيقَ الْمُخَالِفِ لِلنَّصِّ، وَإِذَا قَاسَ مَنْ لَهُ الْقِيَاسُ فَاخْتَلَفُوا، وَسِعَ كُلًّا أَنْ يَقُولَ بِمَبْلَغِ اجْتِهَادِهِ، وَلَمْ يَسْعَهُ اتِّبَاعُ غَيْرِهِ فِيمَا أَدَّاهُ إِلَيْهِ اجْتِهَادُهُ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ - فِي بَيَانِ الْعِلْمِ بَعْدَ أَنْ سَاقَ هَذَا الْفَصْلَ - قَدْ أَتَى الشَّافِعِيُّ فِي هَذَا الْبَابِ بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ وَشِفَاءٌ وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ.

وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ وَغَيْرُهُ: الْقُرْآنُ هُوَ الْأَصْلُ، فَإِنْ كَانَتْ دَلَالَتُهُ خَفِيَّةً نُظِرَ فِي السُّنَّةِ، فَإِنْ بَيَّنَتْهُ وَإِلَّا فَالْجَلِيُّ مِنَ السُّنَّةِ، وَإِنْ كَانَتِ الدَّلَالَةُ مِنْهَا خَفِيَّةً نُظِرَ فِيمَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ، فَإِنِ اخْتَلَفُوا رَجَّحَ. فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ عَمِلَ بِمَا يُشْبِهُ نَصَّ الْكِتَابِ ثُمَّ السُّنَّةِ ثُمَّ الِاتِّفَاقِ ثُمَّ الرَّاجِحِ كَمَا سُقْتُهُ عَنْهُ فِي شَرْحِ حَدِيثِ أَنَسٍ لَا يَأْتِي عَامٌ إِلَّا وَالَّذِي بَعْدَهُ شَرٌّ مِنْهُ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْفِتَنِ وَأَنْشَدَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، لِأَبِي مُحَمَّدٍ الْيَزِيدِيِّ النَّحْوِيِّ الْمُقْرِئِ بِرِوَايَةِ أَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ مِنْ أَبْيَاتٍ طَوِيلَةٍ فِي إِثْبَاتِ الْقِيَاسِ:

لَا تَكُنْ كَالْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَا … رًا كَمَا قَدْ قَرَأْتَ فِي الْقُرْآنِ

إِنَّ هَذَا الْقِيَاسَ فِي كُلِّ أَمْرٍ … عِنْدَ أَهْلِ الْعُقُولِ كَالْمِيزَانِ

لَا يَجُوزُ الْقِيَاسُ فِي الدِّينِ إِلَّا … لِفَقِيهٍ لِدِينِهِ صَوَّانِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

القتال، و «شيعًا» نُصِب على الحال، وهي جمع «شِيْعَة» كسِدْرةٍ وسِدرٍ، وقيل: المعنى يجعلكم فِرَقًا ويثبِّت فيكم الأهواء المختلفة (﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ﴾ [الأنعام: ٦٥]) بقتل بعضكم بعضًا، والبأس: السَّيف والإذاقة استعارةٌ، وهي فاشيةٌ كقوله تعالى: ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ [القمر: ٤٨] ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ﴾ [الدخان: ٤٩] ﴿فَذُوقُواْ الْعَذَابَ﴾ [آل عمران: ١٠٦] وقال:

أذقناهم (١) كؤوسَ الموتِ صِرْفًا … وذاقوا من أسنَّتنا كؤوسًا

(قَالَ) صلوات الله وسلامه عليه: (هَاتَانِ) المحنتان اللَّبس والإذاقة (أَهْوَنُ، أَوْ) قال: (أَيْسَرُ) لأنَّ الفتن بين المخلوقين وعذابهم أهون وأيسر من عذاب الله على الكفر.

والحديث سبق في «تفسير سورة الأنعام» [خ¦٤٦٢٨] وأخرجه التِّرمذيُّ في «التَّفسير».

(١٢) (بابُ مَنْ شَبَّهَ أَصْلًا مَعْلُومًا بِأَصْلٍ مُبَيَّنٍ) بفتح التَّحتيَّة (قَدْ بَيَّنَ الله (٢)) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «بيَّن رسول الله» (حُكْمَهُمَا) بلفظ التَّثنية، ولأبي الوقت: «حكمها»، قال في «الفتح»: وفي رواية غير الكُشْمِيهَنيِّ والجرجانيِّ: «من شبَّه أصلًا معلومًا بأصلٍ مبيَّن وقد بيَّن النَّبيُّ حكمهما (٣)»، بإثبات الواو في قوله: «وقد بيَّن» (لِيُفْهِمَ السَّائِلَ) المراد.

٧٣١٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَصْبَغُ بْنُ الفَرَجِ) بالمهملة والموحَّدة والمعجمة في الأوَّل والجيم في الثَّاني أبو عبد الله المصريُّ قال: (حَدَّثَنِي) ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «أخبرني» بالخاء والإفراد في

الرِّوايتين (١) (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله المصريُّ (٢) (عَنْ يُونُسَ) بن يزيد الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوفٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) (أَنَّ أَعْرَابِيًّا) اسمه ضمضم بن قتادة، كما في «المبهمات» لعبد الغنيِّ بن سعيدٍ، وعند مسلمٍ وأصحاب السُّنن: «أنَّ أعرابيًّا من فزارة»، بفتح الفاء وتخفيف الزَّاي هو فَزَارة بن ذبيان بن بغيضٍ (٣) (أَتَى رَسُولَ اللهِ فَقَالَ): يا رسول الله (إِنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ غُلَامًا أَسْوَدَ) أي: وإنِّي أنا أبيضُ، ولم أعرف اسم المرأة ولا الغلام، و «أسود» صفةٌ لـ «غلامٍ» وهو لا ينصرف للوزن والصِّفة (وَإِنِّي أَنْكَرْتُهُ) أي: استنكرته بقلبي، ولم يرد أنَّه أنكره بلسانه (فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ : هَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ؟ قَالَ) الأعرابيُّ: (نَعَمْ، قَالَ) له: (فَمَا أَلْوَانُهَا؟) «ما» مبتدأٌ من أسماء الاستفهام، و «ألوانها» خبره (قَالَ): ألوانها (حُمْرٌ) رفع (٤) خبر المبتدأ المقدَّر (قَالَ) صلوات الله وسلامه عليه: (هَلْ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «فهل» (فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ؟) بفتح الهمزة والرَّاء، بينهما واوٌ ساكنةٌ، آخره قافٌ، قال الأصمعيُّ: الأورق من الإبل الَّذي في لونه بياضٌ يميل إلى سوادٍ، وهو أطيب الإبل لحمًا، وليس بمحمودٍ عندهم في عَمَلِه وسيْره، وهو غير مُنصرفٍ؛ للوصف ووزن الفعل، والفاء في «فهل» عاطفةٌ (قَالَ) الأعرابيُّ: (إِنَّ فِيهَا لَوُرْقًا) بضمِّ الواو وسكون الرَّاء «إنَّ» واسمها، وخبرها في المجرور، واللَّام هي الدَّاخلة في خبر «إنَّ» وأصلُها لام الابتداء، ولكنَّها أُخِّرت لأجل أنَّها غير عاملةٍ، و «إنَّ» عاملةٌ، وتُسمَّى هذه اللَّام المُزحلَقة (قَالَ) : (فَأَنَّى تَُرَى) بفتح الفوقيَّة أو بضمِّها، أي: تظنُّ (ذَلِكَ جَاءَهَا؟) الفاعل (٥) ضميرٌ يعود على اللَّون،

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.9 / 29.5
الإضاءة 10%
البدر بعد 12 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل