الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٧٣٨١
الحديث رقم ٧٣٨١ من كتاب «كتاب التوحيد» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب قول الله تعالى السلام المؤمن.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
قَوْلُ اللهِ تَعَالَى ﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾ فِيهِ ابْنُ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ
٧٣٨١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا مُغِيرَةُ، حَدَّثَنَا شَقِيقُ بْنُ سَلَمَةَ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ :
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مُكَذِّبٌ لِلْقُرْآنِ، وَهُمْ أَبْعَدُ شَيْءٍ مِنَ الِارْتِضَاءِ مَعَ سَلْبِ صِفَةِ الرُّسُلِيَّةِ عَنْهُمْ.
وَقَوْلُهُ فِي أَوَّلِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: مَفَاتِيحُ الْغَيْبِ - إِلَى أَنْ قَالَ: - لَا يَعْلَمُ مَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ إِلَّا اللَّهُ فَوَقَعَ فِي مُعْظَمِ الرِّوَايَاتِ لَا يَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ إِلَّا اللَّهُ وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَى الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ عَلَى أَقْوَالٍ: فَقِيلَ: مَا يَنْقُصُ مِنَ الْخِلْقَةِ وَمَا يَزْدَادُ فِيهَا، وَقِيلَ: مَا يَنْقُصُ مِنَ التِّسْعَةِ الْأَشْهُرِ فِي الْحَمْلِ وَمَا يَزْدَادُ فِي النِّفَاسِ إِلَى السِّتِّينَ، وَقِيلَ: مَا يَنْقُصُ بِظُهُورِ الْحَيْضِ فِي الْحَبَلِ بِنَقْصِ الْوَلَدِ، وَمَا يَزْدَادُ عَلَى التِّسْعَةِ الْأَشْهُرِ بِقَدْرِ مَا حَاضَتْ، وَقِيلَ: مَا يَنْقُصُ فِي الْحَمْلِ بِانْقِطَاعِ الْحَيْضِ وَمَا يَزْدَادُ بِدَمِ النِّفَاسِ مِنْ بَعْدِ الْوَضْعِ، وَقِيلَ: مَا يَنْقُصُ مِنَ الْأَوْلَادِ قَبْلُ، وَمَا يَزْدَادُ مِنَ الْأَوْلَادِ بَعْدُ، وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدِ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ - نَفَعَ اللَّهُ بِهِ -: اسْتَعَارَ لِلْغَيْبِ مَفَاتِيحَ اقْتِدَاءً بِمَا نَطَقَ بِهِ الْكِتَابُ الْعَزِيزُ: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾ وَلِيُقَرِّبَ الْأَمْرَ عَلَى السَّامِعِ؛ لِأَنَّ أُمُورَ الْغَيْبِ لَا يُحْصِيهَا إِلَّا عَالِمُهَا، وَأَقْرَبُ الْأَشْيَاءِ إِلَى الِاطِّلَاعِ عَلَى مَا غَابَ الْأَبْوَابُ، وَالْمَفَاتِيحُ أَيْسَرُ الْأَشْيَاءِ لِفَتْحِ الْبَابِ، فَإِذَا كَانَ أَيْسَرُ الْأَشْيَاءِ لَا يُعْرَفُ مَوْضِعُهَا فَمَا فَوْقَهَا أَحْرَى أَنْ لَا يُعْرَفَ. قَالَ: وَالْمُرَادُ بِنَفْيِ الْعِلْمِ عَنِ الْغَيْبِ الْحَقِيقِيِّ؛ فَإِنَّ لِبَعْضِ الْغُيُوبِ أَسْبَابًا قَدْ يُسْتَدَلُّ بِهَا عَلَيْهَا، لَكِنْ لَيْسَ ذَلِكَ حَقِيقِيًّا قَالَ: فَلَمَّا كَانَ جَمِيعُ مَا فِي الْوُجُودِ مَحْصُورًا فِي عِلْمِهِ شَبَّهَهُ الْمُصْطَفَى بِالْمَخَازِنِ، وَاسْتَعَارَ لِبَابِهَا الْمِفْتَاحَ، وَهُوَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ﴾
قَالَ: وَالْحِكْمَةُ فِي جَعْلِهَا خَمْسًا الْإِشَارَةُ إِلَى حَصْرِ الْعَوَالِمِ فِيهَا، فَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ﴾ إِشَارَةٌ إِلَى مَا يَزِيدُ فِي النَّفْسِ وَيَنْقُصُ، وَخَصَّ الرَّحِمَ بِالذِّكْرِ؛ لِكَوْنِ الْأَكْثَرِ يَعْرِفُونَهَا بِالْعَادَةِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَنَفَى أَنْ يَعْرِفَ أَحَدٌ حَقِيقَتَهَا، فَغَيْرَهَا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى.
وَفِي قَوْلِهِ: وَلَا يَعْلَمُ مَتَى يَأْتِي الْمَطَرُ إِشَارَةٌ إِلَى أُمُورِ الْعَالَمِ الْعُلْوِيِّ، وَخَصَّ الْمَطَرَ مَعَ أَنَّ لَهُ أَسْبَابًا قَدْ تَدُلُّ بِجَرْيِ الْعَادَةِ عَلَى وُقُوعِهِ لَكِنَّهُ مِنْ غَيْرِ تَحْقِيقٍ.
وَفِي قَوْلِهِ: وَلَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِشَارَةٌ إِلَى أُمُورِ الْعَالَمِ السُّفْلِيِّ، مَعَ أَنَّ عَادَةَ أَكْثَرِ النَّاسِ أَنْ يَمُوتَ بِبَلَدِهِ، وَلَكِنْ لَيْسَ ذَلِكَ حَقِيقَةً بَلْ لَوْ مَاتَ فِي بَلَدِهِ لَا يُعْلَمُ فِي أَيِّ بُقْعَةٍ يُدْفَنُ مِنْهَا، وَلَوْ كَانَ هُنَاكَ مَقْبَرَةٌ ل أَسْلَافِهِ بَلْ قَبْرٌ أَعَدَّهُ هُوَ لَهُ.
وَفِي قَوْلِهِ: وَلَا يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ إِلَّا اللَّهُ إِشَارَةٌ إِلَى أَنْوَاعِ الزَّمَانِ، وَمَا فِيهَا مِنَ الْحَوَادِثِ، وَعَبَّرَ بِلَفْظِ غَدٍ؛ لِتَكُونَ حَقِيقَتُهُ أَقْرَبَ الْأَزْمِنَةِ، وَإِذَا كَانَ مَعَ قُرْبِهِ لَا يَعْلَمُ حَقِيقَةَ مَا يَقَعُ فِيهِ مَعَ إِمْكَانِ الْأَمَارَةِ وَالْعَلَامَةِ فَمَا بَعُدَ عَنْهُ أَوْلَى.
وَفِي قَوْلِهِ: وَلَا يَعْلَمُ مَتَى تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا اللَّهُ إِشَارَةٌ إِلَى عُلُومِ الْآخِرَةِ؛ فَإِنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَوَّلُهَا، وَإِذَا نَفَى عِلْمَ الْأَقْرَبِ انْتَفَى عِلْمُ مَا بَعْدِهِ، فَجَمَعَتِ الْآيَةُ أَنْوَاعَ الْغُيُوبِ وَأَزَالَتْ جَمِيعَ الدَّعَاوِي الْفَاسِدَةِ، وَقَدْ بَيَّنَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى، وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ أَنَّ الِاطِّلَاعَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ لَا يَكُونُ إِلَّا بِتَوْفِيقٍ. انْتَهَى مُلَخَّصًا.
٥ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿السَّلامُ الْمُؤْمِنُ﴾
٧٣٨١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا مُغِيرَةُ، حَدَّثَنَا شَقِيقُ بْنُ سَلَمَةَ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: كُنَّا نُصَلِّي خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ، فَنَقُولُ: السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلَامُ، وَلَكِنْ قُولُوا: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿السَّلامُ الْمُؤْمِنُ﴾ كَذَا لِلْجَمِيعِ، وَزَادَ ابْنُ بَطَّالٍ: الْمُهَيْمِنُ، وَقَالَ: غَرَضُهُ بِهَذَا الْبَابِ إِثْبَاتُ
أَسْمَاءٍ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْضَ مَا وَرَدَ فِي مَعَانِيهَا، وَفِيمَا ذَكَرَهُ نَظَرٌ.
سَلَّمْنَا، لَكِنْ وَظِيفَةُ الشَّارِحِ بَيَانُ وَجْهِ تَخْصِيصِ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ الثَّلَاثَةِ بِالذِّكْرِ دُونَ غَيْرِهَا، وَإِفْرَادُهَا بِتَرْجَمَةٍ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِهَذَا الْقَدْرِ جَمِيعَ الْآيَاتِ الثَّلَاثِ الْمَذْكُورَةِ فِي آخِرِ سُورَةِ الْحَشْرِ؛ فَإِنَّهَا خُتِمَتْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ وَقَدْ قَالَ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ فَكَأَنَّهُ بَعْدَ إِثْبَاتِ حَقِيقَةِ الْقُدْرَةِ وَالْقُوَّةِ وَالْعِلْمِ أَشَارَ إِلَى أَنَّ الصِّفَاتِ السَّمْعِيَّةَ لَيْسَتْ مَحْصُورَةً فِي عَدَدٍ مُعَيَّنٍ بِدَلِيلِ الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ أَوْ أَرَادَ الْإِشَارَةَ إِلَى ذِكْرِ الْأَسْمَاءِ الَّتِي تَسَمَّى اللَّهُ تَعَالَى بِهَا، وَأُطْلِقَتْ مَعَ ذَلِكَ عَلَى الْمَخْلُوقِينَ، فَالسَّلَامُ ثَبَتَ فِي الْقُرْآنِ، وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّهُ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، وَقَدْ أُطْلِقَ عَلَى التَّحِيَّةِ الْوَاقِعَةِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَالْمُؤْمِنُ يُطْلَقُ عَلَى مَنِ اتَّصَفَ بِالْإِيمَانِ، وَقَدْ وَقَعَا مَعًا مِنْ غَيْر تَخَلُّلٍ بَيْنَهُمَا فِي الْآيَةِ الْمُشَارِ إِلَيْهَا فَنَاسَبَ أَنْ يَذْكُرَهُمَا فِي تَرْجَمَةٍ وَاحِدَةٍ، وَقَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ: مَعْنَى السَّلَامِ فِي حَقِّهِ ﷾ الَّذِي سَلِمَ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ عُقُوبَتِهِ، وَكَذَا فِي تَفْسِيرِ الْمُؤْمِنِ: الَّذِي أَمِنَ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ عُقُوبَتِهِ، وَقِيلَ: السَّلَامُ: مَنْ سَلِمَ مِنْ كُلِّ نَقْصٍ، وَبَرِئَ مِنْ كُلِّ آفَةٍ وَعَيْبٍ، فَهِيَ صِفَةٌ سَلْبِيَّةٌ، وَقِيلَ: الْمُسَلِّمُ عَلَى عِبَادِهِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿سَلامٌ قَوْلا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ فَهِيَ صِفَةٌ كَلَامِيَّةٌ، وَقِيلَ: الَّذِي سَلِمَ الْخَلْقُ مِنْ ظُلْمِهِ، وَقِيلَ: مِنْهُ السَّلَامَةُ لِعِبَادِهِ، فَهِيَ صِفَةٌ فِعْلِيَّةٌ، وَقِيلَ: الْمُؤْمِنُ الَّذِي صَدَّقَ نَفْسَهُ، وَصَدَّقَ أَوْلِيَاءَهُ،
وَتَصْدِيقُهُ عِلْمُهُ بِأَنَّهُ صَادِقٌ، وَأَنَّهُمْ صَادِقُونَ، وَقِيلَ: الْمُوَحِّدُ لِنَفْسِهِ، وَقِيلَ: خَالِقُ الْأَمْنِ، وَقِيلَ: وَاهِبُ الْأَمْنِ، وَقِيلَ: خَالِقُ الطُّمَأْنِينَةِ فِي الْقُلُوبِ.
وَأَمَّا الْمُهَيْمِنُ فَإِنْ ثَبَتَ فِي الرِّوَايَةِ فَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِيهِ فِي التَّفْسِيرِ، وَمِمَّا يُسْتَفَادُ أَنَّ ابْنَ قُتَيْبَةَ وَمَنْ تَبِعَهُ كَالْخَطَّابِيِّ زَعَمُوا أَنَّهُ مُفَيْعِلٌ مِنَ الْأَمْنِ قُلِبَتِ الْهَمْزُ هَاءً، وَقَدْ تَعَقَّبَ ذَلِكَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ، وَنَقَلَ إِجْمَاعُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ أَسْمَاءَ اللَّهِ لَا تُصَغَّرُ، وَنَقَلَ الْبَيْهَقِيُّ، عَنِ الْحَلِيمِيِّ أَنَّ الْمُهَيْمِنَ مَعْنَاهُ الَّذِي لَا يُنْقِصُ الطَّائِعَ مِنْ ثَوَابِهِ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَ، وَلَا يَزِيدُ الْعَاصِي عِقَابًا عَلَى مَا يَسْتَحِقُّهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ الْكَذِبُ، وَقَدْ سَمَّى الثَّوَابَ وَالْعِقَابَ جَزَاءً، وَلَهُ أَنْ يَتَفَضَّلَ بِزِيَادَةِ الثَّوَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الْعِقَابِ.
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: هَذَا شَرْحُ قَوْلِ أَهْلِ التَّفْسِيرِ فِي الْمُهَيْمِنِ أَنَّهُ الْأَمِينُ، ثُمَّ سَاقَ مِنْ طَرِيقِ التَّيْمِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: مُهَيْمِنًا عَلَيْهِ قَالَ: مُؤْتَمَنًا، وَمِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْمُهَيْمِنُ: الْأَمِينُ، وَمِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ قَالَ: الْمُهَيْمِنُ: الشَّاهِدُ، وَقِيلَ: الْمُهَيْمِنُ: الرَّقِيبُ عَلَى الشَّيْءِ وَالْحَافِظُ لَهُ، وَقِيلَ: الْهَيْمَنَةُ: الْقِيَامُ عَلَى الشَّيْءِ، قَالَ الشَّاعِرُ:
أَلَا إِنَّ خَيْرَ النَّاسِ بَعْدَ نَبِيِّهِ … مُهَيْمِنُهُ التَّالِيهِ فِي الْعُرْفِ وَالنُّكْرِ
يُرِيدُ الْقَائِمَ عَلَى النَّاسِ بَعْدَهُ بِالرِّعَايَةِ لَهُمْ، انْتَهَى.
وَيَصِحُّ أَنْ يُرِيدَ الْأَمِينَ عَلَيْهِمْ، فَيُوَافِقُ مَا تَقَدَّمَ، ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي التَّشَهُّدِ وَسَنَدُهُ كُلُّهُ كُوفِيُّونَ وَأَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ الْيَرْبُوعِيُّ نُسِبَ لِجَدِّهِ، وَزُهَيْرٌ هُوَ ابْنُ مُعَاوِيَةَ الْجُعْفِيُّ، وَمُغِيرَةُ هُوَ ابْنُ مِقْسَمٍ الضَّبِّيُّ، وَشَقِيقُ بْنُ سَلَمَةَ هُوَ أَبُو وَائِلٍ مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ وَبِاسْمِهِ مَعًا، وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى الْحَلْوَانِيِّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ فَقَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا مُغِيرَةُ الضَّبِّيُّ وَسَاقَ الْمَتْنَ مِثْلَهُ سَوَاءً، وَضَاقَ عَلَى الْإِسْمَاعِيلِيِّ مَخْرَجُهُ فَاكْتَفَى بِرِوَايَةِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ، عَنْ مُغِيرَةَ وَسَاقَهُ نَحْوَهُ مِنْ رِوَايَةِ زُهَيْرٍ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ، عَنْ مُغِيرَةَ بِسَنَدِهِ، وَقَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: فَنَقُولُ: السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ هَكَذَا اخْتَصَرَهُ مُغِيرَةُ، وَزَادَ فِي رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ: مِنْ عِبَادِهِ وَفِي لَفْظٍ مَضَى فِي الِاسْتِئْذَانِ قَبْلَ عِبَادِهِ: السَّلَامُ عَلَى جِبْرِيلَ إِلَخْ. وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ مُفَصَّلًا فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ فِي أَوَاخِرِ صِفَةِ الصَّلَاةِ مِنْ قَبْلِ كِتَابِ الْجُمُعَةِ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٧٣٨١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ابْنُ يُونُسَ) هو أحمد بن عبد الله بن يونس الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ) بضمِّ الزَّاي مصغَّرًا، ابن معاوية الجعفيُّ قال: (حَدَّثَنَا مُغِيرَةُ) بن المِقسم -بكسر الميم- قال: (حَدَّثَنَا شَقِيقُ بْنُ سَلَمَةَ) أبو وائلٍ الأسديُّ الكوفيُّ المخضرم (قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ) ابن مسعودٍ ﵁: (كُنَّا نُصَلِّي خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ فَنَقُولُ) في التَّشهُّد: (السَّلَامُ عَلَى اللهِ) أي: «من عباده» كما في الرِّواية الأخرى [خ¦٨٣٥] (فَقَالَ) لنا: (النَّبِيُّ ﷺ) لمَّا فرغ من الصَّلاة: (إِنَّ اللهَ هُوَ السَّلَامُ) فأنكر التَّسليم على الله، وبيَّن أنَّ ذلك عكس ما يجب أن يقال، فإنَّ كلَّ سلامٍ ورحمةٍ له ومنه، فهو مالكها ومعطيها، وقال ابن الأنباريِّ: أمرهم أن يصرفوه إلى الخلق؛ لحاجتهم إلى السَّلامة وغناه ﷾ عنها (وَلَكِنْ قُولُوا: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ) جمع تحيَّةٍ، وهي «تفعلة» من الحياة، بمعنى: الإحياء والتَّبقية، واللَّام في «لله» للاختصاص، أو المراد: كلُّ ما تعظَّم به الملوك لله؛ فاللَّام للاستحقاق (وَالصَّلَوَاتُ) المعهودات في الشَّرع واجبةٌ (وَالطَّيِّبَاتُ) ما طاب من الكلام وحسن أن يُثنَى به على الله، أو ذكر الله مستحقٌّ لله (السَّلَامُ عَلَيْكَ) مبتدأٌ حُذِف خبره، أي: السَّلام عليك موجودٌ (أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ) إنَّما أعاد حرف الجرِّ؛ ليصحَّ العطف على الضَّمير المجرور، و «الصَّالحين» نعتٌ لـ «عباد» والصَّالح هو: القائم بحقوق الله تعالى وحقوق العباد (أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ) معطوفٌ على سابقه، و «رسوله» (١) «فعول» بمعنى مُرسَلٍ، و «فعول» بمعنى «مُفعَلٌ» قليلٌ، قال ابن عطيَّة: العرب تُجرِي «رسول» مجرى المصدر، فتصف به الجمع والواحد والمؤنَّث، ومنه قوله تعالى: ﴿أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ﴾ [مريم: ١٩].
والحديث سبق في «الصَّلاة» [خ¦٨٣٥] بأتمَّ من هذا.
(٦) (بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى) وسقط لغير أبي ذرٍّ لفظ «باب» (﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾ [الناس: ٢]) الملك معناه: ذو الملك، وهو إذا كان عبارةً عن التَّصرُّف في الأشياء بالخلق والإبداع والإماتة
والإحياء كان من أسماء الأفعال كالخالق، وإن كان راجعًا إلى القدرة فهي صفة ذاتٍ (١)، وعن بعض المحقِّقين: «الملك الحقّ» هو الغنيُّ مطلقًا في ذاته وفي صفاته عن كلِّ ما سواه، ويحتاج إليه كلُّ ما سواه إمَّا بواسطةٍ أو بغير واسطةٍ، فهو بتقديره منفردٌ وبتدبيره متوحِّدٌ، ليس لأمره مردٌّ ولا لحكمه ردٌّ، أمَّا العبد فإنَّه يحتاج (٢) في الوجود إلى الغير، والاحتياج ممَّا ينافي الملك، فلا يمكن أن يكون له ملكٌ مطلقٌ، والمَلِك يختصُّ عرفًا بمن يسوس ذوي العقول ويدبِّر أمورهم، فلذلك تقول (٣): ﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾ [الناس: ٢] ولا يقال: ملك الأشياء، ووظيفة العارف من هذا الاسم أن يعلم أنَّه هو المستغني على الإطلاق عن كلِّ شيءٍ، وما عداه مفتقرٌ إليه في وجوده وبقائه، مسخَّرٌ لحكمه وقضائه، فيستغني عن النَّاس رأسًا ولا يرجو ولا يخاف إلَّا إياه، ويتخلَّق به بالاستغناء عن الغير، قال في «الكشَّاف»: فإن قلت: هلَّا اكتفى بإظهار المضاف إليه مرَّةً واحدةً؟ قلت: لأنَّ عطف البيان للبيان، فكان مظنّةً للإظهار، فلهذا كرَّر لفظ ﴿النَّاسِ﴾ لأنَّ عطف البيان يحتاج إلى مزيد الإظهار، ولأنَّ التَّكرير يقتضي مزيد شرف النَّاس وأنَّهم أشرف المخلوقات، وقال الإمام فخر الدِّين: وإنَّما بدأ بذكر الرَّبِّ، وهو اسمٌ لمن قام بتدبيره وإصلاحه من أوائل نعمه وإلى أن ربَّاه وأعطاه العقل، فحينئذٍ عرف بالدَّليل أنَّه عبدٌ مملوكٌ وهو مالكٌ، فثنَّى بذكر الملك، ولمَّا علم أنَّ العبادة لازمةٌ له وعرف أنَّه معبودٌ مستحقٌّ لتلك العبادة عرَّفه بأنَّه إله، فلهذا خَتَم به.
(فِيهِ) أي: في هذا الباب (ابْنُ عُمَرَ) أي: حديثه (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) ممَّا وصله في «بابِ قول الله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]» الآتي إن شاء الله تعالى بعد اثني عشر بابًا [خ¦٧٤١٢] بلفظ: «إنَّ الله يقبض يوم القيامة الأرض وتكون السَّموات بيمينه ثمَّ يقول: أنا الملك».
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مُكَذِّبٌ لِلْقُرْآنِ، وَهُمْ أَبْعَدُ شَيْءٍ مِنَ الِارْتِضَاءِ مَعَ سَلْبِ صِفَةِ الرُّسُلِيَّةِ عَنْهُمْ.
وَقَوْلُهُ فِي أَوَّلِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: مَفَاتِيحُ الْغَيْبِ - إِلَى أَنْ قَالَ: - لَا يَعْلَمُ مَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ إِلَّا اللَّهُ فَوَقَعَ فِي مُعْظَمِ الرِّوَايَاتِ لَا يَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ إِلَّا اللَّهُ وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَى الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ عَلَى أَقْوَالٍ: فَقِيلَ: مَا يَنْقُصُ مِنَ الْخِلْقَةِ وَمَا يَزْدَادُ فِيهَا، وَقِيلَ: مَا يَنْقُصُ مِنَ التِّسْعَةِ الْأَشْهُرِ فِي الْحَمْلِ وَمَا يَزْدَادُ فِي النِّفَاسِ إِلَى السِّتِّينَ، وَقِيلَ: مَا يَنْقُصُ بِظُهُورِ الْحَيْضِ فِي الْحَبَلِ بِنَقْصِ الْوَلَدِ، وَمَا يَزْدَادُ عَلَى التِّسْعَةِ الْأَشْهُرِ بِقَدْرِ مَا حَاضَتْ، وَقِيلَ: مَا يَنْقُصُ فِي الْحَمْلِ بِانْقِطَاعِ الْحَيْضِ وَمَا يَزْدَادُ بِدَمِ النِّفَاسِ مِنْ بَعْدِ الْوَضْعِ، وَقِيلَ: مَا يَنْقُصُ مِنَ الْأَوْلَادِ قَبْلُ، وَمَا يَزْدَادُ مِنَ الْأَوْلَادِ بَعْدُ، وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدِ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ - نَفَعَ اللَّهُ بِهِ -: اسْتَعَارَ لِلْغَيْبِ مَفَاتِيحَ اقْتِدَاءً بِمَا نَطَقَ بِهِ الْكِتَابُ الْعَزِيزُ: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾ وَلِيُقَرِّبَ الْأَمْرَ عَلَى السَّامِعِ؛ لِأَنَّ أُمُورَ الْغَيْبِ لَا يُحْصِيهَا إِلَّا عَالِمُهَا، وَأَقْرَبُ الْأَشْيَاءِ إِلَى الِاطِّلَاعِ عَلَى مَا غَابَ الْأَبْوَابُ، وَالْمَفَاتِيحُ أَيْسَرُ الْأَشْيَاءِ لِفَتْحِ الْبَابِ، فَإِذَا كَانَ أَيْسَرُ الْأَشْيَاءِ لَا يُعْرَفُ مَوْضِعُهَا فَمَا فَوْقَهَا أَحْرَى أَنْ لَا يُعْرَفَ. قَالَ: وَالْمُرَادُ بِنَفْيِ الْعِلْمِ عَنِ الْغَيْبِ الْحَقِيقِيِّ؛ فَإِنَّ لِبَعْضِ الْغُيُوبِ أَسْبَابًا قَدْ يُسْتَدَلُّ بِهَا عَلَيْهَا، لَكِنْ لَيْسَ ذَلِكَ حَقِيقِيًّا قَالَ: فَلَمَّا كَانَ جَمِيعُ مَا فِي الْوُجُودِ مَحْصُورًا فِي عِلْمِهِ شَبَّهَهُ الْمُصْطَفَى بِالْمَخَازِنِ، وَاسْتَعَارَ لِبَابِهَا الْمِفْتَاحَ، وَهُوَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ﴾
قَالَ: وَالْحِكْمَةُ فِي جَعْلِهَا خَمْسًا الْإِشَارَةُ إِلَى حَصْرِ الْعَوَالِمِ فِيهَا، فَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ﴾ إِشَارَةٌ إِلَى مَا يَزِيدُ فِي النَّفْسِ وَيَنْقُصُ، وَخَصَّ الرَّحِمَ بِالذِّكْرِ؛ لِكَوْنِ الْأَكْثَرِ يَعْرِفُونَهَا بِالْعَادَةِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَنَفَى أَنْ يَعْرِفَ أَحَدٌ حَقِيقَتَهَا، فَغَيْرَهَا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى.
وَفِي قَوْلِهِ: وَلَا يَعْلَمُ مَتَى يَأْتِي الْمَطَرُ إِشَارَةٌ إِلَى أُمُورِ الْعَالَمِ الْعُلْوِيِّ، وَخَصَّ الْمَطَرَ مَعَ أَنَّ لَهُ أَسْبَابًا قَدْ تَدُلُّ بِجَرْيِ الْعَادَةِ عَلَى وُقُوعِهِ لَكِنَّهُ مِنْ غَيْرِ تَحْقِيقٍ.
وَفِي قَوْلِهِ: وَلَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِشَارَةٌ إِلَى أُمُورِ الْعَالَمِ السُّفْلِيِّ، مَعَ أَنَّ عَادَةَ أَكْثَرِ النَّاسِ أَنْ يَمُوتَ بِبَلَدِهِ، وَلَكِنْ لَيْسَ ذَلِكَ حَقِيقَةً بَلْ لَوْ مَاتَ فِي بَلَدِهِ لَا يُعْلَمُ فِي أَيِّ بُقْعَةٍ يُدْفَنُ مِنْهَا، وَلَوْ كَانَ هُنَاكَ مَقْبَرَةٌ ل أَسْلَافِهِ بَلْ قَبْرٌ أَعَدَّهُ هُوَ لَهُ.
وَفِي قَوْلِهِ: وَلَا يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ إِلَّا اللَّهُ إِشَارَةٌ إِلَى أَنْوَاعِ الزَّمَانِ، وَمَا فِيهَا مِنَ الْحَوَادِثِ، وَعَبَّرَ بِلَفْظِ غَدٍ؛ لِتَكُونَ حَقِيقَتُهُ أَقْرَبَ الْأَزْمِنَةِ، وَإِذَا كَانَ مَعَ قُرْبِهِ لَا يَعْلَمُ حَقِيقَةَ مَا يَقَعُ فِيهِ مَعَ إِمْكَانِ الْأَمَارَةِ وَالْعَلَامَةِ فَمَا بَعُدَ عَنْهُ أَوْلَى.
وَفِي قَوْلِهِ: وَلَا يَعْلَمُ مَتَى تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا اللَّهُ إِشَارَةٌ إِلَى عُلُومِ الْآخِرَةِ؛ فَإِنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَوَّلُهَا، وَإِذَا نَفَى عِلْمَ الْأَقْرَبِ انْتَفَى عِلْمُ مَا بَعْدِهِ، فَجَمَعَتِ الْآيَةُ أَنْوَاعَ الْغُيُوبِ وَأَزَالَتْ جَمِيعَ الدَّعَاوِي الْفَاسِدَةِ، وَقَدْ بَيَّنَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى، وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ أَنَّ الِاطِّلَاعَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ لَا يَكُونُ إِلَّا بِتَوْفِيقٍ. انْتَهَى مُلَخَّصًا.
٥ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿السَّلامُ الْمُؤْمِنُ﴾
٧٣٨١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا مُغِيرَةُ، حَدَّثَنَا شَقِيقُ بْنُ سَلَمَةَ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: كُنَّا نُصَلِّي خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ، فَنَقُولُ: السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلَامُ، وَلَكِنْ قُولُوا: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿السَّلامُ الْمُؤْمِنُ﴾ كَذَا لِلْجَمِيعِ، وَزَادَ ابْنُ بَطَّالٍ: الْمُهَيْمِنُ، وَقَالَ: غَرَضُهُ بِهَذَا الْبَابِ إِثْبَاتُ
أَسْمَاءٍ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْضَ مَا وَرَدَ فِي مَعَانِيهَا، وَفِيمَا ذَكَرَهُ نَظَرٌ.
سَلَّمْنَا، لَكِنْ وَظِيفَةُ الشَّارِحِ بَيَانُ وَجْهِ تَخْصِيصِ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ الثَّلَاثَةِ بِالذِّكْرِ دُونَ غَيْرِهَا، وَإِفْرَادُهَا بِتَرْجَمَةٍ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِهَذَا الْقَدْرِ جَمِيعَ الْآيَاتِ الثَّلَاثِ الْمَذْكُورَةِ فِي آخِرِ سُورَةِ الْحَشْرِ؛ فَإِنَّهَا خُتِمَتْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ وَقَدْ قَالَ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ فَكَأَنَّهُ بَعْدَ إِثْبَاتِ حَقِيقَةِ الْقُدْرَةِ وَالْقُوَّةِ وَالْعِلْمِ أَشَارَ إِلَى أَنَّ الصِّفَاتِ السَّمْعِيَّةَ لَيْسَتْ مَحْصُورَةً فِي عَدَدٍ مُعَيَّنٍ بِدَلِيلِ الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ أَوْ أَرَادَ الْإِشَارَةَ إِلَى ذِكْرِ الْأَسْمَاءِ الَّتِي تَسَمَّى اللَّهُ تَعَالَى بِهَا، وَأُطْلِقَتْ مَعَ ذَلِكَ عَلَى الْمَخْلُوقِينَ، فَالسَّلَامُ ثَبَتَ فِي الْقُرْآنِ، وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّهُ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، وَقَدْ أُطْلِقَ عَلَى التَّحِيَّةِ الْوَاقِعَةِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَالْمُؤْمِنُ يُطْلَقُ عَلَى مَنِ اتَّصَفَ بِالْإِيمَانِ، وَقَدْ وَقَعَا مَعًا مِنْ غَيْر تَخَلُّلٍ بَيْنَهُمَا فِي الْآيَةِ الْمُشَارِ إِلَيْهَا فَنَاسَبَ أَنْ يَذْكُرَهُمَا فِي تَرْجَمَةٍ وَاحِدَةٍ، وَقَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ: مَعْنَى السَّلَامِ فِي حَقِّهِ ﷾ الَّذِي سَلِمَ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ عُقُوبَتِهِ، وَكَذَا فِي تَفْسِيرِ الْمُؤْمِنِ: الَّذِي أَمِنَ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ عُقُوبَتِهِ، وَقِيلَ: السَّلَامُ: مَنْ سَلِمَ مِنْ كُلِّ نَقْصٍ، وَبَرِئَ مِنْ كُلِّ آفَةٍ وَعَيْبٍ، فَهِيَ صِفَةٌ سَلْبِيَّةٌ، وَقِيلَ: الْمُسَلِّمُ عَلَى عِبَادِهِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿سَلامٌ قَوْلا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ فَهِيَ صِفَةٌ كَلَامِيَّةٌ، وَقِيلَ: الَّذِي سَلِمَ الْخَلْقُ مِنْ ظُلْمِهِ، وَقِيلَ: مِنْهُ السَّلَامَةُ لِعِبَادِهِ، فَهِيَ صِفَةٌ فِعْلِيَّةٌ، وَقِيلَ: الْمُؤْمِنُ الَّذِي صَدَّقَ نَفْسَهُ، وَصَدَّقَ أَوْلِيَاءَهُ،
وَتَصْدِيقُهُ عِلْمُهُ بِأَنَّهُ صَادِقٌ، وَأَنَّهُمْ صَادِقُونَ، وَقِيلَ: الْمُوَحِّدُ لِنَفْسِهِ، وَقِيلَ: خَالِقُ الْأَمْنِ، وَقِيلَ: وَاهِبُ الْأَمْنِ، وَقِيلَ: خَالِقُ الطُّمَأْنِينَةِ فِي الْقُلُوبِ.
وَأَمَّا الْمُهَيْمِنُ فَإِنْ ثَبَتَ فِي الرِّوَايَةِ فَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِيهِ فِي التَّفْسِيرِ، وَمِمَّا يُسْتَفَادُ أَنَّ ابْنَ قُتَيْبَةَ وَمَنْ تَبِعَهُ كَالْخَطَّابِيِّ زَعَمُوا أَنَّهُ مُفَيْعِلٌ مِنَ الْأَمْنِ قُلِبَتِ الْهَمْزُ هَاءً، وَقَدْ تَعَقَّبَ ذَلِكَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ، وَنَقَلَ إِجْمَاعُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ أَسْمَاءَ اللَّهِ لَا تُصَغَّرُ، وَنَقَلَ الْبَيْهَقِيُّ، عَنِ الْحَلِيمِيِّ أَنَّ الْمُهَيْمِنَ مَعْنَاهُ الَّذِي لَا يُنْقِصُ الطَّائِعَ مِنْ ثَوَابِهِ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَ، وَلَا يَزِيدُ الْعَاصِي عِقَابًا عَلَى مَا يَسْتَحِقُّهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ الْكَذِبُ، وَقَدْ سَمَّى الثَّوَابَ وَالْعِقَابَ جَزَاءً، وَلَهُ أَنْ يَتَفَضَّلَ بِزِيَادَةِ الثَّوَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الْعِقَابِ.
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: هَذَا شَرْحُ قَوْلِ أَهْلِ التَّفْسِيرِ فِي الْمُهَيْمِنِ أَنَّهُ الْأَمِينُ، ثُمَّ سَاقَ مِنْ طَرِيقِ التَّيْمِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: مُهَيْمِنًا عَلَيْهِ قَالَ: مُؤْتَمَنًا، وَمِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْمُهَيْمِنُ: الْأَمِينُ، وَمِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ قَالَ: الْمُهَيْمِنُ: الشَّاهِدُ، وَقِيلَ: الْمُهَيْمِنُ: الرَّقِيبُ عَلَى الشَّيْءِ وَالْحَافِظُ لَهُ، وَقِيلَ: الْهَيْمَنَةُ: الْقِيَامُ عَلَى الشَّيْءِ، قَالَ الشَّاعِرُ:
أَلَا إِنَّ خَيْرَ النَّاسِ بَعْدَ نَبِيِّهِ … مُهَيْمِنُهُ التَّالِيهِ فِي الْعُرْفِ وَالنُّكْرِ
يُرِيدُ الْقَائِمَ عَلَى النَّاسِ بَعْدَهُ بِالرِّعَايَةِ لَهُمْ، انْتَهَى.
وَيَصِحُّ أَنْ يُرِيدَ الْأَمِينَ عَلَيْهِمْ، فَيُوَافِقُ مَا تَقَدَّمَ، ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي التَّشَهُّدِ وَسَنَدُهُ كُلُّهُ كُوفِيُّونَ وَأَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ الْيَرْبُوعِيُّ نُسِبَ لِجَدِّهِ، وَزُهَيْرٌ هُوَ ابْنُ مُعَاوِيَةَ الْجُعْفِيُّ، وَمُغِيرَةُ هُوَ ابْنُ مِقْسَمٍ الضَّبِّيُّ، وَشَقِيقُ بْنُ سَلَمَةَ هُوَ أَبُو وَائِلٍ مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ وَبِاسْمِهِ مَعًا، وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى الْحَلْوَانِيِّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ فَقَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا مُغِيرَةُ الضَّبِّيُّ وَسَاقَ الْمَتْنَ مِثْلَهُ سَوَاءً، وَضَاقَ عَلَى الْإِسْمَاعِيلِيِّ مَخْرَجُهُ فَاكْتَفَى بِرِوَايَةِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ، عَنْ مُغِيرَةَ وَسَاقَهُ نَحْوَهُ مِنْ رِوَايَةِ زُهَيْرٍ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ، عَنْ مُغِيرَةَ بِسَنَدِهِ، وَقَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: فَنَقُولُ: السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ هَكَذَا اخْتَصَرَهُ مُغِيرَةُ، وَزَادَ فِي رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ: مِنْ عِبَادِهِ وَفِي لَفْظٍ مَضَى فِي الِاسْتِئْذَانِ قَبْلَ عِبَادِهِ: السَّلَامُ عَلَى جِبْرِيلَ إِلَخْ. وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ مُفَصَّلًا فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ فِي أَوَاخِرِ صِفَةِ الصَّلَاةِ مِنْ قَبْلِ كِتَابِ الْجُمُعَةِ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٧٣٨١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ابْنُ يُونُسَ) هو أحمد بن عبد الله بن يونس الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ) بضمِّ الزَّاي مصغَّرًا، ابن معاوية الجعفيُّ قال: (حَدَّثَنَا مُغِيرَةُ) بن المِقسم -بكسر الميم- قال: (حَدَّثَنَا شَقِيقُ بْنُ سَلَمَةَ) أبو وائلٍ الأسديُّ الكوفيُّ المخضرم (قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ) ابن مسعودٍ ﵁: (كُنَّا نُصَلِّي خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ فَنَقُولُ) في التَّشهُّد: (السَّلَامُ عَلَى اللهِ) أي: «من عباده» كما في الرِّواية الأخرى [خ¦٨٣٥] (فَقَالَ) لنا: (النَّبِيُّ ﷺ) لمَّا فرغ من الصَّلاة: (إِنَّ اللهَ هُوَ السَّلَامُ) فأنكر التَّسليم على الله، وبيَّن أنَّ ذلك عكس ما يجب أن يقال، فإنَّ كلَّ سلامٍ ورحمةٍ له ومنه، فهو مالكها ومعطيها، وقال ابن الأنباريِّ: أمرهم أن يصرفوه إلى الخلق؛ لحاجتهم إلى السَّلامة وغناه ﷾ عنها (وَلَكِنْ قُولُوا: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ) جمع تحيَّةٍ، وهي «تفعلة» من الحياة، بمعنى: الإحياء والتَّبقية، واللَّام في «لله» للاختصاص، أو المراد: كلُّ ما تعظَّم به الملوك لله؛ فاللَّام للاستحقاق (وَالصَّلَوَاتُ) المعهودات في الشَّرع واجبةٌ (وَالطَّيِّبَاتُ) ما طاب من الكلام وحسن أن يُثنَى به على الله، أو ذكر الله مستحقٌّ لله (السَّلَامُ عَلَيْكَ) مبتدأٌ حُذِف خبره، أي: السَّلام عليك موجودٌ (أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ) إنَّما أعاد حرف الجرِّ؛ ليصحَّ العطف على الضَّمير المجرور، و «الصَّالحين» نعتٌ لـ «عباد» والصَّالح هو: القائم بحقوق الله تعالى وحقوق العباد (أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ) معطوفٌ على سابقه، و «رسوله» (١) «فعول» بمعنى مُرسَلٍ، و «فعول» بمعنى «مُفعَلٌ» قليلٌ، قال ابن عطيَّة: العرب تُجرِي «رسول» مجرى المصدر، فتصف به الجمع والواحد والمؤنَّث، ومنه قوله تعالى: ﴿أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ﴾ [مريم: ١٩].
والحديث سبق في «الصَّلاة» [خ¦٨٣٥] بأتمَّ من هذا.
(٦) (بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى) وسقط لغير أبي ذرٍّ لفظ «باب» (﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾ [الناس: ٢]) الملك معناه: ذو الملك، وهو إذا كان عبارةً عن التَّصرُّف في الأشياء بالخلق والإبداع والإماتة
والإحياء كان من أسماء الأفعال كالخالق، وإن كان راجعًا إلى القدرة فهي صفة ذاتٍ (١)، وعن بعض المحقِّقين: «الملك الحقّ» هو الغنيُّ مطلقًا في ذاته وفي صفاته عن كلِّ ما سواه، ويحتاج إليه كلُّ ما سواه إمَّا بواسطةٍ أو بغير واسطةٍ، فهو بتقديره منفردٌ وبتدبيره متوحِّدٌ، ليس لأمره مردٌّ ولا لحكمه ردٌّ، أمَّا العبد فإنَّه يحتاج (٢) في الوجود إلى الغير، والاحتياج ممَّا ينافي الملك، فلا يمكن أن يكون له ملكٌ مطلقٌ، والمَلِك يختصُّ عرفًا بمن يسوس ذوي العقول ويدبِّر أمورهم، فلذلك تقول (٣): ﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾ [الناس: ٢] ولا يقال: ملك الأشياء، ووظيفة العارف من هذا الاسم أن يعلم أنَّه هو المستغني على الإطلاق عن كلِّ شيءٍ، وما عداه مفتقرٌ إليه في وجوده وبقائه، مسخَّرٌ لحكمه وقضائه، فيستغني عن النَّاس رأسًا ولا يرجو ولا يخاف إلَّا إياه، ويتخلَّق به بالاستغناء عن الغير، قال في «الكشَّاف»: فإن قلت: هلَّا اكتفى بإظهار المضاف إليه مرَّةً واحدةً؟ قلت: لأنَّ عطف البيان للبيان، فكان مظنّةً للإظهار، فلهذا كرَّر لفظ ﴿النَّاسِ﴾ لأنَّ عطف البيان يحتاج إلى مزيد الإظهار، ولأنَّ التَّكرير يقتضي مزيد شرف النَّاس وأنَّهم أشرف المخلوقات، وقال الإمام فخر الدِّين: وإنَّما بدأ بذكر الرَّبِّ، وهو اسمٌ لمن قام بتدبيره وإصلاحه من أوائل نعمه وإلى أن ربَّاه وأعطاه العقل، فحينئذٍ عرف بالدَّليل أنَّه عبدٌ مملوكٌ وهو مالكٌ، فثنَّى بذكر الملك، ولمَّا علم أنَّ العبادة لازمةٌ له وعرف أنَّه معبودٌ مستحقٌّ لتلك العبادة عرَّفه بأنَّه إله، فلهذا خَتَم به.
(فِيهِ) أي: في هذا الباب (ابْنُ عُمَرَ) أي: حديثه (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) ممَّا وصله في «بابِ قول الله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]» الآتي إن شاء الله تعالى بعد اثني عشر بابًا [خ¦٧٤١٢] بلفظ: «إنَّ الله يقبض يوم القيامة الأرض وتكون السَّموات بيمينه ثمَّ يقول: أنا الملك».