الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٧٣٨٤
الحديث رقم ٧٣٨٤ من كتاب «كتاب التوحيد» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب قول الله تعالى وهو العزيز الحكيم.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
قَوْلُ اللهِ تَعَالَى ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾
٧٣٨٤ - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي الْأَسْوَدِ، حَدَّثَنَا حَرَمِيٌّ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: يُلْقَى فِي النَّارِ. وَقَالَ لِي خَلِيفَةُ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ وَعَنْ مُعْتَمِرٍ، سَمِعْتُ أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
وَالْجِنُّ وَالْإِنْسُ يَمُوتُونَ.
٧٣٨٤ - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي الأَسْوَدِ حَدَّثَنَا حَرَمِيٌّ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَا يَزَالُ يُلْقَى فِي النَّارِ ح و قَالَ لِي خَلِيفَةُ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ وَعَنْ مُعْتَمِرٍ سَمِعْتُ أَبِي عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَا يَزَالُ يُلْقَى فِيهَا وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ حَتَّى يَضَعَ فِيهَا رَبُّ الْعَالَمِينَ قَدَمَهُ فَيَنْزَوِي بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ ثُمَّ تَقُولُ قَدْ قَدْ بِعِزَّتِكَ وَكَرَمِكَ وَلَا تَزَالُ الْجَنَّةُ تَفْضُلُ حَتَّى يُنْشِئَ اللَّهُ لَهَا خَلْقًا فَيُسْكِنَهُمْ فَضْلَ الْجَنَّةِ
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾، ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ﴾ أَمَّا الْآيَةُ الْأُولَى فَوَقَعَتْ فِي عِدَّةِ سُوَرٍ وَتَكَرَّرَتْ فِي بَعْضِهَا، وَأَوَّلُ مَوْضِعٍ وَقَعَ فِيهِ ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ فِي سُورَةِ إِبْرَاهِيمَ، وَأَمَّا مُطْلَقُ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ فَأَوَّلُ مَا وَقَعَ فِي الْبَقَرَةِ فِي دُعَاءِ إِبْرَاهِيمَ ﵇ لِأَهْلِ مَكَّةَ: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولا مِنْهُمْ﴾ الْآيَةَ، وَآخِرُهَا: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ وَتَكَرَّرَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ وَ: ﴿عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ بِغَيْرِ لَامٍ فِيهِمَا فِي عِدَّةٍ مِنَ السُّوَرِ.
وَأَمَّا الْآيَةُ الثَّانِيَةُ فَفِي إِضَافَةِ الْعِزَّةِ إِلَى الرُّبُوبِيَّةِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا هُنَا الْقَهْرُ وَالْغَلَبَةُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْإِضَافَةُ لِلِاخْتِصَاصِ، كَأَنَّهُ قِيلَ: ذُو الْعِزَّةِ، وَأَنَّهَا مِنْ صِفَاتِ الذَّاتِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْعِزَّةِ هُنَا الْعِزَّةُ الْكَائِنَةُ بَيْنَ الْخَلْقِ وَهِيَ مَخْلُوقَةٌ فَيَكُونُ مِنْ صِفَاتِ الْفِعْلِ، فَالرَّبُّ عَلَى هَذَا بِمَعْنَى الْخَالِقِ وَالتَّعْرِيفُ فِي الْعِزَّةِ لِلْجِنْسِ، فَإِذَا كَانَتِ الْعِزَّةُ كُلُّهَا لِلَّهِ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ مُعْتَزًّا إِلَّا بِهِ، وَلَا عِزَّةَ لِأَحَدٍ إِلَّا وَهُوَ مَالِكُهَا، وَأَمَّا الْآيَةُ الثَّالِثَةُ فَيُعْرَفُ حُكْمُهَا مِنَ الثَّانِيَةِ، وَهِيَ بِمَعْنَى الْغَلَبَةِ؛ لِأَنَّهَا جَاءَتْ جَوَابًا لِمَنِ ادَّعَى أَنَّهُ الْأَعَزُّ وَأَنَّ ضِدَّهُ الْأَذَلُّ، فَيُرَدُّ عَلَيْهِ بِأَنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ، فَهُوَ كَقَوْلِهِ: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾
قَوْلُهُ: (وَمَنْ حَلَفَ بِعِزَّةِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَفِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي: وَسُلْطَانِهِ بَدَلَ وَصِفَاتِهِ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ بَابُ الْحَلِفِ بِعِزَّةِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ وَكَلَامِهِ، وَتَقَدَّمَ تَوْجِيهُهُ هُنَاكَ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: الْعَزِيزُ: يَتَضَمَّنُ الْعِزَّةَ، وَالْعِزَّةُ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ صِفَةَ ذَاتٍ بِمَعْنَى الْقُدْرَةِ وَالْعَظَمَةِ، وَأَنْ تَكُونَ صِفَةَ فِعْلٍ بِمَعْنَى الْقَهْرِ لِمَخْلُوقَاتِهِ وَالْغَلَبَةِ لَهُمْ، وَلِذَلِكَ صَحَّتْ إِضَافَةُ اسْمِهِ إِلَيْهَا، قَالَ: وَيَظْهَرُ الْفَرْقُ بَيْنَ الْحَالِفِ بِعِزَّةِ اللَّهِ الَّتِي هِيَ صِفَةُ ذَاتِهِ وَالْحَالِفِ بِعِزَّةِ اللَّهِ الَّتِي صِفَةُ فِعْلِهِ، بِأَنَّهُ يَحْنَثُ فِي الْأُولَى دُونَ الثَّانِيَةِ، بَلْ هُوَ مَنْهِيٌّ عَنِ الْحَلِفِ بِهَا، كَمَا نُهِيَ عَنِ الْحَلِفِ بِحَقِّ السَّمَاءِ وَحَقِّ زَيْدٍ.
قُلْتُ: وَإِذَا أَطْلَقَ الْحَالِفُ انْصَرَفَ إِلَى صِفَةِ الذَّاتِ وَانْعَقَدَتِ الْيَمِينُ إِلَّا إِنْ قَصَدَ خِلَافَ ذَلِكَ بِدَلِيلِ أَحَادِيثِ الْبَابِ: وَقَالَ الرَّاغِبُ: الْعَزِيزُ: الَّذِي يَقْهَرُ وَلَا يُقْهَرُ؛ فَإِنَّ الْعِزَّةَ الَّتِي لِلَّهِ هِيَ الدَّائِمَةُ الْبَاقِيَةُ وَهِيَ الْعِزَّةُ الْحَقِيقِيَّةُ الْمَمْدُوحَةُ، وَقَدْ تُسْتَعَارُ الْعِزَّةُ لِلْحَمِيَّةِ وَالْأَنَفَةِ، فَيُوصَفُ بِهَا الْكَافِرُ وَالْفَاسِقُ وَهِيَ صِفَةٌ مَذْمُومَةٌ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ﴾ وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ فَمَعْنَاهُ: مَنْ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يُعَزَّ فَلْيَكْتَسِبِ الْعِزَّةَ مِنَ اللَّهِ؛ فَإِنَّهَا لَهُ، وَلَا تُنَالُ إِلَّا بِطَاعَتِهِ، وَمِنْ ثَمَّ أَثْبَتَهَا لِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ وَقَدْ تَرِدُ الْعِزَّةُ بِمَعْنَى الصُّعُوبَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ وَبِمَعْنَى الْغَلَبَةِ وَمِنْهُ: ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ وَبِمَعْنَى الْقِلَّةِ كَقَوْلِهِمْ: شَاةٌ عَزُوزٌ، إِذَا قَلَّ لَبَنُهَا، وَبِمَعْنَى الِامْتِنَاعِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: أَرْضٌ عَزَازٌ،
بِفَتْحِ أَوَّلِهِ مُخَفَّفًا - أَيْ: صُلْبَةٌ.
وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: الْعِزَّةُ تَكُونُ بِمَعْنَى الْقُوَّةِ فَتَرْجِعُ إِلَى مَعْنَى الْقُدْرَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوًا مِمَّا ذَكَرَهُ ابْنُ بَطَّالٍ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ مُرَادَ الْبُخَارِيِّ بِالتَّرْجَمَةِ إِثْبَاتُ الْعِزَّةِ لِلَّهِ رَدًّا عَلَى مَنْ قَالَ: إِنَّهُ الْعَزِيزُ بِلَا عِزَّةٍ، كَمَا قَالُوا: الْعَلِيمُ بِلَا عِلْمٍ، ثُمَّ ذَكَرَ فِي الْبَابِ خَمْسَةَ أَحَادِيثَ.
الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ: (قَوْلُهُ: وَقَالَ أَنَسٌ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: تَقُولُ جَهَنَّمُ: قَطْ قَطْ، وَعِزَّتِكَ) هَذَا طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ تَقَدَّمَ مَوْصُولًا فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ ق مَعَ شَرْحِهِ، وَيَأْتِي مَزِيدُ كَلَامٍ فِيهِ فِي بَابِ قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ وَقَدْ ذَكَرَهُ مَوْصُولًا هُنَا فِي آخِرِ الْبَابِ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَقَلَ عَنْ جَهَنَّمَ أَنَّهَا تَحْلِفُ بِعِزَّةِ اللَّهِ، وَأَقَرَّهَا عَلَى ذَلِكَ، فَيَحْصُلُ الْمُرَادُ سَوَاءٌ كَانَتْ هِيَ النَّاطِقَةُ حَقِيقَةً أَمِ النَّاطِقُ غَيْرُهَا كَالْمُوَكَّلِينَ بِهَا.
الْحَدِيثُ الثَّانِي: (قَوْلُهُ: وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ إِلَخْ) هُوَ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ طَوِيلٍ تَقَدَّمَ مَعَ شَرْحِهِ فِي آخِرِ كِتَابِ الرِّقَاقِ وَالْمُرَادُ مِنْهُ قَوْلُهُ: لَا وَعِزَّتِكَ وَتَوْجِيهُهُ كَمَا فِي الَّذِي قَبْلَهُ.
الْحَدِيثُ الثَّالِثُ: (قَوْلُهُ: قَالَ أَبُو سَعِيدٍ إِلَخْ) هُوَ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ مَذْكُورٍ فِي آخِرِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي قَبْلَهُ، وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ وَافَقَ أَبَا هُرَيْرَةَ عَلَى رِوَايَةِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ إِلَّا مَا ذَكَرَهُ مِنَ الزِّيَادَةِ فِي قَوْلِهِ: عَشْرَةُ أَمْثَالِهِ.
الْحَدِيثُ الرَّابِعُ: (قَوْلُهُ: وَقَالَ أَيُّوبُ ﵇: وَعِزَّتِكَ لَا غِنَى بِي عَنْ بَرَكَتِكَ) كَذَا فِي رِوَايَةِ الْأَكْثَرِ وَلِلْمُسْتَمْلِي لَا غَنَاءً وَهُوَ بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ مَمْدُودًا، وَكَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، عَنِ السَّرَخْسِيِّ، وَتَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ وَهُوَ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ لِأَبِي هُرَيْرَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَوْصُولًا فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ، وَأَوَّلُهُ: بَيْنَا أَيُّوبُ يَغْتَسِلُ، وَتَقَدَّمَ أَيْضًا فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ مَعَ شَرْحِهِ، وَتَقَدَّمَ تَوْجِيهُ الدَّلَالَةِ مِنْهُ فِي الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْحَاكِمِ: لَمَّا عَافَى اللَّهُ أَيُّوبَ، أَمْطَرَ عَلَيْهِ جَرَادًا مِنْ ذَهَبٍ الْحَدِيثَ.
الْحَدِيثُ الْخَامِسُ: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ: قَوْلُهُ: (أَبُو مَعْمَرٍ) هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو الْمِنْقَرِيُّ، بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ النُّونِ وَفَتْحِ الْقَافِ، وَعَبْدُ الْوَارِثِ هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ، وَحُسَيْنٌ الْمُعَلِّمُ هُوَ ابْنُ ذَكْوَانَ وَيَحْيَى بْنُ يَعْمَرَ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَالْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ بَيْنَهُمَا وَيَجُوزُ ضَمُّ مِيمِهِ.
قَوْلُهُ: (كَانَ يَقُولُ: أَعُوذُ بِعِزَّتِكَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ) قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: الْعَائِدُ لِلْمَوْصُولِ مَحْذُوفٌ؛ لِأَنَّ الْمُخَاطَبَ نَفْسُ الْمَرْجُوعِ إِلَيْهِ فَيَحْصُلُ الِارْتِبَاطُ. وَمِثْلُهُ: أَنَا الَّذِي سَمَّتْنِي أُمِّي حَيْدَرَهْ؛ لِأَنَّ نَسَقَ الْكَلَامِ سَمَّتْهُ أُمُّهُ.
قَوْلُهُ: (الَّذِي لَا يَمُوتُ) بِلَفْظِ الْغَائِبِ لِلْأَكْثَرِ، وَفِي بَعْضِهَا بِلَفْظِ الْخِطَابِ.
قَوْلُهُ: (وَالْجِنُّ وَالْإِنْسُ يَمُوتُونَ) اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا تَمُوتُ وَلَا حُجَّةَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ مَفْهُومُ لَقَبٍ وَلَا اعْتِبَارَ لَهُ، وَعَلَى تَقْدِيرِهِ فَيُعَارِضُهُ مَا هُوَ أَقْوَى مِنْهُ، وَهُوَ عُمُومُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ﴾ مَعَ أَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنْ دُخُولِهِمْ فِي مُسَمَّى الْجِنِّ؛ لِجَامِعِ مَا بَيْنَهُمْ مِنَ الِاسْتِتَارِ عَنْ عُيُونِ الْإِنْسِ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ بَقِيَّةُ الْكَلَامِ عَلَيْهِ فِي الدَّعَوَاتِ وَفِي الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ فِي الْبَابِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ مِنْهُ، ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ أَنَسٍ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ عَنْ قَتَادَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ لَفْظُ شُعْبَةَ فِي تَفْسِيرِ ق، وَسَاقَهُ هُنَا عَلَى لَفْظِ: خَلِيفَةَ وَهُوَ ابْنُ خَيَّاطٍ الْبَصْرِيُّ، وَلَقَبُهُ شَبَابٌ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَتَخْفِيفِ الْمُوَحَّدَةِ وَآخِرُهُ مُوَحَّدَةٌ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ عَنْهُ: لَا يَزَالُ يُلْقَى فِي النَّارِ، وَفِي رِوَايَةِ سَعِيدٍ وَهُوَ ابْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، وَسُلَيْمَانُ هُوَ التَّيْمِيُّ وَالِدُ مُعْتَمِرٍ كِلَاهُمَا عَنْ قَتَادَةَ: لَا يَزَالُ يُلْقَى فِيهَا وَالضَّمِيرُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ لِغَيْرِ مَذْكُورٍ قَبْلَهُ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ طَرِيقِ الْعَبَّاسِ بْنِ الْوَلِيدِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ، وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي الْأَشْعَثِ، عَنِ الْمُعْتَمِرِ بِهَذَيْنِ السَّنَدَيْنِ، وَفِي أَوَّلِهِ لَا تَزَالُ جَهَنَّمُ يُلْقَى فِيهَا.
قَوْلُهُ: (حَتَّى يَضَعَ فِيهَا رَبُّ الْعَالَمِينَ قَدَمَهُ) فِي رِوَايَةِ أَبِي الْأَشْعَثِ: حَتَّى يَضَعَ اللَّهُ فِيهَا قَدَمَهُ، وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ سَعِيدٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ: حَتَّى يَضَعَ فِيهَا رَبُّ الْعِزَّةِ وَلَمْ يَقَعْ فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ بَيَانُ مَنْ يَضَعُ، وَتَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ ق مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: فَيَضَعُ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
والحديث أخرجه مسلمٌ في «الدُّعاء» والنَّسائيُّ في «النُّعوت».
٧٣٨٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا (١) ابْنُ أَبِي الأَسْوَدِ) هو عبد الله بن محمَّد بن الأسود أبو بكرٍ البصريُّ الحافظ قال: (حَدَّثَنَا حَرَمِيٌّ) بفتح الحاء المهملة والراء وكسر الميم بعدها ياء النِّسبة، ابن عُمَارة -بضمِّ العين وتخفيف الميم- ابن أبي حفصة نابتٌ -بنونٍ وموحَّدةٍ ثمَّ مثنَّاةٌ- العتكيُّ مولاهم قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ قَتَادَةَ) بن دعامة (عَنْ أَنَسٍ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) أنَّه (قَالَ: يُلْقَى) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه بينهما لامٌ ساكنةٌ، ولأبي ذرٍّ: «لا يزال يُلقَى» (فِي النَّارِ).
قال المؤلِّف: (وَقَالَ (٢) خَلِيفَةُ) بن خيَّاطٍ: (حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ) أبو معاوية البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدٌ) بكسر العين، ابن أبي عَروبة (عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ) ﵁.
(وَعَنْ مُعْتَمِرٍ) بضمِّ الميم الأولى وكسر الثانية، ابن سليمان التَّيميِّ، وهو معطوفٌ على قوله: حدَّثنا يزيد بن زريعٍ، فهو موصولٌ (٣) أي: وقال لي خليفة أيضًا: عن معتمرٍ، وبهذا جزم أصحاب الأطراف، أنَّه قال: (سَمِعْتُ أَبِي) سليمان (عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) أنَّه (قَالَ: لَا يَزَالُ يُلْقَى فِيهَا) أي: العصاة في النَّار (وَ) هي (تَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ)؟ مصدرٌ كالمَجيد، أي: أنَّها تقول بعد امتلائها: هل من مزيدٍ؟ أي: هل بقي فيَّ موضعٌ لم يمتلئ؟ يعني: قد امتلأت، أو أنَّها تستزيد وفيها موضعٌ للمزيد، وإسناد القول إليها حقيقةٌ بأن يخلق الله فيها القول أو مجازٌ (حَتَّى يَضَعَ فِيهَا رَبُّ العَالَمِينَ قَدَمَهُ) أي: من قَدَّمه لها من
أهل العذاب، أو ثمَّة مخلوقٌ اسمه: القدم (١)، أو المراد تذليلها كتذليل من يُوضَع تحت الرِّجل، والعرب تضع الأمثال بالأعضاء ولا تريد أعيانها (فَيَنْزَوِي) بالنُّون والزَّاي، فيجتمع (٢) وينقبض (بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، ثُمَّ تَقُولُ: قَدِْ قَدِْ) بفتح القاف وسكون الدَّال وتُكسَر فيهما، أي: حسبي حسبي قد اكتفيت (بِعِزَّتِكَ وَكَرَمِكَ، وَلَا تَزَالُ الجَنَّةُ تَفْضُلُ) عن الدَّاخلين فيها، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «بفَضْلٍ» بموحَّدةٍ بدل (٣) الفوقيَّة وفتح الفاء وسكون الضَّاد (حَتَّى يُنْشِئَ اللهُ لَهَا خَلْقًا فَيُسْكِنَهُمْ فَضْلَ الجَنَّةِ) الذي بقي منها.
وقد ساق المؤلِّف هذا الحديث (٤) هنا من ثلاثة طرقٍ عن قتادة، وسبق لفظ شعبة في تفسير سورة «ق» [خ¦٤٨٤٨] وساقه (٥) هنا على لفظ خليفة، ويُستَنبط منه مشروعيَّة الحلف بكرم الله، كما في الحلف بعزَّة الله.
ومطابقة الحديث (٦) ظاهرةٌ.
(٨) (بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى) وسقط «باب» لغير أبي ذرٍّ (﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: ٧٣]) أي: بكلمة الحق، وهي قول: كن، وقال ابن عادلٍ في «لبابه»: قيل: الباء بمعنى اللَّام، أي: إظهارًا للحقِّ؛ لأنَّه جعل صنعه (٧) دليلًا على وحدانيته، فهو نظير قوله تعالى: ﴿مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً﴾ [آل عمران: ١٩١]. انتهى. وهذا نقله السَّفاقسيُّ عن الدَّاوديِّ، وتُعقِّب: بأنَّ النُّحاة ذكروا للباء أربعة عشر معنًى، ليس منها أنَّها تأتي بمعنى اللَّام، و «الحقُّ» في الأسماء الحسنى معناه -كما قاله أبو الحكم عبد السَّلام بن برجان-: الواجب الوجود بالبقاء الدَّائم والدَّوام المتوالي، الجامع للخير، والمجد، والمحامد كلِّها، والثَّناء الحسن،
والأسماء الحسنى، والصفات العُلى، قال: ومعنى قولنا: «واجب الوجود»: أنَّه اضطرَّ جميع الموجودات إلى معرفة وجوده، وألزمها إيجاده إيَّاها، قال تعالى -وقد ذكر دلائله- واستشهاده ببيِّناته: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الحج: ٦] فأوجب عن واجب وجوده أنَّه يحيي الموتى، وأنه على كلِّ شيءٍ قديرٌ، وأنَّ وجود كلِّ ذي وجودٍ (١) عن وجوده، ثمَّ قال: ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ [الحج: ٦٢] أي: لا وجود له؛ إذ ليس له (٢) في الوجود وجود ألبتَّة، فاستحال لذلك وجوده، فالموجودات من حيث إنَّها ممكنةٌ لا وجود لها في حدِّ ذاتها ولا ثبوت لها من قبل أنفسها، وإيَّاه عنى الشَّاعر بقوله:
ألا كلُّ شيءٍ ما خَلا اللهَ باطل … وكلُّ نعيمٍ لا محالةَ زائل (٣)
ولمَّا أظهر جملة المخلوقات التي خلقها بالحقِّ وللحقِّ قال: ﴿خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ [العنكبوت: ٤٤] فظهر الحقُّ بعضه لبعضٍ ودلَّ عليه به، فالله تعالى هو الحقُّ المبين، وجوده الحقُّ، وقوله الحقُّ، وقدرته الحقُّ، وعلمه الحقُّ، وإرادته الحقُّ، وصفاته العلى الحقُّ، وأسماؤه كلُّها الحقُّ، وأَوْجَد فعله الحقَّ بكلمته الحقِّ، فالحقُّ بوجوب (٤) وجوده وعموم حقيقته قد ملأ أركان الوجود كلَّها، وشمل نواحي (٥) العلم، وأطبق على أقطار التَّفكير، فلم يكن للباطل من الوجود نصيبٌ.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
وَالْجِنُّ وَالْإِنْسُ يَمُوتُونَ.
٧٣٨٤ - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي الأَسْوَدِ حَدَّثَنَا حَرَمِيٌّ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَا يَزَالُ يُلْقَى فِي النَّارِ ح و قَالَ لِي خَلِيفَةُ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ وَعَنْ مُعْتَمِرٍ سَمِعْتُ أَبِي عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَا يَزَالُ يُلْقَى فِيهَا وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ حَتَّى يَضَعَ فِيهَا رَبُّ الْعَالَمِينَ قَدَمَهُ فَيَنْزَوِي بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ ثُمَّ تَقُولُ قَدْ قَدْ بِعِزَّتِكَ وَكَرَمِكَ وَلَا تَزَالُ الْجَنَّةُ تَفْضُلُ حَتَّى يُنْشِئَ اللَّهُ لَهَا خَلْقًا فَيُسْكِنَهُمْ فَضْلَ الْجَنَّةِ
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾، ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ﴾ أَمَّا الْآيَةُ الْأُولَى فَوَقَعَتْ فِي عِدَّةِ سُوَرٍ وَتَكَرَّرَتْ فِي بَعْضِهَا، وَأَوَّلُ مَوْضِعٍ وَقَعَ فِيهِ ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ فِي سُورَةِ إِبْرَاهِيمَ، وَأَمَّا مُطْلَقُ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ فَأَوَّلُ مَا وَقَعَ فِي الْبَقَرَةِ فِي دُعَاءِ إِبْرَاهِيمَ ﵇ لِأَهْلِ مَكَّةَ: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولا مِنْهُمْ﴾ الْآيَةَ، وَآخِرُهَا: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ وَتَكَرَّرَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ وَ: ﴿عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ بِغَيْرِ لَامٍ فِيهِمَا فِي عِدَّةٍ مِنَ السُّوَرِ.
وَأَمَّا الْآيَةُ الثَّانِيَةُ فَفِي إِضَافَةِ الْعِزَّةِ إِلَى الرُّبُوبِيَّةِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا هُنَا الْقَهْرُ وَالْغَلَبَةُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْإِضَافَةُ لِلِاخْتِصَاصِ، كَأَنَّهُ قِيلَ: ذُو الْعِزَّةِ، وَأَنَّهَا مِنْ صِفَاتِ الذَّاتِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْعِزَّةِ هُنَا الْعِزَّةُ الْكَائِنَةُ بَيْنَ الْخَلْقِ وَهِيَ مَخْلُوقَةٌ فَيَكُونُ مِنْ صِفَاتِ الْفِعْلِ، فَالرَّبُّ عَلَى هَذَا بِمَعْنَى الْخَالِقِ وَالتَّعْرِيفُ فِي الْعِزَّةِ لِلْجِنْسِ، فَإِذَا كَانَتِ الْعِزَّةُ كُلُّهَا لِلَّهِ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ مُعْتَزًّا إِلَّا بِهِ، وَلَا عِزَّةَ لِأَحَدٍ إِلَّا وَهُوَ مَالِكُهَا، وَأَمَّا الْآيَةُ الثَّالِثَةُ فَيُعْرَفُ حُكْمُهَا مِنَ الثَّانِيَةِ، وَهِيَ بِمَعْنَى الْغَلَبَةِ؛ لِأَنَّهَا جَاءَتْ جَوَابًا لِمَنِ ادَّعَى أَنَّهُ الْأَعَزُّ وَأَنَّ ضِدَّهُ الْأَذَلُّ، فَيُرَدُّ عَلَيْهِ بِأَنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ، فَهُوَ كَقَوْلِهِ: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾
قَوْلُهُ: (وَمَنْ حَلَفَ بِعِزَّةِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَفِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي: وَسُلْطَانِهِ بَدَلَ وَصِفَاتِهِ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ بَابُ الْحَلِفِ بِعِزَّةِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ وَكَلَامِهِ، وَتَقَدَّمَ تَوْجِيهُهُ هُنَاكَ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: الْعَزِيزُ: يَتَضَمَّنُ الْعِزَّةَ، وَالْعِزَّةُ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ صِفَةَ ذَاتٍ بِمَعْنَى الْقُدْرَةِ وَالْعَظَمَةِ، وَأَنْ تَكُونَ صِفَةَ فِعْلٍ بِمَعْنَى الْقَهْرِ لِمَخْلُوقَاتِهِ وَالْغَلَبَةِ لَهُمْ، وَلِذَلِكَ صَحَّتْ إِضَافَةُ اسْمِهِ إِلَيْهَا، قَالَ: وَيَظْهَرُ الْفَرْقُ بَيْنَ الْحَالِفِ بِعِزَّةِ اللَّهِ الَّتِي هِيَ صِفَةُ ذَاتِهِ وَالْحَالِفِ بِعِزَّةِ اللَّهِ الَّتِي صِفَةُ فِعْلِهِ، بِأَنَّهُ يَحْنَثُ فِي الْأُولَى دُونَ الثَّانِيَةِ، بَلْ هُوَ مَنْهِيٌّ عَنِ الْحَلِفِ بِهَا، كَمَا نُهِيَ عَنِ الْحَلِفِ بِحَقِّ السَّمَاءِ وَحَقِّ زَيْدٍ.
قُلْتُ: وَإِذَا أَطْلَقَ الْحَالِفُ انْصَرَفَ إِلَى صِفَةِ الذَّاتِ وَانْعَقَدَتِ الْيَمِينُ إِلَّا إِنْ قَصَدَ خِلَافَ ذَلِكَ بِدَلِيلِ أَحَادِيثِ الْبَابِ: وَقَالَ الرَّاغِبُ: الْعَزِيزُ: الَّذِي يَقْهَرُ وَلَا يُقْهَرُ؛ فَإِنَّ الْعِزَّةَ الَّتِي لِلَّهِ هِيَ الدَّائِمَةُ الْبَاقِيَةُ وَهِيَ الْعِزَّةُ الْحَقِيقِيَّةُ الْمَمْدُوحَةُ، وَقَدْ تُسْتَعَارُ الْعِزَّةُ لِلْحَمِيَّةِ وَالْأَنَفَةِ، فَيُوصَفُ بِهَا الْكَافِرُ وَالْفَاسِقُ وَهِيَ صِفَةٌ مَذْمُومَةٌ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ﴾ وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ فَمَعْنَاهُ: مَنْ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يُعَزَّ فَلْيَكْتَسِبِ الْعِزَّةَ مِنَ اللَّهِ؛ فَإِنَّهَا لَهُ، وَلَا تُنَالُ إِلَّا بِطَاعَتِهِ، وَمِنْ ثَمَّ أَثْبَتَهَا لِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ وَقَدْ تَرِدُ الْعِزَّةُ بِمَعْنَى الصُّعُوبَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ وَبِمَعْنَى الْغَلَبَةِ وَمِنْهُ: ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ وَبِمَعْنَى الْقِلَّةِ كَقَوْلِهِمْ: شَاةٌ عَزُوزٌ، إِذَا قَلَّ لَبَنُهَا، وَبِمَعْنَى الِامْتِنَاعِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: أَرْضٌ عَزَازٌ،
بِفَتْحِ أَوَّلِهِ مُخَفَّفًا - أَيْ: صُلْبَةٌ.
وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: الْعِزَّةُ تَكُونُ بِمَعْنَى الْقُوَّةِ فَتَرْجِعُ إِلَى مَعْنَى الْقُدْرَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوًا مِمَّا ذَكَرَهُ ابْنُ بَطَّالٍ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ مُرَادَ الْبُخَارِيِّ بِالتَّرْجَمَةِ إِثْبَاتُ الْعِزَّةِ لِلَّهِ رَدًّا عَلَى مَنْ قَالَ: إِنَّهُ الْعَزِيزُ بِلَا عِزَّةٍ، كَمَا قَالُوا: الْعَلِيمُ بِلَا عِلْمٍ، ثُمَّ ذَكَرَ فِي الْبَابِ خَمْسَةَ أَحَادِيثَ.
الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ: (قَوْلُهُ: وَقَالَ أَنَسٌ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: تَقُولُ جَهَنَّمُ: قَطْ قَطْ، وَعِزَّتِكَ) هَذَا طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ تَقَدَّمَ مَوْصُولًا فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ ق مَعَ شَرْحِهِ، وَيَأْتِي مَزِيدُ كَلَامٍ فِيهِ فِي بَابِ قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ وَقَدْ ذَكَرَهُ مَوْصُولًا هُنَا فِي آخِرِ الْبَابِ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَقَلَ عَنْ جَهَنَّمَ أَنَّهَا تَحْلِفُ بِعِزَّةِ اللَّهِ، وَأَقَرَّهَا عَلَى ذَلِكَ، فَيَحْصُلُ الْمُرَادُ سَوَاءٌ كَانَتْ هِيَ النَّاطِقَةُ حَقِيقَةً أَمِ النَّاطِقُ غَيْرُهَا كَالْمُوَكَّلِينَ بِهَا.
الْحَدِيثُ الثَّانِي: (قَوْلُهُ: وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ إِلَخْ) هُوَ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ طَوِيلٍ تَقَدَّمَ مَعَ شَرْحِهِ فِي آخِرِ كِتَابِ الرِّقَاقِ وَالْمُرَادُ مِنْهُ قَوْلُهُ: لَا وَعِزَّتِكَ وَتَوْجِيهُهُ كَمَا فِي الَّذِي قَبْلَهُ.
الْحَدِيثُ الثَّالِثُ: (قَوْلُهُ: قَالَ أَبُو سَعِيدٍ إِلَخْ) هُوَ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ مَذْكُورٍ فِي آخِرِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي قَبْلَهُ، وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ وَافَقَ أَبَا هُرَيْرَةَ عَلَى رِوَايَةِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ إِلَّا مَا ذَكَرَهُ مِنَ الزِّيَادَةِ فِي قَوْلِهِ: عَشْرَةُ أَمْثَالِهِ.
الْحَدِيثُ الرَّابِعُ: (قَوْلُهُ: وَقَالَ أَيُّوبُ ﵇: وَعِزَّتِكَ لَا غِنَى بِي عَنْ بَرَكَتِكَ) كَذَا فِي رِوَايَةِ الْأَكْثَرِ وَلِلْمُسْتَمْلِي لَا غَنَاءً وَهُوَ بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ مَمْدُودًا، وَكَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، عَنِ السَّرَخْسِيِّ، وَتَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ وَهُوَ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ لِأَبِي هُرَيْرَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَوْصُولًا فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ، وَأَوَّلُهُ: بَيْنَا أَيُّوبُ يَغْتَسِلُ، وَتَقَدَّمَ أَيْضًا فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ مَعَ شَرْحِهِ، وَتَقَدَّمَ تَوْجِيهُ الدَّلَالَةِ مِنْهُ فِي الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْحَاكِمِ: لَمَّا عَافَى اللَّهُ أَيُّوبَ، أَمْطَرَ عَلَيْهِ جَرَادًا مِنْ ذَهَبٍ الْحَدِيثَ.
الْحَدِيثُ الْخَامِسُ: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ: قَوْلُهُ: (أَبُو مَعْمَرٍ) هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو الْمِنْقَرِيُّ، بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ النُّونِ وَفَتْحِ الْقَافِ، وَعَبْدُ الْوَارِثِ هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ، وَحُسَيْنٌ الْمُعَلِّمُ هُوَ ابْنُ ذَكْوَانَ وَيَحْيَى بْنُ يَعْمَرَ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَالْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ بَيْنَهُمَا وَيَجُوزُ ضَمُّ مِيمِهِ.
قَوْلُهُ: (كَانَ يَقُولُ: أَعُوذُ بِعِزَّتِكَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ) قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: الْعَائِدُ لِلْمَوْصُولِ مَحْذُوفٌ؛ لِأَنَّ الْمُخَاطَبَ نَفْسُ الْمَرْجُوعِ إِلَيْهِ فَيَحْصُلُ الِارْتِبَاطُ. وَمِثْلُهُ: أَنَا الَّذِي سَمَّتْنِي أُمِّي حَيْدَرَهْ؛ لِأَنَّ نَسَقَ الْكَلَامِ سَمَّتْهُ أُمُّهُ.
قَوْلُهُ: (الَّذِي لَا يَمُوتُ) بِلَفْظِ الْغَائِبِ لِلْأَكْثَرِ، وَفِي بَعْضِهَا بِلَفْظِ الْخِطَابِ.
قَوْلُهُ: (وَالْجِنُّ وَالْإِنْسُ يَمُوتُونَ) اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا تَمُوتُ وَلَا حُجَّةَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ مَفْهُومُ لَقَبٍ وَلَا اعْتِبَارَ لَهُ، وَعَلَى تَقْدِيرِهِ فَيُعَارِضُهُ مَا هُوَ أَقْوَى مِنْهُ، وَهُوَ عُمُومُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ﴾ مَعَ أَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنْ دُخُولِهِمْ فِي مُسَمَّى الْجِنِّ؛ لِجَامِعِ مَا بَيْنَهُمْ مِنَ الِاسْتِتَارِ عَنْ عُيُونِ الْإِنْسِ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ بَقِيَّةُ الْكَلَامِ عَلَيْهِ فِي الدَّعَوَاتِ وَفِي الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ فِي الْبَابِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ مِنْهُ، ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ أَنَسٍ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ عَنْ قَتَادَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ لَفْظُ شُعْبَةَ فِي تَفْسِيرِ ق، وَسَاقَهُ هُنَا عَلَى لَفْظِ: خَلِيفَةَ وَهُوَ ابْنُ خَيَّاطٍ الْبَصْرِيُّ، وَلَقَبُهُ شَبَابٌ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَتَخْفِيفِ الْمُوَحَّدَةِ وَآخِرُهُ مُوَحَّدَةٌ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ عَنْهُ: لَا يَزَالُ يُلْقَى فِي النَّارِ، وَفِي رِوَايَةِ سَعِيدٍ وَهُوَ ابْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، وَسُلَيْمَانُ هُوَ التَّيْمِيُّ وَالِدُ مُعْتَمِرٍ كِلَاهُمَا عَنْ قَتَادَةَ: لَا يَزَالُ يُلْقَى فِيهَا وَالضَّمِيرُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ لِغَيْرِ مَذْكُورٍ قَبْلَهُ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ طَرِيقِ الْعَبَّاسِ بْنِ الْوَلِيدِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ، وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي الْأَشْعَثِ، عَنِ الْمُعْتَمِرِ بِهَذَيْنِ السَّنَدَيْنِ، وَفِي أَوَّلِهِ لَا تَزَالُ جَهَنَّمُ يُلْقَى فِيهَا.
قَوْلُهُ: (حَتَّى يَضَعَ فِيهَا رَبُّ الْعَالَمِينَ قَدَمَهُ) فِي رِوَايَةِ أَبِي الْأَشْعَثِ: حَتَّى يَضَعَ اللَّهُ فِيهَا قَدَمَهُ، وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ سَعِيدٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ: حَتَّى يَضَعَ فِيهَا رَبُّ الْعِزَّةِ وَلَمْ يَقَعْ فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ بَيَانُ مَنْ يَضَعُ، وَتَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ ق مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: فَيَضَعُ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
والحديث أخرجه مسلمٌ في «الدُّعاء» والنَّسائيُّ في «النُّعوت».
٧٣٨٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا (١) ابْنُ أَبِي الأَسْوَدِ) هو عبد الله بن محمَّد بن الأسود أبو بكرٍ البصريُّ الحافظ قال: (حَدَّثَنَا حَرَمِيٌّ) بفتح الحاء المهملة والراء وكسر الميم بعدها ياء النِّسبة، ابن عُمَارة -بضمِّ العين وتخفيف الميم- ابن أبي حفصة نابتٌ -بنونٍ وموحَّدةٍ ثمَّ مثنَّاةٌ- العتكيُّ مولاهم قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ قَتَادَةَ) بن دعامة (عَنْ أَنَسٍ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) أنَّه (قَالَ: يُلْقَى) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه بينهما لامٌ ساكنةٌ، ولأبي ذرٍّ: «لا يزال يُلقَى» (فِي النَّارِ).
قال المؤلِّف: (وَقَالَ (٢) خَلِيفَةُ) بن خيَّاطٍ: (حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ) أبو معاوية البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدٌ) بكسر العين، ابن أبي عَروبة (عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ) ﵁.
(وَعَنْ مُعْتَمِرٍ) بضمِّ الميم الأولى وكسر الثانية، ابن سليمان التَّيميِّ، وهو معطوفٌ على قوله: حدَّثنا يزيد بن زريعٍ، فهو موصولٌ (٣) أي: وقال لي خليفة أيضًا: عن معتمرٍ، وبهذا جزم أصحاب الأطراف، أنَّه قال: (سَمِعْتُ أَبِي) سليمان (عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) أنَّه (قَالَ: لَا يَزَالُ يُلْقَى فِيهَا) أي: العصاة في النَّار (وَ) هي (تَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ)؟ مصدرٌ كالمَجيد، أي: أنَّها تقول بعد امتلائها: هل من مزيدٍ؟ أي: هل بقي فيَّ موضعٌ لم يمتلئ؟ يعني: قد امتلأت، أو أنَّها تستزيد وفيها موضعٌ للمزيد، وإسناد القول إليها حقيقةٌ بأن يخلق الله فيها القول أو مجازٌ (حَتَّى يَضَعَ فِيهَا رَبُّ العَالَمِينَ قَدَمَهُ) أي: من قَدَّمه لها من
أهل العذاب، أو ثمَّة مخلوقٌ اسمه: القدم (١)، أو المراد تذليلها كتذليل من يُوضَع تحت الرِّجل، والعرب تضع الأمثال بالأعضاء ولا تريد أعيانها (فَيَنْزَوِي) بالنُّون والزَّاي، فيجتمع (٢) وينقبض (بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، ثُمَّ تَقُولُ: قَدِْ قَدِْ) بفتح القاف وسكون الدَّال وتُكسَر فيهما، أي: حسبي حسبي قد اكتفيت (بِعِزَّتِكَ وَكَرَمِكَ، وَلَا تَزَالُ الجَنَّةُ تَفْضُلُ) عن الدَّاخلين فيها، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «بفَضْلٍ» بموحَّدةٍ بدل (٣) الفوقيَّة وفتح الفاء وسكون الضَّاد (حَتَّى يُنْشِئَ اللهُ لَهَا خَلْقًا فَيُسْكِنَهُمْ فَضْلَ الجَنَّةِ) الذي بقي منها.
وقد ساق المؤلِّف هذا الحديث (٤) هنا من ثلاثة طرقٍ عن قتادة، وسبق لفظ شعبة في تفسير سورة «ق» [خ¦٤٨٤٨] وساقه (٥) هنا على لفظ خليفة، ويُستَنبط منه مشروعيَّة الحلف بكرم الله، كما في الحلف بعزَّة الله.
ومطابقة الحديث (٦) ظاهرةٌ.
(٨) (بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى) وسقط «باب» لغير أبي ذرٍّ (﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: ٧٣]) أي: بكلمة الحق، وهي قول: كن، وقال ابن عادلٍ في «لبابه»: قيل: الباء بمعنى اللَّام، أي: إظهارًا للحقِّ؛ لأنَّه جعل صنعه (٧) دليلًا على وحدانيته، فهو نظير قوله تعالى: ﴿مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً﴾ [آل عمران: ١٩١]. انتهى. وهذا نقله السَّفاقسيُّ عن الدَّاوديِّ، وتُعقِّب: بأنَّ النُّحاة ذكروا للباء أربعة عشر معنًى، ليس منها أنَّها تأتي بمعنى اللَّام، و «الحقُّ» في الأسماء الحسنى معناه -كما قاله أبو الحكم عبد السَّلام بن برجان-: الواجب الوجود بالبقاء الدَّائم والدَّوام المتوالي، الجامع للخير، والمجد، والمحامد كلِّها، والثَّناء الحسن،
والأسماء الحسنى، والصفات العُلى، قال: ومعنى قولنا: «واجب الوجود»: أنَّه اضطرَّ جميع الموجودات إلى معرفة وجوده، وألزمها إيجاده إيَّاها، قال تعالى -وقد ذكر دلائله- واستشهاده ببيِّناته: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الحج: ٦] فأوجب عن واجب وجوده أنَّه يحيي الموتى، وأنه على كلِّ شيءٍ قديرٌ، وأنَّ وجود كلِّ ذي وجودٍ (١) عن وجوده، ثمَّ قال: ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ [الحج: ٦٢] أي: لا وجود له؛ إذ ليس له (٢) في الوجود وجود ألبتَّة، فاستحال لذلك وجوده، فالموجودات من حيث إنَّها ممكنةٌ لا وجود لها في حدِّ ذاتها ولا ثبوت لها من قبل أنفسها، وإيَّاه عنى الشَّاعر بقوله:
ألا كلُّ شيءٍ ما خَلا اللهَ باطل … وكلُّ نعيمٍ لا محالةَ زائل (٣)
ولمَّا أظهر جملة المخلوقات التي خلقها بالحقِّ وللحقِّ قال: ﴿خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ [العنكبوت: ٤٤] فظهر الحقُّ بعضه لبعضٍ ودلَّ عليه به، فالله تعالى هو الحقُّ المبين، وجوده الحقُّ، وقوله الحقُّ، وقدرته الحقُّ، وعلمه الحقُّ، وإرادته الحقُّ، وصفاته العلى الحقُّ، وأسماؤه كلُّها الحقُّ، وأَوْجَد فعله الحقَّ بكلمته الحقِّ، فالحقُّ بوجوب (٤) وجوده وعموم حقيقته قد ملأ أركان الوجود كلَّها، وشمل نواحي (٥) العلم، وأطبق على أقطار التَّفكير، فلم يكن للباطل من الوجود نصيبٌ.